تحقيقات «إف بي آي» تكشف تورط العولقي في التخطيط لتفجير طائرة أميركية

وثائق تؤكد تجنيده للنيجيري عبد المطلب وإقناعه بتنفيذ مخطط إرهابي

أنور العولقي.. وفي الإطار النيجيري عبد المطلب («الشرق الأوسط»)
أنور العولقي.. وفي الإطار النيجيري عبد المطلب («الشرق الأوسط»)
TT

تحقيقات «إف بي آي» تكشف تورط العولقي في التخطيط لتفجير طائرة أميركية

أنور العولقي.. وفي الإطار النيجيري عبد المطلب («الشرق الأوسط»)
أنور العولقي.. وفي الإطار النيجيري عبد المطلب («الشرق الأوسط»)

في عدد من اللقاءات التي جرت في ملاذ «القاعدة» الآمن في اليمن عام 2009، تعرف أنور العولقي عن قرب على شاب نيجيري متطوع وتيقن من أن لديه العزيمة والقدرة على تنفيذ «عملية انتحارية»، وفي النهاية كشف ما كان يجول بخاطره. فالعولقي، الداعية الإسلامي أميركي المولد الذي أصبح لاحقًا من كبار المروجين لفكر تنظيم «القاعدة»، أخبر الشاب النيجيري عمر فاروق عبد المطلب أن «العملية يجب أن تتم على متن طائرة ركاب أميركية»، بحسب اعترافات عبد المطلب أمام مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). أبلغ عبد المطلب وكلاء «إف بي آي» بأنه كان عاقدًا النية على قتل مدنيين أبرياء، معتبرًا إياهم مجرد «أضرار جانبية». وبحسب عبد المطلب، فقد عمل على تنفيذ ذلك وفق «النصائح» التي تلقاها من العولقي. فالوثائق التي أفرج عنها مؤخرًا، والتي حصلت صحيفة «نيويورك تايمز» على نسخة منها بعد معركة قضائية استمرت عامين استنادًا لقانون «حرية الحصول على المعلومات» كشفت الكثير من تفاصيل حلقة هامة في صراع الولايات المتحدة مع تنظيم القاعدة. فقد جند العولقي النيجيري عبد المطلب لتأتي بعد ذلك المحاولة الفاشلة لتفجير طائرة ركاب أميركية في الجو، بينما كانت في طريقها إلى مدينة ديترويت في ليلة الكريسماس عام 2009 باستخدام متفجرات متطورة أخفاها أسفل سرواله الداخلي. تضمنت الوثائق سردًا تفصيليًا عن العولقي الذي وصفه عبد المطلب بالبطل الديني والناصح العملي في إلحاق الأذى والضرر بالآخرين، وجميعها أمور يراها «إف بي آي» ذات أهمية كبيرة. فادعاء الحكومة بأن العولقي كان وراء التخطيط لوضع المتفجرات أسفل سروال العولقي لم يجرِ تناوله في أي محكمة، لكنه بات المبرر الأساسي الذي دفع بالرئيس باراك أوباما إلى إصدار الأمر بقتله بطائرة درون في اليمن عام 2011. أصبح العولقي أول مواطن أميركي يقتل بشكل متعمد بأمر من الرئيس من دون أدلة جنائية أو محاكمة منذ الحرب الأهلية، وهو ما دعا بعض فقهاء القانون للتساؤل ما إذا كان الأمر دستوريًا. وجادل أوباما أن قتل العولقي في القانون يعادل إطلاق الشرطة بصورة مبررة النار على رجل مسلح يهدد المدنيين. وتسبب قرار «إف بي آي» الإبقاء على تفاصيل تلك المقابلة سرًا في تشكيك البعض في أدلة إدانة العولقي، لكن الوثائق التي بلغ عددها نحو 200 صفحة منقحة والتي أفرجت عنها المحكمة لصحيفة «ذا تايمز» الأسبوع الحالي بمقتضى حكم القاضي الفيدرالي أظهرت أن إدارة أوباما اطلعت على شهادة جلية من عبد المطلب أقر فيها بإشراف الداعية على تدريبه وإقناعه بتنفيذ المخطط. وقد تفيد تفاصيل اعترافات عبد المطلب في حسم الجدل الذي أثاره دونالد ترمب مجددًا عن ضرورة اللجوء للتعذيب للحصول على معلومات مهمة من المشتبهين في العمليات الإرهابية. أكثر المحققين خبرة يقولون لا، ورأيهم سيلقى التأييد بعد الاطلاع على هذه المقابلات. فقد قامت «إف بي آي» باستقدام عائلة عبد المطلب إلى الولايات المتحدة لرفع روحه المعنوية ودفعه للكلام والبوح، وآتت الفكرة ثمارها. ففي مقابلة تلو الأخرى، أدلى عبد المطلب بأوصاف كل شخص قابله في تنظيم «القاعدة في شبه الجزيرة العربية»، والمقصود فرع اليمن، وتحدث على نحو صريح عن أرائه الخاصة في تنفيذ عمليات إرهابية، ورسم مجسمات لمعسكر التدريب في اليمن ولبيت العولقي ولغيره من بيوت منتسبي «القاعدة» هناك. كان وصفه دقيقًا للدرجة التي ساعدت الأميركان في اتخاذ قرارات قصف هذه الأماكن في حملة الطائرات من دون طيار التي شنتها الولايات المتحدة في اليمن. وتحدث العولقي، الذي يطلق الجميع في معسكر تدريب القاعدة في اليمن عليه لقب «الشيخ» تقديرًا لوضعه كداعية وزعيم ديني، بإسهاب مع الشاب النيجيري، الذي كان عمره في ذلك الحين 23 عامًا، ابن المصرفي الثري، عن رأيه في «الجهاد» كفريضة دينية. أسكن العولقي الشاب النيجيري في الطابق العلوي لمنزله في محافظة شبوة التي كان لـ«القاعدة» وجود كبير بها، وقدمه لبقية المدربين وصانعي المتفجرات بـ«القاعدة»، وفق إفادة عبد المطلب أمام محققي «إف بي آي». وساعد العولقي عبد المطلب في تسجيل مقطع مصور، وطلب منه أن يكون «قصيرًا وأن يشير فيه دومًا إلى القرآن»، ورتب معه طريقة للتواصل، وأعطاه بريدًا إليكترونيًا لكي يبلغه بما سيحدث لاحقًا. ونصح عبد المطلب بأن يطمس تفاصيل خط سيره بالسفر من اليمن إلى دولة أفريقية قبل حجز تذكرة الطائرة التي ينوي تفجيرها، وتُرك اختيار وجهة الطائرة لعبد المطلب الذي اختار ولاية ديترويت في 25 ديسمبر (كانون الأول)، وكان الاختيار عشوائيًا وفق أسعار تذاكر الرحلات وجدول الطيران. وطلب العولقي منه الانتظار إلى أن يصل بالطائرة إلى سماء الولايات المتحدة ثم يسقط الطائرة. وبحفظ هذه التعليمات عن ظهر قلب، أبلغ عبد المطلب رجال «إف بي آي» بأنه تابع بعينيه سير الطائرة رقم 253، على الشاشة المثبتة على ظهر المقعد أمامه، المتجهة من أمستردام إلى كندا، ثم انتظر إلى أن تصل إلى الحدود الأميركية، وتوجه إلى حمام الطائرة للإعداد النهائي للتفجير وفكر في التنفيذ هناك. لكن ليتأكد من أنه فوق الأرض الأميركية بالفعل، عاد عبد المطلب إلى مقعده ليراجع الخريطة على الشاشة قبل ضغط المكبس أسفل سرواله ليخلط المواد الكيميائية لإشعال المتفجرات.
لكن ربما بسبب ارتفاع الرطوبة لم تنفجر القنبلة لكن دخانًا تسرب من ملابسة ليتسبب في حروق خطيرة بجسده، ووفق عبد المطلب، حاول خلع سرواله المحترق قبل أن ينقض عليه الركاب. وهدد أحد أعضاء طاقم الطائرة بإلقائه خارجها، وقام راكب بضربه، قبل أن يتدخل عضو طاقم آخر وينتشله. بدأ عبد المطلب في التحدث إلى المسؤولين قبل مغادرته الطائرة، ليعترف بأنه حاول تفجير الطائرة وأنه عضو بتنظيم القاعدة. توقف عبد المطلب عن الكلام لاحقًا، غير أنه واصل الكلام بعد أسابيع قليلة وبدا متعاونًا بشكل كامل. فاجأ الشاب النيجيري القضاة في جلسة المحاكمة عام 2011 بإقراره بالذنب، وحكم عليه بالسجن مدى الحياة عام 2012. وبحسب تعليمات الداعية العولقي، تأكد عبد المطلب من أن الطائرة وصلت الأجواء الأميركية قبل تنفيذ الهجوم.
وفي عام 2005، وجد المحاضرات المسجلة للعولقي الذي لم يكن قد اعتنق الفكر المتطرف والعنف بعد، وعثر على أشرطة معروضة للبيع بأحد متاجر لندن. وفي عام 2009، وأثناء إقامته في دبي، شعر أن «الله يدعوه إلى الجهاد»، وعزم على التوجه لليمن للبحث عن الشيخ العولقي، الذي كان أصبح أحد قادة «القاعدة».
وفي التدريبات بمعسكر «القاعدة» باليمن، تلقى عبد المطلب تدريبات على استخدام بنادق الكلاشنيكوف الآلية عدة مرات، لكنه «لم يجد نفسه في إطلاق النار»، وأقنع العولقي بقدرته على تنفيذ عملية انتحارية. وعندما تلقى عبد المطلب مكالمة من صديق في نيجيريا يطلب منه العودة، أدرك أن والديه كانا وراء المكالمة، وشعر بألم نفسي عند إعداده لرحلة ديترويت، حيث لم يكن هناك سبيل لوداع والديه. فقد أبلغ وكلاء «إف بي آي» بأن العولقي أو أحد قادة «القاعدة» - وليس والداه - وحدهما قادران على إثنائه عن تنفيذ العملية. وكانت آخر رسائل العولقي له عبر البريد الإلكتروني تحثه وتدفعه لتنفيذ مهمته الانتحارية، حيث قال فيها: «أتمنى أن تسير الأمور على ما يرام. أمنياتي بالتوفيق لك»، وذيلها العولقي بتوقيعه.
* خدمة «نيويورك تايمز»



النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.


قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
TT

قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

لم تعد الحرب تصل إلى الناس فقط عبر دويّ المدافع أو صور المدن المدمرة؛ ففي زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي. روايات متناقضة، وصور مفبركة، ومقاطع فيديو خارج سياقها، وحسابات آلية، وأخبار كاذبة تتنافس جميعها على تشكيل صورة الصراع في أذهان الناس.

وهنا يبرز سؤال أكثر خطورة من مجرد عدد الحروب الدائرة في العالم: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب خبراً عادياً؟ وهل يمكن أن يؤدي التكرار المستمر للعنف إلى إضعاف قدرتنا على الشعور بالصدمة والرفض والتعاطف؟

هل اعتمد أغسطس قيصر التضليل السياسي؟ (ويكيميديا)

* ظاهرة قديمة

ليست الحرب الدعائية ظاهرة جديدة؛ فمنذ روما القديمة، أدرك المتنافسون أن كسب المعركة لا ينفصل عن كسب الرأي العام؛ ففي القرن الأول قبل الميلاد، خاض أوكتافيان ومارك أنطوني صراعاً دعائياً موازياً لصراعهما السياسي والعسكري، واستخدم الطرفان العملات والقصائد والمنشورات والخطب لحشد التأييد.

ووجه أوكتافيان ضربة قاصمة إلى خصمه عندما تلا أمام مجلس الشيوخ ما قيل إنه وصية أنطوني، التي أظهرت، بحسب الرواية، ولاءه لكليوباترا ملكة مصر أكثر من ولائه لروما. ولا يزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كانت الوثيقة حقيقية أم ملفقة. لكن بصرف النظر عن حقيقتها، أدت الرواية دوراً في تعبئة الرأي العام ضد أنطوني، وانتهى الصراع بتحوّل أوكتافيان إلى حاكم وحيد لروما ليضطلع بدور حاسم في تحوّل الجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية الرومانية، ويكسب لقب «المبجّل» بقرار من مجلس الشيوخ ويصبح اسمه أغسطس قيصر.

 

*الأدوات الجديدة

المبدأ نفسه لم يتغير كثيراً، لكن أدواته تغيرت جذرياً.

واليوم، يملك أي شخص القدرة على إنتاج صورة أو مقطع أو رواية والوصول بها إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. وهنا يجب التمييز بين المعلومات المضللة؛ أي المعلومات الخاطئة التي تنتشر من دون قصد متعمد بالضرورة، والتضليل المتعمد، الذي يقوم على نشر معلومات كاذبة بهدف التأثير في الجمهور أو تضليله.

وفي الحروب، تصبح الحدود بين الإعلام والدعاية أكثر ضبابية؛ فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الضحية، وإظهار خصمه بوصفه المعتدي، واختيار الصور والأرقام والقصص التي تخدم روايته. ومع تكرار الرواية نفسها، يمكن أن تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة» في أذهان بعض الناس؛ ليس بالضرورة لأنها مقنعة، بل لأنها أصبحت مألوفة، ولتلكؤ المتلقّي عن التدقيق لمعرفة الحقيقة.

عمال إنقاذ خارج مدرسة تضررت بالقصف في كييف... أين الحقيقة في حرب أوكرانيا؟ (أ.ف.ب)

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن الإنسان لا يتعامل مع كل معلومة جديدة بوصفه محققاً؛ فهو غالباً ما يركز أولاً على فهم المعلومة وتحديد ما الذي ينبغي أن يفعله بناء عليها. وإذا كانت المعلومة الكاذبة معقولة ومتناغمة مع ما يؤمن به مسبقاً، فقد يصنّفها حقيقة ويتبنّاها.

وتزداد قابلية التصديق عندما تأتي المعلومة من مصدر ينتمي إليه الشخص أو يثق به، أو عندما تكون مشحونة بالخوف والغضب. كما أن تكرار الادعاء يزيد احتمال تصديقه، حتى عندما يتعارض مع المعرفة السابقة.

 

* منصّات وخوارزميات

هنا تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً بالغ الأهمية؛ فالخوارزميات مصممة أساساً لجذب الانتباه والتفاعل، والمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الصدمة يمتلك غالباً قدرة أكبر على الانتشار من المادة الهادئة والمتأنية. وهكذا قد لا تنتصر الرواية الأكثر دقة، بل الرواية الأكثر قدرة على إثارة الانفعال.

ويضيف التطور التكنولوجي طبقة جديدة إلى المشكلة؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، وزاد صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع. وإذا كان الجمهور قد اعتاد على سيل متواصل من المعلومات المتضاربة، فإن ظهور «التزييف العميق» يجعل السؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يمكن تصديقه عندما تصبح الصورة نفسها قابلة للتزوير، أو حتى للاختلاق من لا شيء؟

مسيّرة تابعة لقوات حلف شمال الأطلسي في سماء لاتفيا... الذكاء الاصطناعي في صلب أدوات الحرب الحديثة مع كل الإمكانات التي يوفرها لـ«ابتكار» المعلومات ونشرها (أ.ف.ب)

وهنا قد لا يكون الخطر في أن يصدق الناس كل شيء، بل في أن يصلوا إلى مرحلة لا يصدقون فيها شيئاً؛ فالتعرض المستمر للمعلومات المتناقضة والمفبركة يمكن أن يضعف الثقة بالإعلام والمؤسسات، ويزيد الاستقطاب، ويجعل الأفراد أكثر تشكيكاً في الحقائق المشتركة التي يحتاج إليها أي مجتمع لاتخاذ قراراته. وفي زمن الحرب، يمكن أن يكون لذلك ثمن إضافي: يصبح الضحايا أرقاماً، وتتحول المآسي إلى محتوى، ويتعامل الجمهور مع أخبار القتل والدمار كما يتعامل مع أي خبر آخر يمر على الشاشة ثم يختفي قبل أن يطويه النسيان.

 

* إرهاق جماعي

لكن الاعتياد لا يعني بالضرورة غياب التعاطف. وقد يكون ما يحدث أقرب إلى إرهاق جماعي من الأخبار؛ فحين تتراكم الأزمات والحروب والكوارث، قد يعجز الإنسان عن الاحتفاظ بالمستوى نفسه من الانفعال تجاه كل حدث؛ فالحرب التي كانت قادرة على إيقاف العالم للحظة قد تصبح، بعد أشهر أو سنوات، خبراً آخر بين أخبار الاقتصاد والرياضة والطقس...

(اللبنانيون - على سبيل المثال - عاشوا ذلك في فترة 2019 - 2020، بدءاً من اندلاع حرائق هائلة مجهولة الأسباب، مروراً بالانهيار المالي وامتلاء شوارع وساحات بناس منتفضين، وكذلك بـ«كوفيد»، وانتهاء بكارثة انفجار مرفأ بيروت).

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الحروب لحظة بلحظة، تقل قدرتنا على الاستمرار في الإحساس بوقعها.

ولا بدّ من القول إن المواجهة لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار الكاذبة، بل أيضاً بتعليم الناس كيف يسألون: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل ثمة مصادر مستقلة تؤكدها؟ وهل الصورة حديثة فعلاً أم أُخرجت من سياق آخر وأعيد استخدامها؟

فالمعركة على الحقيقة ليست منفصلة عن المعركة على الحرب. وفي عالم يمكن فيه لصورة واحدة مفبركة أن تصل إلى ملايين الأشخاص، تصير القدرة على الشك والتحقق نوعاً من الدفاع المدني الرقمي.

الحرب السيبرانية جزء من الواقع الجديد (رويترز)

ربما لم يعتد العالم على العنف تماماً. لكنه ألِف، إلى حد ما، مشاهدة العنف.

والفارق بين الاثنين مهم. لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نتوقف عن رؤية الحرب، بل عندما نتوقف عن طرح الأسئلة عنها... عندما تصير الجثث صوراً، والدمار خلفية، والضحايا مجرد أرقام، والحرب خبراً عادياً يمر أمام أعيننا قبل أن ننصرف إلى مشاغلنا اليومية.

 

* قالوا في التضليل

- توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، (1743 - 1826): «لم يعد بالإمكان تصديق أي شيء يُنشر في صحيفة؛ فالحقيقة نفسها تصبح موضع شك لمجرد وضعها في تلك الوسيلة الملوّثة».

- وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني (1874 - 1965): «في زمن الحرب، تكون الحقيقة ثمينة إلى حدّ أنها ينبغي أن تحاط دائماً بحرس شخصي من الأكاذيب».

وسائل التواصل الاجتماعي... ملعب الروايات المتضاربة والشائعات (رويترز)

- باراك أوباما، الرئيس الأميركي بين 2009 و2017: «هناك مقدار هائل من المعلومات المضللة النشطة، وهي تُقدَّم بطريقة جيدة جداً... فإذا بدا كل شيء متشابهاً ولم نعد نميّز بين الأشياء، فلن نعرف ما الذي ينبغي لنا أن نحميه».

- الكاتب الآيرلندي جوناثان سويفت (1667 - 1745): «الباطل يطير، بينما تأتي الحقيقة وهي تجرّ أذيالها».

- الكاتب الآيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950): «احذروا المعرفة الزائفة؛ فهي أخطر من الجهل».

- الصحافي الأميركي كارل بيرنستين (82 عاماً): «أدنى أشكال الثقافة الشعبية - انعدام المعلومات، والمعلومات المضللة، والمعلومات الكاذبة المتعمدة، وازدراء الحقيقة أو واقع حياة معظم الناس - قد اجتاح الصحافة الحقيقية».