الأمم المتحدة تحتاج إلى 4.4 مليار دولار لإنقاذ ملايين الأفارقة

واحد من إنذارات المجاعة الأربعة سببه الجفاف... وثلاثة «من صنع الإنسان»

الأمم المتحدة تحتاج إلى 4.4 مليار دولار لإنقاذ ملايين الأفارقة
TT

الأمم المتحدة تحتاج إلى 4.4 مليار دولار لإنقاذ ملايين الأفارقة

الأمم المتحدة تحتاج إلى 4.4 مليار دولار لإنقاذ ملايين الأفارقة

يهدف مؤتمر دولي يقام في أوسلو، اليوم (الجمعة)، إلى جمع 1.5 مليار دولار خلال فترة قصيرة تقول الأمم المتحدة إنها بحاجة لها لمواجهة انعدام شديد للأمن الغذائي في عدد من الدول الأفريقية هذا العام، وهذا الرقم الذي تطمح المنظمة الأممية لجمعه يشكل جزءًا من 4.4 مليار دولار لخطة طارئة لمكافحة المجاعة التي تهدد 20 مليون شخص في أفريقيا. وقال مسؤول كبير بالأمم المتحدة إن ما يربو على 7 ملايين شخص يواجهون خطر المجاعة في المنطقة المضطربة، بشمال شرقي نيجيريا، وحول بحيرة تشاد.
وفي وقت سابق هذا الأسبوع، قالت الأمم المتحدة إن 1.4 مليون طفل عرضة لخطر «الموت الوشيك» بسبب المجاعة في نيجيريا وجنوب السودان والصومال واليمن، حسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف). وقال توبي لانزر، منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، لـ«رويترز»، إن هؤلاء الأطفال «يعيشون على حافة الخطر، ويحصلون بشق الأنفس على وجبة واحدة يوميًا... قلقي الأكبر اليوم هو المجاعة».
وأضاف لانزر أنه يخشى أن يمنع تمرد «بوكو حرام» المزارعين من زراعة محاصيلهم، بعد أن فاتتهم مواسم الزراعة الثلاثة الأخيرة، وأنه يخشى أيضًا زيادة عدد الأرواح المعرضة للخطر. وعبر أيضًا عن مخاوفه من أن موسم المطر المقبل قد يسبب أضرارًا للأشخاص المعرضين للخطر. وقال لانزر: «يموت الجوعى دون مأوى عندما يسقط المطر».
وأوضح أنه يأمل في الحصول على تعهدات بإجمالي 500 مليون دولار، بنهاية شهر فبراير (شباط)، خلال مؤتمر المانحين هذا الأسبوع. وقال لانزر الذي عمل أيضًا في جنوب السودان ودارفور والشيشان إنه من الصعب تقدير عدد الأشخاص المعرضين لخطر الوفاة بسبب الجوع خلال الأشهر القليلة المقبلة. وأعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، الأربعاء، أن هيئات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة بحاجة بشكل طارئ إلى 4.4 مليار دولار لمكافحة المجاعة في اليمن والصومال وجنوب السودان ونيجيريا. وقال غوتيريس خلال مؤتمر صحافي، في مقر الأمم المتحدة، إن أكثر من 20 مليون شخص يعيشون أوضاعًا مأساوية، وهم معرضون لخطر المجاعة في هذه البلدان الأربعة، وينبغي التحرك الآن لتفادي كوارث على نطاق واسع، وقال: «نحتاج إلى 4.4 مليار دولار بحلول نهاية مارس (آذار) لتفادي كارثة».
حتى الآن، جمعت الأمم المتحدة مبلغ 90 مليون دولار. وأعلن جنوب السودان، الاثنين، عن انتشار المجاعة في ولاية الوحدة الشمالية. ويعني الإعلان الرسمي عن المجاعة أن هناك أشخاصًا بدأوا يموتون بالفعل بسبب الجوع. الولايات المتحدة تعد الداعم الأكبر للمساعدات الإنسانية في جنوب السودان، إذ قدمت 1.2 مليار دولار أميركي منذ عام 2014.
وتعهدت بريطانيا بدفع 250 مليون دولار لمكافحة المجاعة في جنوب السودان والصومال. وقالت الحكومة البريطانية إن لندن ستقدم أموالاً إضافية إلى جنوب السودان. وستقدم بريطانيا 100 مليون جنيه إسترليني (125 مليون دولار) لكل منهما خلال هذا العام والعام المقبل. وقالت وزيرة التنمية الدولية بريتي باتيل، في بيان: «يواجه العالم سلسلة من الأزمات الإنسانية لم يسبق لها مثيل، وتهديدًا حقيقيًا بحدوث مجاعة في 4 دول».
وأضافت باتيل: «هذه الأزمات ناجمة عن الصراع والجفاف، ويتعين علينا الاستجابة لذلك».
وذكر البيان أن الدعم البريطاني الجديد سيساعد في تقديم مساعدات غذائية لأكثر من 500 ألف شخص في جنوب السودان، وما يصل إلى مليون آخرين في الصومال.
ثلاث وكالات أممية أعلنت، الاثنين الماضي، أن هناك مجاعة في أجزاء من جنوب السودان. وقالت الوكالات التابعة للأمم المتحدة إن أكثر من 100 ألف شخص يواجهون خطر الجوع هناك. وأوضحت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) وبرنامج الغذاء العالمي أن «المجاعة تؤثر حاليًا على أجزاء من ولاية الوحدة، في شمال وسط البلاد.
ومن جانبه، تعهد رئيس جنوب السودان كير، الثلاثاء، بالسماح بوصول منظمات المساعدة دون عوائق للمناطق التي تعاني من أزمات، وذلك عقب الإعلان عن وجود مجاعة في مناطق بالبلاد. وقد أعلن كير عن هذا التعهد أمام البرلمان، بعدما قالت الأمم المتحدة في وقت سابق إن الجيش منعها من الوصول للنازحين في شمال البلاد.
كما أعلن نظام الإنذار المبكر بالمجاعة أن بعض المناطق النائية في شمال شرقي نيجيريا تعاني من المجاعة منذ أواخر العام الماضي. والإنذارات الأربعة بالمجاعة لا مثيل لها في العقود الماضية، حسب تقرير الأمم المتحدة. وقد سجلت مجاعة واحدة منذ عام 2000 في الصومال، أدت إلى وفاة 260 ألف شخص، نصفهم من الأطفال دون سن الخامسة، وفقًا لبرنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة.
وبين الإنذارات الأربعة بالمجاعة، هناك واحد فقط (الصومال) سببه الجفاف، في حين أن الثلاثة الأخرى هي نتيجة للنزاعات، كما وصفت بأنها «أزمة غذاء من صنع الإنسان».
وأضاف غوتيريس أن «الوضع خطير، فالملايين من الناس هم بالكاد على قيد الحياة، بين سوء التغذية والموت، وعرضة للأمراض، واضطروا إلى قتل الحيوانات وأكل الحبوب التي يخزنونها لزرع البذور الموسم المقبل». وفي شمال شرقي نيجيريا، يعاني 5.1 مليون شخص من نقص في الغذاء، ونحو 500 ألف طفل من سوء حاد في التغذية. أما في جنوب السودان، فهناك 5 ملايين شخص في حاجة إلى الغذاء.
ودعا وزير التنمية الاتحادي الألماني جيرد مولر إلى إنهاء النزاعات في جنوب السودان، في ظل كارثة المجاعة التي تهددها. وقال مولر في تصريحات خاصة لصحيفة «راينيشه بوست» الألمانية، في عددها الصادر أمس (الأربعاء): «يتضور السكان جوعًا في جنوب السودان، ويشاهد الحكام ذلك فحسب دون تدخل». وشدد الوزير الألماني على ضرورة أن يتحمل أطراف النزاع المسؤولية، ويعملون على إرساء السلام.
وأعربت الولايات المتحدة الأميركية أيضًا عن قلقها تجاه الوضع في جنوب السودان، وناشدت المجتمع الدولي تقديم مساعدات وتبرعات. وذكرت وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، أمس: «إن هذه الأزمة من صنع الإنسان، وتعد نتيجة مباشرة لنزاع داخل القيادة في جنوب السودان». ودعت الولايات المتحدة الأميركية الرئيس السوداني سلفا كير لتنفيذ وعوده، وضمان وصول منظمات المساعدة دون أي عائق إلى الأشخاص المحتاجين.
وكان الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر قد ذكر، قبل 10 أيام، أن حالة الجفاف الشديد في الصومال وإثيوبيا وكينيا تتسبب في تعرض أكثر من مليون شخص للجوع الشديد. وقالت فاتوماتا نافو - تراوري، المدير الإقليمي لفرع أفريقيا بالاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر: «هذا أسوأ وضع شهدته المنطقة منذ عام 2011، عندما توفي أكثر من ربع مليون شخص في الصومال وحده». وأضاف الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر أن الوضع الأسوأ في الصومال، حيث يحتاج نحو 40 في المائة من السكان تقريبًا إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية، وترددت بالفعل تقارير عن حالات وفيات شمال البلاد.
ذكرت منظمة «أنقذوا الأطفال» الخيرية أن عشرات الآلاف من الأشخاص في الصومال غادروا منازلهم بحثًا عن الطعام والمياه والمراعي لماشيتهم، في حين تنفق الجمال. وقالت المنظمة إن نحو 71 ألف طفل يعانون بالفعل من سوء التغذية الحاد، ويتعرضون لخطر الموت، وهناك أكثر من 360 ألف طفل دون الخامسة يعانون بالفعل من سوء التغذية الحاد.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...