أبقراط وتعميم الصناعة الطبية والالتزام الأخلاقي لمزاولها

«أبو الطب»... حظي بمكانة خاصة عند الأطباء المسلمين

أبقراط وتعميم الصناعة الطبية والالتزام الأخلاقي لمزاولها
TT

أبقراط وتعميم الصناعة الطبية والالتزام الأخلاقي لمزاولها

أبقراط وتعميم الصناعة الطبية والالتزام الأخلاقي لمزاولها

يعد الطب من أقدم المعارف الإنسانية، نظرًا لتعلقه بالألم الذي ما هو إلا إنذار بالموت. لهذا فالطب اتخذ من الجسد موضوعًا له، من أجل تخفيف آلامه، وتأجيل حالة الموت عنه ما أمكن. كما أن الطب هو علاقة بين منفعل هو المريض العليل، والفاعل الذي هو الطبيب الذي يسعى إلى تقديم العلاج المناسب. وفي الحقيقة إذا كان المنفعل لم يتغير كثيرًا، فإن الفعل الطبي قد تعرضت طرقه إلى التحول مع مر العصور. وما وصل إليه الطب في زماننا شاهد على ذلك، فإنجازاته أصبحت مذهلة كمًا وكيفًا. إلا أن الأمر لم ينشأ دفعة واحدة. فلا شيء من لا شيء. والحاضر الطبي هو، في حقيقته، مجرد جني لثمرة قد نضجت، عبر تراكمات إنسانية ضاربة في عمق التاريخ ساهمت فيها كل الحضارات. لهذا يمكن أن نتحدث عن طب سومري ومصري وصيني وفارسي وهندي ويوناني وعربي. وإذا ما تحدثنا عن الأشخاص الذين سجلوا حضورًا قويًا، ووضعوا لبنات في صرح المنجز الطبي العالمي، نجد علمًا بارزًا هو أبقراط، الذي يلقب بـ«أبو الطب». فمن هو هذا الطبيب؟ وما إنجازاته؟ وما تأثيره على الأطباء العرب، وقت ازدهار الحضارة الإسلامية في القرون الوسطى؟
في البداية، تجدر الإشارة إلى أن المصادر التاريخية قليلة حول شخصية أبقراط. لكن لا يمكن الحديث عن تاريخ الطب الإنساني من دون ذكر اسم هذا الحكيم اليوناني. وسبب ذلك يعود إلى كونه دوّن الطب وسجّل بعض الملاحظات السريرية «الإكلينيكية». باختصار، يعد أبقراط صاحب أقدم المؤلفات الطبية في التاريخ الإنساني. لقد وردت الإشارات الأولى إلى أبقراط الكوسي الأسكليبادي، في محاورات أفلاطون، خاصة «فيدروس» و«بروتاغوراس». لكن أول ترجمة لأبقراط، كانت من إنجاز الطبيب اليوناني «سورانوس» الذي عاش في النصف الأول من القرن الثاني بعد الميلاد.
ينتمي أبقراط، إلى عائلة طبية يونانية شهيرة، هي أسرة أسكليبوس (Asclepios). وأسكليبوس، شخصية قديمة، عرف عند اليونان كطبيب، لكنهم ما لبثوا أن جعلوه إلهًا، وركزوا له بصولجان يلتف حوله ثعبان. وكانوا يضعونه في معابد اليونان الكثيرة (نحو 320 معبد). وبالعودة إلى كتاب «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»، الذي نعتمده كثيرًا في صياغة هذا المقال، لصاحبه ابن أبي أصيبعة، وبالضبط في الباب الرابع المخصص لطبقات الأطباء اليونانيين، نفهم أهمية أبقراط. فهو من أذاع لدى الإغريق صناعة الطب، حيث ظل آل أسكليبوس يتوارثون صناعة الطب حتى قل عددهم في زمن أبقراط، فخاف هذا الأخير، على ضياع الصناعة، فألف فيها محاولاً نشرها وتعميمها وتعليمها حتى للغرباء عن العائلة الأسكليبادية. كان الطب حكرًا على العائلة التي كان ينظر إليها على أنها من نسل الآلهة. وكانوا ينقلون الخبرات بالمخاطبة فيما بينهم، وإذا ما جرى تدوينها، يكون ذلك بشكل مقتضب، وبطريقة ملغزة لا يفهمها إلا الأب وابنه، أما أبقراط ونظرًا لقلة نسل عائلته، وتلمسه أن صناعته تكاد تبيد، فقد قرر تعليم الطب للمستحقين، ولكل راغب فيه، وإن لم ينتم إلى العائلة «الشريفة»، شريطة أن يحلفهم بالأيمان والالتزام بعهد وناموس ووصية وضع ملامحها أبقراط. وما قسمه الشهير، الذي سنقف عنده، إلا واحدًا من هذه الأمانات، التي كانت ولا تزال تلقى إلى وقتنا هذا، على عاتق طالب الطب.
يتفق معظم المؤرخين، على أن أبقراط الكوسي الأسكليبادي ولد بجزيرة كوس سنة 460 قبل الميلاد، وتعلم الطب من والده. كما أنه عرف الكثير من فلاسفة عصره، بل كان صديقًا للكثير من المشاهير آنذاك، أمثال «ديموقريطس» صاحب النظرية الذرية التي ترجع الوجود إلى ذرات، وأيضًا الخطيب الشهير «جورجياس»، الذي يسمى أبو البلاغة، والرياضي الكبير «هيروديكوس» المتفوق في الجمباز.
ذاع صيت أبقراط فطلبه ملوك الأرض. وكانت تطلب مشورته الطبية، لدرجة نسج الأساطير حوله. فقيل مثلاً، أن النحل الذي يعيش حول قبره، يفرز عسلا شافيا للأمراض. لكن الصورة الأكثر واقعية والتي تروج عنه تاريخيًا، هي أنه حكيم قصير القامة، جمع بين الطب والفلسفة. وكان ناسكًا يعالج المرضى بالمال أو من دونه. وكان يرى أن الطب مهارة من إلهام الله. وهو يعد عند الباحثين مؤسس الطب. ألف هو وتلاميذه في علم الطب، وأعراض الأمراض والأوبئة، والحميات، وتكون الأجنة، وعلاقة البيئة والتغذية بالصحة والتربية النفسية. ومعه بدأ يغادر الطب تلك الممارسة العفوية، المرتبطة بمعتقدات وطقوس ذات مرجعية أسطورية، نحو لحظة أصبح فيها العلاج يستند إلى معرفة عقلية نقدية، وعلى الخبرة الصناعية. فهو باختصار، افتتح طريق الطب نحو العلمية، القائم على المعاينة السريرية، وتقديم الأدوية، والبحث عن الأسباب الملموسة. وهو ما سيساعد على التخلص من بعض الخرافات والشعوذة.
ترك لنا أبقراط، الكثير من المؤلفات الطبية سميت «بالمدونة الأبقراطية». وقد ظهرت في مكتبة الإسكندرية في أوائل القرن الثالث ق.م، وقد جمعها ورتبها الطبيب الفرنسي «إميل ليتري»، في القرن التاسع عشر في عشر مجلدات. وعرف المسلمون كتب أبقراط، وترجموا معظمها إلى العربية، في القرن 3 و4 الهجري، أي 9 و10 الميلاديين، وقاموا بشرح بعضها. وكان أصحاب الصناعة الطبية منهم، يوصون بكتب أبقراط، ويركزون على اثني عشر منها، لا غنى عنها لطالب هذه الصناعة، وهي: كتاب الأجنة، الأهوية والمياه والبلدان، تقدمة المعرفة، الأمراض الحادة، أوجاع النساء، الأمراض الوافدة، الغذاء، الكسر والجبر، طبيعة الإنسان، قاطيطرون أو حانوت الطبيب الفصول. وتجدر الإشارة إلى أن لدى أبقراط كتاب بعنوان «المرض المقدس» أي الصرع، وقد حاول فيه إبعاده عن القداسة المزعومة. فأبقراط يرفض تقسيم الأمراض إلى طبيعية ومقدسة. فالصرع مرده إلى أسباب طبيعية صرفة، أما أصله الإلهي، فهو أمر يعكس جهل الناس وعجزهم عن فهمه، واستغرابهم من سلوكيات المصاب. أما عن تعامله مع الأعراض والمظاهر الخارجية، التي تخبر عن نوع المرض، فإننا نجد تفاصيل مهمة عن ذلك، في كتاب منسوب إليه، هو «تقدمة المعرفة»، ذكّر فيه بتفصيل العلامات المأخوذة من الوجه وتلك المأخوذة من البراز والبول والبصاق والقيح... وهي تساعد الطبيب في التشخيص، ومن ثم تقديم العلاج المناسب. هذا العلاج كان عادة، مرتكزًا على تقديم المسهلات، أو المقيئات، أو الفصد، أو الكي، أو التزام بالحمية... كما ترك لنا أبقراط أيضا، صورًا سريرية لداء السل، واستطاع أن يسجل بدقة الملامح المألوفة التي تعلو سحنة المحتضر الذي يموت، وكذلك وجه الجائع ومن أعياه الإسهال... ولا يزال الأطباء إلى يومنا هذا، يتحدثون عن «الوجوه الأبقراطية»، و«الأصابع الأبقراطية»، وهي أعراض خاصة ببعض أمراض القلب المزمنة التي تؤدي إلى تضخم مفاصل الأطراف.
لكن على الرغم من كل هذا الجهد السريري، ظل الطب الأبقراطي مرهونًا بتصور فلسفي، أصبح، الآن، متجاوزًا، ويتمثل في نظرية «الأخلاط الأربعة» التي روجها، من بعده، الطبيب الإسكندراني، جالينوس، واستمرت آثارها عند العرب. بل صمدت حتى حدود القرن التاسع عشر الميلادي، وهي نظرية شبيهة بالمواد الأربعة التي كان يفسر بها فلاسفة اليونان تشكَّل الأشياء في العالم الأرضي، ونقصد النار والتراب والهواء والماء، التي تتصف بأربعة صفات هي: الحرارة، والجفاف، والرطوبة، والبرودة. وقياسا على ذلك، تصور أبقراط أن الجسم البشري نفسه، مشكل من أربعة أخلاط، أو سوائل متشابكة ومتداخلة هي: الدم والبلغم والصفراء والسوداء. فإن كانت هذه الأخلاط متوازنة ومتناسبة كمًا وكيفًا، أعطت الصحة. أما إذا فقدت توازنها، إما لندرة خليط أو وفرته، أو امتناعه عن الاختلاط بالأخلاط الأخرى، أدت إلى المرض، أي التهاب أو نخر عضو من الأعضاء. هذا هو التفسير الذي جرى اعتماده آنذاك. وكما نرى، سيصبح غير معتمد خاصة بعد اكتشاف الميكروبات وفهم طريقة نشوء العدوى. وإن كان لنظرية الأخلاط من استمرار، فقد أخذت وجهًا مختلفًا، وهو نظرية الهورمونات.
لكن لا يمكن أبدا الحديث عن أبقراط دون ذكر ريادته في تأسيسه أخلاقيات العمل الطبي. ويكفي الإشارة إلى قسمه الشهير، المسمى بقسم أبقراط، الذي يؤديه إلى حد الساعة خريجو كليات الطب في العالم، وإن بصياغات مختلفة تلائم العصر، لكن بالروح القديمة نفسها. فماذا يقول هذا القسم الأصلي، الذي وثقه لنا ابن أبي أصيبعة (ق13م)، في طبقات الأطباء.
يلزم أبقراط طالب صناعة الطب، بعهد أخلاقي، ولعل أبرز ما فيه: ضرورة احترام المعلم ومساعدته. وتعميم الخبرات الطبية للأبناء، وللمتعاقدين الذين أقسموا يمين الطبيب. لكن الأهم من كل ذلك، هو ضرورة الابتعاد عن فعل الشر أو إلحاق الأذى بالناس، من طريق التسميم تحت الطلب، أو السعي نحو القيام بإجهاض الجنين. واستخدام المبضع عن جهل. كما يدعو أبقراط، كل مقبل على فن الطب، لأن يقدم المساعدة للجميع، ذكورًا أو إناثًا، أحرارا أو أرقاء دون تمييز بينهما، ليختم قسمه، بكون الطبيب النموذجي لا يفشي أبدا أسرار مريضه. ومن يذيعها فقد أخل بفروض مهنته فهو كمن يفشي الأسرار المقدسة. ولم يكتف أبقراط بهذا القسم، بل أضاف نواميس ووصايا، عبارة عن واجبات على الطبيب التقيد بها، كالاحتفاظ بحسن المظهر، وتنظيف الجسم، والتحلي بالهدوء والرصانة، والعمل على إشعار المريض بالثقة، وخلق جو من الطمأنينة أثناء أداء المهمة الطبية. والمثير أيضًا، أن أبقراط ينصح الطبيب بالصبر حتى على شتائم المريض، لأن بعض الحالات من المرضى المبرسمين (البرسام: مرض نفسي) والمصابين بالوسواس السوداوي، قد تصدر منهم سلوكات عدوانية، ويتلفظون بكلمات نابية وجب تحملها من طرف الطبيب، لأن الأمر يتجاوزهم وفوق طاقتهم.
نخلص إلى أن أبقراط، لُقّب بأبي الطب، لأنه أولاً، دوّن خبرات الصناعة الطبية، فيما سمي «بالمدونة الأبقراطية»، وجعلها معممة وذائعة بين كل من يستحقها، وليست حكرًا على عائلة بعينها. ولأنه ثانيًا، قام بإنجازات طبية قائمة على الملاحظات السريرية. وثالثًا طعّم الطب بالتزامات أخلاقية تعطيه جانبه الإنساني. لهذا كله سيحظى أبقراط بمكانة خاصة عند الأطباء المسلمين، وهذا بحث آخر.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».