أبقراط وتعميم الصناعة الطبية والالتزام الأخلاقي لمزاولها

«أبو الطب»... حظي بمكانة خاصة عند الأطباء المسلمين

أبقراط وتعميم الصناعة الطبية والالتزام الأخلاقي لمزاولها
TT

أبقراط وتعميم الصناعة الطبية والالتزام الأخلاقي لمزاولها

أبقراط وتعميم الصناعة الطبية والالتزام الأخلاقي لمزاولها

يعد الطب من أقدم المعارف الإنسانية، نظرًا لتعلقه بالألم الذي ما هو إلا إنذار بالموت. لهذا فالطب اتخذ من الجسد موضوعًا له، من أجل تخفيف آلامه، وتأجيل حالة الموت عنه ما أمكن. كما أن الطب هو علاقة بين منفعل هو المريض العليل، والفاعل الذي هو الطبيب الذي يسعى إلى تقديم العلاج المناسب. وفي الحقيقة إذا كان المنفعل لم يتغير كثيرًا، فإن الفعل الطبي قد تعرضت طرقه إلى التحول مع مر العصور. وما وصل إليه الطب في زماننا شاهد على ذلك، فإنجازاته أصبحت مذهلة كمًا وكيفًا. إلا أن الأمر لم ينشأ دفعة واحدة. فلا شيء من لا شيء. والحاضر الطبي هو، في حقيقته، مجرد جني لثمرة قد نضجت، عبر تراكمات إنسانية ضاربة في عمق التاريخ ساهمت فيها كل الحضارات. لهذا يمكن أن نتحدث عن طب سومري ومصري وصيني وفارسي وهندي ويوناني وعربي. وإذا ما تحدثنا عن الأشخاص الذين سجلوا حضورًا قويًا، ووضعوا لبنات في صرح المنجز الطبي العالمي، نجد علمًا بارزًا هو أبقراط، الذي يلقب بـ«أبو الطب». فمن هو هذا الطبيب؟ وما إنجازاته؟ وما تأثيره على الأطباء العرب، وقت ازدهار الحضارة الإسلامية في القرون الوسطى؟
في البداية، تجدر الإشارة إلى أن المصادر التاريخية قليلة حول شخصية أبقراط. لكن لا يمكن الحديث عن تاريخ الطب الإنساني من دون ذكر اسم هذا الحكيم اليوناني. وسبب ذلك يعود إلى كونه دوّن الطب وسجّل بعض الملاحظات السريرية «الإكلينيكية». باختصار، يعد أبقراط صاحب أقدم المؤلفات الطبية في التاريخ الإنساني. لقد وردت الإشارات الأولى إلى أبقراط الكوسي الأسكليبادي، في محاورات أفلاطون، خاصة «فيدروس» و«بروتاغوراس». لكن أول ترجمة لأبقراط، كانت من إنجاز الطبيب اليوناني «سورانوس» الذي عاش في النصف الأول من القرن الثاني بعد الميلاد.
ينتمي أبقراط، إلى عائلة طبية يونانية شهيرة، هي أسرة أسكليبوس (Asclepios). وأسكليبوس، شخصية قديمة، عرف عند اليونان كطبيب، لكنهم ما لبثوا أن جعلوه إلهًا، وركزوا له بصولجان يلتف حوله ثعبان. وكانوا يضعونه في معابد اليونان الكثيرة (نحو 320 معبد). وبالعودة إلى كتاب «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»، الذي نعتمده كثيرًا في صياغة هذا المقال، لصاحبه ابن أبي أصيبعة، وبالضبط في الباب الرابع المخصص لطبقات الأطباء اليونانيين، نفهم أهمية أبقراط. فهو من أذاع لدى الإغريق صناعة الطب، حيث ظل آل أسكليبوس يتوارثون صناعة الطب حتى قل عددهم في زمن أبقراط، فخاف هذا الأخير، على ضياع الصناعة، فألف فيها محاولاً نشرها وتعميمها وتعليمها حتى للغرباء عن العائلة الأسكليبادية. كان الطب حكرًا على العائلة التي كان ينظر إليها على أنها من نسل الآلهة. وكانوا ينقلون الخبرات بالمخاطبة فيما بينهم، وإذا ما جرى تدوينها، يكون ذلك بشكل مقتضب، وبطريقة ملغزة لا يفهمها إلا الأب وابنه، أما أبقراط ونظرًا لقلة نسل عائلته، وتلمسه أن صناعته تكاد تبيد، فقد قرر تعليم الطب للمستحقين، ولكل راغب فيه، وإن لم ينتم إلى العائلة «الشريفة»، شريطة أن يحلفهم بالأيمان والالتزام بعهد وناموس ووصية وضع ملامحها أبقراط. وما قسمه الشهير، الذي سنقف عنده، إلا واحدًا من هذه الأمانات، التي كانت ولا تزال تلقى إلى وقتنا هذا، على عاتق طالب الطب.
يتفق معظم المؤرخين، على أن أبقراط الكوسي الأسكليبادي ولد بجزيرة كوس سنة 460 قبل الميلاد، وتعلم الطب من والده. كما أنه عرف الكثير من فلاسفة عصره، بل كان صديقًا للكثير من المشاهير آنذاك، أمثال «ديموقريطس» صاحب النظرية الذرية التي ترجع الوجود إلى ذرات، وأيضًا الخطيب الشهير «جورجياس»، الذي يسمى أبو البلاغة، والرياضي الكبير «هيروديكوس» المتفوق في الجمباز.
ذاع صيت أبقراط فطلبه ملوك الأرض. وكانت تطلب مشورته الطبية، لدرجة نسج الأساطير حوله. فقيل مثلاً، أن النحل الذي يعيش حول قبره، يفرز عسلا شافيا للأمراض. لكن الصورة الأكثر واقعية والتي تروج عنه تاريخيًا، هي أنه حكيم قصير القامة، جمع بين الطب والفلسفة. وكان ناسكًا يعالج المرضى بالمال أو من دونه. وكان يرى أن الطب مهارة من إلهام الله. وهو يعد عند الباحثين مؤسس الطب. ألف هو وتلاميذه في علم الطب، وأعراض الأمراض والأوبئة، والحميات، وتكون الأجنة، وعلاقة البيئة والتغذية بالصحة والتربية النفسية. ومعه بدأ يغادر الطب تلك الممارسة العفوية، المرتبطة بمعتقدات وطقوس ذات مرجعية أسطورية، نحو لحظة أصبح فيها العلاج يستند إلى معرفة عقلية نقدية، وعلى الخبرة الصناعية. فهو باختصار، افتتح طريق الطب نحو العلمية، القائم على المعاينة السريرية، وتقديم الأدوية، والبحث عن الأسباب الملموسة. وهو ما سيساعد على التخلص من بعض الخرافات والشعوذة.
ترك لنا أبقراط، الكثير من المؤلفات الطبية سميت «بالمدونة الأبقراطية». وقد ظهرت في مكتبة الإسكندرية في أوائل القرن الثالث ق.م، وقد جمعها ورتبها الطبيب الفرنسي «إميل ليتري»، في القرن التاسع عشر في عشر مجلدات. وعرف المسلمون كتب أبقراط، وترجموا معظمها إلى العربية، في القرن 3 و4 الهجري، أي 9 و10 الميلاديين، وقاموا بشرح بعضها. وكان أصحاب الصناعة الطبية منهم، يوصون بكتب أبقراط، ويركزون على اثني عشر منها، لا غنى عنها لطالب هذه الصناعة، وهي: كتاب الأجنة، الأهوية والمياه والبلدان، تقدمة المعرفة، الأمراض الحادة، أوجاع النساء، الأمراض الوافدة، الغذاء، الكسر والجبر، طبيعة الإنسان، قاطيطرون أو حانوت الطبيب الفصول. وتجدر الإشارة إلى أن لدى أبقراط كتاب بعنوان «المرض المقدس» أي الصرع، وقد حاول فيه إبعاده عن القداسة المزعومة. فأبقراط يرفض تقسيم الأمراض إلى طبيعية ومقدسة. فالصرع مرده إلى أسباب طبيعية صرفة، أما أصله الإلهي، فهو أمر يعكس جهل الناس وعجزهم عن فهمه، واستغرابهم من سلوكيات المصاب. أما عن تعامله مع الأعراض والمظاهر الخارجية، التي تخبر عن نوع المرض، فإننا نجد تفاصيل مهمة عن ذلك، في كتاب منسوب إليه، هو «تقدمة المعرفة»، ذكّر فيه بتفصيل العلامات المأخوذة من الوجه وتلك المأخوذة من البراز والبول والبصاق والقيح... وهي تساعد الطبيب في التشخيص، ومن ثم تقديم العلاج المناسب. هذا العلاج كان عادة، مرتكزًا على تقديم المسهلات، أو المقيئات، أو الفصد، أو الكي، أو التزام بالحمية... كما ترك لنا أبقراط أيضا، صورًا سريرية لداء السل، واستطاع أن يسجل بدقة الملامح المألوفة التي تعلو سحنة المحتضر الذي يموت، وكذلك وجه الجائع ومن أعياه الإسهال... ولا يزال الأطباء إلى يومنا هذا، يتحدثون عن «الوجوه الأبقراطية»، و«الأصابع الأبقراطية»، وهي أعراض خاصة ببعض أمراض القلب المزمنة التي تؤدي إلى تضخم مفاصل الأطراف.
لكن على الرغم من كل هذا الجهد السريري، ظل الطب الأبقراطي مرهونًا بتصور فلسفي، أصبح، الآن، متجاوزًا، ويتمثل في نظرية «الأخلاط الأربعة» التي روجها، من بعده، الطبيب الإسكندراني، جالينوس، واستمرت آثارها عند العرب. بل صمدت حتى حدود القرن التاسع عشر الميلادي، وهي نظرية شبيهة بالمواد الأربعة التي كان يفسر بها فلاسفة اليونان تشكَّل الأشياء في العالم الأرضي، ونقصد النار والتراب والهواء والماء، التي تتصف بأربعة صفات هي: الحرارة، والجفاف، والرطوبة، والبرودة. وقياسا على ذلك، تصور أبقراط أن الجسم البشري نفسه، مشكل من أربعة أخلاط، أو سوائل متشابكة ومتداخلة هي: الدم والبلغم والصفراء والسوداء. فإن كانت هذه الأخلاط متوازنة ومتناسبة كمًا وكيفًا، أعطت الصحة. أما إذا فقدت توازنها، إما لندرة خليط أو وفرته، أو امتناعه عن الاختلاط بالأخلاط الأخرى، أدت إلى المرض، أي التهاب أو نخر عضو من الأعضاء. هذا هو التفسير الذي جرى اعتماده آنذاك. وكما نرى، سيصبح غير معتمد خاصة بعد اكتشاف الميكروبات وفهم طريقة نشوء العدوى. وإن كان لنظرية الأخلاط من استمرار، فقد أخذت وجهًا مختلفًا، وهو نظرية الهورمونات.
لكن لا يمكن أبدا الحديث عن أبقراط دون ذكر ريادته في تأسيسه أخلاقيات العمل الطبي. ويكفي الإشارة إلى قسمه الشهير، المسمى بقسم أبقراط، الذي يؤديه إلى حد الساعة خريجو كليات الطب في العالم، وإن بصياغات مختلفة تلائم العصر، لكن بالروح القديمة نفسها. فماذا يقول هذا القسم الأصلي، الذي وثقه لنا ابن أبي أصيبعة (ق13م)، في طبقات الأطباء.
يلزم أبقراط طالب صناعة الطب، بعهد أخلاقي، ولعل أبرز ما فيه: ضرورة احترام المعلم ومساعدته. وتعميم الخبرات الطبية للأبناء، وللمتعاقدين الذين أقسموا يمين الطبيب. لكن الأهم من كل ذلك، هو ضرورة الابتعاد عن فعل الشر أو إلحاق الأذى بالناس، من طريق التسميم تحت الطلب، أو السعي نحو القيام بإجهاض الجنين. واستخدام المبضع عن جهل. كما يدعو أبقراط، كل مقبل على فن الطب، لأن يقدم المساعدة للجميع، ذكورًا أو إناثًا، أحرارا أو أرقاء دون تمييز بينهما، ليختم قسمه، بكون الطبيب النموذجي لا يفشي أبدا أسرار مريضه. ومن يذيعها فقد أخل بفروض مهنته فهو كمن يفشي الأسرار المقدسة. ولم يكتف أبقراط بهذا القسم، بل أضاف نواميس ووصايا، عبارة عن واجبات على الطبيب التقيد بها، كالاحتفاظ بحسن المظهر، وتنظيف الجسم، والتحلي بالهدوء والرصانة، والعمل على إشعار المريض بالثقة، وخلق جو من الطمأنينة أثناء أداء المهمة الطبية. والمثير أيضًا، أن أبقراط ينصح الطبيب بالصبر حتى على شتائم المريض، لأن بعض الحالات من المرضى المبرسمين (البرسام: مرض نفسي) والمصابين بالوسواس السوداوي، قد تصدر منهم سلوكات عدوانية، ويتلفظون بكلمات نابية وجب تحملها من طرف الطبيب، لأن الأمر يتجاوزهم وفوق طاقتهم.
نخلص إلى أن أبقراط، لُقّب بأبي الطب، لأنه أولاً، دوّن خبرات الصناعة الطبية، فيما سمي «بالمدونة الأبقراطية»، وجعلها معممة وذائعة بين كل من يستحقها، وليست حكرًا على عائلة بعينها. ولأنه ثانيًا، قام بإنجازات طبية قائمة على الملاحظات السريرية. وثالثًا طعّم الطب بالتزامات أخلاقية تعطيه جانبه الإنساني. لهذا كله سيحظى أبقراط بمكانة خاصة عند الأطباء المسلمين، وهذا بحث آخر.



«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».