أضواء على نزاع شرق أوكرانيا

مواجهة بين قوى دولية بأيدٍ محلية

أضواء على نزاع شرق أوكرانيا
TT

أضواء على نزاع شرق أوكرانيا

أضواء على نزاع شرق أوكرانيا

لم تنجح الجهود التي بذلتها قوى دولية على مدار 3 سنوات تقريبًا في إخماد نيران النزاع المسلح في مناطق «الدونباس» بجنوب شرقي أوكرانيا، لا سيما في مقاطعتي لوغانسك ودونيتسك. ومنذ مطلع العام الحالي تصاعدت حدة التوتر، وفي النصف الأول من فبراير (شباط) تجددت المواجهات المسلحة هناك بين القوات الأوكرانية التي تحاول استعادة السيطرة الحكومية على المقاطعتين، والميليشيات المحلية المسلحة المدعومة من موسكو هناك، التي تصر على تسوية تضمن لسكان المنطقة حقوقهم السياسية والاقتصادية والثقافية والقومية. ومع أن الأطراف المنخرطة بصورة مباشرة في النزاع الأوكراني قوى أوكرانية، فإن العنوان العريض لما تشهده أوكرانيا من توتر منذ استقلالها عام 1991 وحتى اليوم هو «مواجهة بين روسيا والغرب على النفوذ في أوكرانيا».
تشكل المعارك العنيفة الدائرة حاليًا في مناطق جنوب شرقي أوكرانيا بين القوات الحكومية والميليشيات المحلية، نتيجة لمواجهة سياسية تكمن في جذورها عوامل تاريخية وأخرى قومية، تتصل بطبيعة البنية القومية داخل الدولة الأوكرانية.
في الشق السياسي يمكن القول إن بدايات النزاع المسلح الحالي نشأت منذ استقلال أوكرانيا عن الاتحاد السوفياتي عام 1991. ففي تلك المرحلة كانت النخب السياسية الحاكمة في أوكرانيا، كما في روسيا ذاتها، تعتقد أن «الحرب الباردة» قد ولت بلا رجعة، وأن المواجهة العالمية انتهت، ودخل العالم مرحلة الشراكة عوضًا عن المواجهة بين الأحلاف.
ضمن هذه الرؤية، أقر مجلس الرادا (البرلمان) الأوكراني عام 1993، وثيقة «التوجهات الرئيسية للسياسة الخارجية الأوكرانية» التي جاء فيها: «في ظل تلاشي المواجهة بين الأحلاف في أوروبا، تأخذ الأولوية مشكلة وضع بنى للأمن الأوروبي العام، على أرضية المؤسسات الدولية الموجودة، مثل مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا، ومجلس الشراكة الأوروبية الأطلسية، والناتو، واتحاد أوروبا الغربية». وتضيف تلك الوثيقة أن «إعلان أوكرانيا نيتها أن تصبح مستقبلاً دولة على الحياد خارج الأحلاف، يجب أن يتكيّف مع الظروف المستجدة، ولا يمكن اعتباره عقبة أمام مشاركتها التامة في بنى الأمن الأوروبي».
* سياسة قائمة على التوازن
حينذاك عكست وثيقة التوجهات الرئيسية للسياسة الخارجية الأوكرانية، رغبة النخب الحاكمة في تبني سياسة قائمة على التوازن في العلاقة بين روسيا والغرب، وبموازاة الحفاظ على العلاقات التاريخية مع «الجارة» روسيا، فتحت أوكرانيا، كما فعلت معظم الجمهوريات السوفياتية السابقة، الأبواب أمام تعاون نوعي مع البنى السياسية والعسكرية الأوروبية، باعتبار ذلك الانفتاح من متطلبات المرحلة، فضلاً عن ذلك لم تكن مسألة التعاون مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) تشكل حساسية بالنسبة لروسيا، التي انطلقت في سياستها من تعهدات يقول الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف إن قادة الغرب قدموها للوفد السوفياتي خلال المحادثات حول توحيد ألمانيا، بأن حلف «الناتو» لن يوسع انتشاره العسكري على أي متر من دول أوروبا الشرقية، التي كانت تابعة لحلف «وارسو».
على الرغم من ذلك، برز في تلك المرحلة العامل القومي بقوة على الساحة الأوكرانية، وبدت البلاد منقسمة بين غرب وشرق، حيث الأغلبية في مناطق غرب أوكرانيا أوكرانيون تاريخيًا، يتكلمون اللغة الأوكرانية، ومتعصبون قوميًا ينظرون بعداء نحو روسيا، وذلك كله تحت تأثير عوامل تاريخية عدة؛ منها أن تلك المناطق كانت في مراحل مختلفة جزءًا من بولندا، ومن ثم ليتوانيا، والإمبراطورية النمساوية - المجرية. وفي التاريخ الحديث يُتهم البعض من سكان تلك المناطق بالتعاون مع القوات النازية والمشاركة في حملات التنكيل بحق المواطنين. أما مناطق شرق أوكرانيا فغالبية سكانها من الروس تاريخيًا. وفي مطلع عقد التسعينات من القرن الماضي كانت النسبة السكانية 22 في المائة من المواطنين الأوكرانيين، بينما يشكل الناطقون بالروسية 31 في المائة من السكان. ويختلف الوضع بالنسبة لشبه جزيرة القرم، التي كانت حتى عام 1954 تابعة لروسيا الاتحادية، حيث يشكل المواطنون الروس أغلبية ساحقة هناك.
* شرق... وغرب
حالة الانقسام القومي هذه برزت سياسيًا على شكل انقسام بين تأييد واسع في مناطق غرب أوكرانيا لنهج الابتعاد عن الشراكة مع روسيا والتوجه نحو التكامل مع الغرب، وتأييد في مناطق الشرق للعكس تمامًا. وتظهر نتائج الانتخابات الرئاسية الأوكرانية عام 1994 ذلك الانقسام بوضوح، حين حصل الرئيس الأوكراني حينها ليونيد كرافتشوك، الذي قدم نفسه كشخصية قومية على أصوات الناخبين في 12 مقاطعة في غرب البلاد، بينما حصل ليونيد كوتشما، الذي تلقى دروس محادثة باللغة الأوكرانية، على تأييد 13 مقاطعة في شرق البلاد، وفاز حينها كوتشما بنسبة 52 في المائة من إجمالي أصوات الناخبين.
وتركت مواجهة النخب السياسية على نهج السياسة الخارجية الأوكرانية أثرًا مباشرًا على العلاقات بين شرق وغرب البلاد، وعززت حالة الانقسام القومي بينهما بانقسام سياسي وحالة احتقان، كانت تتصاعد تدريجيًا من عام لآخر، على ضوء خطوات الرئاسة الأوكرانية في مجال التقارب مع «الناتو».
وكان لافتًا أن التحولات الجذرية في هذا المجال شهدتها أوكرانيا في عهد الرئيس كوتشما (1994 - 2004)، إذ انضمت أوكرانيا إلى برنامج «الناتو» (شراكة من أجل السلام)، وأخذ التعاون يتوسع بين الجانبين، إلى أن تم تعديل الوثيقة «حول التوجهات الرئيسية للسياسة الخارجية الأوكرانية» عام 2013، وجاء فيها أن «أوكرانيا تمارس سياسة خارجية نشطة بهدف الحصول على عضوية في حلف شمال الأطلسي». وبعد عام تقريبًا، في صيف عام 2014، أدخل الرئيس كوتشما تعديلات على «العقيدة العسكرية الأوكرانية»، تضمنت الإعلان بوضوح عن رغبة أوكرانيا في الانضمام إلى «الناتو» باعتباره «ضمانة الأمن في أوروبا». إلا أن كوتشما، الذي كان يستعد لترك منصب الرئاسة، أدرك على ما يبدو أن مسألة العضوية في حلف شمال الأطلسي، قد تؤدي إلى نزاع داخلي، وفاجأ الجميع خلال قمة لـ«الناتو» في إسطنبول، بإعلانه أن أوكرانيا ليست مستعدة للعضوية في الحلف، ومن ثم أصدر مرسومًا ألغى فيه من العقيدة العسكرية للبلاد الفقرة التي تنص على أن هدف السياسة الخارجية الأوكرانية هو الحصول على عضوية في «الناتو».
* بين روسيا والغرب
إلا أن قرار كوتشما جاء متأخرًا على ما يبدو، حيث طفا على السطح بوضوح في أوكرانيا جدال حول «التوجه نحو الناتو أم نحو روسيا»، وبرز ذلك خلال الانتخابات الرئاسية عام 2004، التي تنافس فيها فيكتور يانوكوفيتش ممثلاً لنهج التقارب مع روسيا وفيكتور يوشينكو ممثلاً لنهج التكامل مع الغرب.
في الجولة الأولى من الانتخابات، حصل يوشينكو على 39.87 في المائة من الأصوات، وحصل يانوكوفيتش على 39.32 في المائة، ونظرًا لعدم تجاوز أي منهما نسبة 50 في المائة زائد صوت، أجريت جولة ثانية. ويمكن القول إن الانتخابات الرئاسية عام 2004 شكلت الشرارة الأولى للمواجهة السياسية الحادة في أوكرانيا، التي تفاقمت خلال 10 سنوات، إلى أن أخذت شكل نزاع مسلح جنوب شرقي البلاد. في تلك المرحلة، لم تُخفِ روسيا دعمها الكبير جدًا للمرشح يانوكوفيتش، زعيم حزب الأقاليم، ولقد عبر عن هذا الدعم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي أجرى عدة زيارات إلى أوكرانيا، وكان سباقًا في تهنئة يانوكوفيتش بعد الانتخابات وقبل الإعلان عن النتائج الرسمية للانتخابات.
تفجرت المواجهة السياسية في أوكرانيا حين أعلنت اللجنة المركزية للانتخابات عن فوز فيكتور يانوكوفيتش، بينما رفض فيكتور يوشينكو قبول النتائج، واتهم خصمه بالتلاعب بالأصوات، وشهدت العاصمة كييف حركة احتجاجية واسعة، أصبحت لاحقًا تُعرف باسم «الثورة البرتقالية».
إثر ذلك جرت إعادة للانتخابات الرئاسية، وفاز فيها يوشينكو، بينما ترأس يانوكوفيتش المعارضة البرلمانية ممثلة بحزبه «حزب الأقاليم» والحزب الشيوعي الأوكراني، وقوى أخرى. وفي عام 2006 أصبح يانوكوفيتش رئيسًا للحكومة الأوكرانية، كونه زعيم الأغلبية البرلمانية. وبعد أزمة برلمانية حادة، وقع كل من الرئيس ورئيس الحكومية ورئيس البرلمان، وقادة الكتل البرلمانية الكبرى وثيقة بعنوان «الوحدة الوطنية» حددت أن أوكرانيا ستواصل تعاونها مع «الناتو»، إلا أن مسألة عضويتها في الحلف يتم إقرارها بموجب استفتاء عام، يجري بعد أن تنفذ أوكرانيا كل الشروط المطلوبة للحصول على العضوية. ورغم ذلك، حاولت القوى الداعية إلى التكامل مع الغرب، الدفع نحو تفعيل العمل بموجب خطة العضوية في «الناتو»، وذلك حين تولت يوليا تيموشينكو رئاسة الحكومة عام 2007، إلا أن تلك المحاولات لم تأتِ بنتيجة.
* الضغط الروسي
طيلة تلك السنوات كانت روسيا تبذل محاولات للتأثير على الوضع في أوكرانيا، وانفتحت على الحوار مع يوليا تيموشينكو وقبلها مع فيكتور يوشينكو، وأكدت رغبتها بتوسيع التعاون بين البلدين، دون تدخل خارجي، لكن على أساس أخذ كل طرف لمصالح الآخر بالحسبان، في إشارة إلى أن عضوية أوكرانيا في «الناتو» تشكل تهديدًا مباشرًا لأمن روسيا ومصالحها. إلا أن تلك المحاولات لم تنجح في تغير الوضع.
وفي عام 2010، تجددت المواجهة عبر صناديق الاقتراع بين النهجين في أوكرانيا، وترشح فيكتور يانوكوفيتش للرئاسة، بينما كانت يوليا تيموشينكو المرشحة الأبرز عن تيار نهج التكامل مع الغرب، الذي شهدت صفوفه تصدعات، انعكست بصورة مباشرة على نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، حيث حصلت تيموشينكو على 25.05 في المائة من الأصوات، بينما حصل يانوكوفيتش على 35.32 في المائة من الأصوات. ومن جديد، جاءت نتائج الجولة الثانية لتعكس مدى الانقسام داخل أوكرانيا بين التيارين السياسيين، مع الخلفية القومية لذلك الانقسام، إذ فاز يانوكوفيتش بالرئاسة حاصلاً على 48.95 في المائة من الأصوات، أي بفارق ضئيل نسبيًا عن منافسته تيموشينكو التي منحها 45.47 في المائة من الناخبين أصواتهم. وكالعادة، كانت أصوات مقاطعات الشرق من حصة يانوكوفتيش، والغرب من حصة تيموشينكو.
واستهل يانوكوفيتش رئاسته الثانية بقرار إلغاء كل اللجان الحكومية المتخصصة في مجال إعداد أوكرانيا للعضوية في «الناتو»، ومن ثم قام في عام 2013 بإلغاء البرنامج الوطني لتهيئة أوكرانيا للعضوية في الحلف. وتزامن هذا مع استمرار الصراع السياسي الحاد داخل البلاد. إلا أن الأزمة تفجرت عام 2014 حين رفض يانوكوفيتش توقيع اتفاقية «الشراكة الانتسابية» مع الاتحاد الأوروبي، وهي اتفاقية تمهيدية للحصول على عضوية في الاتحاد. واتخذ يانوكوفيتش قراره بعدما رفض الاتحاد الأوروبي منح أوكرانيا، التي يمر اقتصادها بأزمة خانقة، أي قروض في إطار خطوات إعادة بناء الاقتصاد الأوكراني وفق المعايير الأوروبية. بالمقابل منحته موسكو قرضًا بقدر 15 مليار دولار.
إثر ذلك القرار، نظم خصوم يانوكوفيتش احتجاجات واسعة في المدن الأوكرانية، وبصورة خاصة في العاصمة كييف. وتميزت احتجاجات فبراير عام 2014 عن سابقاتها بالعنف، حيث شهدت بعض الساحات مواجهات مسلحة قام خلالها قناصة ومسلحون بإطلاق النار على عناصر الأمن، كما سقط في تلك المواجهات أعداد كبيرة من المحتجين.
فضلاً عن ذلك، برزت مشاركة واضحة في الاحتجاجات من جانب تيارات قومية متطرفة جاءت من غرب البلاد، بما في ذلك جماعات يمينية مسلحة، ترفع شعارات معادية لروسيا ووجهت تهديدات لكل من يتكلمون اللغة الروسية في أوكرانيا. وقام هؤلاء بالسيطرة على المقار الحكومية في العاصمة، وفي مختلف المقاطعات والأقاليم، بقوة السلاح. ومع أن الرئيس يانوكوفيتش توصل إلى اتفاق لحل الأزمة مع المعارضة، فإن الأمور لم تستقر، وغادر الرئيس العاصمة كييف، بينما أعلنت قوى المعارضة عن تعيين ألكسندر تورشينوف قائمًا بأعمال الرئيس. وكانت أول خطوة أقدم عليها تورشينوف أن عرض على البرلمان الأوكراني مشروع قانون يلغي القانون حول «ضمان الحق باستخدام اللغات المحلية في الأقاليم»، مما يعني حظر استخدام اللغة الروسية.
وبينما كانت مناطق غرب ووسط أوكرانيا تعرب عن دعمها للسلطات الجديدة، لا سيما بعد تشكيل برلمان جديد قوامه من قوى «التكامل مع الغرب وأوروبا»، وقف سكان مناطق «الدونباس» - حوض نهر الدونيتس - ضد تلك السلطات، في الوقت الذي أعلنت فيه موسكو أن تلك السلطات ليست شرعية وسيطرت على السلطة عبر العنف. وشعر أبناء مناطق جنوب شرقي أوكرانيا بتهديد مباشر على خلفية صعود قوى يمينية متطرفة إلى واجهة المسرح السياسي في أوكرانيا، وعمت مدن تلك المناطق احتجاجات، حيث قام المحتجون بالسيطرة على المقار الحكومية في مدن خاركوف ودونيتسك ولوغانسك، ورفعوا على بعضها الأعلام الروسية. وسرعان ما أصبحت غالبية تلك المدن خارجة عن سيطرة كييف، بينما أعلنت القوى السياسية المحلية عن تشكيل قوات دفاع ذاتي، وأعلنت نفسها «جمهوريات» مثل «جمهورية لوغانسك» و«جمهورية دونيتسك».
* احتجاجات القرم
إلا أن أهم ما جرى في تلك المرحلة (فبراير – مارس/ آذار 2014) كانت الاحتجاجات في شبه جزيرة القرم، وسيطرة المحتجين على السلطة هناك، ورفضهم الاعتراف بشرعية السلطات الجديدة في كييف. ولم تكن موسكو بعيدة عن تلك الأحداث، ذلك أن المنطقة تشكل أهمية كبرى لروسيا، التي تشكل مدينة سيفاستوبل (سيباستوبول) مقرًا لأسطولها في البحر الأسود، وهو المخرج الوحيد للقوات البحرية الروسية القريب من المتوسط، فضلاً عن ذلك، يحمل غالبية سكان القرم جنسيات روسية، كما أن روسيا تعتبر القرم جزءًا منها تاريخيًا. لذلك لم يتوانَ الرئيس الروسي بوتين عن تلبية طلب سلطات القرم بالمساعدة، وعرض على المجلس الفيدرالي الروسي طلبًا للسماح باستخدام القوات الروسية على الأراضي الأوكرانية.
وبمساعدة روسية جرى تنظيم استفتاء في شبه الجزيرة في 16 مارس، أعرب فيه غالبية السكان عن رغبتهم في الانفصال عن أوكرانيا والانضمام إلى قوام الاتحاد الروسي. وفي 18 مارس، تم قبول القرم وسيفاستوبول كيانين جديدين في قوام الاتحاد الروسي. وجرى ذلك كله في ظل انتشار عسكري روسي واسع في شبه الجزيرة.
في تلك الأثناء، أخذت المواجهات جنوب شرقي أوكرانيا طابع التصعيد العسكري، وأعلنت سلطات كييف عملية خاصة لاستعادة السيطرة على مناطق «الدونباس»، فأرسلت القوات المسلحة، ومعها مجموعات قومية مقبلة من غرب البلاد، شاركت وما زالت تشارك في الهجمات على مدينتي لوغانسك ودونيتسك والمناطق التابعة لهما. وشهدت المنطقة بعض الهدوء إثر توصل قادة روسيا وأوكرانيا وفرنسا وألمانيا إلى اتفاق للتسوية يعرف باسم «اتفاق مينسك» (نسبة لعاصمة جمهورية بيلاروسيا/ روسيا البيضاء).
إلا أنه رغم ذلك تشهد المنطقة تفجرًا للعنف من حين لآخر، وسط تبادل اتهامات بين الطرفين بانتهاك «اتفاق مينسك». ومنذ 29 فبراير، تجددت مواجهات عنيفة على طول 50 كم من خطوط التماس بين الجانبين. وأصدرت لجنة المراقبين التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا تقريرًا حول تدهور الوضع هناك، طالبت فيه «القوات الانفصالية الروسية»، في إشارة إلى المسلحين في مناطق جنوب شرقي أوكرانيا، طالبتهم بالعودة إلى اتفاق وقف إطلاق النار. ولقد أثارت هذه العبارات استياء موسكو، التي رفضت على لسان دميتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين «تقديرات المنظمة حول مشاركة المقاومة في الدونباس بخرق وقف إطلاق النار»، ووصف ما يجري هناك بأنه «عمل استفزازي من جانب القوات الأوكرانية».
ولم تكن المواجهات المسلحة بعيدة عن المواجهة السياسية، إذ أعلن الرئيس الأوكراني الحالي بيوتر بوراشينكو عن نيته إجراء استفتاء عام حول عضوية بلاده في «الناتو»، متوعدًا باتخاذ كل الخطوات الضرورية لذلك. وفي أول رد فعل من مناطق جنوب شرقي أوكرانيا، حذر ألكسندر زاخارتشينكو، رئيس «جمهورية دونيتسك الشعبية»، التي أعلن قادة محليون عن تأسيسها، من أن «محاولات إجراء استفتاء حول عضوية أوكرانيا في الناتو، ستعني تخلي كييف نهائيًا عن مناطق الدونباس». أولاً لأن «الدونباس» لن تشارك في الاستفتاء، وثانيًا لأننا قلنا أكثر من مرة إن أحد أهم مطالب «الدونباس» هي أننا ندعو إلى علاقات صداقة وتحالف مع روسيا كحد أدنى، مما يعني ضد «الناتو»، حسب قوله.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.