«شوقي أبي شقرا يتذكر» (3 - 3): فضائل «شعب النهار»... والدسائس

غداء في منزل فيروز وغسان تويني يطرده

من اليمين: رضا خوري وعصام محفوظ وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج في «دار الفن والأدب» بمناسبة صدور «سنجاب يقع من البرج» لأبي شقرا
من اليمين: رضا خوري وعصام محفوظ وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج في «دار الفن والأدب» بمناسبة صدور «سنجاب يقع من البرج» لأبي شقرا
TT

«شوقي أبي شقرا يتذكر» (3 - 3): فضائل «شعب النهار»... والدسائس

من اليمين: رضا خوري وعصام محفوظ وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج في «دار الفن والأدب» بمناسبة صدور «سنجاب يقع من البرج» لأبي شقرا
من اليمين: رضا خوري وعصام محفوظ وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج في «دار الفن والأدب» بمناسبة صدور «سنجاب يقع من البرج» لأبي شقرا

في الحلقة الثالثة والأخيرة من كتاب «شوقي أبي شقرا يتذكر» مزيد من كواليس الكبار المؤسسين بعد أن انتقل إلى جريدة «النهار»، إذ يتحدث الكاتب عن استغناء غسان تويني عنه «بسهولة» بعد ثلث قرن، وعن صمت أنسي الحاج، وكيف أن السيدة فيروز كهربت أنسي ومسّته بسحرها مما أزعج عاصي. كثير من التفاصيل الصغيرة والحميمة، في عالم يضج بالتحولات الجسام، قبل أن تبدأ الفورة الأدبية بالانحسار.
وسيصدر الكتاب يوم 21 من الشهر الحالي عن «دار نلسن» ويوقعه صاحبه الساعة الخامسة من اليوم نفسه، في جامعة الحكمة، في بيروت.

والآن إلى شعب جريدة «النهار»، وإلى غسان تويني، وإلى الشاعرة ناديا تويني التي كانت ليّنة القوة وصلبة الشكيمة، حين هي كانت مريضة، وكانت تعي أنها تصير كذلك، ومع ذلك كانت صباح الخير ومساء الخير، وكانت شاعرة بدأت متردّدة النبرة، ثم تحولت إلى متمكنة من الكلمة باللغة الفرنسية.
وغسان تويني زوجها، لم يكن كلّ الوقت عابسًا، وإنما يضحك ضحكة تعبير نصفية، لا يرتوي ولا يشبع منها، وكان مع ناديا تويني يفتح لنا بيته العالي والفاخر في رأس كفرا، وبيت مري، في المتن الشمالي، ونحن نسهر ونتكلم في الطالع والنازل، ومرة كان يوسف الخال ونزار قباني من الضيوف وبعض المثقفين والشعراء، وكان الصفاء في الأحاديث. وما زلت أسمع تويني ينتقد يوسف الخال، ويأبى أن يطيقه في دور الشاعر الذي يحضن الموهوبين ويتهكم قليلاً. وإلى الطاولة فيما نتناول العشاء كانت ناديا، ولم تدافع عن يوسف الخال، بل أنا فعلت وعاتبته، لأنه ينكر عليه حضوره، وكونه قائمًا بنهضة أو محاولة نهضة في الشعر العربي الحديث، وليس وحده بل نحن معه، وصمت تويني وهو مقتنع بما عنده وليس العكس بتاتًا.
وكان تويني أيضًا قريبًا طبعًا من ناديا تويني في شِعرها، ولم يكن قريبًا من الحركة الثقافية عامة، مثلما فعل فيما بعد، فلا يحدب على أي موضوع ثقافي أمامنا نحن، إذ كنا في «النهار»، ونحمل معنا قلمنا الذي شحذناه في حركة مجلة «شعر» وحملناه إلى المهنة، إلى الصحافة. وكان بنا روح يحفزنا، وبه نتفهم أي تجربة في النثر أو الشعر ولا يستطيع غيرنا، لأنه في السبات، أن يكون في محلّنا في مرصادنا المتين والمشرف على الشاردة وعكسها، على ما يهزّنا هزّة ولو خفيفة، فنعلم أن في هذا الباب صدى واندفاعًا إلى الأشياء، إلى أول المغامرة التي لم نتنازل عنها حتى في الكهولة.
وتويني جزء من جو «النهار»، وكان حقًا لطيفًا وممتلئًا بالأحاسيس الجدية والبسمات والأحلام، وفي مدى هذا الجو ترعرعنا ثانية وصرفنا سنوات ولم نأسف، وكانت الوجوه رضيّة وأليفة منذ الستينات إلى أواخر التسعينات من القرن الماضي. وكنا أوفياء فلا ما يعطّل المسيرة الناعمة، وكان فرنسوا عقل في السلم وفي الحرب هو الأشدّ والأطول باعًا في الصمود وفي دفع الجريدة إلى مصيرها الأوحد، وهي أن تستمرّ، وهكذا استمرّت في الحرب اللبنانية، وتحدّت المخالب من كلّ نوع وقياس، وتويني أحيانًا في موقع المتفرج وموقع غير المصدق، وكأنه ينتظر أن تحدث الخيبة في أول فرصة، وأي زمان.
وشعب «النهار» ما أحلاه كان، فنحن إخوة، ونحن كتاب ونحن سطور وكلمات، ونحن خبر أو قصيدة أو نص مرتفع فوق العادة، ونحن مؤلفون وبنا الأقدام على الثمار وعلى ما يتوافق ويهتدي إلى الغاية الأخيرة، إلى النجاح الثمين والأكيد...
وإلى ميشال أبو جودة الذي تابعناه في عموده على الصفحة الأولى، وفي المضمون الذي له والذي كان الوحيد في وهجه، قبل أن نأتي نحن وأن نعمد نحن إلى التنويع وإلى بسط الوهج على صفحات الملحق، ثم صفحات «النهار». وإلى أن نكون في عزّ المضي إلى الأمام، وإلى أن نحرز قارئًا آخر ليس السياسي، وليس الذي اعتاد اسمًا واحدًا أو لونًا واحدًا مما في الجريدة.

أنسي الحاج والمثالية

وسبق لنا، سنة 1967، حين الهزيمة العربية، أن عمدنا إلى المخاطبة الثنائية أنا وصديقي أنسي الحاج الذي كان يهرب من الارتجال والعفوية الآنية والكتابة المباشرة، ويأخذ نصي أنا وعباراتي أنا، يأخذهما مني ونحن في مقهى «الهورس شو»، ويذهب إلى وحدته، إلى مكتبه، ويردّ على ما كتبت بعبارات تفقد أهميتها اللحظوية، لتكون شغل العقل والتأني. وليس ذلك بالعجيب، بل إنه عمد إلى الطريقة ذاتها مع ناديا تويني، وأظنه فعل كما معي، وأظن ناديا أيضًا ردّت بتأن وهو فعل بتأن، وانتفى الغرض من هذه الطريقة، أي أن تكون بنت الساعة، بنت العمق الإبداعي، لا أن تكون في صنف التأليف المعتاد والاصطناع الزائف، والموهبة هنا في حداد على هذا الموقف الخارج عن البراءة الأولى، وعن الزبد السريع إلى ملاقاة الأرجل على الرمل، ولفّ الأجساد بالأمنيات وبالعطر اليودي.
وحين تركت «النهار» لم يفكّر أنسي الحاج أنه سيصيبه ما أصابني، وأن غسان تويني استعمل كلمات الرثاء وإن في ستار التقييم والكلمات المرسلة بتأن ورحمة.
وأين المثالية فيما يفعل، وأين جلال الكلمة حين يقولها، لتكون هي الرادع له والحاجز دون أن يشطّ وأن ينحرف عن الخلقية وعن الصراط الحقيقي.

وتخلى عني غسان تويني

إذ تخلّى عني غسان تويني بسهولة، وأنبأني أنني مصروف، وأنه يستغني عن خدماتي. قالها لي في مكتبه وأنا قبالته. ثم سألني من ترى أنه صالح ليكون مطرحي، وما أجبت بل بقيت صامتًا، ورغبتي أن أنصرف وأنتهي من هذه اللعبة بين القط والفأرة، بل إن طبعه كما ظهر لي أنه يهوى الفعل الكاسر ولا حاجز دونه ليردعه عن الاستهتار واستعمال المزاج المنقلب. وكان هذا الحاجز يدعى فرنسوا عقل، إذ كان مدير التحرير الساهر على موقفه وعلى كرامة المحرّرين، وكنت أنا كذلك في هذا الفيء المتين، وكنت أعطي نفسي وموهبتي مسرورًا أبدًا. ما عدا الزمن الأخير حيث بلغ انزعاجي من الجو الوقح والدسائس إلى ذروته، وتكسّرت أغصان المحبة والطيبة على حضيض الانفعال والبراهين الصغيرة.

في منزل فيروز وعاصي

وخرجنا من الغداء عند الأخوين الرحباني والسيدة نهاد كما يناديها عاصي، خروجًا كان له الصدى في ملحق «النهار» وكان يوميًا، وتردّد الصدى أيضًا في بعض الإعلام، وحيث الأمر دائم الطرح، لأن العائلة الرحبانية في صدد أعمال وأغان وغيرهما من النشاط الذي يتصاعد إلى عرش العزّ والتجاوب المنداح إلى أقصاه، ولن أرجع إلى تفاصيل، بل أدلّ على سلوك أنسي الحاج رحبانيًا، من قبل في تلك الآونة ومن بعد في آونة المسرحيات والإطلال على الجمهور، بل على الجماهير، وعلى الآذان في وضع إصغاء ونجوى وطرب. وكان الحاج يغالي في إعجابه وتستخفه فيروز بما عندها من امتدادية في الهالة. بل إنها تبثّ النشوة نحوها، بحيث الكثيرون يقعون في هذه البئر العميقة من الجاذبية، وفي هذه الفجوة من الحرير، ويمكن القول ما أحيلى هذا الفخ وما أحيلى أن يسقط فيه الإنسان وأن تلفّه خيوط الشبكة الجميلة، ولا بطولة هنا ألا تتجاوب، وألا تنفعل، بل عليك الإقبال على هذه المساحة العذبة.
وكان أنسي، وهو حرّ وعلى حق، ذاتيا وانفعاليا، منذ «هالة والملك» على مسرح «البيكاديللي» يجلس في الصالة، ولا يفتأ أن يجهر ما يجيش في داخله من الآهات، وأخبرني المرحوم سمير نصري، وكان المقرب من الرحابنة آنئذ، أن عاصي كان ينزعج.
والحاج نفسه في القاعة حيث كنت أحرّر، وكان مكتبي في «النهار»، لا أدري لماذا احتدّ، وكانت الحرب صرفته عن العمل الدؤوب، أما نحن فكنا المحرّرين والمنكبين على أوراقنا، إذ هو أحاط بفيروز إحاطة الشغف والانجراف إلى موجاتها وبحرها الهائج والمنبعثة منه روائح السحر وتلاعب الرياح بالأشجار.
وعندما بلغت «هالة والملك»، خاتمتها سألني أنسي ماذا نفعل احتفاء بالنهاية؟ وماذا تستحق فيروز منا؟ وكان اقتراحي باقة وإرسالها إلى السيّدة العذبة الكهرباء، وبعثنا إليها بباقتين، ولم أدر أي شيء من التأثير، فيما تلا ذلك.
وعاصي، يخبرني سمير نصري، كان شديد الاحتضان لفيروز، وقسّى بكلماتها عليها، وكان يريدها طيّعة، وأن تكون كما يشاء من النظام، نظامه هو، وألا تخرج من أساره، من النهج الذي يخطّه. وكان يثأر من التصرّفات الفيروزية، بالكلمات يناديها، إن تباطأت على المسرح ولم تنسحب من التصفيق والتحيات والأزهار، حين يتطلب ذلك منها.
وعاصي ولو قسّى الكلام نجم رحباني مديد النور، تصل سرعته إلى الأجمل وإلى الأعمق، وهو من نضج التراث اللبناني، متعاونًا أو غير متعاون، بمساحة من الإبداع وبمساحة من اللغة الغنائية، إذ استقى من بلاده ومن هذه الليونة في العبارات والقصائد، بحيث كتب لها أن تكون الخميرة وأن تكون الصاج، وأن تكون المصهر، وأن تكون الرغيف الذي مهما تناولت منه يزداد اتساعًا ويتهادى خصبًا كبيرًا ولا تنتهي الموعظة، بل إن الجموع لن تجوع، ولن يأتيها القحط، ولن ينفد الطعام أبدًا.

زياد الرحباني... يخرمش الناس

ذات مرّة كان زياد الرحباني قبالة وجهي وهو على الكرسي في مكتبي في الحمراء. وكان من اللطف ومن الحديث الذي يقارب الهمس بحيث يسكب منه الكلمة العابرة أو الرقيقة. كما هي خفة الشراريب في طيارة الورق. وكان الذي أدركته الموسيقى والتراث المتراكم من الوالد عاصي الذي بنى باللمح والسرّ المضاء، مع منصور قصيدة النعومة والذكاء وتلك الخيوط بين حالة وحالة في لغة هي العامية وفي أقصى التجليات ومعالم الدعابة الكلامية. كما من عمّه منصور المنتشر جهده وعبيره. وزياد من الوالدة التي في صفاء النجوم والسفيرة... هو يرث ولا يرث ما سبق من الثروة القائمة على مجدها وعلى بيانها المديد.
لكنه مشرقي فيما هو أيضًا لبناني، وفي ألحانه وفي مسرحه ابتكار فيما تحتوي اللغة المحكية من انعكاس عميق ينزل في النفوس وفي العقول وفي مداها الخفي ويزرع الصدمة الحيّة والسريعة إلى التأثيرات مثلما هو النسر حين يفلش جناحيه ويخرمش الفضاء ويبعث المهابة.
وزياد يخرمش الناس، ويجلب مثلما يفعل الرحابنة، ذلك الإمتاع وتلك العاطفة وتلك الضحكة. وكلها في قالب الفكاهة التي تحتمل التأويل وتلك العبثية في الحركة كما يشتهي الفن الأصيل.
وفي الغناء وفي الأغنية عند زياد، ذلك الحنين الذي في المنطقة المشرقية، وذلك الطرب المختبئ ولا يظهر ولا ينجلي من ناحية التقييم سوى للعارفين، لكنه على سوية فنية ويكسر النسق الآخر ويبقى الطرب والدوخة كما عند الدراويش.

سمير عطا الله يجسّ الأنفاس

كنا معًا في جريدة «النهار» هو في ناحية وأنا في أخرى مفتوح الباب الزجاجي، وفي مكتب من الأوراق والأقلام. وسمير صحافي متذوق ودقيق، وهو على قوامه وعلى سمته المعروف وعلى الموهبة تدربت على الصواب وعلى قول ماذا في الباطن من شعلة ومن غضبة ومن التباس محكم الحلقات...
وهو، نحوي، وفي اتجاهي كلما حانت المناسبة الشعرية. وكما في السياسة هو طويل الروح وطويل الباع ورنان الجملة والتعبير المتصل والمتراكم حجّة وراء حجّة، وهمسة وراء همسة، كذلك هو في الأدب تنفجر النخوة لديه، وتضطرم المعاني خطوة وراء خطوة وجمرة وراء جمرة.
وهكذا الأسلوب عنده ينظر من عقله ومن وجدانه، ويسطع دم التجاوب وعصارة البلاغة. وهو يراني في قطعة كثيفة السطور، نشرت له في جريدة «النهار»، عنوانها «ذو الرنّة». أنني البهجة الشعرية لديه، ولا يدري السبب، وأنني له اللذة والرنّة، ولا يريد أن يدري لماذا. وها أنا ذا عنده «سنجاب يقع من البرج» كما فعل وانتقى عنواني لمقاله في أحد الأربعاء. وممكن القول إنه ذكاء وخيال ومتعة.
... وكيف لا يكون سمير عطا الله ذلك الأحادي الذي من طاولة الخبريات إلى الأوسع والأرحب، ومن التعب ثم التعب إلى النضج وإلى معالم الإحاطة والعبور في مهنة الصحافة وأشواكها وأزهارها. ومن فكرية إلى وقفة إطار يطلطل على لبنان وعلى العرب والعروبة وعلى المشاق والمهام والألوان. وما فتئ يلعب اللعبة بذكاء العبارة الممشوقة والليّنة بغية التأثير، وأن يشرب القارئ عذوبة الأسلوب نوطة ثم نوطة ورقصة ثم رقصة. وتلك، من سمير عطا الله، لمعة خاصة به تزيّن مقاله وتبعث الضوء حتى رؤية الشحوب ورؤية العافية معًا.
والأوفر في خضمّ ذلك، ثقافة الكاتب وكونه في ربيع الكلمة، وكونه في حاضرنا وفي سياقنا وفي النبوءات المتسارعة وليست في الغفلة أو في الطعن، وإنما هي الواقع، حيث الأزمات وحيث الصعاب، وتصوّره كما يفعل أي أديب أو أي روائي، أو أي صحافي مثل سمير عطا الله، وكأنه لا يبحث عن علاج وإنما ينبض ويجسّ الأنفاس، فضلاً عن القلب ونقله إلى الطوارئ المثالية وإلى سرير الحياة المثالي.

حنان الشيخ كأنها الركوة والقهوة

الصديقة والرفيقة والزميلة لي في جريدة «النهار» هي حنان الشيخ، وهي التي فازت ونجحت أمامي قبالة البصر والمنظار في مسح مجتمعها الأنثوي، وفي أنها داومت وغلبت الجفاف.
وتحمل حنان الشيخ الروائية اللبنانية، حيث تكون صورًا من بلادها، مقاطع من حياة ناسها، فسيفساءها، أحوالها، نساءها، رجالها. تحمل معها الشعب في أموره الصغيرة والأوسع في شجونه الكبيرة والأوسع، وكلما صدرت رواية لها تراءت المرأة العربية خصوصا في وهجها المتألق وفي رونقها وفي جفافها، ولعلّها أشد ظهورًا في هذا الذبول وهذا التناقض الذي يقوم بينها وبين العالم حولها...
إذن عالم أقصاه الغرب وأدناه الشرق، وفي هذا الشرق هي المرأة التي تفكر قليلاً... إن كان لها متسع من الحرية، فإنها تتمادى وتعصف بها العاصفة، وتدفعها إلى مواقع ضجر وخيبة، مواقع من أنس هو الأقل الأقل، ومواقع من التهافت الكياني، وتكثر عليها الأسئلة والأخطاء والتردّدات... وهكذا دائمًا لا ترتوي، لا تشعر بالثقة والأمان وتعكس مجتمعًا لها غارقًا في التحولات المتباطئة، ولا ما يوقفها في أرض صالحة...
حنان الشيخ منتجة، ولا يفوتها مجتمع في هلوساته وامتدادها كلما انوجد في مجتمع كالمجتمع اللندني. وهي، في حياتها العادية، لا تفعل سوى الكتابة، وسوى تناول الشوكولا، لذة عابرة من لذائذها، وسوى أن تسرّنا في العمق وفي الصباح كما في أي ساعة. وإنتاجها صادق اللسان والوتيرة يهجم على الطريدة، وينتصر دائمًا في صيد الحميم ولو تصاعد إلى مشارف العنف.
ولا تبخل حنان، بل إنها في علاقاتها الثقافية إنما تنجب، ويكون الجميل هو الذي يبزغ من أصابعها، من قلمها حين تكتب أو تحقق أو تقابل إحداهن. لا سيما هاتيك النسوة المرتفعات عن الواقع، عن العادي، واللواتي من ألوانهن، من أفكارهن، وهن في حركتهن والسلام لديهن. وهن في أدوار ملكة النحل، إنما يطربن للعمل، ولأن يضفن العسل المشتهى إلى طاولة المشتهيات. وحنان الصحافية لا تقلّ شأنًا عن الروائية، بل كانت الحميمة والجريئة والتي تنشد الحق وتنشد المثال حيث يكون مقامها، وحيث تتوسّع ليشمل الكحل عيون جميع السيّدات، ولا عمى البتة، وما تتراجع عنه، ولا تخبّئ الحقيقة بل ترسلها صراخًا وصورة دسمة ومرآة تعكس المطلق...
هي الآنسة، وهي السيّدة، وهي الصبيّة تبقى كذلك وهي الصحافية ذات مرّة وذات أوان. وهي، في الأحوال كلّها، وفي القريب وفي البعيد من الحياة التي عاشت وذاقت والتي كانت طوال الأيام والساعات كأنها على جمرة وعلى نار. وكأنها القهوة والركوة. وهي تحاذر أن تفور وأن يسيل من الفنجان، من الركوة أي شلال أي نقطة على الأرض أو على ثوبها أو على مريولها أو على الورقة البيضاء، لأن هذه الورقة هي التي تكتب عليها مناظر من الشرق، من النسوة من النساء اللواتي يغرقن في التناقضات وفي أصناف من الأسر وفي ركام من القيود...
وحنان لبثت على نقاء في الطوية وفي السيرة. وارتدت بغية الأمانة، ثوبها الحقيقي من الشرق ومن الغرب. وثوب الحقيقة في كلّ مكان وفي كلّ النصوص والروايات والأوراق التي شبعت من الاعتراف ومن الصور الجذابة إلى حدّ الحصول على بطاقة الدخول إلى عمق الدار، أي دار، وعلى الأخصّ هي التي لا تفارق الصبا ولا ذلك الجنون الناعم.

عصام محفوظ «الهمشري» المتمرد

وهذا وجه عصام محفوظ الذي كانت له معرفة بي منذ «أكياس الفقراء»، إذ شاهدته في مكتبة المر، على ذلك المدخل إلى جنب سينما دنيا، يقلب ديواني الأوّل، صادرًا عن حلقة الثريا، في دار مجلة «شعر»، عام 1959. ومن كلمة إلى كلمة، إلى أنس ناعم، ونشأت صحبة، إذ هو المثقف والبارع في النقد وفي القراءة وفي الحدس التام، وفي الوصول إلى هيبة النص ومعناه الدفين. وكانت له رحلة متأخرًا إلى مجلة «شعر» وإلى يوسف الخال عينه إذ بشّ في قدومه وكان يرافقنا في العمر الأخير من المجلّة، وله ديوان، ثم كانت تجربة المسرح التي فسحت له في تبيان الهدف وما هو منشود ومقصود. وكنت ربما الأول الذي رآه مسرحيًا حين طرحت قصيدته «زليخة» في خميس مجلة «شعر»، وأفصحت عن رأيي حينئذ أن في القصيدة مسرحًا.
وعصام همشري في الواقع، وابن التمرد على الوضع العائلي، إذ لطالما تسكع وعاش منفردًا في عالمه الخاص، وما كان أبدا في خطوة ثابتة أو دائمة، وإنما ينفلت من القاعدة من التقليد إلى الحريّة وشم نسيمها اللذيذ، ولكن ليظهر دائمًا أنه الصحيح، وعندي أنه الصحيح مظهرًا والغريب والشارد باطنًا.
وما كان إلا الغريب حقًا، والمال عنده ليس سوى ورقات وسوى غيمة يطردها الهواء. وتارة هو الغني وتارة هو الفقير، ويظل إياه متماسكًا في السرّاء والضرّاء، على عكس بعض مجايليه الذين تساقطوا وتباينوا، وهو كالزرافة لا يحني هامته ولو قسا عليه الدهر، ولو احتال هو عليه وعلى الآخرين، إذ ضاقت به الحاجة، وكان الهروب أجلّ علامة فيه.
وعصام حين يقود سيارته، إنما يكون في حال الخطر تمامًا، إذ يشرد وإذ يحيد عن الطريق، ولولا العناية ولولا العفوية ولولا الشجاعة لما اكتمل ولما بقي له عمر.
وكم مرّة طرأ عليه حادث؟ ذلك مرارًا في الليل أو في النهار، وكم مرّة ضيّع نظارته، ولا يسأل ولا يحفل بالمصيبة، بل كما هو وعقله يشتغل ونفسه عابرة الحروف، وهو أقرب إلى الأصالة وإلى بعض الأسماء في تاريخ الأدب، مما إلى أن يكون خارجًا عن المألوف وعن الأحكام التي تتراكم عليه وينفضها عن جلده مثلما يفعل أهل الغابة، أو يفعل الفيل وذلك الأبيض والأسود الوحشي.

سعيد عقل إمبراطور الأوزان

وهذا سعيد عقل، والملهم حتى النهاية، ولو قيل إنه رمزي، إنشائي ولغوي، والدليل هنا أنك إن فككت الوزن حيث هو مبدع به، تتسارع الحبات إلى الحضيض، والنضيد الذي كان إنما يبدو ليكون في هباء، وهنا العقدة، عقدة سعيد عقل، وكونه ينتمي إلى التراث أكثر مما ينتمي إلى الحداثة، هذه الحداثة التي تتطلب المعنى الهيولي، المعنى الأسطوري، والنغمة المطلقة، وليس الاكتفاء بالنضيد، لأنه المقصود، ولأنه كما عند المتنبي، هو كذلك وهو الجمال. ويبدو عقل أبدي الإقامة في حضارتنا اللبنانية والعربية مثالاً لهما.

يوسف حبشي الأشقر

وهذا يوسف حبشي الأشقر الذي غاب باكرًا عن الرفقة وعن الأصحاب وعن الأدب الروائي... وكان قادرًا على العبث وعلى الإحاطة بما بين يديه من المادة، وكان يلتفت نحوه جريئًا ومتجرئًا على القول وعلى الوصف، وعلى صيد الأشخاص في أحزانهم وأتراحهم وفي التناقضات المتقاطعة والمختلفة. وطالما نشرت له قصصًا وما يشبه التقدم إلى المجهول، إلى حيث الانطفاء أو الانبعاث وإلى غاية لا تظنها واحدة، بل هي أكثر وتذهب في الاتجاهات حتى الاصطدام بما هو شؤم أو نحس أو بين بين.
كاشف وناقد ومتذوق، وكان في المبتدأ وفي الخبر، ينصرف إلى القصيدة الحرّة، ولكن تعوزه في هذه الناحية، مساحة الوعي الكامل واليقظة الكاملة، ولذلك انتقل من هذه المهنة الأولى إلى الثانية إلى حياة القصة والرواية، وإلى اختطاف الصفات والطباع من نحوه، أي من ثقافته ومن واقعه القائم والمتعدّد الرحابة والأنس...
ولعلّ يوسف مثل بعض الذين وقفوا حيارى ماذا يفعلون وماذا يتذوقون من الشعر الحديث وكيف هو وماذا عليه أن يكون وأي وجه هو وجهه ومحياه الأصيل...

هؤلاء الكبار أنسبائي

وترامت الحقبة على وسعها، وأنا أصفر لها في ملعب المغامرة، وفي حلقة التواصل والانطلاق إلى أي بعيد، ونترك ما ليس يحوي المقدرة ويحوي الحيوية المطلقة، وينبغي الاعتراف بأن الحقبة كانت حقبة ولادة بل الأحرى ولادات، وكان الكبار المتعبون ما زالوا أحياء. وهذا تارّة الأخطل الصغير على إيقاعه الخفيف... وهذا أمين نخلة وخطواته الرقيقة، وظلّه الأخفّ من النملة، وهذه فيروز ونحن عندها ذات مرّة وعند عاصي ومنصور الرحباني، والسفرة متاحة وفيروز في بيتها ذاك وزوجها يناديها نهاد، أي ينادي المرأة، وتهيئ لنا الغداء، والزاد الثاني يموج مع عاصي ولا ينساه، ويسمعنا أغنية بيّاع الخواتم، ونشعر بالرطوبة، بالغيث يسيل علينا ويمدّنا بالجمال الفيروزي والرحباني. وهذا ميخائيل نعيمة في قوامه ولا يتزحزح عن الذكاء في النظرات، في المتابعة، وفي القول الطيب الذي لازمه. والمعاصرون كثر، هؤلاء قومي وأنسبائي، ولا أحد إلا شاركني وألا شاركته، وهكذا حسين مروه ومحمد دكروب.
وهكذا كنت المهر والحصان المجلّي معًا، وأركض على كلّ الرمال، ولا أدع فسحة من أهل القلم إلا أمشي على أصدافها وعلى حصاها وعلى حجرها الأملس، وأرمي من أصادفه، أيًا كان بالتحية وأنزل في ظهرانيه، لأكون الأكول والنهم في صحنه الفكري، وفي أفقه المفتوح، وفي نفسه الحرّى التي تذوب في النخوة وفي الإحاطة، وفي معرفة كنه الوطن، وأعبّ من كبرياء المهنة وإضافة الجديد الذي لا مفر منه...



وفاة أستاذ جامعي أسود تزعزع مصداقية كامبريدج

جيسون أرداي
جيسون أرداي
TT

وفاة أستاذ جامعي أسود تزعزع مصداقية كامبريدج

جيسون أرداي
جيسون أرداي

عُثر يوم الجمعة الماضي على جثة جيسون أرداي، أصغر أستاذ جامعي أسود في جامعة كمبريدج، التي كانت قد تجاهلت سلسلة من التحذيرات بشأنه.

وكان جيسون أرداي قد عين عام 2023 ليصبح أصغر أستاذ أسود في الجامعة. وعندما أجرت جامعة كامبريدج مقابلة مع جيسون أرداي لشغل أحد أرقى المناصب في مجال علم الاجتماع على مستوى العالم، كان أكاديمياً في بداية مسيرته المهنية ويفتقر إلى المؤهلات الكافية وفقاً لمعايير الجامعة نفسها.

كانت متطلبات الجامعة -التي اطلعت عليها صحيفة «نيويورك تايمز»- تشترط وجود «سجل بحثي متميز ذي مكانة دولية» و«سجل نجاح مثبت» في الإشراف على طلاب الدكتوراه. في المقابل، كان لدى الدكتور أرداي سجل متواضع في النشر العلمي، كما تنقل بين عدة جامعات دون البقاء في أي منها لفترة كافية للإشراف على برنامج دكتوراه كامل يمتد 3 سنوات أو أكثر.

ورغم ذلك، وظّفته كامبريدج في عام 2023، ليصبح -وهو في السابعة والثلاثين من عمره- أصغر أستاذ أسود في الجامعة، وذلك في وقت كانت فيه المؤسسة تواجه ضغوطاً لتعزيز التنوع. وبذلك، وضعت كامبريدج أرداي تحت الأضواء العالمية، مانحةً إياه منبراً في واحدة من أرقى جامعات العالم، وفي الوقت نفسه جعلته هدفاً للانتقادات.

عُثر على الدكتور أرداي ميتاً، وذلك بعد أيام من استقالته من منصبه وسط اتهامات بأنه سرق أجزاء من أوراقه البحثية، وبالغ في تفاصيل مذكراته المنشورة حديثاً، واختلق جوانب من قصة حياته. وقد تفجرت هذه القضية المثيرة للجدل لتلامس قضايا حساسة تتعلق بالعرق، والتنوع، والوسط الأكاديمي.

في خطاب استقالته المؤرخ في 5 أغسطس (آب)، كتب أرداي: «لم أعد أرغب في الشعور بأنني أعيش تحت أضواء مسلطة باستمرار، حيث تخضع كل جوانب حياتي للتدقيق والحكم العام». وأضاف: «هذه ليست نهاية عملي، بل هي مجرد نهاية لهذا الفصل». وذكرت عائلة الدكتور «أرداي» أنه واجه، منذ بدء عمله في جامعة كامبريدج، حملة تدقيق استهدفت النيل منه والتشكيك في أهليته، وهي ضغوط فاقت قدرته على التحمل.

ومع ذلك، فمن غير المرجح أن تنتهي التساؤلات حول مسيرة الدكتور «أرداي» المهنية بوفاته، إذ هذه التساؤلات تتعلق بجامعة كامبريدج بقدر ما تتعلق به شخصياً. فالجامعة العريقة -التي يعود تاريخها لقرون مضت وتخرج فيها عظماء مثل إسحاق نيوتن وويليام وردزورث، فضلاً عن ملوك وملكات- تواجه الآن تدقيقاً واسع النطاق بشأن آليات اتخاذ القرار فيها، حتى من جانب أعضاء هيئة التدريس العاملين بها.

ورغم أن الدكتور «أرداي» لم يكن يمتلك المؤهلات الكافية للوظيفة التي شغلها، فإن قصته كانت استثنائية؛ فقد شُخِّصت حالته مبكراً بإصابة بطيف التوحد، وعانى من تأخر نمائي حادّ لدرجة أنه قضى طفولته بأكملها في مدرسة مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة. ووفقاً لروايته، فإنه لم ينطق بكلمة حتى بلغ الحادية عشرة من عمره، ولم يتمكن من القراءة حتى سن الثامنة عشرة، ومع ذلك نجح في الحصول على درجة الدكتوراه وبدأ في إلقاء كلمات رئيسية في المحافل الأكاديمية. وعلاوة على ذلك، فقد اشترك، كما يقول في مذكراته، في 30 سباق ماراثون خلال 35 يوماً لأغراض خيرية، وهو إنجاز كان من شأنه أن يضعه في مصافّ نخبة الرياضيين في العالم.

وإذا كانت بعض تفاصيل قصة الدكتور «أردي» تبدو -عند النظر إليها بأثر رجعي- مثالية لدرجة يصعب تصديقها، فإن جامعة كامبريدج تجاهلت مؤشرات تحذيرية متكررة. فقد أظهرت مراجعة لوثائق داخلية للجامعة ومقابلات مع زملاء سابقين ومقربين منه أن الإداريين -إلى جانب تجاوزهم لمرشحين أكثر خبرة لشغل الوظيفة- دأبوا على الإشادة علناً بالمستوى الأكاديمي للدكتور «أرداي»، بينما تجاهلوا سراً الشكاوى المتعلقة بعمله. كما رفضوا التحقيق في مخاوف بشأن الانتحال العلمي، واتهموا منتقديه بشنّ «حملة دنيئة» للنيل من مصداقيته.

وصرّح زميل سابق ومختص في علاج النطق، عمل مع الدكتور «أرداي»، لصحيفة «نيويورك تايمز» بأن ادعاءاته بشأن عدم قدرته على الكلام كانت عارية عن الصحة. ويؤكد خبراء في مجال التأخر النمائي واضطرابات النطق أن مسيرته -التي وُصفت بالاستثنائية- والمتمثلة في الانتقال من طفل لا ينطق قبل سن المراهقة إلى حاصل على الدكتوراه، ليست لها سابقة في الأدبيات الطبية. وكان ينبغي لهذا الأمر أن يثير الشكوك لدى لجنة التعيين في كامبريدج، التي ضمّت في عضويتها طبيباً نفسياً متخصصاً في طب نفس الأطفال وأجرى أبحاثاً حول التوحد، حسبما أفاد الخبراء.

وقبيل وفاة الدكتور «أرداي»، استغل معلقون محافظون تعثر مسيرته كدليل على خروج جهود «التنوع والشمول» عن مسارها الصحيح؛ إذ رأوا أن حرص جامعة كامبريدج الشديد على تعزيز التنوع قد أدى إلى تشويش حكم الإداريين على الأمور. وقال جاكوب ريس-موغ، وهو نائب سابق عن حزب المحافظين في بريطانيا، في وقت سابق من هذا الأسبوع خلال مشاركته في بودكاست «ديلي تي» (Daily T) التابع لصحيفة «التلغراف»: «يبدو أنهم قد انقادوا تماماً لأفكار التنوع والإنصاف والشمول (D.E.I)».

من جانبه، بذل الدكتور أرداي جهوداً حثيثة لإسكات أي تساؤلات حول مؤهلاته. فعندما سأل صحافي من صحيفة «تايمز للتعليم العالي»، وهي مجلة أكاديمية مرموقة، عن الانتحال العام الماضي، ساعدت شركة محاماة بريطانية بارزة متخصصة في قضايا التشهير في منع نشر المقال، وفقاً لما ذكره الصحافي. وقد أبلغ الدكتور أرداي الشرطة لاحقاً عن الصحافي.

وعندما شكك باحث من جامعة أخرى في عمله، قلب الدكتور أرداي الطاولة وقدّم شكوى عنصرية إلى الجامعة الأخرى، بحسب مصدر مطلع على الشكوى. وقد تحدث هذا المصدر، كغيره ممن تحدثوا إلى صحيفة «التايمز»، شريطة عدم الكشف عن هويته لتجنب الزجّ به علناً في هذه القضية.

لم يتطرق الدكتور أرداي بشكل مباشر إلى مسألة الانتحال والتلفيق. لكن ما يتضح من المقابلات والسجلات العامة هو أن بعض جوانب القصة كان من السهل على جامعة كامبريدج التحقق منها.

مذكراته ضمّت ادّعاءات كاذبة

نشأ الدكتور أرداي، وهو ابن مهاجرين غانيين، في مساكن شعبية في حيّ مختلط الأعراق من الطبقة العاملة في جنوب لندن. وقد شُخّصت لديه صعوبات في التعلم منذ صغره.

وادّعى أنه قبل بلوغه الحادية عشرة من عمره، كان يفهم اللغة، لكنه لا يستطيع الكلام. وفي عام 2022، قبل مقابلته مع جامعة كامبريدج، صرّح بأنه تلقى تعليمه حصرياً في مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة «مع تلاميذ آخرين يعانون من صعوبات تعلم شديدة وإعاقات جسدية».

وفي مذكراته، التي نُشرت يوم الثلاثاء، قدّم رواية مختلفة، إذ قال إنه التحق بمدرسة عادية، لكنه كان يقضي وقتاً معزولاً بمفرده في الفصل، دون أن يتكلم أيضاً.

كلا الروايتين كاذبتان، وفقاً لأشخاص عرفوا الدكتور أرداي في طفولته وتحدثوا إلى صحيفة «التايمز» قبل وفاته. وذكر أحد إخصائيّي النطق، الذي عمل عن كثب مع الدكتور أرداي الشاب، أنه كان يعاني من تأخر في اللغة، لكنه كان يتحدث مع الأطفال والبالغين على حد سواء. وتذكر زميل دراسة له، وهو جوناثان ستيوارت، أن الدكتور أرداي كان يطلق النكات ويقلّد لهجات عديدة عندما كانوا صغاراً.

وعلى الرغم من أن الأطفال غير الناطقين قادرون على تعلم الكلام، حتى في سن متأخرة، فإن التطور السريع الذي وصفه الدكتور أرداي غير مسبوق في الأدبيات السريرية، وفقاً لـ3 خبراء في التوحد والنطق. ويقول ستيفن كاماراتا، خبير علوم النطق في مختبر الإعاقات النمائية التابع لجامعة فاندربيلت: «خلال أكثر من 40 عاماً من الممارسة، ومع إلمامي الواسع بالأدبيات، لم أسمع بمثل هذا الأمر قط. إنه أمر يصعب تصديقه».

أصغر أستاذ أسود في الجامعة

يُعدّ منصب الأستاذية المرموق في جامعة كامبريدج، وهو منصب دائم التمويل يتمتع بمكانة مرموقة ودعم بحثي، من بين أكثر الوظائف الأكاديمية طلباً.

وتقدم الدكتور أرداي لشغل منصب الأستاذية، عندما أعلنت الجامعة عن الوظيفة دولياً، وشكّلت لجنة من 9 خبراء لمراجعة المرشحين.

اختارت اللجنة 4 مرشحين نهائيين، ودعتهم إلى كامبريدج لإجراء مقابلات لمدة يومين. وتنافس الدكتور أرداي مع 3 باحثين كبار آخرين، من بينهم سيدتان من ذوات البشرة الملونة، وفقاً لشخص مطلع على عملية التوظيف.

واحتوت أوراق الدكتور أرداي المنشورة وأطروحته على عشرات الأخطاء النحوية، بالإضافة إلى اقتباسات متطابقة منسوبة إلى أشخاص مختلفين.

وليس من الواضح ما إذا كان أعضاء لجنة التوظيف قد راجعوا خطابات الدكتور أرداي ومقابلاته. ولو فعلوا، لوجدوا في قصته عناصر يصعب تصديقها، مثل ادعائه المشاركة في الماراثون، أو عناصر زائفة بشكل واضح، مثل زعمه العلني مشاركته في المسلسل التلفزيوني البريطاني «سفن أب» (صرح المتحدث باسم الدكتور أرداي مؤخراً بأنه لا ينبغي أخذ هذا الزعم حرفياً).

وكان بإمكان بول رامشانداني، وهو طبيب نفسي للأطفال وعضو بارز في لجنة التوظيف، التشكيك في ادعاء الدكتور أرداي بأنه تعلم الكلام في سن الحادية عشرة والقراءة في سن الثامنة عشرة.

ولم يستجب الدكتور رامشانداني ولا غيره من أعضاء اللجنة لطلبات التعليق.

لقد قامت اللجنة بتعيين الدكتور أرداي، في قرار وصفه رئيس قسم التعليم آنذاك بأنه بالإجماع. وسلّط توظيفه في جامعة كامبريدج، ثم موته، الضوء على قصته الشخصية المؤثرة، التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة على جانبي المحيط الأطلسي.

* خدمة «نيويورك تايمز»

في خطاب استقالته كتب أرداي «لم أعد أرغب في الشعور بأنني أعيش تحت أضواء مسلطة باستمرار حيث تخضع كل جوانب حياتي للتدقيق»


قصيدة النثر وغناؤها الحديث

قصيدة النثر وغناؤها الحديث
TT

قصيدة النثر وغناؤها الحديث

قصيدة النثر وغناؤها الحديث

منذ مدة طويلة وأنا أتابع أصدقائي الشعراء وأقرأ لهم ما تيسر لي من الوقت جديدهم الشعري، وأفرح أيما فرح حين يدهشني احدهم بقصيدة أو ومضة أو بيت شعري فارق، ولكن ويا للأسف مر وقت ليس بالقصير دون أن تهزني قصيدة، أو دون أن أقول «يا الله» من كل قلبي، حتى ظننت أن ذائقتي عطبت، أو أن العمل الإداري أكلني، وترك روحي جافةً أمام النصوص الإبداعية، فما بين مذكرات مُديري الإدارة والحسابات إلى مدير القانونية ومطالعاته إلى مشاكل اللجان وصعوباتها، حتى ظننت أني نشفت تماماً من ماء الشعر كتابةً وتلقياً، حتى استقبلت قبل أيام الشاعر عباس حسين، وأنا أراه للمرة الأولى قادماً من محافظة بابل، حيث أهداني نسخةً من ديوانه الأول، الذي طبعته «دار الشؤون الثقافية» 2026 «القبور ظروف والموتى رسائل». وهذا الأمر أسعدني كثيراً أن تطبع الدار مجموعة شعرية لشاعر أو لشعراء لا أعرفهم مباشرة، وليسوا أصدقاء لي، إنما العمل يأخذ طريقه من حيث عرضه على لجنة التأليف والنشر، ومن ثم خبير مختص، وبعدها مصحح، ليأخذ طريقه الروتيني لطباعة العمل، وكل هذه الرحلة للكتاب داخل المؤسسة لا علاقة لي بها، من حيث التأثير والضغط في طباعة الأعمال؛ لأن العمل الجيد هو من يفصح عن نفسه دون وساطات، المهم أنني التقيت الشاعر عباس حسين وسلمني نسخة من ديوانه، وبدأت أتصفح المجموعة وأنا في طريقي إلى البيت، فتوقفت عند جملة مضيئة في بداية المجموعة صرخت عندها وصحت «يا الله»، ماذا يقول عباس حسين:

لستُ صفحةً لتطويها

أنا دمعةٌ

امسحني

بصراحة هزتني هذه الومضة الساحرة، فقد اكتنزت بالتكثيف الشديد والحاد، كما يحمل النص القصير هذا دلالته التي تُمسك ولا تُمسك، تشير على المعنى ولا تدل عليه، أعدت قراءة النص هذا مرة أخرى وثالثة ورابعة وما زال محتفظاً بحرارته، انقطعت القراءة حين رن الهاتف وأنا في السيارة، فتركت المجموعة حتى وصلت البيت، ومع إعجابي الشديد بهذا المقطع، لكني قلت بيني وبين نفسي لا تكن انطباعياً فتهزك جملة شاعرية، فاستيقظ بداخلي فجأةً الأكاديمي الذي كنت أقمعه أمام برية الشعر ولا منطقيته، ولكني بقيت مصرّاً ولا همّ لدي إلا التفرغ لهذه المجموعة، واكتشاف هذا الشاعر الذي وجدته ممتلئاً صدقاً وانكساراً وشاعرية، فهو بلا ضجيج، حيث يأخذ بيدك ليدلك على جمرات هذه الحياة، ولكنها جمرات لغوية تشعر أنها لك، ولكنك لا تعرف سر كتابتها، وكيف خرجت بهذه الشاعرية.

المجموعة «القبور ظروف والموتى رسائل» صغيرة جداً، حيث لا تتجاوز الـ130 صفحة من القطع المتوسط، وتحتوي 29 نصاً أو قصيدة من قصائد النثر، القصائد بمجملها قصائد قصار تكاد تأخذ معماراً معتمداً على الومضات داخل النص الواحد، فالنص لدى عباس حسين مبني بطريقة النصوص المتعددة أو المفككة، كل مقطع يتحدث عن موضوعة ما، ولكنه يربطها بخاتمة تجمع النصوص في وحدة عضوية كاملة تندب فيها الإنسان ووحشته على هذا الكوكب:

اقلبِ الصفحة

ولكن برفق

هذه

صفحة

حياتي

يا لها من مفارقة ذكية، حيث يربط القارئ الذي يقلب صفحات هذا الديوان بالشاعر نفسه وبحياته، التي سكبها على الورق، دون أن يحشر القارئ بالاستعارات والكنايات وحذلقة اللغة أو التجريب الممل على النصوص، إنها الحياة على شكل قصيدة بلا رتوش، تلك الحياة التي افتتح بها مجموعته الشعرية أيضاً حين قال:

لم أتعلم من حياتي سوى أن أكتبها هكذا

ح ي ا ة

واضح أنها ممزقة

وما زلت أنتظر امرأةً تخيطها

إنه يتلاعب بقصيدة النثر برشاقة لاعب سيرك ماهر، يمسك بها فيمسح عنها غبار التجريب الصعب والتلاعب اللغوي المجتر ويمنحها الصدق فقط، حين يكون الشعراء صادقين فإنهم يمنحون اللغة حساسية مختلفة، وحين يكونون منغمسين مع طينهم اليومي وحياتهم الطبيعية سينتجون نصوصاً تشبههم:

أتذكر القلب الطيني

الذي صنعناه معاً في صغرنا

يدق الآن في صدري

أي اختزال وأي تكثيف للغة وللوقائع وللذاكرة والطفولة والحياة والحب، كل ذلك بسطرين وبجملة صادمة «يدق الآن في صدري» دون أن يلتف الشاعر على المعنى ليذهب بعيداً ويتحذلق باللغة ويجرّها من شعرها، دون أن يصل للمعنى الذي يريد، ليرهق نفسه، والقصيدة، والمتلقي، وهذا ما تجاوزه عباس حسين في هذه المجموعة الصادمة والمكثفة ذات الجملة الخاطفة، والجمل الخاطفة بصراحة من أكثر الأشياء التي يحتاج إليها الشاعر، فالشاعر من دون رشاقة جمله والتماعها بشكل سريع وخاطف لا يعول عليه وعلى تجربته؛ ذلك أن عدداً كبيراً من شعراء العربية الذين يكتبون وفي الأشكال كافة، سواء الموزونة منها أو النثر فإنهم يميلون إلى التفصيل والإسهاب واللغو بدل اللغة، فكلما اقتصد الشاعر بلغته وفكرته فإنه سيصل أسرع إلى القلب، وينفذ سهمه سريعاً، أما الذين يجرجرون بالكلام ويلتفون حوله وفيه، فإنهم يمنحون نصوصهم ترهلاً يمنعهم من التحليق ويكتفون بالسير ببطء داخل المنزل فقط.

أعود إلى عباس حسين وإلى تجربة جيله الشعري الذين لا يقلون جمالاً عن هذه التجربة، فالشعر العراقي ما زال حياً بوجود هذه الأجيال التي تضخ القصيدة بكل ما هو جديد، رغم أن تجربة عباس حسين ربما ترتبط بخيط خفي بتجربة محمد الماغوط، فأنا أزعم أن مرجعية عباس الثقافية تكاد تدور في فلك الماغوط من حيث البناء الشعري والجمل المكثفة والصادمة، وكذلك من حيث الغنائية التي تتسرب لروح قصيدة النثر، فتجربة عباس في هذا الديوان تجربة ممتلئة غنائية واضحة ومتشربة بالعاطفة دون أن تستثمر تقنيات الحداثة من رموز وأساطير ودراما، وربما هذه الصفات هي التي منحت هذه الأريحية والتلقائية في نصوص عباس بحيث يدخل المتلقي لهذه النصوص، دون استئذان ودون تعقيد، إنها نصوص الحياة المباشرة الحارة والساخنة والحادة في الوقت نفسه، وهي تلتقي إلى حد كبير بتجربة الماغوط، خصوصاً في بدايته «حزن في ضوء القمر»، حيث قصيدة النثر لم تعرف بعد التقنيات الشعرية الحداثية لتنطوي على نفسها وتبني جداراً صلداً بينها وبين المتلقي؛ لهذا تجدها فتاة متمردة ناثرة شَعرها في البرية دون قيود، ولكن فيما بعد مرت تلك القصيدة بفلترة كبيرة منعت وصدت جموحها ونفورها، وبدأ الشاعر الحديث يفكر بتقنيات الحداثة أكثر من القصيدة.

* شاعر عراقي والمدير العام لدار الشؤون الثقافية العامة وزارة الثقافة والسياحة والآثار

، لهذا صرنا أمام ركام كبير من التراث الشعري الفاقد للحرارة والعاطفة وتحول الشاعر إلى ماكنة ينتج نصوصاً جافة ولكن هذه النصوص الجافة صادفت نقادا جاهزين لها يبررون جفافها وبرودتها تحت مفاهيم لا يفهمونها، ومصطلحات يلوكونها فقط في الدراسات دون أن يكون لها أي أثر على الشعر وحرارته؛ وبهذا فقد فقدنا الكثير من التجارب الساخنة التي أطفأت تحت خانة التحديث وتحول الشاعر إلى نجار يصنع نصاً وليس إلى مجنون يهيم مع نصه؛ لهذا فإننا نحتفي بالمجانين القلة في هذا العالم الذين ينطلقون دون أن يعرفوا إلى أين، يضيعون فقط ولا يصلون، تلك هي الشاعرية، وقبل سنوات قال محمد الثبيتي:

قصائدي أينما ينتابني قلقي

ومنزلي أينما أرمي مفاتيحي

ولهذا؛ فإن صدور مثل هذا الديوان لعباس حسين هو مصدر للفرح وللإضافة في الشعرية العراقية التي أتمنى عليه التواصل والصعود عالياً في هذه التجربة، وأن يبقى رشيقاً في قصائده لكي يحلق عالياً:

تسألينني عن الشمس

وأخبرك بأن الأرض عندما كانت طفلة

كانت الشمس طائرتها الورقية

فتبتسمين

ثم نمد أيدينا في الرمل ونحفر حتى نتصافح

اليوم أفعل كل ذلك وحدي

أجيء متأخراً وأقف على قبرك

أتوهم بأنك زعلانة

أسال عن الشمس

وأجيب بأن أحداً ما قطع خيطها وهربت.

* شاعر عراقي والمدير العام لدار الشؤون الثقافية العامة وزارة الثقافة والسياحة والآثار


الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟
TT

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

هل توجد فلسفة للشعر يا ترى؟ هل يحتوي الشعر على أعماق فلسفية؟ دون شك. ولكنه لا يعبر عنها بطريقة نثرية منطقية عقلانية وإنما بطريقة مجازية شعرية جنونية. نقول ذلك على الرغم من أن هناك فلاسفة أكبر شعرياً من الشعر. من أشهرهم نيتشه في الغرب. «هكذا تكلم زرادشت» أقوى شعرياً من كل شعر لأنها تحتوي في ضربة واحدة على عبقرية الشعر وعبقرية الفكر. إنه يحلق فيها إلى أعلى الأعالي أو يهبط إلى أسفل سافلين. إنه يتلاعب باللغة والفكر كيفما شاء عندما يجن جنونه وتتوهج عبقريته.

وجان جاك روسو في اعترافاته العبقرية ألا تحتوي على الشعر؟ ألا تحتوي على شعر أكبر فنياً وجمالياً من كل شعر. وقس على ذلك... ولكن ليس كانط. لا تطلب من كانط أن يكون شاعراً. مستحيل. كانط صفر على الشمال قياساً إلى نيتشه من هذه الناحية. وقلَّ الأمر ذاته عن هابرماس: كانط العصور الحديثة. فهو صاحب أسلوب وعر ومزعج ومرهق. وينبغي أن تصبر عليه صبر أيوب لكي تصل إلى نتيجة هذا إذا ما وصلت. وبالتالي فلا متعة في قراءته ولا ماء ولا حياة في أسلوبه.

وأما في جهتنا العربية، فقد وُصف أبو حيان التوحيدي بأنَّه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء» لأنَّه يمزج بين جمال الأسلوب وعمق الفكرة. يكفي أن نغطس في مؤلفاته لكي ندرك ذلك. المقابسات، البصائر والذخائر، الإمتاع والمؤانسة، الصداقة والصديق، الإشارات الإلهية... تحف ما بعدها تحف، جواهر ما بعدها جواهر. وأما المعري فقد وصفوه بأنه «شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء». اسم على مسمى. هل هناك أعمق منه فكرياً في قصائده؟ «غير مجدٍ في ملتي واعتقادي» تعتبر أعمق قصيدة فلسفية وأروع قصيدة فلسفية ليس فقط على مستوى الآداب العربية وإنما على مستوى الآداب الكونية بأسرها.

كان الناقد الفرنسي هنري لوميتر قد نشر كتاباً بعنوان: «الانفجار الرومانطيقي والحداثة الشعرية». لاحظوا العنوان ما أجمله: «الانفجار الرومانطيقي». الشعر العظيم ينبثق انبثاقاً أو ينفجر انفجاراً وإلا فليس شعراً. وكان الناقد الكبير جان بيير ريشار قد نشر كتاباً مهماً وممتعاً جداً بعنوان «الشعر والعمق». وفيه كرَّس فصلاً كبيراً لبودلير بعنوان: «عمق بودلير». ذلك أنَّ بودلير، بحسب وجهة نظره، هو شاعر الأعماق العميقة، الأعماق السحيقة. مَن يعلم إلى أي المهاوي المرعبة كان يهبط بودلير عندما يجن جنونه في خلواته؟ مَن كان يعرف حجم اكتشافاته وابتكاراته الشعرية؟ مَن كان يعرف حجم الآفاق اللانهائية التي توصَّل إليها؟ ولذلك رثاه رينيه شار قائلاً:

لا تبحث عن تخوم البحر

إنها ملكك، بين يديك

لقد وهبت لك في ذات اللحظة

كحياتك المتبخرة العابرة

العاطفة كما تعلم

هي بنت المادة

إنها نظرتها المتموجة الرائعة.

شاعر كبير يتحدث عن شاعر كبير آخر: ماذا تريدون أكثر من ذلك؟

في الكتاب ذاته يخصِّص جان بيير ريشار فصلاً كاملاً لرامبو بعنوان: «رامبو وشعر الصيرورة المتجددة الرائعة». وهو يستهله بهذه الكلمات لرامبو:

«الثالثة فجراً. وحدي في الغرفة. الشمعة تذوب رويداً رويداً وتكاد تنطفئ. فجأة العصافير تزقزق كلها دفعة واحدة في الأشجار. جوقة موسيقية رائعة. انتهت السهرة. انتهى العمل. لم يبقَ لي إلا أن أراقب الأشجار والسماء من نافذتي وأنا في حالة من الذهول والانخطاف لا تكاد توصف. إني أعيش اللحظة الحاسمة: لحظة موت اليوم السابق وولادة اليوم الجديد. يا إلهي ما أحلاها من لحظة. إني مذهول بهذه اللحظة الخارقة للفجر».

يعلق جان بيير ريشار على ذلك قائلاً: «هذه اللحظة الخارقة، هذه اللحظة التي لا يكاد يستبين فيها الخيط الأبيض من الخيط الأسود، هذه اللحظة التي تمثل الولادة السعيدة والمعجزة لليوم الجديد، هي لحظة رامبو بامتياز. إنه يبيع حياته كلها من أجلها. إنه مستعد لأن يسهر الليل كله لكي يراها». ولكن هناك لحظة أخرى قد لا تقل أهمية، هي تلك التي يتحدث عنها بودلير في آخر ديوانه «أزهار الشر»، لنستمع إذن إلى هذا المقطع الذي يعبِّر فيه عن حنينه إلى لحظة الموت بعد أن ضجر وملَّ من هذه الحياة:

آه يا موت، أيها القبطان القديم،

لقد آن الأوان! فلنقلع الأشرعة!

هذه البلاد تضجرنا، آه يا موت!

فلنرحل!

إذا كانت السماء والبحر أسودين كالحبر

فإنَّ قلوبنا، التي تعرفها، مفعمة بالنور

صبّ علينا سمومك لكي تقوّينا

نريد، ما دامت هذه النار تشعل رؤوسنا،

أن نغطس في أعماق الهاوية،

جحيم أم جنة؟

لا فرق

لا يهم

نريد أن نرحل

آه يا موت!

تقنا للإبحار في أعماق المجهول

عسى أن نكتشف طعماً جديداً!

كان بودلير قد جرَّب كل شيء في الحياة وملَّ من كل شيء ولم يعد هناك شيء آخر لكي يجربه إلا الموت. كان تواقاً لكي يتعرَّف عليه، لكي يذوق طعمه، لكي يعرف ما هو بالضبط. هل للموت طعم يا ترى؟ هل له مذاق خاص؟ كيف هو؟

مع بودلير حصلت النقلة من الشعر الرومانطيقي إلى الشعر الحديث. من شعر اللغة المباشرة، إلى شعر اللغة الرمزية أو المرموزة. من شعر العواطف الجياشة الفائضة، إلى شعر العواطف الملجومة الباردة. من الشعر الذاتي، إلى الشعر الموضوعي. باختصار شديد حصلت الحداثة الشعرية التي كرَّست لها أطروحة الدكتوراه في السوربون يوماً ما. أقصد الحداثة الشعرية العربية التي تلت الفرنسية بعد 100 سنة. ولم تكن أقل بهاءً وروعةً منها. لم يعد الشاعر يسمح لوهم الغنائية المباشرة أو حتى المائعة في أحيان كثيرة أن تسيطر عليه. أصبح رأسمال الشاعر هو: عدد الصور الجديدة أو المجازات الجديدة التي دشَّنها أو ابتكرها من العدم. وكل الشعراء الذين يتلونه يصبحون عالةً عليه أو على مجازاته الخارقة حتى يجيء شاعرٌ آخر كبير قادر على «قتله»: أي على تجاوزه والانحراف عنه، عن طريق تدشين فضاءات أخرى للشعر، عن طريق ابتكار مجازات وصور أخرى لم تخطر على بال بشر من قبل قط. هنا تكمن معجزة الشعر. لم يصبح رامبو شاعراً كبيراً إلا بعد أن «قتل» بودلير: أي بعد أن تخلّص من تأثيره، وطار بجناحيه مستقلاً عنه. وقل الأمر ذاته عن المتنبي بالقياس إلى أبي تمام، أو المعري بالقياس إلى المتنبي. ولكن مَن يستطيع أن يقتل المتنبي؟ لم تلده أمه بعد.

أخيرا من أهم ما كُتب عن فلسفة الشعر رسائل ريلكه الشهيرة إلى شاعر شاب طلب نصيحته. إنها تنفذ إلى جوهر الشعر، إلى أعماق الشعر، إلى مطبخ الشعر: أي إلى الكيمياء السحرية المولدة للشحنات الشعرية. قال له: إذا لم يكن الشعر بالنسبة لك مسألة حياة أو موت فلا داعي لأن تعذِّب نفسك وتكرس حياتك لشيء لم تخلق له. بهذا المعنى وبالمختصر المفيد. مَن يستطيع أن ينسى صوت ريلكه، حنين ريلكه، الجنون الداخلي لريلكه؟ ومع ذلك فلم يحظَ بجائزة نوبل وإنما حظي بها شاعر فرنسي يدعى: سولي برودوم.

هل سمعتم باسمه؟ حتماً لا. مَن هو هذا الأحمق الذي يجهل عظمة ريلكه، عبقرية ريلكه؟ ليس هيدغر على أي حال. ومعلوم أنَّ الفيلسوف الكبير كرَّس له دراسة مطولة في كتابه المعروف: «دروب تؤدي إلى لا مكان». وهذا العنوان مأخوذ حرفياً من عنوان قصيدة لريلكه ذاته. وبالتالي فهو ليس من هيدغر على عكس ما نظن.أخيراً ربما كان أهم كتاب عن فلسفة الشعر هو تلك الدراسات المطولة التي كرَّسها هيدغر لشعر هولدرلين بعنوان: «مقاربات هولدرلين»، أو إضاءات مسلطة على شعر هولدرلين. ومنها نستنتج ما يلي: بالنسبة لهيدغر فإنَّ الشعر ليس فقط مجرد فن أدبي من جملة فنون أخرى وإنما هو عصارة اللغة والمحل الذي تتجلى فيه حقيقة الكينونة وجوهر الوجود. إنه يتيح للإنسان أن يهرب من الجفاف التكنولوجي للعالم الحديث. إنه يتيح له أن يسكن الأرض شعرياً. ومن كثرة إعجاب هيدغر بشعر هولدرلين طلب منهم أن يقرأوا على قبره قبل الدفن بعض قصائد شاعر ألمانيا الأكبر.

وُصف أبو حيان التوحيدي بأنه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء» لأنه يمزج بين جمال الأسلوب وعمق الفكرة