أدونيس وأنسي الحاج في مواجهة مع يوسف الخال وإزميله (1 - 3): شوقي أبي شقرا يتذكر ويكشف خفايا نزاعات شعراء مجلة «شعر»

من اليمين: أدونيس، شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، يوسف الخال
من اليمين: أدونيس، شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، يوسف الخال
TT

أدونيس وأنسي الحاج في مواجهة مع يوسف الخال وإزميله (1 - 3): شوقي أبي شقرا يتذكر ويكشف خفايا نزاعات شعراء مجلة «شعر»

من اليمين: أدونيس، شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، يوسف الخال
من اليمين: أدونيس، شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، يوسف الخال

تنفرد جريدة «الشرق الأوسط»، وعلى مدى ثلاث حلقات، بنشر مقاطع من كتاب «شوقي أبي شقرا يتذكر» الذي يصدر يوم 21 من الشهر الحالي عن «دار نلسن»، ويوقعه الكاتب في «جامعة الحكمة» في بيروت. ومن المعروف، أن شوقي أبي شقرا من النواة الأولى لشعراء مجلة «شعر»، كما أنه يعتبر المؤسس لأول صفحة ثقافية يومية في لبنان، بقي على رأسها أكثر من 30 سنة حتى خروجه من جريدة «النهار». وخلال التجربتين الكبيرتين، كان على تقاطع وتفاعل مع غالبية رواد الأدب العربي الحديث منذ ستينات القرن الماضي وحتى الجيل الجديد من الشعراء. في هذه الحلقة الأولى، يكشف أبي شقرا عن كواليس مجلة «شعر»، وصراعات شعرائها الأقطاب، وتلك المحبة البكر التي وصلت بفعل المنافسة الشرسة، إلى حدود العداء والفرقة، وعن دوره في «تقليم ونحت قصائدهم». وفي الحلقتين المقبلتين مزيدا من خبايا شعراء الحداثة وأدبائها التي نادرًا ما يُكشف عنها، من أنسي الحاج إلى الماغوط والسياب، وهناك فيروز وأمين معلوف، واللائحة تطول.
العام هو 1958، عند يوسف الخال في نزلة مدرسة الفرير، رأس بيروت، محطة غراهام، ووضعت له مواد لمجلة «شعر» في تلك المطبعة لشقيقه رفيق. وهو القيّم على التحرير وعلى أن يتسلّم المواد من الشعراء، من الكتّا‌ب، من جميع أهل القلم الذين فيهم الملكة لأن يلبوا ما تبغيه المجلة المقدامة والطليعية، من نصوص هي في الاتجاه، وأن يلتقي الجميع وأن ينضم الجميع إلى الحركة التي يقوم بها يوسف الخال وبعض الشعراء، وهم من الذين يمارسون النشاط فيها ويضعون قصائد، ويصوغون أبياتًا من خارج التراث، خارج المتوارث، ويعمدون إلى أن يقدموا الأجمل، وهو ما تطمح المجلة إلى أن يكون وأن تكون «شعر» هي الشجرة، وأما هم فالذين يسقونها والذين يضيفون أغصانًا إلى ما عندها من الغنى والمحتويات، وألوانًا تصب في النهضة الجديدة، وأن تكون الجدة الحديثة جدة في ملء تفاسيرها، وملء حذافيرها.
‏والشعراء هم أدونيس، وأنسي الحاج، وفؤاد رفقة وأنا. وربما علينا أن نزيد سوانا من الذين أتوا إلى المجلة، إتيانًا متقطعًا، مثل محمد الماغوط ومثل نذير العظمة، وكذلك ولا أنسى، هناك عصام محفوظ، الذي، في إحدى الفترات، كان أمينًا في الوجود وفي المساهمة البناءة، إلى آخرين من العالم العربي، شعراء جاءوا ونزلوا بيننا، وكانت لهم علاقات مع المجلة في الأرقى وفي الأهم وفي الأحلى. وأذكر بدر شاكر السياب، وأذكر سلمى الخضراء الجيوسي، إلى شعراء من الجيل السابق ساهموا في صفحات المجلة مساهمات جليلة، وفي ملتقيات لها وفي نشاطات لها. إلى جماعات من المثقفين ومن المحبين ومن الفضوليين؛ لمعرفة ماذا عند أولئك الشعراء، من أفكار ومن علامات يطرحونها ويكشفونها لمن هم في جوع إلى مثلها، وفي سغب ملحاح للاطلاع على المقدرات وعلى التكاوين وعلى التصاوير، وما إلى ذلك، والإطار هو خميس المجلة. والإطار الحميم والأدنى إلى الذات هو الشعراء القلة الذين يمسكون الكتاب ويمسكون الصفحات إمساك الصقر بالطريدة.
* حلف أدونيس وأنسي
وأدونيس، بكلمة أخرى، كان الصديق الأقرب والعذب، لي ولبضعة غيري، في مطلع المغامرة الشعرية... ولست أندم على الاصطحاب الأنيس ورفقته، وعلى همومه التي لا يفارقها حديث الشعر، وأين الشعر، وما هو الشعر. ثم كان ذا شغف في العلاقة وفي المودّة، ولا أنسى أنه شديد البراعة في التواصل، وفي مرافقة الجميع، وفي أنني كنت مثل الشريك معه، بل أحرّ من ذلك، وطالما جلسنا والآخرون، من أي حدب أقبلوا، وأي صوب وجدوا، إلا، في تلك الفترة، جماعة الآخرين، أي من هم في مجلة «الآداب»، أو في مجلة «الثقافة الوطنية»، أو في جريدة «حزب البعث» آنذاك. وأدونيس غيّر المركب الذي نحن عليه وغادر البحر الخاص الذي كنا عليه، ليأتي الفئات المضادة من حيث المبدأ، لكنها المضادة له سابقًا، وكنت أنا مثل الوردة أفوح للجميع وأمضي حيث أسوار الجميع، وهو ما زاد لي قربًا منهم ونجاحًا عندهم قبل أدونيس وبعده.
ولا أنسى رينه حبشي وكيف احتضن أدونيس ثم تبدلت الحال، وراح الشاعر من ضفة لبنان إلى ضفة فرنسا، وغاص في الخضمّ، ناجحًا في عقد المودات أو العلاقات، وما هو يردّ عليه صاع النفع والوجود، ليكون متعددا.
ذلك نمط أو أسلوب، وما قعد مرتاحًا، وذلك مزاج ونوع من المهارة في الأخذ والردّ، وحين نوى الدخول إلى الجامعة اللبنانية ليكون أستاذا سئل أنه عليه أن يقوم بالدكتوراه. وأردف أن هذا على رأسه، وأنه عمد إلى هذه الدكتوراه وصاغها، ولم يخل الأمر من معركة حول كيانه الجامعي، وعند الآخرين اليقين ذاك، وعند الطلاب يقين مواز، وهو أنه أشرف على أطروحات كادت تبلغ العشرين، وكلها عن شعره ويا للعجب ويا سوأتاه.
وكنت أشرت إلى هذا العمل في لقاء معنا، يوسف الخال وأدونيس وأنسي الحاج وأنا، بدأ في منزلي في بيروت، الأشرفية ثم امتد إلى منزل أدونيس وخالدة جهة اليونيسكو في العاصمة اللبنانية. وكان الأمر هكذا حديثًا إلى يوسف الخال نفسه ومعه هاشم قاسم. والجميع سبقوني إلى منزلي في أمسية ذلك النهار القديم، وانطلق التسجيل قبل وصولي من جريدة «النهار» في الحمراء، منتهيًا من القراءة والكتابة ومن الصفحات لي. ولما نزلت بين الجميع، كان هاشم قاسم مقدمًا منحازًا إلى أدونيس وأنسي... وكان من هذه الزاوية يسمع أدونيس فيما يرى دون يوسف الذي هو المسؤول عن اللقاء لينشر في جريدة رياض الريس في لندن.
وحين صدر النص في تلك الجريدة التي توقفت منذ الأمد السابق، بكل وقاحة وبساطة حذفت هذه الإشارة في كلماتي، كما يفعل الضعيف دائمًا، وليس ذلك بسر أو بأنه يبقى في المجهول.
وهذا السلوك في طبعه، ولم أسكت دونه ولم أتغافل فنشرت المقطع المحذوف في جريدة «النهار» داخل الصفحات الثقافية، بل عمدت إلى تقديم اللقاء كاملاً على مرتين ووضعت النص، بل الأحرى وضعت الإشارة إلى ذلك، علامة أخرى أن من لا يكون صادقًا في موضع، لا يكون كذلك في موضع آخر.
وكتبت نصي المفروض عليّ، ونشر في السياق، ولجأت إلى فرنسوا عقل؛ ذلك أن ثقتي طارت في الريح، ولن أجلس حيث الآخرون ليسوا أهلاً للثقة، وتكرر الأمر تاليًا، في أمكنة أخرى، حيث أنا كأنني الخصم وأنني اللدود، وعلى أولئك أن يحاربوني وأن يقفوا ضدّي في كل الظروف وكلّ الأيام.
* أدونيس مدللاً «أدو» ومن الحب إلى الخصام
... ومن قبل كنت أتردد على المجلة على مطبعة رفيق الخال، شقيق يوسف، وكنت أصادف أدونيس، ويعروني ما يعروني من النخوة ومن كوني عنيت بهذا الأمر، بهذه المودّة الطالعة من الداخل، من غرفة القلب والعقل معا. وكان الصديق الألطف، وكنا على السواء، وعلى المثال الظريف من الصحبة، من الرفقة، وكان خميس مجلة «شعر» يلقى صداه في جريدة «الزمان»، حيث كنت الوصي على الثقافة وعلى أنواع المقالات، وعلى النصوص التي لها وجهها الطلق والأغرّ. وكان لي لقاء روحي ولقاء طمأنينة ولقاء زهرة طالعة من الخصب، وزهرة طالعة من أرض الجبل من العمق التراثي، ومن الجدود الذين كان شأنهم في الحجر الذي عمّروه وكله ضخامة في ضخامة. وكان لهم باع في الذكريات وفي حنايا الفقر الذي ليس كذلك، وفي ملاعب الغنى الذي ليس كما تحدده الكتب ويرسمه بعض الناس، بعض المراقبين. وهكذا ازدادت العلاقة المتناغمة. وكنت آنذاك ذلك الصبي، ذلك العصفور الذي يطرد الخيبة، وينط من صرح إلى صرح، ومن حبّة إلى حبّة.
وكان أنني صرت النديم وصرت القريب من الشاعر، وطالما هبّت ريح الموشحات النفسية، ونحن معًا، ونحن في سبيل الشعر كومة مشاعر وليس في أي مجال، أي آخر من الود، ومن الجلوس على الأنس وعلى أي مقعد من حجر أو من حرير. وهو الذي كان شاهدًا على ولادة قصيدتي «ها أنا وحدي كسنجاب ورجلاي احتضار». وهو وأنا كنّا في التواطؤ العاطفي الصريح، وفي أنني لأغطّي خميس مجلة «شعر»، في جريدة «الزمان»، كنت أدعوه «أدو» دلالاً له؛ ولأنه فيما فعل وفيما لديه من ترحاب ناعم ومن لطف في التعامل، في المصافحة، في الكتابة، كان الذي يبدو طريفًا ويبدو جديدًا، ويبدو صاحب قريحة وصاحب لغة عربية ناضجة، وما عليه سوى أن يؤلّف وأن يصبّ غزارته في قصائد لمّاحة وذات مساحة أناشيدية تضرب الجماد وتهزّ الجمود. وإذ تحركت الأيام تارة إلى الشمال وتارة إلى الجنوب، إلى الوسط وإلى الأطراف، وإلى الخارج كانت الحركة الشعرية في المجلّة، على طلاقتها وعلى سويتها. وكنت الذي يعكف على النضج التعبيري، الذي هو أنا «المرشد الجمالي» كما سمّاني محمد الماغوط، والذي في غياب الآخرين، كانت لي شهرة في القبض على القصيدة. وكما يؤخذ الصوف من الخروف، كنت آخذ وأقصّ وأشذّب ما طاب لي ذلك، وما طاب للقواعد الفنية أن أكون ذلك القيّم على النظافة الشعرية، وعلى أن تقف القطعة الأدبية أو الشعرية وقوف الصراحة والبيان المبين، ولا طوق فيها سوى اللمعة، وحين تبلغ القارئ يكون سكران بها، ونكون نجونا نحن الجميع، من الغلطة من الثوب العادي والقديم، ونكون في عيد دائم، عيد الكلمة المرتاحة في جلبابها وفي قميصها الخلاق.
وإذ تضاربت المنافسة، وإذ احتدّت السلطة والسلطان في المجلّة، حدث أن كان الغائب معظم الوقت، وحدث أنني، من جراء ذلك، سهرت طويلاً وجهدت كثيرًا؛ لأكمل الرسالة وأن أكون في موقع الحريص على الترويض، وعلى نقل النص أمامي، من الحشو ومن الظلمة العمياء، ومن ذلك الثقل إلى حيث يكون بعيدًا من الديجور، بعيدًا من الإغماء ومن الخطل. وأن تكون المسألة في الأساس هي الانقضاض على المعايب، وعلى رضوخ الكلمة للفراغ، ولأن يكون مصيرها مصير الكآبة ونصير الشعلة التي تخمد وتنقلب إلى رماد.
* أنا إزميل القصائد
وأعود إلى مجلة «شعر» وإلى كوني الإزميل الذي كان ينحت القصائد وأجواءها المثقلة بالزوائد والمصائب والثغر. وعند يوسف الخال، كما قلت سابقًا، كانت كلمتي هي الفصل وهي المقياس الذي يجب أن يؤخذ به؛ لأنني الحدس الكامل والثاقب، وكنت أنزل في القصائد والمقاطع الشعرية حتى المؤلفات التامة، نزول الصقر من الفضاء على طريدته، على الخطأ وعلى ما يعطّل أو يشوّه الجمالية، وعلى أن آتي إلى هذا الشأن، فأبصر فيه ما هو ضعيف وركيك وغير شعري. وأكون الذي يجرّد الشجرة من أوراقها الصفراء، حيث لا يعرف ذلك صاحبها أبدًا، وهي غريزتي وطبيعتي المدهوشة وصفتي النافذة إلى الماوراء، وما يختفي تحت التراب، تحت القشور، وأنفض كل ذلك في الهواء ولا يبقى في الساحة إلا الفارس، إلا القصيدة وهي التي استحمّت وفاح عطرها على الآخرين، وعلى أصحابها أولاً.
وأدركني الحلم واللون والثقة والمهارة التقنية والبداهة الحدسية، وهكذا نقلت تجربتي النحتية من مجلة «شعر» إلى جريدة «الزمان» فإلى جريدة «النهار». واختلقت القصيدة التي أمسكت بها يداي وقلمي، من وسخة إلى نضرة، ومن منكفئة وحيية إلى الصراحة وإلى الهوية التي تجعلها طيعة وقابلة لأن تكون في مرتبة الندّ، صالحة أنيقة ومهذبة، ومنطلقة إلى المكان البعيد، إلى الأفق السعيد.
* الشاطر مثلي ينقذ النصوص
والتفت هنا إلى الأب سليم عبو حين وضع كتابه «الثنائية اللغوية في لبنان» بالفرنسية، وقصدت إليه في مكتبه وفي عمارته بجامعة القديس يوسف، في تلك الأثناء من السنين الأولى، وكانت إطلالتي الشعرية بكرًا وبتولية إلا بعض اللمحات الغامقة الطابع والمتدثرة بالحلاوة الرقيقة، في مطلع التذوق. واقتطف مني، آنذاك، بعض الأفكار فيما نحن، في مجلة «شعر»، فاعلون وماذا على بالنا أن نكون، وأن نصل إلى الدوحة الطريفة وليس إلى السراب. وطبعًا كنت على فوضى، وما زالت الأشجار تفوتني، ولكنني أوصلت إليه بعض الأضواء، وبعض شرابي الذي صنعته في قصائدي تلك في الفاتح من تجربتي.
وكان أنني سمعت من أدونيس، في بيروت، في مدينتنا الأعزّ، بعد ذلك أنه التقى الأب سليم، وهو العلاّمة والمثقّف الواسع الصحن والرواق، في باريس، وأنه كما قال لي أضاف بعض الموضوع الذي كنت أبلغته إلى الأب عبو في بيروت.
وكنت أرتضي ذلك نفسه لولا أنه كان في تلك الفينة من العيش، يعتبر نفسه في موقع القائد، وفي رتبة أعلى منا، وهكذا كان يوسف الخال بهذه العلامة والصفة، في مبتدأ الأمر ومطلع التجربة.
ثم لمّا اشتد ساعدي ونخرت القيد وخرجت من الثقب هذا، تغيرت الآية وأنشدت آيتي وتجربتي، وحصلت على قصب المعركة، وما على الشاطر سوى أن يفعل مثلي، وسوى أن يكون محبًّا وممطرًا على رفاقه، وعلى أن ينقذ لهم ما هزل من النصوص وما كان فيه العيب إلى أشده. كما قلت من قبل.
* فؤاد رفقة مالك الحزين ومتواطئ
... ويوسف الخال الآتي مثل فؤاد رفقة مع عائلته من الجغرافية السورية، كان الذي له سيطرته وسطوته على المالك، على الحزين. لأن رفقة، وهو من أوائل الرفاق في مجلة «شعر» في بيروت، كان متواصل اللفتة نحو يوسف، نحو طبعه الآمر ونحو شخصه الآمر، الذي يحنق والذي يحب. وكلاهما منذ البدء وفيما بعد، تبادلا التواطؤ، تواطؤ المحبّة وتواطؤ اللجوء، من فؤاد غالبًا إلى يوسف. وإذ كانت لفؤاد بعض السيرة المعقدة والمضطربة، كان عندئذ ينظر إلى يوسف قدوة له، ويلوذ به في خيمته الأخلاقية، وفي سرب آرائه وأقواله. وكان يوسف شديد القاعدة نحو فؤاد، وكان المالك حزينًا في أي وقت. بل إنه، وهو الأستاذ المربي في الجامعة اللبنانية الأميركية، لم يقو على قبض الفرح الكامل والسعادة الكاملة. وأظنّه في عائلته التي من حوله وهو الحميم تجاهها، كان يلقط الشرارة، يلقط المتعة والسلام، وكذلك، حتى هنا، كان عميق الإدراك، وظاهر الأسى. وكأن به شوقًا إلى المحال، إلى تلك الرعشة البعيدة الغور وإبريق الصفاء. وكان إذ يأسف إنما يختبئ في الأسف، في ألوان من العذاب الفكري، ومن التحولات الكيانية. ونحن الذين قربه، وعلى مسافة قصيرة من شخصه، شاهدناه في استمرار غلوائه، في ملعب غنائيته المصطفاة، حيث هو كأنه يفنى في الفناء، وكأنه يصطدم بالصخرة الخيالية والصدمة العاطفية.
* يوسف الخال تهشّم على صخور المقربين
... وهكذا، بالموضوعية التي لا أظنّها تكرّرت على الرحب الذي كان لي، دعوت أدونيس ونحن رفيقان في مجلة «شعر» وفي حركتها، من مطلع الشروق، ومن بكورية النشوء، فأقبل عليّ في مكتبي في الحمراء، وكنت في حومة الوغى، حومة الحرب المتقلبة، من تلك الثمانينات وأنا أغرق مهنيًا في أعمال ومقالات وموضوعات وصفحات، وأنفث الروح، وتلك قاعدتي، حتى في الاقتصاد الذي تشقلب معي من جامد وجدي جدًا إلى متحرك ومنفعل، وكنت أفاجئ «غسان» تويني نفسه، ومعه التحرير والعلاقات القائمة مع الوسط الاقتصادي، وكان بعض التسليم بأنني أحرّك العنوان وأنني لا يهمني من يرضى ومن لا يرضى، وهذا كان شأني في أن يكون الطرب أولاً وأخيرًا في نفس القارئ. وهكذا أقبل أدونيس وجلس أمامي وغليونه في فمه، ولا ينبس ولا يتكلم هو، بل يضغط طرف الغليون، ويتطلع ويصغي إلى كلامي، أنني أريده أن يأخذ الصفحة الثقافية (في «النهار») عني وعرضت عليه تفاصيل ومكونات فيِمَ سيفعل، وماذا عليه أن يفعل، وأن يكون المسؤول، وهو لا ينطق أبدا، بل يهزّ رأسه موافقًا ومتربّصًا أن تتم العملية أفضل التمام.
وكنا كلانا غارقين في هذه العملية المفاجئة له، وليست لي، وكانت على وشك اليقين والاكتمال لولا بعض اليقظة، ولولا بعض الشك الذي يرافقني في أن أدونيس ليس صحافيًا، بل يجهل أن يكون صحافيًا. وهو شأنه المقالات والأفكار، وكيف كان لي أن أكون سكرتير التحرير في مجلة «شعر» في عزّها التحريري والإنشائي؛ إذ كان يمكنه، وهي فصلية، أن يملأ هذا الدور مع يوسف الخال وكان صحافيًا، ولم يستطع أن يملأه ولا أن ينصرف إليه. وهو ما كان يحدث في غياب يوسف مسافرا، وكنت أرتب له العبارة خبريًا، وأصوغ ما يليق بالنص، وأستغرب كيف أن عهد إليه ذات مرّة الإشراف على جريدة «البناء» اليومية، وكنت آتي أدونيس ونحن في صحبة دافئة، وفي اصطحاب متعاقب الحركة، وأنشر عنده مقالة، أو ما يطرأ من نوعها قبل أن أصير إلى مهنتي الصحافية صيرورة نهائية.
ولا يفوتني أن نزيه خاطر كان على بيّنة وعلى علم بذلك الاجتماع بيني وبين أدونيس، وإذا بالتلفون يرنّ، وإذا هو يخاطبني بهمسات تنبيه وتحذير من أن أترك الأمر لغيري، وإذا بي أنتهي ببساطة أنني لست مقتنعًا بهذا التوكيل، وبأنني على حق في أن أمارس المهمة الثقافية وحدي، وأن أظل القيّم على الصفحة، وذلك كان واستمر؛ إذ الصحافة مهنة وشوق إلى العطاء، وهناك من لا يملك المفتاح، ولا من يملك «افتح يا سمسم» ولو كان شاعرًا، ولو كان وراءه قوم ووراءه قرّاء ومتابعون.
وكيف وأنا متسائل، يتسلم مسؤولية صحافية وهو نفسه بعدما لاحظني أصوّب له عبارته قال لأنسي إذ زرناه على الأثر البسيط ذاك، إن شوقي يصحّح لي، بشيء من البساطة الصادقة، وهي تعني أنه لا يستطيع أن يكون غير ذلك، وهذا لا عيب فيه وما لا يحرجه أو يحرج أحدًا سواه. أما المقالات، فكان لها وكان يكتب النظري، وكان دوره هنا، على ما أوضح وطالما تكرر ذلك لدى يوسف الخال، وطالما صرح به أمامي وأمام من حضر مجلسًا لنا أو مجالسنا، أن أدونيس يفكر وأن الشعر الحديث ليس في الحقيقة صنفًا من المقالة أو مقالة فكرية في البادئ وفي البدء، وفي الأول من المطاف، وفي آخر القافلة. وفي آخر المطاف. ومعه حق، كل الصواب، وكل صلب التجربة.
وأزيد وأردد في جوقة الصادقين والمختارين، وفي قداس الصدق والصداقة والخل والزمن الوفي في بعض الطريق، وفي الزغردة خيرات وغلال، وفي الترداد صوفية وتصوف، وعلاقة بالحكمة التي تصرخ بالحق.
إذن، أفعل وأرى أن يوسف الخال صحيح أنه خسر من يقف قربه فيما بعد الذهاب وبعد الانتقال إلى الدار تلك، حيث القصائد تترى وتتوارد، وحيث نهر الشعر لا يخفت له رنين أو اندحار. وأنا صريح الفم والقول وكذلك لا يؤسفني أن أعتبر يوسف أنه يظل الذي جمع وحضن ودعا الآخرين من الخلّص والمهيأين لأن يكونوا في الطليعة، والذين هم المشاة إلى الأدغال الجميلة التي تحتوي على غرائب أوسع مما اشتهى ابن الرومي، ومما تصوّر أنها موجودة في الطريق إلى خارج النقطة، خارج المكان، حيث يقيم هو.
وصحيح أن يوسف كأنه تهشّم على صخور الذين حوله، على صخور المقربين والأقربين والذين شبّه أنهم حراسه، وأنهم سيكونون له المدافعين عن حقه في البقاء على منصة الكلمة الشهمة، والكلمة التي ارتوت من الندى ومن حداثة الأشياء، ومن طراوة الأيام ومن عمق التجربة، ومن هيبة العمل في الشأن الشعري. وقلما أحد غيره عمل لهذا الشأن باندفاع كما عنده، وبالنسكية الحلوة، والإخلاص الطويل مثلما كان ذلك عنده.
وعلى محلة أخرى وعلى منقلب ليس بعيدًا، كان يوسف يسبر الأشخاص ويعجم كينونتهم، ويدرك بالنقدية التي يمتلكها ماذا هو ذلك الآخر. وأظنه فهم غيره، وكان ذلك يضعه في حرج؛ إذ هو، من جهة رفيق له في البداية، رفقة ملازمة ولصيقة، ومن جهة ثانية كان على شيء من النقزة، وكان ذا شخصية أقوى، ينفعل جدًا ويعلو إلى فوق بأنفاسه وغضبه، وأما غيره فلا ينفعل، وإنما يكظم ما به ويغلف الأمر بالبسمة، وبزنبق الصمت ونسمة من اللامبالاة والحدب اللطيف. ويوسف أيضًا كان على شعور بما لدى غيره من إمكان، من شعرية، وأظن هذا الغير كان خائفًا من هذه اللمحة لدى يوسف، وكان يتوقاه ويتجنب أن يصل النقد بينهما والمكاشفة إلى حدّ المكاشفة. ويوسف ذو رأي أنه لا يجوز أن تكون القصيدة فكرة، وهو ما يعيبه ولا يطيقه في نصه، وكانت الأيام تقدمت بنا في مجلة «شعر»، وكذلك تبلورت نظراتنا ولم تبق في وجهة واحدة وعنيدة، وإنما نحن كالأحصنة، نحن أحرار فلا أطر ولا أقنعة، ويجب أن نكون أحرارًا بمعنى الحرية المطلقة والمزدانة بهذا المطلق والكمال.
ولئن كان عيب غيره هو هذا؛ فإن يوسف عيبه هو هذا أيضًا؛ إذ لا نكتب القصيدة أنها مقالة أو هي كذلك، كما يقول يوسف وإنما يوسف أيضًا شاء أن يضع الفكرة متدرجة من سطر إلى سطر، من فعل إلى فعل، ومن حبة رمل إلى حبة رمل تالية. وهو ما عمدت إليه أنا وضربته في «قصائد في الأربعين» (ليوسف الخال)، وحذفت و«فركشت» إلى أن استوى الأمر كما حلا ليوسف أن يكون، وكما حلا لي أن يكون. وحين صدر الديوان وفيه المقدمة، وكأنما يوسف ليست له راضية ومرضية، فلم يسألني البتّة، ولا كانت منه لمحة إلى مقالتي النقدية عن الديوان حين أغفلت، ولم أذكر الفعل والفاعل. وهنا الصاع صاعان؛ إذ هو لا يطيق أحدًا على الرغم أنه يلتفت إلى بعض الأسماء، وهو دائمًا يتصرف على ذوقه ويخرب الحقيقة تقريبًا خرابًا يشبه ما يكون الطلل حين يغادره الأهلون، ويظهر الرماد فقط ولا وضوح أبدا فيما يجب أن يكون وضوحًا ويستأثر بالحقيقة دائمًا، وحين لا توافقه يقوم هو بالحذف أو يدفع أحدهم إلى الحذف، كما حاله في شتى الظروف وأنواع المناسبات.
وحين تنضح الحقيقة في وجهه يتأفف ويتركك حيث أنت، ولا يرغب أن ينبت نبات آخر غير ما هو، وغير ما يطلع من بستانه، ولا هناك تقدير لمن يصعد من الضباب إلى النور إلى الوضح ويكاد يزاحمه، فيركض إلى ساحة جديدة ليمارس ما مارسته في ساحة سابقة من الترويج والعمل لنفسه وتزيين شعره وقصيدته أنهما هما الشعر والقصيدة، حين أن الرأي ينكشف رويدًا ومسارعًا أنهما يتضاءلان، وأن اللفظية باهظة الغلبة والثقل، وأن الحراسة عليهما من قبله بالنقد والعلاقات وتلبية الدعوات، كلها ما عادت تنفع ذلك؛ فالبيان بيان الساعة الأخيرة والضحكة الأخيرة.
وما كان أحد ليرشقه بوردة لو أنه حفظ للمنافسة وجهها الناصع وللخصومة رقيها الناصع، ولم يفعل، واللوم على الآخرين الذين، جامعيين مثله أو أكاديميين مثله، يجب أن يذهبوا إلى محكمة دانتي، إلى رحلة هذا الشاعر إلى المدار الأليم.



«القافلة» في عددها الجديد... البحث عن إنسان بزمن التحولات

«القافلة» في عددها الجديد... البحث عن إنسان بزمن التحولات
TT

«القافلة» في عددها الجديد... البحث عن إنسان بزمن التحولات

«القافلة» في عددها الجديد... البحث عن إنسان بزمن التحولات

تضع مجلة «القافلة»، التي تصدرها «أرامكو السعودية»، قارئها في عددها الجديد أمام أسئلة تتجاوز حدود الثقافة والأدب، إلى مستقبل الإنسان وعلاقته بالمعرفة والتكنولوجيا والطبيعة. ومن خلال موضوعات تتوزع بين الفكر، والفنون، والعلوم، والبيئة، ينشغل العدد بسؤال يتردد بصيغ مختلفة: ماذا يبقى من خصوصية الإنسان في ظل تسارع التحولات التقنية وتغير أنماط المعرفة والتجربة الإنسانية؟

العلوم الإنسانية... أزمة المكانة وغياب النقد

تحتل قضية «العلوم الإنسانية.. حقائق منسية» موقعاً محورياً في العدد؛ إذ تناقش تراجع مكانة العلوم الإنسانية أمام صعود التخصصات التقنية والتطبيقية، وما يرافق ذلك من تشكيك في جدوى تدريس الفلسفة وعلم الاجتماع والآداب، وعلاقة هذه التخصصات بسوق العمل ومتطلبات التنمية.

ويشارك في القضية، الدكاترة: عبد السلام الوايل، وسماهر الضامن، وعبد السلام بنعبد العالي، من خلال 3 مقاربات تتناول القيمة الاجتماعية للعلوم الإنسانية، وأزمة تدريسها في الجامعات العربية، ومدى احتفاظها بوظيفتها النقدية.

يرفض الدكتور عبد السلام الوايل اختزال قيمة العلوم الإنسانية في فرص التوظيف والعائد الاقتصادي، ويرى أنها تسهم في بناء الهوية والقيم والثقة والتماسك الاجتماعي، وأنها عناصر يقوم عليها الاقتصاد نفسه. ويؤكد أن انتشار الذكاء الاصطناعي سيزيد الحاجة إلى التفكير النقدي والحكم الأخلاقي وفهم السياقات الإنسانية، «وهي قدرات يصعب اختزالها في الأتمتة».

«العلوم الإنسانية»

وتتناول الدكتورة سماهر الضامن أزمة تدريس العلوم الإنسانية في الجامعات، مشيرة إلى النظرة التي تضع التخصصات العلمية في مرتبة أعلى من التخصصات الأدبية. وتلفت إلى أن «بعض الطلاب يلتحقون بالعلوم الإنسانية اضطراراً، بوصف ذلك محطة للانتقال إلى تخصصات أخرى». وترى أن «تحديث المناهج وحده لا يكفي ما لم يتغير النظام التعليمي وأساليب التدريس، ويستعد الأستاذُ الجامعي دورَه في إثارة الفضول والتفكير».

أما الدكتور عبد السلام بنعبد العالي، فيقدم مقاربة نقدية لأزمة العلوم الإنسانية العربية، عادّاً أنها استوردت النظريات والمناهج الغربية دون الشروط التاريخية والاجتماعية التي أنتجتها... «ونتيجة لذلك؛ تحولت في حالات كثيرة إلى مقررات جامعية تعيد إنتاج المفاهيم، بدلاً من أن تصبح أدوات لفهم المجتمع ونقده».

ويربط بنعبد العالي هذه الأزمة بـ«غياب الروح الفلسفية، وضعف المجال العام، وانفصال الجامعة عن المجتمع، وهي عوامل حدّت من قدرة العلوم الإنسانية على التأثير وإنتاج فكر نقدي».

وتخلص القضية إلى أن أزمة العلوم الإنسانية ليست أزمة جدوى أو توظيف فقط؛ «بل تتصل ببنية التعليم والمؤسسات والمناهج وعلاقة الجامعة بالمجتمع». وأن استعادة مكانتها تتطلب «الانتقال من استهلاك النظريات إلى إنتاج المعرفة، ومن الدفاع عن قيمتها إلى إثبات دورها في فهم التحولات الاجتماعية والثقافية».

حمد الجاسر... المعلم والباحث

في باب «أدب وفنون»، يستعرض عبد العزيز بن سلمة المسيرة العلمية والثقافية للعلامة السعودي حمد الجاسر، وإسهاماته في تطوير التعليم والصحافة والبحث التاريخي والجغرافي في المملكة.

ويتوقف عند رحلته مع المخطوطات والمكتبات العربية والعالمية، ودوره في تطوير التعليم بالمنطقة الشرقية ونجد، وتشجيع النشاط الأدبي بين الطلاب، فضلاً عن ريادته الصحافية من خلال إصدار مجلة «اليمامة» عام 1953، وإسهاماته في حركة النشر بالرياض.

وتقدم المادةُ الجاسرَ بوصفه «نموذجاً للمثقف الذي لم يكتف بإنتاج المعرفة، بل أسهم في بناء المؤسسات التعليمية والثقافية التي تحفظها وتنشرها، وترك إرثاً من المؤلفات والتحقيقات التي تناولت تاريخ الجزيرة العربية وجغرافيتها وسكانها».

وفي الباب نفسه، يتناول أحمد عبد اللطيف ظاهرةَ «رواية الضواحي» في الأدب الإسباني، بينما تقرأ لمياء شمت التجربةَ الروائية للسوداني عبد العزيز بركة ساكن، وعلاقتَها بالموروث الشعبي. ويناقش زياد الدريس شهرة ابن خلدون، متسائلاً عما إذا كانت تعكس قراءةً فعلية لأعماله أم حضوراً رمزياً لاسمه.

كما يعرّف الباب بتجربة الكاتب الصيني نينغ كن، ويناقش جدوى كتب تعليم الكتابة الروائية، ويقارن بين فيلمَي السيرة «الست» و«مايكل» واختلاف معالجتهما السينمائية. ويضم أيضاً قصيدة للشاعر السعودي علي الحازمي، وقراءة في تجربة الفنان التشكيلي عبد الله العثمان.

حمد الجاسر

من يصنع عقل المستقبل؟

في باب «آفاق»، يناقش موضوع «القلم أم التابلت.. أيهما يبني عقل الطالب؟» أثرَ الأدوات الرقمية في التعلم والذاكرة والكتابة، مستعرضة تجارب تعليمية اندفعت نحو استخدام الشاشات قبل أن تعيد النظر في بعض نتائجها.

ويتصل بذلك موضوع «هكذا تعيد وسائل التواصل الاجتماعي تعريف الشهرة»، الذي يفحص انتقال الشهرة من الاعتراف بالإنجاز إلى الانتشار الذي تصنعه المنصات وخوارزمياتها.

ويطرح الموضوعان أسئلة عن أثر التكنولوجيا في تشكيل الوعي والسلوك، وليس في تسهيل الحياة وحدها.

وفي قسم «علوم»، يناقش خالد كرم دور البحوث العلمية والطب الرياضي في تطوير أداء الرياضيين وتحطيم الأرقام القياسية. في حين يتناول سعد القحطاني فرضية اختفاء النحل من العالم وتداعياتها على الإنتاج الغذائي والتنوع الحيوي. وتنسجم صورة الغلاف، التي التقطها محمد آل ابن الشيخ لنحلة على زهرة الخزامى، مع موضوع «ماذا لو اختفى النحل؟»، الذي يوضح أن اختفاء هذه الحشرات لن يؤدي إلى اختفاء الغذاء كله، لكنه سيؤثر في تلقيح محاصيل ونباتات كثيرة، ويهدد التوازن البيئي.

وفي زاوية «العلم خيال»، يتساءل حسن الخاطر عن إمكانية استغناء الإنسان عن الطعام واستمداد طاقته من ضوء الشمس، والصعوبات التي تحول دون تحقيق ذلك. كما يستكشف القسم نزعتنا إلى إضفاء الصفات البشرية على الذكاء الاصطناعي، ويتناول شبكات التواصل في الغابات؛ من نداءات الطيور، إلى الإشارات الكيميائية للنباتات.

وتكشف هذه الموضوعات عن اهتمام المجلة بالعلاقة بين التقدم العلمي وحياة الإنسان، وبالأسئلة التي تثيرها التكنولوجيا بشأن مستقبل التعليم والغذاء والبيئة.

الكرسي... تاريخ السلطة والحياة اليومية

يخصص العدد ملفَّه لموضوع «الكرسي»، في معالجة تتجاوز تاريخ الأثاث إلى دلالاته الاجتماعية والسياسية والفنية، وتستعرض تحولاته من رمز للسلطة والهيمنة إلى أداة يومية للراحة والعمل.

ويتتبع الملف تطور تصاميم الكراسي عبر الحضارات، وتأثيرها في صحة الإنسان وعلاقاته الاجتماعية، مستكشفاً دلالاتها في الثقافة العربية والأساطير القديمة والنص القرآني، وحضورها في الأدب والمسرح والسينما والفن التشكيلي.

وفي إحدى مواد الملف، تتناول مهى قمر الدين تاريخ الكرسي؛ من العروش القديمة إلى المقاعد البلاستيكية، وتكشف عن كيف تحول عبر العصور علامةً على السلطة والمكانة والذاكرة، وعن كيف يمكن قراءة جوانب من تاريخ المجتمعات من خلال الأشياء التي صنعتها واستخدمتها.


يونس أوعلي: المشهد الثقافي المغربي موبوء بشبكات المصالح والحسابات الضيقة

يونس أوعلي
يونس أوعلي
TT

يونس أوعلي: المشهد الثقافي المغربي موبوء بشبكات المصالح والحسابات الضيقة

يونس أوعلي
يونس أوعلي

يرى الروائي المغربي يونس أوعلي أن جيل الروائيين الشباب في بلاده لا يشكل تياراً أدبياً متجانساً، بقدر ما يضم تجارب تتقاطع في أسئلتها وتختلف في رؤاها وأساليبها. ويعتقد أن الرواية المغربية مطالبة باكتشاف عوالم اجتماعية وثقافية لم تنل نصيبها من الاهتمام، وتجاوز الموضوعات التي هيمنت على الكتابة الروائية لعقود.

وفي حوار مع «الشرق الأوسط»، ينتقد أوعلي ما يصفه بـ«الشللية» وشبكات المصالح في المشهد الثقافي المغربي، معتبراً أن الاغتراب قد يعيشه الكاتب داخل وطنه. كما يرى أن الجوائز الأدبية، رغم دورها في التعريف بالكتّاب، لا تصنع القيمة الفنية للأعمال ولا تضمن بقاءها.

وينتمي أوعلي إلى جيل الروائيين المغاربة الشباب، وقد برز اسمه بعد فوز روايته «أحلاس، ذاكرة أليمة المدى» بجائزة كتارا للرواية العربية عام 2021، في دورتها السابعة، ضمن فئة الروايات غير المنشورة. وفي روايته الأحدث «حقيبة علي اليونسي»، يواصل انشغاله بأسئلة الهوية والذاكرة وقيمة الإنسان، متناولاً علاقة الفرد بالسلطة والمجتمع، وصور التمييز والانتماء.

وفيما يلي نص الحوار:

* تنتمي إلى جيل لم يعِش التحولات الكبرى التي صنعت أدب الأجيال السابقة، لكنه ورث نتائجها. من أين يستمد جيلك مادته الروائية، من ذاكرته الخاصة أم من ذاكرة لم يعشها؟

- أظن أن الكاتب يستمد مادته الروائية مما عاشه بنفسه، ومما سمعه وقرأه، ومن الآثار التي خلّفتها الأحداث في حياة الآخرين. فنحن نرث نتائج تحولات لم نعشها، لكننا نتأثر بها، ونحاول من خلال الكتابة أن نمنح صوتاً لأناس بسطاء لم يلتفت التاريخ إلى حكاياتهم.

لذلك تتشكل مادتي الروائية من تفاعل ذاكرتي الشخصية مع ذاكرة أوسع، تبدأ من ذاكرة المغاربة وتمتد إلى ذاكرة الإنسان عموماً، وما عرفه من حروب ومآسٍ ومعاناة.

وأعتقد أن روايتي «حقيبة علي اليونسي»، الصادرة حديثاً، تجسّد هذا الامتداد، إذ تنطلق من سؤال قيمة الإنسان المغربي في نظر المسؤول، وتتسع لتطرح قيمة الإنسان الأفريقي في نظر الإنسان الغربي. ومن خلال ذلك، أحاول الدفاع عن الإنسان لذاته، بعيداً عن جنسيته أو انتمائه أو موقعه في ميزان القوة.

* في روايتك «أحلاس، ذاكرة أليمة المدى» حضور للتاريخ والمكان والذاكرة. هل تكتب الرواية لاستعادة ما غاب من الحكايات، أم لمساءلة الروايات التي استقرت في وعينا عن الماضي؟

- أكتب انطلاقاً من الرغبة في إعادة النظر في الذاكرة واكتشاف ما تركه الماضي في حياة الإنسان، أكثر من اهتمامي باستعادة الحكايات كما وقعت، أو مساءلة الروايات المستقرة عن الماضي لذاتها.

ومن قرأ روايتي الأولى «أحلاس، ذاكرة أليمة المدى» سيلاحظ انشغالي بما يتركه الماضي في الإنسان، خصوصاً مرحلة الطفولة، لأن الإنسان امتداد لطفولته. وقد حاولت تعقّب الطريقة التي تستمر بها بعض التجارب في التأثير في حياته، حتى حين يعتقد أنه تجاوزها. فالحدث قد ينتهي في الزمن، لكنه يظل حاضراً في قرارات الإنسان واختياراته.

* ما الذي تستطيع الرواية أن تقوله عن المجتمع المغربي ولا تستطيع الصحافة أو الكتابة التاريخية قوله؟

- تستطيع الرواية الاقتراب من المناطق الداخلية في حياة الإنسان، ومن التناقضات والمشاعر التي يصعب اختزالها في الوقائع والمعلومات. فالصحافة تنشغل بنقل الأحداث وتفسيرها، وتشتغل الكتابة التاريخية على الوثائق والسياقات، بينما يتيح التخييل استكشاف ما يجري داخل الشخصيات، وكيف تعيش الأحداث وتتأثر بها، وكيف تتغير مصائرها.

ولا يعني ذلك أن الرواية أقدر من غيرها على قول الحقيقة، وإنما لكل شكل من أشكال الكتابة أدواته وحدوده، والرواية تفتح إمكانات مختلفة لفهم المجتمع والإنسان.

الرواد وأسئلة الشباب

* عرفت الرواية المغربية أسماء أسست حضورها العربي، مثل محمد شكري والطاهر بن جلون ومحمد برادة. هل يشعر الروائي المغربي الشاب بأنه امتداد لهذا الإرث أم أنه يسعى إلى القطيعة معه؟

- أرى أن العلاقة مع التجارب السابقة لا تستلزم الاختيار بين الامتداد والقطيعة. فنحن نقرأ ما كتبه السابقون، ونتأثر، بوعي أو من دونه، ببعض أسئلتهم واختياراتهم، لكن لكل جيل ظروفه وأسئلته الخاصة.

المهم ألا تتحول أسماء الرواد إلى قوالب جاهزة للكتابة، وألا تتحول الرغبة في الاختلاف إلى قطيعة مع إرث أدبي أسهم في تشكيل ذائقتنا.

* هل يمكن الحديث اليوم عن جيل روائي مغربي يمتلك أسئلته الجمالية والفكرية، أم أننا أمام تجارب فردية لا يجمعها سوى التقارب العمري؟

- أميل إلى النظر إلى المشهد الروائي المغربي باعتباره فضاءً تتجاور فيه تجارب متعددة، أكثر من كونه جيلاً متجانساً. صحيح أن هناك أسئلة مشتركة تفرضها التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدها المغرب ويشهدها، لكن طرق التعامل معها تختلف من كاتب إلى آخر.

وقد يكون تقارب السن عاملاً في تشابه بعض الانشغالات، لكنه لا يكفي لصناعة جيل أدبي بالمعنى الجمالي والفكري. فما يمنح التجارب قيمتها هو ما تقترحه من موضوعات وأسئلة، لا انتماؤها إلى فئة عمرية بعينها.

* نشأ جيلك في زمن الإنترنت والهجرة وتحولات الهوية. كيف انعكست هذه التجارب على بناء الشخصيات الروائية، وعلى تصور الشباب المغربي لذاته وللعالم؟

- وسّع الإنترنت آفاق الاطلاع على العالم، وأتاح الاحتكاك بثقافات وتجارب مختلفة، بينما جعلت الهجرة والسعي إلى الفردوس المفقود أسئلة الانتماء أكثر تعقيداً، خصوصاً في المجتمع المغربي.

وقد حاولت تجسيد هذا التعقيد من خلال إحدى شخصيات «حقيبة علي اليونسي»، التي وجدت نفسها، بعد حياة أمضتها في التعصب والدفاع عن قيم الجمهورية الفرنسية، تنتمي إلى الفئة التي طالما حاربتها.

أردت من خلال هذه الشخصية مساءلة تصوراتنا الجاهزة عن الهوية والانتماء، وكيف يمكن أن تنقلب علاقة الإنسان بالآخر حين يكتشف أنه أقرب إليه مما كان يظن، وأن الحدود التي نرسمها بيننا وبين الآخرين قد تكون أقل صلابة مما نعتقد.

عموماً، لم يعد الإنسان يعيش هويته بالضرورة داخل حدود مكان واحد أو ذاكرة واحدة. فقد ينتمي إلى أمكنة متعددة، ويشعر بالغربة في بعضها رغم معرفته بها. وأعتقد أن هذه التحولات جعلت سؤال الهوية أقل ارتباطاً بالبحث عن تعريف ثابت، وأكثر اتصالاً بالتفاوض المستمر بين الذات والعالم.

عوالم على الهامش

* يعيش المجتمع المغربي بين تعدد لغوي وثقافي وتحولات اجتماعية. هل استطاعت الرواية المغربية الجديدة التعبير عن هذا التعقيد، أم أنها ما زالت أسيرة صور مألوفة عن المجتمع؟

- قدمت الرواية المغربية أعمالاً متنوعة في تعاملها مع التعدد الثقافي واللغوي والتحولات الاجتماعية، لكنني لا أعتقد أن أي مشهد أدبي يستطيع الإحاطة بكل تعقيدات المجتمع.

ما يزال هناك مجال واسع لاستكشاف تجارب تعيش على الهامش، سواء بسبب موقعها الجغرافي أو وضعها الاجتماعي أو خصوصيتها الثقافية.

وأظن أن من رهانات الرواية المقبلة، بعد تجاوز موضوع «سنوات الجمر والرصاص» الذي هيمن على الرواية المغربية لوقت طويل، الاقتراب من هذه العوالم، وتجاوز الصور الجاهزة، وإتاحة المجال لأصوات لا تحظى بالظهور الكافي.

* تبدو الهجرة والاغتراب والبحث عن الانتماء موضوعات حاضرة في الأدب المغربي. هل تغير معنى الاغتراب لدى جيلكم، بحيث أصبح ممكناً أن يشعر الإنسان بالغربة وهو داخل وطنه؟

- بالتأكيد، فالاغتراب لا يرتبط بالمسافة الجغرافية وحدها. قد يعيش الإنسان في المكان الذي وُلد فيه، لكنه يشعر بأنه بعيد عن المجتمع الذي ينتمي إليه، أو عاجز عن العثور على موقع ينسجم فيه مع ذاته وتطلعاته.

وقد يكون الاغتراب نتيجة التهميش أو غياب الفرص، أو الشعور بأن العالم الذي يعيش فيه لا يتيح له تحقيق إمكاناته. وهذا ما يحدث مع كثير من الروائيين الشباب في المغرب، خصوصاً أولئك الذين يرفضون منطق الشللية، ويتمسكون باستقلاليتهم بعيداً عن مشهد ثقافي موبوء بشبكات المصالح والحسابات الضيقة.

قد يكون تقارب السن عاملاً في تشابه بعض الانشغالات، لكنه لا يكفي لصناعة جيل أدبي بالمعنى الجمالي والفكري

يونس أوعلي

الجوائز لا تصنع الأدب

* بعد فوزك بجائزة كتارا، هل شعرت بأن الجوائز العربية تمنح الكاتب فرصة للوصول إلى القراء، أم أنها تضعه أمام توقعات قد تؤثر في حريته الإبداعية؟

- بالنسبة إلى كاتب في بداية تجربته، يشكل الفوز بجائزة كتارا فرصة للتعريف به عربياً، والوصول إلى قراء يصعب بلوغهم في بداية الطريق. كما تؤدي الجوائز دوراً في لفت الانتباه إلى أعمال أدبية قد لا تحظى بالانتشار نفسه في غيابها.

لكنني، باعتباري قارئاً أولاً، أرى أن القيمة الفنية للعمل لا يحسمها التتويج، وإنما قدرته على الصمود أمام الزمن، ومواصلة إثارة الأسئلة والقراءات.

فالجوائز لا تصنع الأدب، ولا تضمن خلود الأعمال. ولذلك أكتب من دون توقعات مسبقة، ولا أريد أن تتحكم التوقعات التي قد تخلقها الجائزة في رواياتي اللاحقة، لأن ما يهمني هو ما تفرضه عليّ أسئلتي ومشروعي الروائي.

الرواية والحرية

* هل تكتب الرواية انطلاقاً من قضية تريد الدفاع عنها، أم من أسئلة لا تملك إجابات عنها؟ وأين تضع الحدود بين التزام الروائي بقضايا مجتمعه وحريته في تخيل العالم؟

- أكتب انطلاقاً من أسئلة أكثر مما أكتب دفاعاً عن أجوبة جاهزة، وأعتقد أن هذه هي مهمة الرواية.

تشغلني قضايا الظلم والهوية وقيمة الإنسان والحب والحزن، لكنني لا أريد تحويل رواياتي إلى خطاب يلقّن القارئ موقفاً محدداً، لأن العالم معقد، ولا مجال فيه لتقديم إجابات جاهزة عن كل شيء.

أفضل أن أضع الشخصيات في مواقف تكشف تناقضاتها، وأن أترك للحكاية فرصة اختبار الأفكار بدلاً من الاكتفاء بتأكيدها.

أما التزام الكاتب بقضايا مجتمعه، فلا أراه متعارضاً مع حريته في التخييل. يمكن للروائي أن ينشغل بواقعه من دون أن يصبح أسيراً له، وأن يستلهم أسئلته من المجتمع من دون أن يتحول عمله إلى بيان.

بالنسبة إليّ، أعتبر الكتابة مساحة للحرية والاكتشاف، ومحاولة لفهم بؤس العالم وتعقيداته. لا أملك إجابات حاسمة عن القضايا التي أكتب فيها، لكنني أملك أسئلة كثيرة تدفعني إلى الكتابة.

 


الشعر حين يختبئ في التفاصيل

الشعر حين يختبئ في التفاصيل
TT

الشعر حين يختبئ في التفاصيل

الشعر حين يختبئ في التفاصيل

الشعر كامن في تفاصيل الحياة، وخلف أحداثها اليومية العابرة، في صخب الشوارع وعراك المارة. وكذا، تبدو القضايا الكبرى والأسئلة الوجودية قارة في أدق التفاصيل، متشظية ومنثورة في ما هو مهمل ومعيش. إن ما نتصوره جليلاً، نجده منبثاً في كل ما نظنه مبتذلاً وعابراً. هذا ما تومئ به قصائد ديوان «أقشِّر الاستعارات لكي أكوّن النص»، للشاعر المصري أمجد ريان؛ لذا تبدو مهمة الشاعر، هنا، كي يكتب قصيدته، وعلى عكس الشائع، هي أن يقشر الاستعارات، حتى يصنعها ويبتكرها، ويزيل طبقات من ركام اللغة والمجازات، ليكتشف الشعر المختبئ كلؤلؤة، في دهاليز العالم والحكايات وفي ممارسات البشر، محاولاً الإمساك بما يمور به العالم من سيولة واندياح.

الديوان الذي صدر في القاهرة عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» لا يتبنى منطق الثنائيات الضدية بصبغته البنيوية الحداثية، ويميل أكثر إلى مفهوم ينتمي إلى استراتيجيات ما بعد الحداثة وهو «التكملة»، بمعناها لدى الفيلسوف الأميركي، المصري الأصل إيهاب حسن، أو ربما مفهوم «الحلول»، بحمولاته الصوفية، فاليومي ليس مناقضاً للفلسفي، والعابر المعيش ليس متعارضاً مع الوجودي؛ فكل طرف من أطراف الثنائي يكمل نقيضه، ويحل فيه، حتى يصعب الفصل بينهما، بل إن غياب طرف يعني غياب الآخر المقابل له. يتجلى هذا التضافر في قوله:

«سيقان هزيلة تملأ الشارع

بطوله وعرضه،

وأنا أمشي تحت جدران الفقراء

ممتلئاً بالحنين

لمعرفة بدايات الإنسان

وأسراره التاريخية»

فالانتقال يأتي سلساً وطبيعياً، من وصف ما يحدث في الشارع ومرور الناس فيه، بوصفه حدثاً عادياً ويومياً، هذا الوصف يبدو محايداً وتسجيلياً للوهلة الأولى، لكنه مسكون بموقف آيديولوجي وإنساني متعاطف معهم، ومع ما يعانونه من هزال، ومن هنا ينتقل الشاعر من وصف الخارج إلى وصف نفسه كواحد وسط هذه الجموع، لكنه منحاز سياسياً واجتماعياً إلى طبقة الفقراء، الذين يسير تحت جدرانهم وفي ظلالها، لتبرز الحمولة السياسية والقناعات الآيديولوجية، ومن هذين المستويين - اليومي والسياسي - ينتقل إلى مستوى ثالث أكثر اختلافاً، وهو المستوى الوجودي، الذي تبحث فيه الذات الشاعرة في أسئلة الوجود، ومعرفة بدايات الإنسان وأسراره وتاريخه. هكذا يبدو العالم لدى الشاعر كلاً ملتبساً، لا يمكن تجزئته، ولا فصل أحد مناحيه عن الأخرى.

هذا الخلط والتداخل المركزي في الديوان، وفي رؤية الشاعر، يجعل معظم القصائد تنبثق مكانياً داخل البيت، وفي غرفة المعيشة، حيث يكون متكئاً على الكنبة، أو يشاهد التلفاز، أو يشاهد العالم من شرفته، هذه الشرفة التي يلجأ إليها كثيراً، فهي نافذته على الحياة وصخبها وتفاعلاتها، وتعد وسيلة تواصله مع العالم في مرحلة الشيخوخة، مدققاً في أصغر تفاصيل البشر من موقعه المتأمل، دون أن يملك القدرة على تغيير الواقع، أو حتى تفسيره؛ فكل ما في جعبته هو مجموعة تساؤلات كبرى، ومن ثم لا يميز نفسه عن الناس العاديين «وما زلت على المنضدة المنخفضة أقول لنفسي: «أنا مثل بقية الناس، خالي الوفاض... لا أملك أي شيء... سوى تلك البؤرة في القلب»؛ فالشاعر هنا يفقد كل ما يمكن أن يجعله في مكانة أعلى، ليس له سلطة، وليس «زرقاء اليمامة»، بل واحد من الناس، فقط يملك بؤرة صغيرة في القلب، تجعله يستشعر ما يدور حوله بشكل أكثر رهافة، ويمسك بما هو أصيل وجوهري في الوجود الإنساني، حتى لو كان متشظياً ومتناثراً في زحام الحياة.

هذا الشاعر، الإنسان العادي، وفي خضم مراوحته بين الثنائيات، كثيراً ما يستحضر مشاهد من طفولته، فالطفولة تظل حاضرة في الشيخوخة، ومتداخلة معها، فهو في شيخوخته ما زال ينظر للعالم بعين الطفل المندهش. وتتجاور لديه الأزمنة، كما تتجاور الأمكنة، فتبرز «عزبة الصفيح» في عشوائيات القاهرة، التي تمثل مكان الطفولة وسط الفقراء المعدمين، مع مدينة «ست» الفرنسية التي زارها شاعراً، فلا أفضلية لمكان على آخر، ولا زمن على غيره؛ «فالزمان دائرة يصب آخرها في أولها، ولا يوجد في الأصل شيء قابل للفهم». إنه ينظر للعالم بوصفه سرديات متجاورة، لكل منها الحق في الوجود، يقول بشكل لافت:

«الماضي حكايات، والمستقبل حكايات

والأحداث متناثرة في كل اتجاه

وخلف الجدران والنوافذ:

ولدت حكايات لا أول لها ولا آخر

وولدت الأسرار والنكات والخزعبلات

ولولا هذا ما استمر الواقع الآدمي

الحزن حكاية، والجسد حكاية

الزمن حكاية، والأبواب حكاية

وكل شيء حاضر وغائب».

ينشغل الشاعر في كثير من قصائد الديوان بتقديم مفهومه للكتابة، ومفهومه للشعر، بما يجعل كثيراً من النصوص تقترب من «الميتا شعر»، هذا المفهوم يمزج بين المصادفة والعبثية والفوضى، فهي غير محكومة بخطة مسبقة، ولا بتصورات جاهزة عن ما هو الشعر، بل كل ما يبتغيه هو التعبير عن الذات، وتتكرر التعريفات كثيراً بنفس المعنى في أكثر من موضع داخل كثير من القصائد، فمرة يقول: «حين أبدأ الكتابة، لا أعلم ما الذي سأكتبه»، ومرة أخرى: «لا أعرف كيف أكتب... والكتابة عندي محض مصادفات»، ومرة ثالثة: «ليس للكتابة أي شروط لدي، بل أبدأ بالتعبير عن نفسي بشكل مباشر، وأريد أن أنطلق من المحلية إلى الكون». وليس من المصادفة أنه لم يقل من المحلية إلى العالمية، فهو ليس منشغلاً بهذا الوهم الاستهلاكي الذي يستنزف كثيراً من الشعراء والمثقفين.

 يستحضر الشاعر مشاهد من طفولته، فالطفولة تظل حاضرة في الشيخوخة، وهو لا يزال ينظر للعالم بعين الطفل المندهش

ما يهم الذات الشاعرة هنا هو الكون؛ وفهم أسراره وخباياه، والوصول إلى معنى الوجود الإنساني، وهو ما يؤكد على الحمولة الفلسفية لمفردة الكون، التي تؤرق الشاعر حقاً، وليس الحمولة الدعائية عن الشاعر العالمي التي لا ينشغل بأوهامها. هذا التوق لفهم فلسفة الوجود نرى ترجمته الأسلوبية في التكرار المدهش لمفردات مثل «الناس»، و«الوجود»، و«الإنسان»، وهذه الأخيرة تحتل الصدارة في عدد التكرارات داخل متن الديوان، فالإنسان وسعادته هما المرتكز والمبتغى من رؤية الشاعر، لكنه في النهاية مغلوب على أمره، ذات ضئيلة، تعيش على حافة كل شيء «أقف أمام العدسة التي تكبر وجهي عشرات المرات، بينما أنا صغير... للدرجة التي قد أذوب فيها وأتلاشى». وككل الشعراء، لا يملك سوى الشعور بالحسرة، على ما آل إليه العالم من توحش:

«أكتفي بالحسرة التي حصلتها اليوم،

فلا مكان لحسرة أخرى

أنا الشاعر الغني بالأحاسيس السيالة،

ولكنني - مثل أقراني الشعراء -

مفلس لدرجة الفضيحة.

والإنسان دائماً على حافة التوهج

وعلى حافة الانطفاء».