أدونيس وأنسي الحاج في مواجهة مع يوسف الخال وإزميله (1 - 3): شوقي أبي شقرا يتذكر ويكشف خفايا نزاعات شعراء مجلة «شعر»

من اليمين: أدونيس، شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، يوسف الخال
من اليمين: أدونيس، شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، يوسف الخال
TT

أدونيس وأنسي الحاج في مواجهة مع يوسف الخال وإزميله (1 - 3): شوقي أبي شقرا يتذكر ويكشف خفايا نزاعات شعراء مجلة «شعر»

من اليمين: أدونيس، شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، يوسف الخال
من اليمين: أدونيس، شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، يوسف الخال

تنفرد جريدة «الشرق الأوسط»، وعلى مدى ثلاث حلقات، بنشر مقاطع من كتاب «شوقي أبي شقرا يتذكر» الذي يصدر يوم 21 من الشهر الحالي عن «دار نلسن»، ويوقعه الكاتب في «جامعة الحكمة» في بيروت. ومن المعروف، أن شوقي أبي شقرا من النواة الأولى لشعراء مجلة «شعر»، كما أنه يعتبر المؤسس لأول صفحة ثقافية يومية في لبنان، بقي على رأسها أكثر من 30 سنة حتى خروجه من جريدة «النهار». وخلال التجربتين الكبيرتين، كان على تقاطع وتفاعل مع غالبية رواد الأدب العربي الحديث منذ ستينات القرن الماضي وحتى الجيل الجديد من الشعراء. في هذه الحلقة الأولى، يكشف أبي شقرا عن كواليس مجلة «شعر»، وصراعات شعرائها الأقطاب، وتلك المحبة البكر التي وصلت بفعل المنافسة الشرسة، إلى حدود العداء والفرقة، وعن دوره في «تقليم ونحت قصائدهم». وفي الحلقتين المقبلتين مزيدا من خبايا شعراء الحداثة وأدبائها التي نادرًا ما يُكشف عنها، من أنسي الحاج إلى الماغوط والسياب، وهناك فيروز وأمين معلوف، واللائحة تطول.
العام هو 1958، عند يوسف الخال في نزلة مدرسة الفرير، رأس بيروت، محطة غراهام، ووضعت له مواد لمجلة «شعر» في تلك المطبعة لشقيقه رفيق. وهو القيّم على التحرير وعلى أن يتسلّم المواد من الشعراء، من الكتّا‌ب، من جميع أهل القلم الذين فيهم الملكة لأن يلبوا ما تبغيه المجلة المقدامة والطليعية، من نصوص هي في الاتجاه، وأن يلتقي الجميع وأن ينضم الجميع إلى الحركة التي يقوم بها يوسف الخال وبعض الشعراء، وهم من الذين يمارسون النشاط فيها ويضعون قصائد، ويصوغون أبياتًا من خارج التراث، خارج المتوارث، ويعمدون إلى أن يقدموا الأجمل، وهو ما تطمح المجلة إلى أن يكون وأن تكون «شعر» هي الشجرة، وأما هم فالذين يسقونها والذين يضيفون أغصانًا إلى ما عندها من الغنى والمحتويات، وألوانًا تصب في النهضة الجديدة، وأن تكون الجدة الحديثة جدة في ملء تفاسيرها، وملء حذافيرها.
‏والشعراء هم أدونيس، وأنسي الحاج، وفؤاد رفقة وأنا. وربما علينا أن نزيد سوانا من الذين أتوا إلى المجلة، إتيانًا متقطعًا، مثل محمد الماغوط ومثل نذير العظمة، وكذلك ولا أنسى، هناك عصام محفوظ، الذي، في إحدى الفترات، كان أمينًا في الوجود وفي المساهمة البناءة، إلى آخرين من العالم العربي، شعراء جاءوا ونزلوا بيننا، وكانت لهم علاقات مع المجلة في الأرقى وفي الأهم وفي الأحلى. وأذكر بدر شاكر السياب، وأذكر سلمى الخضراء الجيوسي، إلى شعراء من الجيل السابق ساهموا في صفحات المجلة مساهمات جليلة، وفي ملتقيات لها وفي نشاطات لها. إلى جماعات من المثقفين ومن المحبين ومن الفضوليين؛ لمعرفة ماذا عند أولئك الشعراء، من أفكار ومن علامات يطرحونها ويكشفونها لمن هم في جوع إلى مثلها، وفي سغب ملحاح للاطلاع على المقدرات وعلى التكاوين وعلى التصاوير، وما إلى ذلك، والإطار هو خميس المجلة. والإطار الحميم والأدنى إلى الذات هو الشعراء القلة الذين يمسكون الكتاب ويمسكون الصفحات إمساك الصقر بالطريدة.
* حلف أدونيس وأنسي
وأدونيس، بكلمة أخرى، كان الصديق الأقرب والعذب، لي ولبضعة غيري، في مطلع المغامرة الشعرية... ولست أندم على الاصطحاب الأنيس ورفقته، وعلى همومه التي لا يفارقها حديث الشعر، وأين الشعر، وما هو الشعر. ثم كان ذا شغف في العلاقة وفي المودّة، ولا أنسى أنه شديد البراعة في التواصل، وفي مرافقة الجميع، وفي أنني كنت مثل الشريك معه، بل أحرّ من ذلك، وطالما جلسنا والآخرون، من أي حدب أقبلوا، وأي صوب وجدوا، إلا، في تلك الفترة، جماعة الآخرين، أي من هم في مجلة «الآداب»، أو في مجلة «الثقافة الوطنية»، أو في جريدة «حزب البعث» آنذاك. وأدونيس غيّر المركب الذي نحن عليه وغادر البحر الخاص الذي كنا عليه، ليأتي الفئات المضادة من حيث المبدأ، لكنها المضادة له سابقًا، وكنت أنا مثل الوردة أفوح للجميع وأمضي حيث أسوار الجميع، وهو ما زاد لي قربًا منهم ونجاحًا عندهم قبل أدونيس وبعده.
ولا أنسى رينه حبشي وكيف احتضن أدونيس ثم تبدلت الحال، وراح الشاعر من ضفة لبنان إلى ضفة فرنسا، وغاص في الخضمّ، ناجحًا في عقد المودات أو العلاقات، وما هو يردّ عليه صاع النفع والوجود، ليكون متعددا.
ذلك نمط أو أسلوب، وما قعد مرتاحًا، وذلك مزاج ونوع من المهارة في الأخذ والردّ، وحين نوى الدخول إلى الجامعة اللبنانية ليكون أستاذا سئل أنه عليه أن يقوم بالدكتوراه. وأردف أن هذا على رأسه، وأنه عمد إلى هذه الدكتوراه وصاغها، ولم يخل الأمر من معركة حول كيانه الجامعي، وعند الآخرين اليقين ذاك، وعند الطلاب يقين مواز، وهو أنه أشرف على أطروحات كادت تبلغ العشرين، وكلها عن شعره ويا للعجب ويا سوأتاه.
وكنت أشرت إلى هذا العمل في لقاء معنا، يوسف الخال وأدونيس وأنسي الحاج وأنا، بدأ في منزلي في بيروت، الأشرفية ثم امتد إلى منزل أدونيس وخالدة جهة اليونيسكو في العاصمة اللبنانية. وكان الأمر هكذا حديثًا إلى يوسف الخال نفسه ومعه هاشم قاسم. والجميع سبقوني إلى منزلي في أمسية ذلك النهار القديم، وانطلق التسجيل قبل وصولي من جريدة «النهار» في الحمراء، منتهيًا من القراءة والكتابة ومن الصفحات لي. ولما نزلت بين الجميع، كان هاشم قاسم مقدمًا منحازًا إلى أدونيس وأنسي... وكان من هذه الزاوية يسمع أدونيس فيما يرى دون يوسف الذي هو المسؤول عن اللقاء لينشر في جريدة رياض الريس في لندن.
وحين صدر النص في تلك الجريدة التي توقفت منذ الأمد السابق، بكل وقاحة وبساطة حذفت هذه الإشارة في كلماتي، كما يفعل الضعيف دائمًا، وليس ذلك بسر أو بأنه يبقى في المجهول.
وهذا السلوك في طبعه، ولم أسكت دونه ولم أتغافل فنشرت المقطع المحذوف في جريدة «النهار» داخل الصفحات الثقافية، بل عمدت إلى تقديم اللقاء كاملاً على مرتين ووضعت النص، بل الأحرى وضعت الإشارة إلى ذلك، علامة أخرى أن من لا يكون صادقًا في موضع، لا يكون كذلك في موضع آخر.
وكتبت نصي المفروض عليّ، ونشر في السياق، ولجأت إلى فرنسوا عقل؛ ذلك أن ثقتي طارت في الريح، ولن أجلس حيث الآخرون ليسوا أهلاً للثقة، وتكرر الأمر تاليًا، في أمكنة أخرى، حيث أنا كأنني الخصم وأنني اللدود، وعلى أولئك أن يحاربوني وأن يقفوا ضدّي في كل الظروف وكلّ الأيام.
* أدونيس مدللاً «أدو» ومن الحب إلى الخصام
... ومن قبل كنت أتردد على المجلة على مطبعة رفيق الخال، شقيق يوسف، وكنت أصادف أدونيس، ويعروني ما يعروني من النخوة ومن كوني عنيت بهذا الأمر، بهذه المودّة الطالعة من الداخل، من غرفة القلب والعقل معا. وكان الصديق الألطف، وكنا على السواء، وعلى المثال الظريف من الصحبة، من الرفقة، وكان خميس مجلة «شعر» يلقى صداه في جريدة «الزمان»، حيث كنت الوصي على الثقافة وعلى أنواع المقالات، وعلى النصوص التي لها وجهها الطلق والأغرّ. وكان لي لقاء روحي ولقاء طمأنينة ولقاء زهرة طالعة من الخصب، وزهرة طالعة من أرض الجبل من العمق التراثي، ومن الجدود الذين كان شأنهم في الحجر الذي عمّروه وكله ضخامة في ضخامة. وكان لهم باع في الذكريات وفي حنايا الفقر الذي ليس كذلك، وفي ملاعب الغنى الذي ليس كما تحدده الكتب ويرسمه بعض الناس، بعض المراقبين. وهكذا ازدادت العلاقة المتناغمة. وكنت آنذاك ذلك الصبي، ذلك العصفور الذي يطرد الخيبة، وينط من صرح إلى صرح، ومن حبّة إلى حبّة.
وكان أنني صرت النديم وصرت القريب من الشاعر، وطالما هبّت ريح الموشحات النفسية، ونحن معًا، ونحن في سبيل الشعر كومة مشاعر وليس في أي مجال، أي آخر من الود، ومن الجلوس على الأنس وعلى أي مقعد من حجر أو من حرير. وهو الذي كان شاهدًا على ولادة قصيدتي «ها أنا وحدي كسنجاب ورجلاي احتضار». وهو وأنا كنّا في التواطؤ العاطفي الصريح، وفي أنني لأغطّي خميس مجلة «شعر»، في جريدة «الزمان»، كنت أدعوه «أدو» دلالاً له؛ ولأنه فيما فعل وفيما لديه من ترحاب ناعم ومن لطف في التعامل، في المصافحة، في الكتابة، كان الذي يبدو طريفًا ويبدو جديدًا، ويبدو صاحب قريحة وصاحب لغة عربية ناضجة، وما عليه سوى أن يؤلّف وأن يصبّ غزارته في قصائد لمّاحة وذات مساحة أناشيدية تضرب الجماد وتهزّ الجمود. وإذ تحركت الأيام تارة إلى الشمال وتارة إلى الجنوب، إلى الوسط وإلى الأطراف، وإلى الخارج كانت الحركة الشعرية في المجلّة، على طلاقتها وعلى سويتها. وكنت الذي يعكف على النضج التعبيري، الذي هو أنا «المرشد الجمالي» كما سمّاني محمد الماغوط، والذي في غياب الآخرين، كانت لي شهرة في القبض على القصيدة. وكما يؤخذ الصوف من الخروف، كنت آخذ وأقصّ وأشذّب ما طاب لي ذلك، وما طاب للقواعد الفنية أن أكون ذلك القيّم على النظافة الشعرية، وعلى أن تقف القطعة الأدبية أو الشعرية وقوف الصراحة والبيان المبين، ولا طوق فيها سوى اللمعة، وحين تبلغ القارئ يكون سكران بها، ونكون نجونا نحن الجميع، من الغلطة من الثوب العادي والقديم، ونكون في عيد دائم، عيد الكلمة المرتاحة في جلبابها وفي قميصها الخلاق.
وإذ تضاربت المنافسة، وإذ احتدّت السلطة والسلطان في المجلّة، حدث أن كان الغائب معظم الوقت، وحدث أنني، من جراء ذلك، سهرت طويلاً وجهدت كثيرًا؛ لأكمل الرسالة وأن أكون في موقع الحريص على الترويض، وعلى نقل النص أمامي، من الحشو ومن الظلمة العمياء، ومن ذلك الثقل إلى حيث يكون بعيدًا من الديجور، بعيدًا من الإغماء ومن الخطل. وأن تكون المسألة في الأساس هي الانقضاض على المعايب، وعلى رضوخ الكلمة للفراغ، ولأن يكون مصيرها مصير الكآبة ونصير الشعلة التي تخمد وتنقلب إلى رماد.
* أنا إزميل القصائد
وأعود إلى مجلة «شعر» وإلى كوني الإزميل الذي كان ينحت القصائد وأجواءها المثقلة بالزوائد والمصائب والثغر. وعند يوسف الخال، كما قلت سابقًا، كانت كلمتي هي الفصل وهي المقياس الذي يجب أن يؤخذ به؛ لأنني الحدس الكامل والثاقب، وكنت أنزل في القصائد والمقاطع الشعرية حتى المؤلفات التامة، نزول الصقر من الفضاء على طريدته، على الخطأ وعلى ما يعطّل أو يشوّه الجمالية، وعلى أن آتي إلى هذا الشأن، فأبصر فيه ما هو ضعيف وركيك وغير شعري. وأكون الذي يجرّد الشجرة من أوراقها الصفراء، حيث لا يعرف ذلك صاحبها أبدًا، وهي غريزتي وطبيعتي المدهوشة وصفتي النافذة إلى الماوراء، وما يختفي تحت التراب، تحت القشور، وأنفض كل ذلك في الهواء ولا يبقى في الساحة إلا الفارس، إلا القصيدة وهي التي استحمّت وفاح عطرها على الآخرين، وعلى أصحابها أولاً.
وأدركني الحلم واللون والثقة والمهارة التقنية والبداهة الحدسية، وهكذا نقلت تجربتي النحتية من مجلة «شعر» إلى جريدة «الزمان» فإلى جريدة «النهار». واختلقت القصيدة التي أمسكت بها يداي وقلمي، من وسخة إلى نضرة، ومن منكفئة وحيية إلى الصراحة وإلى الهوية التي تجعلها طيعة وقابلة لأن تكون في مرتبة الندّ، صالحة أنيقة ومهذبة، ومنطلقة إلى المكان البعيد، إلى الأفق السعيد.
* الشاطر مثلي ينقذ النصوص
والتفت هنا إلى الأب سليم عبو حين وضع كتابه «الثنائية اللغوية في لبنان» بالفرنسية، وقصدت إليه في مكتبه وفي عمارته بجامعة القديس يوسف، في تلك الأثناء من السنين الأولى، وكانت إطلالتي الشعرية بكرًا وبتولية إلا بعض اللمحات الغامقة الطابع والمتدثرة بالحلاوة الرقيقة، في مطلع التذوق. واقتطف مني، آنذاك، بعض الأفكار فيما نحن، في مجلة «شعر»، فاعلون وماذا على بالنا أن نكون، وأن نصل إلى الدوحة الطريفة وليس إلى السراب. وطبعًا كنت على فوضى، وما زالت الأشجار تفوتني، ولكنني أوصلت إليه بعض الأضواء، وبعض شرابي الذي صنعته في قصائدي تلك في الفاتح من تجربتي.
وكان أنني سمعت من أدونيس، في بيروت، في مدينتنا الأعزّ، بعد ذلك أنه التقى الأب سليم، وهو العلاّمة والمثقّف الواسع الصحن والرواق، في باريس، وأنه كما قال لي أضاف بعض الموضوع الذي كنت أبلغته إلى الأب عبو في بيروت.
وكنت أرتضي ذلك نفسه لولا أنه كان في تلك الفينة من العيش، يعتبر نفسه في موقع القائد، وفي رتبة أعلى منا، وهكذا كان يوسف الخال بهذه العلامة والصفة، في مبتدأ الأمر ومطلع التجربة.
ثم لمّا اشتد ساعدي ونخرت القيد وخرجت من الثقب هذا، تغيرت الآية وأنشدت آيتي وتجربتي، وحصلت على قصب المعركة، وما على الشاطر سوى أن يفعل مثلي، وسوى أن يكون محبًّا وممطرًا على رفاقه، وعلى أن ينقذ لهم ما هزل من النصوص وما كان فيه العيب إلى أشده. كما قلت من قبل.
* فؤاد رفقة مالك الحزين ومتواطئ
... ويوسف الخال الآتي مثل فؤاد رفقة مع عائلته من الجغرافية السورية، كان الذي له سيطرته وسطوته على المالك، على الحزين. لأن رفقة، وهو من أوائل الرفاق في مجلة «شعر» في بيروت، كان متواصل اللفتة نحو يوسف، نحو طبعه الآمر ونحو شخصه الآمر، الذي يحنق والذي يحب. وكلاهما منذ البدء وفيما بعد، تبادلا التواطؤ، تواطؤ المحبّة وتواطؤ اللجوء، من فؤاد غالبًا إلى يوسف. وإذ كانت لفؤاد بعض السيرة المعقدة والمضطربة، كان عندئذ ينظر إلى يوسف قدوة له، ويلوذ به في خيمته الأخلاقية، وفي سرب آرائه وأقواله. وكان يوسف شديد القاعدة نحو فؤاد، وكان المالك حزينًا في أي وقت. بل إنه، وهو الأستاذ المربي في الجامعة اللبنانية الأميركية، لم يقو على قبض الفرح الكامل والسعادة الكاملة. وأظنّه في عائلته التي من حوله وهو الحميم تجاهها، كان يلقط الشرارة، يلقط المتعة والسلام، وكذلك، حتى هنا، كان عميق الإدراك، وظاهر الأسى. وكأن به شوقًا إلى المحال، إلى تلك الرعشة البعيدة الغور وإبريق الصفاء. وكان إذ يأسف إنما يختبئ في الأسف، في ألوان من العذاب الفكري، ومن التحولات الكيانية. ونحن الذين قربه، وعلى مسافة قصيرة من شخصه، شاهدناه في استمرار غلوائه، في ملعب غنائيته المصطفاة، حيث هو كأنه يفنى في الفناء، وكأنه يصطدم بالصخرة الخيالية والصدمة العاطفية.
* يوسف الخال تهشّم على صخور المقربين
... وهكذا، بالموضوعية التي لا أظنّها تكرّرت على الرحب الذي كان لي، دعوت أدونيس ونحن رفيقان في مجلة «شعر» وفي حركتها، من مطلع الشروق، ومن بكورية النشوء، فأقبل عليّ في مكتبي في الحمراء، وكنت في حومة الوغى، حومة الحرب المتقلبة، من تلك الثمانينات وأنا أغرق مهنيًا في أعمال ومقالات وموضوعات وصفحات، وأنفث الروح، وتلك قاعدتي، حتى في الاقتصاد الذي تشقلب معي من جامد وجدي جدًا إلى متحرك ومنفعل، وكنت أفاجئ «غسان» تويني نفسه، ومعه التحرير والعلاقات القائمة مع الوسط الاقتصادي، وكان بعض التسليم بأنني أحرّك العنوان وأنني لا يهمني من يرضى ومن لا يرضى، وهذا كان شأني في أن يكون الطرب أولاً وأخيرًا في نفس القارئ. وهكذا أقبل أدونيس وجلس أمامي وغليونه في فمه، ولا ينبس ولا يتكلم هو، بل يضغط طرف الغليون، ويتطلع ويصغي إلى كلامي، أنني أريده أن يأخذ الصفحة الثقافية (في «النهار») عني وعرضت عليه تفاصيل ومكونات فيِمَ سيفعل، وماذا عليه أن يفعل، وأن يكون المسؤول، وهو لا ينطق أبدا، بل يهزّ رأسه موافقًا ومتربّصًا أن تتم العملية أفضل التمام.
وكنا كلانا غارقين في هذه العملية المفاجئة له، وليست لي، وكانت على وشك اليقين والاكتمال لولا بعض اليقظة، ولولا بعض الشك الذي يرافقني في أن أدونيس ليس صحافيًا، بل يجهل أن يكون صحافيًا. وهو شأنه المقالات والأفكار، وكيف كان لي أن أكون سكرتير التحرير في مجلة «شعر» في عزّها التحريري والإنشائي؛ إذ كان يمكنه، وهي فصلية، أن يملأ هذا الدور مع يوسف الخال وكان صحافيًا، ولم يستطع أن يملأه ولا أن ينصرف إليه. وهو ما كان يحدث في غياب يوسف مسافرا، وكنت أرتب له العبارة خبريًا، وأصوغ ما يليق بالنص، وأستغرب كيف أن عهد إليه ذات مرّة الإشراف على جريدة «البناء» اليومية، وكنت آتي أدونيس ونحن في صحبة دافئة، وفي اصطحاب متعاقب الحركة، وأنشر عنده مقالة، أو ما يطرأ من نوعها قبل أن أصير إلى مهنتي الصحافية صيرورة نهائية.
ولا يفوتني أن نزيه خاطر كان على بيّنة وعلى علم بذلك الاجتماع بيني وبين أدونيس، وإذا بالتلفون يرنّ، وإذا هو يخاطبني بهمسات تنبيه وتحذير من أن أترك الأمر لغيري، وإذا بي أنتهي ببساطة أنني لست مقتنعًا بهذا التوكيل، وبأنني على حق في أن أمارس المهمة الثقافية وحدي، وأن أظل القيّم على الصفحة، وذلك كان واستمر؛ إذ الصحافة مهنة وشوق إلى العطاء، وهناك من لا يملك المفتاح، ولا من يملك «افتح يا سمسم» ولو كان شاعرًا، ولو كان وراءه قوم ووراءه قرّاء ومتابعون.
وكيف وأنا متسائل، يتسلم مسؤولية صحافية وهو نفسه بعدما لاحظني أصوّب له عبارته قال لأنسي إذ زرناه على الأثر البسيط ذاك، إن شوقي يصحّح لي، بشيء من البساطة الصادقة، وهي تعني أنه لا يستطيع أن يكون غير ذلك، وهذا لا عيب فيه وما لا يحرجه أو يحرج أحدًا سواه. أما المقالات، فكان لها وكان يكتب النظري، وكان دوره هنا، على ما أوضح وطالما تكرر ذلك لدى يوسف الخال، وطالما صرح به أمامي وأمام من حضر مجلسًا لنا أو مجالسنا، أن أدونيس يفكر وأن الشعر الحديث ليس في الحقيقة صنفًا من المقالة أو مقالة فكرية في البادئ وفي البدء، وفي الأول من المطاف، وفي آخر القافلة. وفي آخر المطاف. ومعه حق، كل الصواب، وكل صلب التجربة.
وأزيد وأردد في جوقة الصادقين والمختارين، وفي قداس الصدق والصداقة والخل والزمن الوفي في بعض الطريق، وفي الزغردة خيرات وغلال، وفي الترداد صوفية وتصوف، وعلاقة بالحكمة التي تصرخ بالحق.
إذن، أفعل وأرى أن يوسف الخال صحيح أنه خسر من يقف قربه فيما بعد الذهاب وبعد الانتقال إلى الدار تلك، حيث القصائد تترى وتتوارد، وحيث نهر الشعر لا يخفت له رنين أو اندحار. وأنا صريح الفم والقول وكذلك لا يؤسفني أن أعتبر يوسف أنه يظل الذي جمع وحضن ودعا الآخرين من الخلّص والمهيأين لأن يكونوا في الطليعة، والذين هم المشاة إلى الأدغال الجميلة التي تحتوي على غرائب أوسع مما اشتهى ابن الرومي، ومما تصوّر أنها موجودة في الطريق إلى خارج النقطة، خارج المكان، حيث يقيم هو.
وصحيح أن يوسف كأنه تهشّم على صخور الذين حوله، على صخور المقربين والأقربين والذين شبّه أنهم حراسه، وأنهم سيكونون له المدافعين عن حقه في البقاء على منصة الكلمة الشهمة، والكلمة التي ارتوت من الندى ومن حداثة الأشياء، ومن طراوة الأيام ومن عمق التجربة، ومن هيبة العمل في الشأن الشعري. وقلما أحد غيره عمل لهذا الشأن باندفاع كما عنده، وبالنسكية الحلوة، والإخلاص الطويل مثلما كان ذلك عنده.
وعلى محلة أخرى وعلى منقلب ليس بعيدًا، كان يوسف يسبر الأشخاص ويعجم كينونتهم، ويدرك بالنقدية التي يمتلكها ماذا هو ذلك الآخر. وأظنه فهم غيره، وكان ذلك يضعه في حرج؛ إذ هو، من جهة رفيق له في البداية، رفقة ملازمة ولصيقة، ومن جهة ثانية كان على شيء من النقزة، وكان ذا شخصية أقوى، ينفعل جدًا ويعلو إلى فوق بأنفاسه وغضبه، وأما غيره فلا ينفعل، وإنما يكظم ما به ويغلف الأمر بالبسمة، وبزنبق الصمت ونسمة من اللامبالاة والحدب اللطيف. ويوسف أيضًا كان على شعور بما لدى غيره من إمكان، من شعرية، وأظن هذا الغير كان خائفًا من هذه اللمحة لدى يوسف، وكان يتوقاه ويتجنب أن يصل النقد بينهما والمكاشفة إلى حدّ المكاشفة. ويوسف ذو رأي أنه لا يجوز أن تكون القصيدة فكرة، وهو ما يعيبه ولا يطيقه في نصه، وكانت الأيام تقدمت بنا في مجلة «شعر»، وكذلك تبلورت نظراتنا ولم تبق في وجهة واحدة وعنيدة، وإنما نحن كالأحصنة، نحن أحرار فلا أطر ولا أقنعة، ويجب أن نكون أحرارًا بمعنى الحرية المطلقة والمزدانة بهذا المطلق والكمال.
ولئن كان عيب غيره هو هذا؛ فإن يوسف عيبه هو هذا أيضًا؛ إذ لا نكتب القصيدة أنها مقالة أو هي كذلك، كما يقول يوسف وإنما يوسف أيضًا شاء أن يضع الفكرة متدرجة من سطر إلى سطر، من فعل إلى فعل، ومن حبة رمل إلى حبة رمل تالية. وهو ما عمدت إليه أنا وضربته في «قصائد في الأربعين» (ليوسف الخال)، وحذفت و«فركشت» إلى أن استوى الأمر كما حلا ليوسف أن يكون، وكما حلا لي أن يكون. وحين صدر الديوان وفيه المقدمة، وكأنما يوسف ليست له راضية ومرضية، فلم يسألني البتّة، ولا كانت منه لمحة إلى مقالتي النقدية عن الديوان حين أغفلت، ولم أذكر الفعل والفاعل. وهنا الصاع صاعان؛ إذ هو لا يطيق أحدًا على الرغم أنه يلتفت إلى بعض الأسماء، وهو دائمًا يتصرف على ذوقه ويخرب الحقيقة تقريبًا خرابًا يشبه ما يكون الطلل حين يغادره الأهلون، ويظهر الرماد فقط ولا وضوح أبدا فيما يجب أن يكون وضوحًا ويستأثر بالحقيقة دائمًا، وحين لا توافقه يقوم هو بالحذف أو يدفع أحدهم إلى الحذف، كما حاله في شتى الظروف وأنواع المناسبات.
وحين تنضح الحقيقة في وجهه يتأفف ويتركك حيث أنت، ولا يرغب أن ينبت نبات آخر غير ما هو، وغير ما يطلع من بستانه، ولا هناك تقدير لمن يصعد من الضباب إلى النور إلى الوضح ويكاد يزاحمه، فيركض إلى ساحة جديدة ليمارس ما مارسته في ساحة سابقة من الترويج والعمل لنفسه وتزيين شعره وقصيدته أنهما هما الشعر والقصيدة، حين أن الرأي ينكشف رويدًا ومسارعًا أنهما يتضاءلان، وأن اللفظية باهظة الغلبة والثقل، وأن الحراسة عليهما من قبله بالنقد والعلاقات وتلبية الدعوات، كلها ما عادت تنفع ذلك؛ فالبيان بيان الساعة الأخيرة والضحكة الأخيرة.
وما كان أحد ليرشقه بوردة لو أنه حفظ للمنافسة وجهها الناصع وللخصومة رقيها الناصع، ولم يفعل، واللوم على الآخرين الذين، جامعيين مثله أو أكاديميين مثله، يجب أن يذهبوا إلى محكمة دانتي، إلى رحلة هذا الشاعر إلى المدار الأليم.



رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.