ميليشيات ليبية تنافس تجار المخدرات والعملات المزورة

قادتها يبحثون عن الأموال لسداد رواتب المقاتلين وشراء أسلحة جديدة... وبعضهم نقل «خبراته» من أفغانستان

ضابط ليبي يحرق كمية كبيرة من مخدر الحشيش في طرابلس (غيتي)
ضابط ليبي يحرق كمية كبيرة من مخدر الحشيش في طرابلس (غيتي)
TT

ميليشيات ليبية تنافس تجار المخدرات والعملات المزورة

ضابط ليبي يحرق كمية كبيرة من مخدر الحشيش في طرابلس (غيتي)
ضابط ليبي يحرق كمية كبيرة من مخدر الحشيش في طرابلس (غيتي)

دخل قادة ميليشيات ليبية، بعضها مرتبط بتنظيمات «جهادية»، على خط منافسة شبكات محلية ودولية لتجارة المخدرات والعملات المزورة في حوض البحر المتوسط، انطلاقًا من سواحل غرب ليبيا، ما دفع جهازين أمنيين أوروبيين على الأقل، إلى طلب السماح لهما بتعقب أفراد من هذه الشبكات داخل ليبيا، بعدما استغلوا الفوضى التي تضرب هذا البلد شاسع المساحة طويل السواحل قليل السكان، لزيادة حجم تجارتهم عبر شراكات مع الميليشيات المحلية.
وفي طرابلس، بلغ ثمن الكيلوغرام من آخر شُحنة حشيش اسمه «المعجون الأفغاني»، وصلت إلى سواحل بلدة زوَّارة المجاورة، إلى 25 ألف دينار (18 ألف دولار تقريبًا بالسعر الرسمي)، بينما بلغ سعر الكيلوغرام من الهيروين، ويطلق عليه التُّجار هُنا اسم «الغبرة البيضاء»، 100 ألف دينار. وانتشرت تجارة الدولارات المزيفة على نطاق واسع، وبلغ سعر الدولار المزيف من النوع الذي يطلق عليه «الصيني» دينارين ليبيين، بينما النوع الإسرائيلي الأقل جودة، وصل إلى نحو 1.3 دينار. وتكافح حكومة الوفاق الوطني، التي يرأسها فايز السراج، للسيطرة على البلاد، لكنّ المُهمة تبدو صعبة.
ويبلغ السعر الرسمي للدولار الأميركي في المصارف الليبية 1.4 دينار، لكن من النادر الحصول عليه بسبب المصاعب الاقتصادية والسياسية. ويزيد سعر الدولار في السوق السوداء على 6 دنانير. ووفقًا لتقارير أمنية ليبية وخُبراء مصرفيين، لوحظ أن غالبية القيادات التي تدير تجارة المخدرات والدولارات المزيفة على علاقة بميليشيات مدججة بالأسلحة، بينها ميليشيات محسوبة على تنظيمات مثل «داعش» و«القاعدة» و«الإخوان المسلمين». ويقول عمرو فركاش، الخبير الاقتصادي الليبي والمصرفي الإقليمي: «حين يكون هناك متطرفون، يزداد مثل هذا النشاط».
بعض صَفقات المُخدرات تكُوْن مقابل كميات من براميل النفط المسروق. ويتضافر عالم المخدرات والعملات المزيفة مع سماسرة يعملون في تجارة تهريب البشر المعروفة بـ«الهجرة غير الشرعية»، وتجارة الآثار المنهوبة. ويقول مصدر في الاستخبارات العسكرية في طرابلس إن «سماسرة إسبان وعناصر من المافيا الإيطالية، دخلوا على الخط للاستفادة من حالة الفوضى في ليبيا، لكن المافيا الليبية تفوقت عليهم»، خصوصًا بعد أن وثَّقَ قادة ميليشيات العلاقة بخبراء في أنواع مختلفة من التجارة غير المشروعة، من سواحل إسبانيا وإيطاليا إلى قبرص ومالطا واليونان وتونس وغيرها.
ويؤكد الرائد محمد حجازي، وهو خبير أمني وعسكري ليبي، وكان ناطقًا لبعض الوقت باسم «عملية الكرامة» التابعة للجيش، أن الوضع في بلاده أصبح مأساويًا، «لأنها مفتوحة على مصراعيها... بالتأكيد هناك تهريب نفط وغيره عن طريق مافيات، لكن لا أستطيع أن أحدد أنواعها». وأضاف: «الخلاصة أن ليبيا تحولت إلى مرتع لكل هذه الكيانات، خصوصًا المافيات». وعزا ذلك إلى «الأوضاع الأمنية في عموم ليبيا، خصوصًا في المنطقة الجنوبية والغربية. أمَّا المنطقة الشرقية فتُعد أكثر أمانًا، نظرًا إلى وجود مؤسسة عسكرية فيها».
وتزخر العاصمة وبلدات مجاورة لها بعشرات الميليشيات ذات التوجهات المتباينة، لكن يبدو أن الحاجة إلى المال دفعت بعضًا منها إلى التعاون في ما بينها، من دون النظر إلى المرجعية المذهبية أو الجهوية أو حتى القبلية. ويقول الإعلامي الليبي رجب بن غزي، الذي أجرى مقابلات تلفزيونية مع عدة قيادات من تنظيمات متشددة مثل «أنصار الشريعة» الأقرب لـ«داعش» و«الجماعة الليبية المقاتلة» الأقرب لـ«القاعدة»، إن «ميليشيات كثيرة تعاني اليوم شحًا في الأموال». وأضاف أن «التيارات المتطرفة أصبحت في الفترة الأخيرة تسمح بالاتجار في المخدرات والعملات المزيفة من أجل توفير الأموال... لو لدى ميليشيا من الميليشيات بضع مئات من المقاتلين، فمن أين ستنفق عليهم في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها ليبيا؟».
وكانت الدولة كلفت ميليشيات بحماية المؤسسات العامة عقب مقتل معمر القذافي، في مقابل منح رواتب لعناصرها، إلا أن أمورًا كثيرة تغيرت بعد نحو ست سنوات، بما فيها ولاء الميليشيات، وأصبح من الصعب الاستمرار في منح أموال لقوى غير مضمونة، أو أخرى تنظر إليها أطراف دولية بوصفها ميليشيات متطرفة، خصوصًا بعد تولي حكومة السراج مقاليد السلطة في طرابلس. كما أن فوز الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ساهم على ما يبدو، منذ مطلع هذا العام، في كبح التدفق المالي الذي كانت تمنحه الدولة للميليشيات من دون تفرقة تُذكر.
ووفقًا لمصدر أمني في طرابلس، أرسلت الإدارة الأميركية الجديدة قوائم مبدئية تضم 48 اسمًا، غالبيتهم من قادة ميليشيات، تطلب من جهات قضائية في طرابلس، معلومات عنهم، وعما يقومون به في العاصمة. ومن المتوقع وصول قوائم إضافية بأسماء جديدة تثير مخاوف الأميركيين.
ويقول المحلل الاقتصادي الأميركي من أصل مصري، شريف الحلوة، عن التسريبات الخاصة بجمع إدارة ترمب معلومات عن قادة ميليشيات في ليبيا، إن الإدارة الأميركية الجديدة «تُحاول معرفة من هم الموجودون على الأرض. ومن يقف وراء الإرهاب والهجرة غير الشرعية، لأن معظم الميليشيات لها دور في تسهيل هذه العمليات، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. إدارة ترمب تسعى إلى معرفة مَنْ يتحكم في ماذا داخل ليبيا، وماذا يفعل». وفي المقابل، يؤكد المصدر الأمني وجود مئات الطلبات من ميليشيات تريد صرف رواتب لمقاتليها، لكنها ما زالت معطلة منذ أكثر من شهرين، «لأنه، أولاً لا توجد أموال كافية، وثانيًا لم يعد استمرار اعتماد السلطة على الميليشيات مقبولاً، لا محليًا ولا دوليًا».
ومع هذا الشُّح في مصدر التمويل الرئيسي للميليشيات، اتجه كثير من زعمائها إلى البحث عن مكاسب مالية سريعة حتى لا ينفرط عقد القوات التي تحت أيديها. واستغلت عناصر متعطشة للأموال من المافيا الدولية، الحالة الليبية الجديدة. ويقول فركاش عن هذه «الخَلْطَة» التي أصبحت تتاجر في كل شيء، على سواحل يبلغ طولها نحو ألفي كيلومتر، إن «نشاط المافيا الإيطالية وسماسرة البحر المتوسط أمر متوقع، لأن الطرف المقابل في ليبيا، وأقصد به الميليشيات، اتجه بقوة إلى تجارة المخدرات والعملات المزيفة للحصول على أموال تغطي نفقات هذه الميليشيات، خصوصًا بعد التضييق عليها من جانب مصارف ليبية، وتراجع نشاط الهجرة غير الشرعية من سواحل غرب طرابلس».
ويقول تقرير أمني ليبي إن واحدة من صفقات المخدرات التي يطلق عليها التجار «المعجون الأفغاني» جرت قبل أيام قليلة، في غرب العاصمة، ويبلغ حجمها عشرين قنطارًا، أي نحو ثلاثة أطنان. ويضيف أن هذا النوع لفت الأنظار لأنه حظي سريعًا بشهرة واسعة في أوساط التجار لجودته، «فرائحته فوَّاحة، وطري، وعليه الختم الحراري، ومُغلَّف».
ورصد التقرير صفقة أخرى جرت في منطقة أبو سليم في طرابلس الأسبوع الماضي، وكان أحد أطرافها من المتعاونين مع كل من «الجماعة المقاتلة» وتنظيم «داعش». وبلغ وزن الصفقة 130 كيلوغرامًا من نوع أقل جودة من الحشيش الأفغاني. وبدأت المفاوضات على 20 ألف دينار للكيلوغرام، إلا أنه تم تخفيض السعر إلى 16 ألفًا فقط. وتتكون ميليشيا أخرى تنشط في طرابلس من نحو 200 مقاتل مصري وأفريقي، وتوجه معظم عناصرها إلى تجارة المخدرات بعد نقص كبير في الأموال. ولا توجد قوات أمنية لديها قدرة على كبح جماح مثل هذه الميليشيات أو منعها من الأعمال المخالفة للقانون.
وتملك الميليشيا المشار إليها معدات تشمل أربع دبابات، وعربتي صواريخ من طراز «غراد»، ومضادات مدفعية، ومئات من الأسلحة الخفيفة. وتمكنت بعد صفقة مخدرات جديدة من شراء صواريخ ومدافع مسروقة أصلاً من مخازن وزارة الدفاع الليبية في طرابلس. ويقول فركاش إن «قبضة الميليشيات في غرب البلاد أقوى من أي تشكيل تابع للدولة».
ومن المعروف أن آلاف السجناء الجنائيين، وبينهم تجار مخدرات، فروا من السجون أثناء الانتفاضة المسلحة ضد القذافي. ويقول مصدر في المخابرات العسكرية الليبية إنه «منذ ذلك الوقت، لم توجد سلطة قوية لإعادتهم إلى السجون مرة أخرى، وانضم معظمهم إلى الميليشيات أو كوَّن ميليشيا خاصة به حتى يعرقل أي عودة للدولة». ويضيف أن صفقة هيروين جرى تمريرها في طرابلس، قبل أيام، بين قائد ميليشيا من هذا النوع، وآخر من تجار المخدرات المعروفين والمطلوب القبض عليه من النيابة العامة في العاصمة. وتابع متحسرًا: «تفكك الدولة حال دون وقف الصفقة».
ورغم علم السلطات الأمنية بتحركات هذه الصفقة منذ البداية، فإن إمكانياتها الضعيفة، لم تمكنها من القيام بأي إجراء. وبعد أيام انتشر باعة التجزئة في العاصمة وهم يروجون الصفقة، قائلين وهم يتغزلون في مواصفات الهيروين، إنها «غَبرة بيضاء نقية تُنسيك الحياة في طرابلس ومآسيها». وتعاني العاصمة من انقطاع الكهرباء والمياه وعدم انتظام خدمة الهواتف والإنترنت، إلى جانب الاشتباكات الليلية بالأسلحة الثقيلة بين المتنافسين على التحكم في المدينة.
وتتنازع على السُّلطة في ليبيا ثلاث حكومات، اثنتان في طرابلس، هما حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، وحكومة الإنقاذ برئاسة خليفة الغويل، إضافة إلى الحكومة المؤقتة في مدينة البيضاء شرقًا برئاسة عبد الله الثني. وتدعم كلُّ مجموعة من الميليشيات، حكومة من الحكومتين الموجودتين في طرابلس، بينما يدعمُ حكومةَ الثني الجيشُ الذي يقوده المشير خليفة حفتر. وتَجِدُ معظم الميليشيات، من توجهات مختلفة، ساحةَ المنافسة بين حكومتي طرابلس، فرصةً للتوسع وتقوية النفوذ.
وعلى خلفية هذا الصراع، دخلت قبل أيام صفقة مخدرات كبيرة عبر سفينة قادمة من البحر، ورست في ميناء زوَّارة. وتقدر قيمة الكمية بنحو 10 ملايين دينار، وفقًا للمصدر الأمني. وجرى سداد جانب من قيمة الصفقة مقابل براميل نفط مسروقة من الحقول الليبية، بحساب سعر البرميل 70 دينارًا، إضافة إلى بضعة آلاف من صناديق زيوت المحركات المَنْهُوبة من مخازن الدولة بسعر 40 دينارًا للصندوق.
ويعزو الحلوة هذه الفوضى إلى «عدم وجود قوة لتطبيق القانون... الحدود مخترقة، ويسهل تداول المخدرات والعملات المزيفة والسلاح على ساحل المتوسط ومع دول الجوار. كما أن الهجرة غير الشرعية تخلق بيئة لاستخدام العملات المزيفة في أوساط المهاجرين».
ويبدو أن تجارة المخدرات كانت في الشهور الماضية تقتصر على جنوب البلاد فقط، عن طريق رؤوس كبيرة لقادة الجماعات المتطرفة. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، استهدفت غارة جوية غربية اجتماعًا قرب مدينة سبها، كان يضم كبار قيادات المتطرفين في ليبيا. وأفادت مصادر استخباراتية بأن الاجتماع كان يخص «بحث تلطيف الأجواء مع شبكات تهريب المخدرات في المنطقة الجنوبية، بعد أن تعرضت للتوتر نتيجة لتوسع التنظيمات المتشددة في هذا النشاط ومزاحمتها لتجار مخدرات تقليديين، من أبناء قبائل ليبية لديها امتداد قبلي في مالي وتشاد والنيجر».
وأدَّت المتغيرات في الأسابيع الماضية إلى دخول قادة ميليشيات في شمال غربي البلاد، في عالم تجارة المخدرات، عَبر السواحل المفتوحة. وبالإضافة إلى ذلك، انتشرت تجارة الدولارات المزيفة. ويُطلق التجار اسمًا حركيًا على مثل هذه الصفقات، هو «الشاي الأخضر». وفي آخر صفقة جرى بيع 6.5 مليون دولار مزيف من النوع الذي يطلق عليه «الإسرائيلي» بقيمة 1.25 دينار ليبي للدولار الواحد.
ويقول فركاش، إن السبب وراء انتشار الدولار المُزيف، هو النقص الحاد في العملة الأجنبية وغياب الرقابة في البلاد. ويضيف أن الأسماء التي تطلق على الدولار الأميركي المزيف، مثل كلمة «الصيني» أو «الإسرائيلي»، لا علاقة لها بمكان التزييف، لكن بالجودة، لأن الدولار يمكن أن يُزيف في أي مكان تتوافر فيه الإمكانيات. ويوضح أنه «طالما ظل التعامل بهذه العملات خارج القطاع المصرفي، فإن المواطن لا يستطيع أن يكتشف العملة المزيفة. ومن يحمل هذا النوع من الأموال يظل مخدوعًا إلى أن يصطدم مع جهة تستطيع التفريق بين الدولار المزيف والدولار الصحيح... بالطبع هناك علامات يمكن عن طريقها التمييز بينهما، إلا أن الأمر، عمومًا، يحتاج إلى خبير في مسألة تزوير العملات». ورُصدت أكبر صفقة بيع عملات مزيفة قيمتها 10 ملايين دولار، بثمن دينارين للدولار الواحد. وتم تسليم الأموال في مكتب تابع لإحدى الميليشيات في منطقة الظُهْرَة في طرابلس قبل أيام، تمهيدًا لبيع الكمية في السوق.
ويبدو أن نشاط المافيا الليبية ووجودها المتزايد على سواحل البحر المتوسط، ناهيك عن الصحراء الشاسعة، أثار قلق أجهزة أمنية غربية عدة، خصوصًا في ما يتعلق بالمخدرات والدولارات المزيفة. ويؤكد الحلوة أن «الأميركيين لا يتسامحون في مسألة تزييف الدولار، في أي مكان في العام. طالما هناك تداول عملات مزيفة، وبالذات الدولار، فإن المخابرات الأميركية تتدخل مباشرة، وكذلك يتحرك جهاز الخدمات السرية (الخاص بالرئاسة في البيت الأبيض)، لأنه يعد من المسؤولين عن متابعة الدولار المزيف في العالم، والقبض على من يروج له». ويضيف أنه «من الممكن التعاون مع أطراف أوروبية في هذا الشأن. إيطاليا وألمانيا بالذات هي المتوغلة داخل ليبيا، وهما حليفتان دائمتان لأميركا».
وكشف مصدر في مخابرات طرابلس أن مندوبين أمنيين من كل من إيطاليا وإسبانيا، طلبوا الإذن لهم، بملاحقة عناصر من المافيا العابرة للحدود، بناء على معلومات تشير إلى لجوء هذه العناصر إلى مافيا ليبية أصبحت تنتشر في بلدات تحيط العاصمة وتحترف تهريب البشر والمخدرات والأموال المزيفة. وبالنظر إلى خطر المافيا الليبية التي تعتمد على ميليشيات مسلحة، لا توجد معلومات عما إذا كان المندوبون الإيطاليون والإسبان قد تمكنوا من إتمام عملهم أم لا.
وتقترن بالنشاط في عالم المخدرات والعملات المزيفة، قصص لا أول لها ولا آخر عمَّن أثروا فجأة من هذا المجال أخيرًا، بعد أن كانوا مجرد أشخاص محكوم عليهم في سجون القذافي، أو موظفين براتب لا يزيد على 500 دولار في الشهر، وتحولوا فجأة إلى مُلاك لملايين الدولارات، ولديهم علاقات عابرة للحدود. ومن هؤلاء مساعد لقائد ميليشيا، أصبحت ثروته تُقدر بنحو 60 مليون دولار. ويقول أحد أقاربه إنه كان، في عهد القذافي، يستدين من جيرانه لشراء السجائر. ورغم حالة الانفلات في غرب ليبيا وفي جنوبها، فإن بعض المدن هناك ما زالت لديها القُدرة على إحباط جانب من هذا النشاط. ووفقًا لمصدر في قسم مكافحة تهريب المخدرات في بلدة ترهونة الواقعة إلى الجنوب من طرابلس، فقد تمكن القسم من ضبط «شحنة حشيش» تقدر بأكثر من خمسة قناطير، أثناء نقلها من منطقة «وشتاتة» في داخل المدينة، إلى مدينة زليتن، شرق العاصمة. ويوضح المصدر أن الشحنة كانت قادمة أساسًا من سبها في أقصى جنوب البلاد. وجرى إيداع المتهم الرئيسي في مقر احتجاز في منطقة الهضبة في طرابلس، بعد أن اعترف بأن الصفقة تخص قياديًا في «الجماعة المقاتلة».
ويقول مصدر مقرب من ميليشيات طرابلس إن واقعة صفقة ترهونة التي لم تكتمل، أدت إلى خلافات حول شرعية الاتجار في المخدرات، بين عدد من الزعماء الليبيين في «الجماعة المقاتلة»، مِمَّن كانوا يحاربون الجيش الروسي في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي. ومن بين هؤلاء الزعماء شيخ اعترض على نشاط زملائه القدامى، وقال للقائمين على الصفقة، وفقًا للمصدر: «منذ كنا في أفغانستان وأنا غير مقتنع بثقافة بيع المخدرات لنشر العقيدة. فلماذا تضعون أنفسكم اليوم في مواضع الشبهات؟». ومن جانبه يعلق بن غزي قائلاً إن بعض أمراء الحرب، بمن فيهم زعماء لجماعات متشددة، يُبررون لأنفسهم أي عمل من أجل الحصول على أموال للمقاتلين الذين معهم.
ويتكفل زعيم ليبي كان من المحاربين في أفغانستان ومن تجار المخدرات فيها قديمًا، بمعيشة 170 مقاتلاً، جلب 150 منهم من أفغانستان و20 من باكستان، ويقيمون في مزرعته في طرابلس. ويعد في الوقت الراهن من كبار مديري صفقات تهريب الحشيش عبر السواحل الليبية وبيع الدولارات المزورة في العاصمة. ويوضح مصدر مقرب من الميليشيات في طرابلس أن هذا الرجل كان قد أقام لبعض الوقت في باكستان وله علاقات قوية فيها، وفِي كلٍّ من ماليزيا وإندونيسيا. ويعد الرجل من القيادات الجديدة الخطرة في ليبيا، نظرًا إلى ماضيه المثير للجدل واحترافه جلب الأموال من أي مصدر. وكان يقاتل القوات الأميركية في العراق مع الأردني «أبو مصعب الزرقاوي»، ومع ذلك لم يكن يلتزم بتعليمات الزرقاوي، ويدخل معه في جدل في كثير من الأوقات. وهو من أصحاب فكرة تأسيس «بيت مال للمجاهدين». وفي الوقت الراهن، وفقًا للمصدر نفسه، يعمل الرجل ذاته في ليبيا مع تنظيمات «داعش» و«جند الحق»، المقرب من «داعش»، و«الجماعة المقاتلة»، ولديه صلات قوية مع مغاربة يقيمون في كل من فرنسا وبلجيكا.
وفي غياب قوات أمنية منضبطة وذات فاعلية في غرب البلاد، تتحرك ميليشيات عدة من تلك التي ما زالت تعتمد عليها بعض الجهات المسؤولة في حفظ الأمن في العاصمة وما حولها، حسب الأهواء. ومن بين كثير من الوقائع، تعد الحالة التي جرت في بلدة رقدالين (الظهير الصحراوي لمدينة زوَّارة في غرب طرابلس)، من الغرائب. فهناك جرى تكليف ميليشيا بالتدخل لفرض الاستقرار لانتشار تجارة المخدرات والفوضى. وبعد أيام أعطت الميليشيا تقريرًا للسلطات زعمت فيه أنها أعدمت حاويات خمور مستوردة قيمتها 4 ملايين دينار، وأحرقت ألف كيلوغرام من المخدرات، و4 كيلوغرامات من الهيروين، إلا أن السلطات اكتشفت أن الميليشيا نفسها باعت ما صادرته من تجار رقدالين في سوق قرقارش في العاصمة.
ويعد انتشار التجارة المخالفة للقانون أحد أسباب مقاومة رجوع الدولة مرة أخرى من قبل ميليشيات عدة. ويقول الرائد حجازي إن مثل هذه المجموعات، خصوصًا ممن كانت عناصرها في السجون (قبل 2011)، تعمل ضد بناء الدولة حاليًا، وليس من مصلحتها وجود مؤسسة عسكرية وأمنية قوية. ويُضيف أن جماعات إجرامية، عبارة عن مرتزقة، وأخرى متطرفة، تجد أرضًا خصبة في بعض المناطق، وتستفيد من هذا الوضع الخطير. ودعا إلى حوار «ليبي - ليبي» لحل الخلافات، على أن يقدم كل طرف «تنازلات مؤلمة لإنقاذ الدولة».



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي طبيبة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.