سبيلبيرغ: جفرسون اعتبر المسلمين مواطنين أميركيين

النظرة للأجانب والاستعلاء والتفرقة في كتاب عن الرئيس الأميركي الثالث

سبيلبيرغ: جفرسون اعتبر المسلمين مواطنين أميركيين
TT

سبيلبيرغ: جفرسون اعتبر المسلمين مواطنين أميركيين

سبيلبيرغ: جفرسون اعتبر المسلمين مواطنين أميركيين

أيد جفرسون حق المسلمين في أن يكونوا، يوما ما ونظريا، مواطنين أميركيين. وطبعا، في ذلك الوقت كان هذا الرأي مرفوضا وسط الأميركيين وفي عام 1821، قبل خمس سنوات من وفاته، قال إنه «كان ينوي وضع كلمة (مسلمين) مباشرة في قانون الحريات الدينية، وإن الرئيس الأول جورج واشنطن، والرئيس الرابع جيمس ماديسون كانا سيتفقان معه على ذلك».
* في عام 1776، بعد شهور من كتابته وثيقة إعلان الاستقلال، عثر جفرسون على عبارة كتبها الفيلسوف البريطاني جون لوك عام 1689، عن التسامح الديني. وفيها الآتي: «يجب عدم استثناء تعتبر د. دينيس سبيلبيرغ واحدة من نجوم المناقشات الثقافية في الولايات المتحدة حول علاقة الولايات المتحدة مع الإسلام والمسلمين. وخصوصا بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001، وإعلان الرئيس السابق بوش الابن «الحرب ضد الإرهاب».
تعمل سبيلبيرغ أستاذة مساعدة في التاريخ ودراسات الشرق الأوسط في جامعة تكساس (في أوستن). وحصلت على الدكتوراه من جامعة كولومبيا. وهي مؤلفة كتاب: «السياسة والجندر وماضي الإسلام: قصة عائشة بنت أبي بكر». وقبل سنوات، دخلت في نقاش ساخن مع الروائية الأميركية شيري جونز، مؤلفة رواية «جويل أوف مادينا» (جوهرة المدينة). وقالت، إن «الرواية غير صحيحة تاريخيا، وإنها ستثير غضب المسلمين». واضطرت «راندوم هاوس»، دار النشر، لوقف نشر الرواية وكتبت سبيلبيرغ كثيرا عن وضع المسلمين في الولايات المتحدة في ظل «الحرب ضد الإرهاب». ومما قالته: «الآن، أكثر من أي وقت مضى في تاريخنا، نحتاج لنقف متحدين. ليس ضد العنف فقط، ولكن، أيضا، لحماية الحقوق الدينية والمدنية لكل الأميركيين».
وأخيرا، أصدرت كتاب «قرآن جفرسون: الإسلام والآباء المؤسسون». وهو عن تاريخ المسلمين في أميركا، وعن اهتمام جفرسون بحقوقهم.
وهذه مقابلة معها:

«الحرب ضد الإرهاب»:
* في عصر «الحرب ضد الإرهاب»، وتدخل الولايات المتحدة في دول إسلامية، كيف كانت أول حرب أميركية ضد المسلمين، حرب القراصنة، قبل مائتي سنة؟
- في عام 1801، صار توماس جفرسون الرئيس الثالث (الأول: جورج واشنطن، والثاني: جون آدامز). وفي أول سنة، أعلن الحرب ضد القراصنة المسلمين في غرب البحر الأبيض المتوسط، وخصوصا ضد ليبيا كانت تسمى «دولة طرابلس الإسلامية». أول حرب أميركية في الخارج، وأول حرب ضد دولة إسلامية.
كانت المغرب قد وقعت معاهدة مع الولايات المتحدة لحماية سفنها من القراصنة في المنطقة، لكن ليبيا ترددت، ووافقت على حماية السفن مقابل 80.000 دولار سنويا. غير أنها، في وقت لاحق، طمعت، وطلبت 250.000 دولار سنويا. وعندما رفض جفرسون، أعلنت ليبيا الحرب. فأعلن جفرسون «الحرب ضد البرابرة». وضغط على الجزائر وتونس، فألغتا تحالفهما مع ليبيا. وأرسل سفنا ضربت طرابلس لكن، حرص جفرسون ألا تكون الحرب ضد الإسلام والمسلمين، وسعى لحل دبلوماسي. وأشارت اتفاقية السلام وإنهاء الحرب التي عقدها مع ليبيا إلى الآتي: «بما أن حكومة الولايات المتحدة الأميركية لا تكن أي نوع من العداء لدين وقوانين وأمن (المسلمين)، لا يجوز لأي رأي أو تفسير ديني أن يؤثر على الوئام في العلاقات بين البلدين»

هجمات 11 سبتمبر

* كيف كان جفرسون سيرد على هجمات 11 سبتمبر عام 2001؟
- أنا مؤرخة. ولهذا، لا أقدر على تقديم تحليلات لموضوع يظل راهنا مع بداية القرن الـ21. لكني أقدر على تقديم افتراضات، اعتمادا على تصرفات جفرسون في بداية القرن الـ19. وأقول نقطتين:
أولا: كان سيفرق بين المواطنين الأميركيين وحقوقهم، وبين مجرمين أجانب قاموا بهجمات جبانة باسم الإسلام.
ثانيا: كان سيفرق بين كلمة «إسلام» وكلمة «إرهاب». وكان سينظر إلى ما تسمى «الحرب ضد الإرهاب» بأنها حرب ضد مجرمين. وأن المشكلة سياسية، وليست دينية.

* هل توجد صلة بين وضع المسلمين في أميركا اليوم بسبب «الحرب ضد الإرهاب» وبين وضعهم قبل مائتي سنة بسبب الحرب ضد القرصنة؟
- لأنه لم يكن هناك مسلمون معروفون في الولايات المتحدة قبل مائتي سنة، أقدر على القول، نظريا، إن حقوق المسلمين الأميركيين اليوم مغروسة في المبادئ الأميركية التي أعلنت في ذلك الوقت.
لهذا، بإمكاني أن أؤكد على وجود أساس دستوري وقانوني قوي أن حقوق المسلمين الأميركيين لم تؤسس لأنهم مسلمون، ولكن لأنهم كانوا يمكن أن يكون هناك أميركيون مسلمون.

مستقبل مسلمي أميركا

* ماذا عن المستقبل؟ وماذا عن إمكانية التغلب على المشكلات التي تواجه المسلمين في أميركا اليوم؟ وماذا عن ظهور ونمو اليمين المسيحي؟ واضح أن من أسباب ذلك عداء مبطن وغير مباشر للإسلام والمسلمين؟
- قبل مائتي سنة، في عهد جفرسون، لم يخاف الأميركيون البروتستانت فقط من المسلمين، وخافوا، أيضا، من المسيحيين الكاثوليك واليهود. ولا بد من أن نتذكر أن حقوق الكاثوليك واليهود كانت معترف بها، ولو نظريا، مع نهاية القرن الـ18. لكن، مضت مائتا سنة تقريبا، حتى القرن الـ20، ليقدر الكاثوليك واليهود على التمتع الفعلي بهذه الحقوق النظرية.
خلال تلك المائتي سنة، اتهم الكاثوليك واليهود بأنهم «غير أميركيين»، بل «أعداء لأميركا»، ليس لسبب سياسي، ولكن لسبب ديني، لأنهم كاثوليك ويهود. لهذا، يستعمل الذين يشنون في الوقت الحاضر حملات ضد المسلمين الأميركيين نفس اللغة والتكتيك.
وليس سرا أن هذه الحملة منظمة، ومنسقة، وممولة تمويلا قويا من قبل متطرفين.

* ما هو الحل؟
- أرى أن هؤلاء المتطرفين لا بد أن يواجهوا بالسوابق التاريخية، وبالدعوات القضائية. وأرى أنهم، في نهاية المطاف، سيخسرون، لأن ما يفعلون غير دستوري، وغير أميركي. وأنا أتفاءل عندما أنظر إلى الكونغرس، وأرى فيه اثنين من النواب المسلمين: كيث إليسون، وأندريه كارسون.

* لماذا، وكيف، أصبحت مهتمة بموضوع جفرسون؟
- أنا أستاذة في التاريخ الإسلامي القديم. لكن، بدأ هذا المشروع صدفة. وجدت إعلانا عن إعادة تمثيل مسرحية معادية للإسلام كانت مثلت في بولتيمور (ولاية ميريلاند) في عام 1782. في الحقيقة، لم أتوقع أبدا أن الأميركيين، في ذلك الوقت (بعد أقل من 10 سنوات من الاستقلال) كانوا يعرفون أي شيء عن الإسلام، أو عن النبي محمد، «الذي ينشر بالسيف دينا مزيفا، كما ادعت المسرحية».
وبدأت أسأل نفسي: ما هي أبعاد هذه الصورة السلبية عن الإسلام في أميركا وأوروبا؟ هل كان المسلمون دائما أعداء في نظر الأميركيين الأوائل؟ هل كانت هناك استثناءات لهذه النظرة السلبية؟ بعد ذلك بعامين، وجدت أدلة جديدة أثارت اهتمامي. وجدت أنه، في عام 1788، خلال مناقشة الدستور الأميركي، دعا وفد ولاية نورث كارولينا إلى وضع مادة تحدد مؤهلات رئيس الجمهورية، ومنها أن يكون مسيحيا. وحذر الوفد بأنه، إذا لم توضع هذه المادة، سيأتي يوم يكون فيه الرئيس الأميركي من اتباع «مهومتانز» (محمديين. لم يكونوا يسمونهم مسلمين بالله. كانوا يسمونهم أتباع محمد، مثل «كريستيانز»، أتباع المسيح.
في ذلك الوقت، كان المسيحيون البروتستانت هم الأغلبية الكبرى في الولايات المتحدة، وهم المسيطرون عليها، وكانت فقط 13 ولاية. وكانت المناصب السياسية ممنوعة على المسيحيين الكاثوليك، ولليهود، وضمنيا، للمسلمين.
خلال بحثي في وثائق المناقشات الدستورية، وجدت أن محاميا في وفد ولاية نورث كارولينا، اسمه جيمس إيردل، جادل لفتح الباب أمام الأديان الأخرى. وقال إن «الدستور يجب ألا يستثنى أتباع الأديان الأخرى»، وأشار إلى المسلمين.
وسألت نفسي: من أين جاء بهذه الفكرة التعددية الشاملة؟ وعاد بي البحث الأكاديمي إلى أوروبا في القرن الـ16. ورغم العداء للإسلام والمسلمين (عقود الحروب الصليبية، ثم عقود سقوط الأندلس)، كانت هناك أصوات تدعو للتسامح مع المسلمين. لكنها، مثل المحامي إيردل، كانت قليلة

جفرسون والمسلمون:

* لماذا، وكيف، صار جفرسون مهتما بالإسلام والمسلمين؟
- اشترى جفرسون مصحفا، وكان يتكون من جزأين، في عام 1765، قبل 11 عاما من إعلان الاستقلال. في ذلك الوقت، كان طالبا في كلية الحقوق في جامعة فرجينيا. نظر إلى القرآن كمصدر لقانون مقدس. واشترى نسخة من المصحف الذي ترجمه البريطاني جورج سيل، الذي كان أول من ترجم القرآن مباشرة من العربية إلى الإنجليزية. ومع الترجمة، كتب سيل مائتي صفحة عن تاريخ الإسلام، وعن عبادات، ومعاملات، وعادات المسلمين. وكانت هذه أكثر دقة من معلومات سابقة عن الإسلام والمسلمين كتبها غربيون.
خلال بحث جفرسون في القوانين الأوروبية، وجد قوانين كثيرة تصف المسلمين بأنهم «أعداء الحياة». وكانت الإشارة الرئيسة هي إلى الخلافة الإسلامية التركية. (اسمها الرسمي: الدولة العثمانية. وقت اكتشاف أميركا في القرن الـ16، كانت سيطرت على بلغراد. ووقت استقلال أميركا في القرن الـ18، كانت تحارب روسيا بعد أن اقتربت من كييف).
لكن، خلال بحث جفرسون في القوانين الأوروبية، وجد قانونا بريطانيا يدعو إلى التسامح مع المسلمين. وفيه الآتي: «يجب ألا يكون هناك اختلاف بين ديننا ودينهم. ويجب ألا نكون أعداءهم. هم مخلوقات الله وبشر مثلنا».
أثرت هذه الكلمات على رأي جفرسون في المسلمين.
وفي عام 1776، بعد شهور من كتابته وثيقة إعلان الاستقلال، خلال دراساته، عبارة من عام 1689، كتبها الفيلسوف البريطاني جون لوك عن التسامح الديني. وفيها الآتي: «يجب عدم استثناء «المحمديين» (المسلمين) واليهود من الحقوق المدنية بسبب الدين».
اليوم، توجد هذه العبارة بخط جفرسون في مكتبة الكونغرس.
وفي وقت لاحق، عندما كتب دستور ولايته، ولاية فرجينيا، فتح الباب أمام الحرية الدينية والمساواة السياسية للمسلمين.

الحرب ضد القرصنة:

* بصورة عامة، ماذا كان رأي جفرسون في الإسلام والمسلمين؟
- كان رأي جفرسون الأول في الإسلام سلبيا، وغير صحيح. وأعتقد أنه تأثر بكتابات الفيلسوف الفرنسي فولتير، خصوصا قوله، إن «الإسلام يكبت البحث العلمي». وأعتقد أنا أن هذا أثر على قرار جفرسون بفصل الدين عن الحكومة في ولاية فرجينيا، ثم في الدستور الأميركي.
وهكذا، أيد جفرسون حق المسلمين في أن يكونوا، يوما ما ونظريا، مواطنين أميركيين. وطبعا، في ذلك الوقت كان هذا الرأي مرفوضا وسط الأميركيين وفي عام 1821، قبل خمس سنوات من وفاته، قال، إنه «كان ينوي وضع كلمة (مسلمين) مباشرة في قانون الحريات الدينية، وإن الرئيس الأول جورج واشنطن، والرئيس الرابع جيمس ماديسون كانا سيتفقان معه على ذلك».
* كيف تعامل جفرسون مع المسلمين عندما كان وزيرا للخارجية، ثم رئيسا؟
- تفاوض مع سفيرين مسلمين. الأول من ليبيا (دولة طرابلس)، والثاني من تونس، خلال الحرب الأميركية على القراصنة العرب في غرب البحر الأبيض المتوسط. كوزير للخارجية، قابل الأول في لندن عام 1786. وكرئيس، قابل الثاني في البيت الأبيض عام 1805، كأول سفير مسلم في واشنطن. وأمر جفرسون بنقل وقت المأدبة الرسمية من بعد الظهر إلى بعد غروب الشمس، وذلك لأن الوقت كان شهر رمضان.

جفرسون والتثليث:

* ما الصلة بين رأي جفرسون في الإسلام، ورأيه في المسيحية؟
- في خطاباته إلى حكام ليبيا وتونس، وكانوا من أعداء الولايات المتحدة، استخدم معرفته بالإسلام في الدبلوماسية. وكرر فكرة وجود الله، والإيمان المشترك به. وفي رسالة إلى حاكم ليبيا، دعا الله أن يحفظه، ويحميه بحمايته المقدسة.
وحسب المعلومات التي جمعتها، لم يكن جفرسون يتوقع أن يقرأ الأميركيون هذه الخطابات. وطبعا، كان يعرف أن كثيرا منهم يعارض حتى مجرد استعمال الدبلوماسية مع المسلمين. وأيضا، لم تكن الولايات المتحدة دولة عملاقة، خصوصا في الجانب العسكري، كما هي اليوم.

* هل كان جفرسون يريد فقط حل المشكلة أم كان ذلك تحولا حقيقيا في رأيه في المسلمين؟
- يجب أن نتذكر أن جفرسون، في ذلك الوقت، نظر إلى الإسلام كدين سماوي، ودين موحد. وبعد أن تحول من الكنيسة البروتستانتية إلى عقيدة «يونيتاريانيزم» (التوحيد)، عارض التثليث (الأب، الابن، الروح القدس). وعارض ألوهية عيسى بن مريم.

* ماذا كانت آراء الآخرين؟
- كانت الأغلبية العظمى من الأميركيين تنظر نظرتين إلى الإسلام: الأولى تعتبره «دينا مزيفا»، والثانية، تنظر إليه كدين مخيف. وخلال الحرب الأميركية ضد قراصنة غرب البحر الأبيض المتوسط، وتردد أسماء دول إسلامية مثل تونس وليبيا والجزائر، وأسماء قراصنة مسلمين، صارت الحرب دينية. وكان هذا رأي الرئيس الثاني جون آدامز. لكن الرئيس الثالث جفرسون قال، إنها «حرب اقتصادية وسياسية». وبمجرد أن ترك آدامز البيت الأبيض، اشترى مصحفا، عام 1806، بعد 40 سنة من شراء جفرسون مصحفه. لكن، طبع مصحف آدامز في الولايات المتحدة. ولم تكن ترجمته دقيقة، وكانت فيه أخطاء وإساءات إلى الإسلام.

* هل كان هناك وجود فعلي للمسلمين في الولايات المتحدة في ذلك الوقت؟
- اعتقد جفرسون أن قانون «مكانة الدين في الولايات المتحدة»، الذي كتبه، وظل يفتخر به، يعترف بحقوق المسلمين اعترافا نظريا. لكنه لم يعلم بوجود مسلمين وسط الرقيق الذين جلبوا من غرب أفريقيا في الحقيقة. ولكن ليس فقط بالنسبة لجفرسون، ولكن، بصورة عامة، حجبت تجارة الرقيق والتفرقة العنصرية ضد الزنوج النظرة الصحيحة للمسلمين، وبالتالي للإسلام. ويقدر مؤرخون وجود آلاف، أو حتى عشرات الآلاف، من العبيد المسلمين مع بداية القرن الـ19، وقت رئاسة جفرسون، لكن بالنسبة لجفرسون، هناك نقطتان.
أولا: لم يكن يعرف ذلك.
ثانيا: أعتقد أن المسلمين الأميركيين في المستقبل سيكونون بيضا وحسب الأبحاث التي أجريتها، لا يوجد دليل بأنه امتلك عبدا مسلما، أو قابل عبدا مسلما، رغم وجود دليل بأن الرئيس الأول واشنطن امتلك، على الأقل، مسلمتين: «فاطمار» (فاطمة)، و«ليتيل فاطمار» (الصغيرة).
ولا بد من الإشارة إلى أن الرئيس واشنطن كان يعطف على حقوق المسلمين عطفا نظريا. لكنه لم يكتب ويبحث في الموضوع مثل جفرسون.

* كيف يمكن توضيح التناقضات بين أفكار وأفعال جفرسون، بين أبي الليبرالية ومالك الرقيق، مسلمين أو غير مسلمين؟
- كان جفرسون رجلا من زمانه فيما يتعلق بامتلاك الرقيق، وبيعهم، وشرائهم. هكذا كان الناس يفعلون (من دون التفكير كثيرا في أخلاقيات الموضوع. إما لأنهم لا يعرفونها، أو يعرفونها ولا ينفذونها).
ورغم أن واشنطن حرر رقيقه عند وفاته، لم يفعل جفرسون ذلك. ولا بد من القول بأن هذا تناقض مأساوي.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.