فنزويلا تعيش حالة انقسام في ظل ازمتها السياسية المتصاعدة

زوجة عمدة كاراكاس لـ «الشرق الأوسط»: زوجي معزول عن العالم الخارجي بسبب مواقفه المناوئة للنظام

عنصر أمني فنزويلي يمنع المعارض السياسي خوان ريكيسينس من دخول المجلس الوطني الانتخابي (أ.ف.ب)
عنصر أمني فنزويلي يمنع المعارض السياسي خوان ريكيسينس من دخول المجلس الوطني الانتخابي (أ.ف.ب)
TT

فنزويلا تعيش حالة انقسام في ظل ازمتها السياسية المتصاعدة

عنصر أمني فنزويلي يمنع المعارض السياسي خوان ريكيسينس من دخول المجلس الوطني الانتخابي (أ.ف.ب)
عنصر أمني فنزويلي يمنع المعارض السياسي خوان ريكيسينس من دخول المجلس الوطني الانتخابي (أ.ف.ب)

منذ شهور وتعاني فنزويلا من تململ سياسي واقتصادي هز أرجاء البلاد، وسبّب حالة من عدم الاستقرار الإقليمي في أميركا اللاتينية، نتج عنها جهود دولية وإقليمية للتوصل لحلول جذرية في البلاد، والتي تعاني من حالة انقسام سياسية غير مسبوقة.
دول الجوار اللاتيني بمشاركة الفاتيكان حاولوا الضغط على كل أطراف النزاع السياسي في البلاد من أجل التوصل إلى تسوية عادلة تسمح للمعارضة والحكومة التفاهم حول إنهاء الأزمة السياسية في البلاد، وخصوصًا بعد مطالبات المعارضة لتنحي الرئيس الحالي نيكولاس مادورو بعد استفتاء على شرعيته.
جهود المعارضة فشلت في إجبار الرئيس مادورو على الانصياع لطلباتها، وبالتالي تواجه البلاد الآن مصيرًا غير معروف، إلا أن الحكومة الفنزويلية استغلت هذه المواقف لبث روح الشقاق بين صفوف المعارضة والعمل على تجهيز الساحة السياسية بتعيين طارق العيسمي نائبًا جديدًا لرئيس البلاد يتمتع بصلاحيات واسعة، ويأتي من مدرسة الرئيس السابق المتشدد هوغو تشافيز.
وتسيطر المعارضة في فنزويلا على البرلمان، إلا أن صلاحيات المؤسسة التشريعية مكبلة الأيدي، ولا تستطيع تمرير عدد من القرارات السياسية في البلاد.
في هذه الأثناء زارت وزيرة الخارجية الفنزويلية ديلسي رودريغيس موسكو، وصرحت من هناك بأن موسكو تضمن دعم فنزويلا ضد أي ضغوط خارجية، وتدعم البلاد ضد أي تدخل خارجي في شؤونها، في تحدٍ واضح لبقاء الأوضاع كما هي عليه.
«الشرق الأوسط» استطلعت الأوضاع في البلاد لتسلط الضوء على مجريات الأمور، والتقت ميتزي ليديزما، قرينة أنتونيو ليديزما، عمدة العاصمة الفنزويلية كاراكاس، وأحد أبرز السجناء السياسيين في البلاد. وجريمته هي معارضته السياسية للرئيس نيكولاس مادورو، على الرغم من عدم إدانته في أي جريمة حتى الآن.
أنتونيو أمضى عامين في السجن حتى الآن، ولكنه أصبح رهن الإقامة الجبرية في منزله لمعاناته من مشكلات صحية. وهو معزول تمامًا عن العالم الخارجي. ومحظور عليه مغادرة منزله لأي سبب كان، حتى وإن كان مجرد التعرض لأشعة الشمس، أو الرد على المكالمات الهاتفية، أو الاتصال مع العالم الخارجي بأية وسيلة لمدة سنة وتسعة أشهر. وتتعرض زوجته وبناته لمعاناة كبيرة جراء ذلك. وبطبيعة الحال، فإن هذه الحياة قد غيرت من شخصياتهم تمامًا.
وفي حين أن ميتزي قد شاركت في المقابلة التي أجرتها صحيفة «الشرق الأوسط» من كاراكاس، فهناك نحو 25 حارسًا للأمن يجوبون ويراقبون منزلها ليل نهار، وذلك للتأكد من ملازمة أنتونيو لمنزله طيلة الوقت. وهي تدين حقيقة أنهم قيد المراقبة الكثيفة المستمرة، وأنه بدلاً من مراقبة تلك العائلة الصغيرة، جدير بقوات الأمن السيطرة على وباء العنف المتفشي في أنحاء البلاد، في الدولة التي تعتقد ميتزي أنها ممزقة الآن إلى آلاف القطع الصغيرة المتفرقة.
وتحاول ميتزي السفر حول العالم برفقة تينتوري لوبيز قرينة المعتقل السياسي ليوبولدو لوبيز، في سعيهما للحصول على التضامن العالمي مع قضية بلادهما. ورغم ذلك، فإنها تحمل رسالة مفادها أنه من الممكن سجن أبناء الشعب الفنزويلي لكن لا يمكن أبدًا اعتقال الضمائر.
تلك هي ملامح الأزمة السياسية الراهنة في فنزويلا. حيث ينتقل المعارضون السياسيون أمثال أنتونيو ليديزما وليوبولدو لوبيز إلى السجن أو يتعرضون للاضطهاد. وتعاني المعارضة السياسية في البلاد، التي تمكنت من السيطرة على البرلمان الوطني في عام 2015، من الانقسام والتشرذم الذي يسبب تدهورا وتآكلا ملحوظا في الفرص السانحة بدلا من التحول إلى يد واحدة خلال انتخابات عام 2018 المقبلة ضد حركة «تيار الرئيس الأسبق تشافيز» الاشتراكية، والتي سيطرت على مقاليد السلطة في البلاد منذ تأسيسها للمرة الأولى على يدي الرئيس الراحل في عام 1999.
المحلل السياسي جيوفاني دي ميشيل، أوضح من العاصمة كاراكاس إلى «الشرق الأوسط» أن الأزمة السياسية الراهنة في البلاد ليست سوى انعكاس لأزمة أخرى أشد عمقًا، تلك التي تقسم وتشرذم المجتمع الفنزويلي بأسره وتسبب تغييرا صارخا في قيم المجتمع هناك. ويقول دي ميشيل إن الأزمة الحالية في فنزويلا هي أعمق مما تبدو، حتى إن الأمر سوف يستغرق الكثير من السنوات حتى تتمكن البلاد من الإفاقة والتعافي منها، مشيرًا إلى أنه يمكن للحكومة أن تتغير بين عشية وضحاها، ولكن الأزمة الراهنة في البلاد لن تشهد حلولا قريبة، بسبب التشوه الكبير للغاية في النسيج الاجتماعي الداخلي.
ومن جانب آخر، يقول الخبير في شؤون فنزويلا لدى جامعة روزاريو في بوغوتا، إن الأزمة في فنزويلا واضحة وجلية للعيان، ويرجع ذلك للانقسام الواضح في مؤسسات الدولة، وأردف أن النزاع بين السلطة التشريعية وغيرها من السلطات في البلاد جعلت من قدرات صناعة القرار السياسي وإعادة الإعمار ليست ذات تأثير يذكر.
ويضاف إلى ذلك حقيقة مفادها أن الحكومة الحالية لا تسمح بإجراء التدقيق حيال أية مؤسسة من مؤسسات الدولة. وليس هناك ما يعرف بالفصل الحقيقي بين السلطات في البلاد. حيث يتوقف نظام العدالة وكل سلطات الدولة الأخرى على السلطة التنفيذية، وهي مركزة وبقوة في يدي الرئيس الحالي نيكولاس مادورو.
ويعترف الخبراء بأن الفوارق الاجتماعية في البلاد كانت ولا تزال كبيرة للغاية، ولكن منذ حملة الرئيس الأسبق هوغو تشافيز للرئاسة في عام 1998، شرع في تقسيم المجتمع من خلال خطاباته السياسية الصادمة في آن واحد، والتي كانت تدور في مجملها حول الإخلاص والولاء التام والمطلق لشخصه بوصفه الزعيم الثوري في البلاد. ويعتبر هوغو تشافيز في فنزويلا كمثل الإله وشعبه هم الأتباع المخلصون دائما الذين ينفذون أوامر الزعيم الثوري من دون مناقشة، وحل محله الآن نيكولاس مادورو، الذي اختاره تشافيز بنفسه قبل وفاته في عام 2013. ومما يؤسف له، فإن بعض المخلصين للنظام الحاكم في فنزويلا قد تصرفوا بعنف كبير ضد المعارضين.
وتنتقد ميتزي دي ليديزما أن الكثيرين من أتباع حركة الرئيس الأسبق تشافيز تساندهم حكومة البلاد، بهدف الدفاع عن الثورة ضد التهديدات الداخلية والخارجية التي تتربص بها. وهي تحذر من الشعب المسلح الذي يقوده شخصية غمرتها الكراهية الشديدة.
استخدمت حركة تشافيز ولسنوات كثيرة أسعار النفط المرتفعة لكسب تعاطف الشعب، ويعد النفط أكبر الأصول في فنزويلا التي تعتبر الدولة ذات أكبر احتياطي نفطي على مستوى العالم. ولقد يسرت هذه الأموال على تشافيز في انتشار خطاباته الشعبوية واستقرارها في قلوب الفقراء لسنوات، حتى اعتقد الجميع انتهاء الفقر في البلاد بفضل البرامج الحكومية، غير أن الحقيقة كانت عكس ذلك تمامًا. ويقال إنه في عام 2016 كان هناك فقراء في فنزويلا بأكثر مما كان في عام 1999، عندما اعتلى تشافيز سدة السلطة.
وإضافة إلى ذلك، فإن تشافيز، والذي كان رجلاً عسكريًا في المقام الأول، قد أمر بترقية ضباط الصف إلى رتبة الضباط، ومنح أعضاء القوات المسلحة الحق في التصويت، مما أدى إلى تسييس المؤسسة العسكرية في البلاد. ويوضح السيد دي ميشيل التأثير السلبي لهذه الخطوة؛ إذ يقول: «عندما بدأ الجيش في فقدان الشعور بضرورة طاعة الدستور كما ينبغي عليه، بدأوا في الإحساس بالطاعة للمصالح السياسية».
وبالنسبة للتوقعات بما يمكن أن يحدث في العام الحالي، لا يشعر الخبراء بأي حس إيجابي. ومن الناحية الاقتصادية، يمكن للتضخم أن يصل مرة أخرى إلى مستويات قياسية تفوق نسبة 2000 في المائة. ومن الناحية السياسية، لن يكون هناك توافق في الآراء أبدًا بين الحكومة والمعارضة في البلاد. بل على العكس من ذلك، سوف تزيد حكومة مادورو من انتقادها للمعارضة وتحميلها مسؤولية الانقسام الحالي في البلاد. وإذا عجزت المعارضة عن العثور على سر التعاون المشترك في مشروع يوفر الضمانات الحقيقية للانتقال السلمي للسلطة في البلاد، فلن تكون المعارضة وقتئذ البديل المجدي للحكومة الحالية.
وفي الوقت نفسه، تصر ميتزي ليديزما على أن حل مشكلة فنزويلا يكمن في إجراء الانتخابات، وتجديد الحوار الوطني بين الطرفين، وعدم تحويل الأمر إلى النفخ في بوق واحد تسيطر عليه الحكومة الحالية. وتقول السيدة ليديزما أخيرًا: «ينبغي على الحكومة مد جسور التواصل وليس وصم المعارضة وتشويه صورتها على الدوام».



موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.