حملات تفتيش في ألمانيا وبريطانيا بتهمة دعم «فتح الشام» بسوريا

مشتبهان جزائريان أرسلا تبرعات للتنظيم تحت غطاء «جمعية خيرية»

جانب من حملة التفتيش التي نفذتها شرطة ولاية الراين الشمالي أمس (د.ب.أ)
جانب من حملة التفتيش التي نفذتها شرطة ولاية الراين الشمالي أمس (د.ب.أ)
TT

حملات تفتيش في ألمانيا وبريطانيا بتهمة دعم «فتح الشام» بسوريا

جانب من حملة التفتيش التي نفذتها شرطة ولاية الراين الشمالي أمس (د.ب.أ)
جانب من حملة التفتيش التي نفذتها شرطة ولاية الراين الشمالي أمس (د.ب.أ)

استهدفت مداهمات صباح أمس في ألمانيا وبريطانيا عدة شقق مرتبطة بشقيقين يشتبه في تسليمهما مساعدات لتنظيم جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقًا) المتطرف في سوريا، وفق ما أعلنته النيابة العامة الألمانية لمكافحة الإرهاب.
ويتهم المشتبه فيهما المنحدران من الجزائر، بمساعدة جبهة فتح الشام منذ سنوات من خلال إرسال قوافل تتضمن «سيارات إسعاف، ومعدات طبية وأدوية، ومواد غذائية»، وجمع تبرعات مالية للتنظيم الإرهابي عن طريق غطاء «منظمة خيرية».
وقالت شرطة لندن إن بريطانيا تلقت أمري تفتيش صدرا الشهر الماضي بناء على طلب من مكتب الادعاء في ميونيخ في إطار «إجراءات لمكافحة الإرهاب». وكشفت متحدثة باسم شرطة مقاطعة ليسترشاير في إنجلترا لـ«الشرق الأوسط» أمس أن «عناصر من القوات الخاصة لشرطة شرق ميدلاندز قاموا بتفتيش مقر سكني في مدينة ليستر»، وأكدت أن التفتيش تم بالنيابة عن مكتب النيابة الاتحادي الألماني.
وأسفرت الحملة، عن مصادرة أوراق وأجهزة لخزن البيانات قد تكشف عن أدلة تدين الثلاثينيين محمد وإبراهيم بلقايد، ويفترض أن الاثنين ساهما في جمع التبرعات للتنظيم منذ سنوات، وأنهما قادا طوابير إمدادات إلى سوريا.
واستخدم المتهمان منظمة خيرية وإغاثية، أسست رسميًا في ألمانيا، كغطاء لأعمال جمع التبرعات المادية والعينية للإرهابيين. وكانت سيارات إسعاف وأدوية وأجهزة طبية ومواد غذائية من بين التبرعات التي أوصلاها إلى قواعد التنظيم الإرهابي في سوريا. وتتهم دائرة حماية الدستور الألمانية المنظمتين بقيادة سيارات إسعاف إلى سوريا عبر تركيا، وتحميلها بالذخائر على الحدود السورية. كما تتهم التنظيمات الإرهابية في سوريا باستخدام سيارات الإسعاف في عمليات تفجير انتحارية.
وجاء في بيان صحافي صادر أمس عن النيابة العامة في دسلدورف، عاصمة ولاية الراين الشمالي فيستفاليا، واطلعت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، أن الجمعيتين اللتين تمت مداهمتهما هما «مديسن ميت هيرتس» (الدواء من القلب) و«مديسين أونه غرينسه» (دواء أو طب بلا حدود). وتتخذ الجمعية الأولى من مدينة هينيف في ولاية الراين الشمالي مقرًا لها، في حين تتخذ الثانية من مدينة سانت أوغسطين - هي مدينة صغيرة قرب العاصمة السابقة بون - مقرًا لها.
وجلبت المنظمة أنظار «حماة الدستور» في العام الماضي حينما نظمت سفرة قصيرة لنحو 150 طفلاً من دور اللاجئين في حي كورفايلر في مدينة كولون. ويعتقد رجال التحقيق أن الهدف من السفرة كان شحن أطفال اللاجئين والقاصرين بالأفكار المتطرفة.
وكان موقع «إيرازموس - مونيتور»، المتخصص في مراقبة نشاط المتطرفين وتوثيقه إلكترونيًا قد أدرج اسمي المنظمتين إلى جانب منظمات أخرى تستخدم قانون تأسيس الجمعيات الخيرية في ألمانيا كي تجمع التبرعات للإرهابيين. بين هذه المنظمات «أنصار إنترناشيونال» و«عون المسلمين» و«الرحمة» و«ينابيع أفريقيا»، وذكرت أن لهذه التنظيمات فروعا كثيرة في ألمانيا وخارجها.
ويفترض أن تكون هذه المنظمات على اتصال دائم ببعضها، وتستخدم أساليب محترفة لاستدراج المسلمين الطيبين للتبرع دون الكشف عن حقيقة نياتها، أو الكشف عن التنظيمات التي ستنال هذه التبرعات.
وتحمل جمعية «ميديسن ميت هيرتس» رقم التسجيل «ف ر3228» الصادر عن محكمة مدينة هينيف. وتخضع الجمعية إلى رقابة دائرة حماية الدستور التي تصنفها في قائمة المنظمات المتطرفة. ووصفها رالف ييغر، وزير داخلية الراين الشمالي فيستفاليا، في برلمان الولاية في العالم الماضي بأنها منظمة متطرفة يشك بأنها تجمع التبرعات للإرهابيين. وقال عنها بوركهاردت فراير، رئيس دائرة حماية الدستور في الولاية، إنها منظمة تنتشر في أكثر من 30 مدينة من مدن ولاية الراين الشمالي فيستفاليا (نحو 20 مليون نسمة)، وأنها منظمة متطرفة «معادية للدستور».
وتكشف صفحة الجمعية «الخيرية» أنها تأسست سنة 2013 ولها فروع في 15 دولة، وتدير 12 مشروعًا وتوصل مساعداتها إلى أكثر من 30 ألف محتاج. ولها رقم حساب في «كوميرتس بانك» الذي يعتبر من أكبر المصارف الألمانية والدولية. والمنظمة - والصفحة على الإنترنت - مسجلة باسم محمد بلقايد الذي تصنفه «حماية الدستور» ضمن الإسلاميين المتشددين. كما يخضع أخوه إبراهيم بلقايد لرقابة «حماة الدستور» الذين يعتبرونه من دعاة الكراهية الخطرين.
ويبدو أن الرقابة التي فرضت على المنظمة الأصلية «ميديسن أونه غرينسه» دفعت محمد بلقايد إلى تغيير اسمها إلى «ميديسن ميت هيرتس»، ويكشف ذلك أن المنظمة الجديدة تحمل رقم التسجيل «ف ر3228» نفسه، ولكن في مدينة سانت أوغسطين. وتم تسجيل اسم المنظمة الجديدة في أواخر أيام 2014، وكتب محمد بلقايد يوم 4 / 1 / 2015 إلى المتبرعين على الصفحة الإلكترونية، مؤكدًا أنها الجمعية نفسها.
وذكر بوركهارد فيلكه، من المعهد المركزي للقضايا الاجتماعية، لصحيفة «إكسبريس» الواسعة الانتشار، أن هذه الجمعية المسجلة رسميًا لا تقدم محاضر اجتماعات سنوية ولا تقارير مالية إلى دائرة الضريبة، ولا يعرف أحد ماذا تفعل بالتبرعات التي جمعها.
ويعتقد محققو دائرة حماية الدستور أن الجمعيات التي تتبرع بسيارات الإسعاف قد تتلقى التعليمات حول ذلك من التنظيمات الإرهابية في سوريا. إذ ضبطت الشرطة في العامين الماضيين أكثر من سيارة إسعاف محملة بالمواد والمعدات في الطريق إلى تركيا، وبدعوى إيصال المساعدات للاجئين السوريين. لكن الشرطة أوقفت يوم 12 / 3 / 2016 قافلة من سيارات الإسعاف الجديدة في طريقها إلى سوريا.
وكانت شرطة ولاية الراين الشمالي فيستفاليا سمحت لقافلة من سيارات الإسعاف الجديدة والفخمة بمواصلة رحلتها إلى تركيا بعد تفتشيها في العام الماضي. واكتشفت الشرطة لاحقًا أن سيارات الإسعاف تعود إلى منظمة متطرفة تخضع للمراقبة بسبب الشكوك حول جمعها التبرعات لتنظيمات إرهابية.
وذكر روبرت شولتن، من شرطة الولاية، أن دورية للشرطة أوقفت قافلة مكونة من 8 سيارات إسعاف على الطريق السريع «أ 3» وفتشتها طوال ثلاث ساعات، ومن ثم قررت السماح لها بمواصلة الطريق باتجاه تركيا.
وقال شولتن إن سائقي السيارات ادعوا أنهم يحملون مواد وأغذية وتجهيزات لنجدة اللاجئين السوريين في تركيا، وفعلاً كانت السيارة محولة بالمواد. لكن الشرطة لاحظت وجود معدات لوجيستية مثل البزات العسكرية والنواظير والخوذات المزودة بمصابيح ومعاطف مطرية عسكرية ومعدات لربط العربات بالحافلات.
وعرفت الشرطة لاحقًا فقط أن كل سائقي سيارات الإسعاف الـ11 ينتمون إلى منظمة «النجدة في الطوارئ» ذات العلاقة بتنظيمات المتطرفين. وسبق لوزارة الداخلية في الولاية أن عبرت عن شكها بنشاط هذه المنظمة في مجال جمع التبرعات للتنظيمات الإرهابية. وكان بين ركاب سيارات الإسعاف المدعو «بكر أ» (45 سنة) زعيم المنظمة المعروف بعلاقته الوطيدة مع زعماء المتطرفين في ألمانيا.
على صعيد متصل، أعلنت النيابة الاتحادية العامة في كارلسروهه، مساء أول من أمس، أنها ألقت القبض على سوري (31 سنة) بتهمة الإرهاب، وبتهمة اغتصاب امرأة سورية بينما كان ينشط كمقاتل في تنظيم داعش. وذكرت النيابة العامة أن أمًا سورية حاولت في مطلع سنة 2016 مغادرة المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش، وساهم الداعشي السوري في تفتيشها، ومن ثم استدراجها إلى منزل حيث قام باغتصابها.
وقال لروينتز كيفير، وزير داخلية ولاية ميكلنبورغ فوربومرن، إن القوات الخاصة شاركت في اعتقال السوري المتهم، وأضاف أن العملية تمت بالتنسيق بين شرطة أكثر من ولاية، وأن ذلك يكشف قدرة الشرطة على التصدي للإرهاب.
وفي سياق متصل، وافق مجلس الوزراء الألماني أمس على مشروع قانون ينص على تسهيل شروط مراقبة الجنائيين المتطرفين بأصفاد إلكترونية في كاحلهم لحماية البلاد من مخاطر الإرهاب المتنامي فيها.
ووفقًا لمشروع القانون الذي وضعه وزير العدل الألماني هايكو ماس، فإنه من الممكن تطبيق هذا النوع من الرقابة على المدانين في جرائم خطيرة، من بينها الإعداد لأعمال عنف تعرض أمن الدولة لخطر جسيم، ودعم تنظيمات إرهابية.



ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح ⁠لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ⁠ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

وأضاف ترمب ​أن هذه الرسوم سترتفع إلى ⁠25 في المائة في الأول من يونيو (حزيران) المقبل، وستستمر حتى يتم التوصل إلى اتفاق يسمح بشراء الولايات المتحدة الجزيرة ذات الحكم الذاتي.

واتهم الرئيس الأميركي الدول الأوروبية بممارسة «لعبة بالغة الخطورة» بشأن غرينلاند، عادّاً «السلام العالمي على المحك». وقال إن الدول التي فرض عليها الرسوم الجمركية «قامت بمجازفة غير مقبولة».

وأضاف: «بعد قرون، حان الوقت لترد الدنمارك (غرينلاند)... السلام العالمي على المحك. الصين وروسيا تريدان غرينلاند، والدنمارك عاجزة عن القيام بأي شيء في هذا الصدد».

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من تقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.

غضب أوروبي

ورداً على تعهّد ترمب، قال الرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون إن تهديد الرئيس الأميركي بفرض رسوم جمركية ‌«⁠أمر ​غير مقبول»، ‌وإنه في حال تأكيده سترد أوروبا بشكل منسّق.

وأضاف ماكرون: «لن يؤثر علينا ⁠أي ترهيب أو ‌تهديد، لا في أوكرانيا ولا في غرينلاند ولا في أي مكان آخر في العالم، عندما نواجه ​مثل هذه المواقف».

بدوره، قال وزير خارجية الدنمارك، لارس لوكه راسموسن، إن إعلان ترمب فرض رسوم جمركية بسبب غرينلاند «كان مفاجئاً». وأشار إلى أن الوجود العسكري في الجزيرة يهدف إلى تعزيز الأمن في القطب الشمالي.

وأكد رئيس الحكومة السويدية، أولف كريسترسون، أنّ بلاده ترفض تصريحات ترمب. وقال في رسالة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لن نخضع للترهيب. وحدهما الدنمارك وغرينلاند تقرّران بشأن القضايا التي تخصّهما. سأدافع دائماً عن بلادي وعن جيراننا الحلفاء».

وأضاف: «تُجري السويد حالياً محادثات مكثفة مع دول أخرى في الاتحاد الأوروبي والنرويج وبريطانيا، من أجل التوصل إلى رد مشترك».

وفي بريطانيا، اعتبر رئيس الوزراء كير ستارمر أنّ «فرض رسوم جمركية على الحلفاء الذين يسعون إلى تحقيق الأمن المشترك لأعضاء (الناتو) أمر خاطئ تماماً»، مضيفاً: «سنتابع هذا الأمر بشكل مباشر مع الإدارة الأميركية».

«دوامة خطيرة»

وحذر الاتحاد الأوروبي من «دوامة خطيرة» بعد إعلان الرئيس الأميركي.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، في بيان مشترك، إنّ «فرض رسوم جمركية سيضعف العلاقات عبر الأطلسي، كما يهدد بدخول العالم في دوامة انحدارية خطيرة».

وأكدا أنّ «أوروبا ستبقى موحّدة ومنسّقة وملتزمة بالدفاع عن سيادتها». وصدر هذا الموقف بعد أيام من إجراء مسؤولين دنماركيين ومن غرينلاند محادثات في واشنطن بشأن سعي ترمب لضم غرينلاند، دون التوصل إلى اتفاق.

وأضافت فون دير لاين وكوستا: «يبدي الاتحاد الأوروبي تضامناً كاملاً مع الدنمارك وشعب غرينلاند. يبقى الحوار أساسياً، ونحن ملتزمون بالبناء على العملية التي بدأت الأسبوع الماضي بين مملكة الدنمارك والولايات المتحدة».

امتنان للموقف الأوروبي

أشادت وزيرة الموارد المعدنية في حكومة غرينلاند ناجا ناثانييلسن، السبت، برد فعل الدول الأوروبية على تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية جديدة عليها لمعارضتها جهوده للاستحواذ على غرينلاند.

محتجون على سياسة ترمب تجاه الجزيرة يحملون لافتة «غرينلاند ليست للبيع» في مسيرة باتجاه القنصلية الأميركية في غرينلاند (ا.ب)

وقالت الوزيرة في رسالة نشرتها على موقع «لينكد إن»: «أذهلتني ردود الفعل الأولية من الدول المستهدفة. أنا ممتنة ومتفائلة بكون الدبلوماسية والتحالفات ستنتصر».


الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.