حملات تفتيش في ألمانيا وبريطانيا بتهمة دعم «فتح الشام» بسوريا

مشتبهان جزائريان أرسلا تبرعات للتنظيم تحت غطاء «جمعية خيرية»

جانب من حملة التفتيش التي نفذتها شرطة ولاية الراين الشمالي أمس (د.ب.أ)
جانب من حملة التفتيش التي نفذتها شرطة ولاية الراين الشمالي أمس (د.ب.أ)
TT

حملات تفتيش في ألمانيا وبريطانيا بتهمة دعم «فتح الشام» بسوريا

جانب من حملة التفتيش التي نفذتها شرطة ولاية الراين الشمالي أمس (د.ب.أ)
جانب من حملة التفتيش التي نفذتها شرطة ولاية الراين الشمالي أمس (د.ب.أ)

استهدفت مداهمات صباح أمس في ألمانيا وبريطانيا عدة شقق مرتبطة بشقيقين يشتبه في تسليمهما مساعدات لتنظيم جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقًا) المتطرف في سوريا، وفق ما أعلنته النيابة العامة الألمانية لمكافحة الإرهاب.
ويتهم المشتبه فيهما المنحدران من الجزائر، بمساعدة جبهة فتح الشام منذ سنوات من خلال إرسال قوافل تتضمن «سيارات إسعاف، ومعدات طبية وأدوية، ومواد غذائية»، وجمع تبرعات مالية للتنظيم الإرهابي عن طريق غطاء «منظمة خيرية».
وقالت شرطة لندن إن بريطانيا تلقت أمري تفتيش صدرا الشهر الماضي بناء على طلب من مكتب الادعاء في ميونيخ في إطار «إجراءات لمكافحة الإرهاب». وكشفت متحدثة باسم شرطة مقاطعة ليسترشاير في إنجلترا لـ«الشرق الأوسط» أمس أن «عناصر من القوات الخاصة لشرطة شرق ميدلاندز قاموا بتفتيش مقر سكني في مدينة ليستر»، وأكدت أن التفتيش تم بالنيابة عن مكتب النيابة الاتحادي الألماني.
وأسفرت الحملة، عن مصادرة أوراق وأجهزة لخزن البيانات قد تكشف عن أدلة تدين الثلاثينيين محمد وإبراهيم بلقايد، ويفترض أن الاثنين ساهما في جمع التبرعات للتنظيم منذ سنوات، وأنهما قادا طوابير إمدادات إلى سوريا.
واستخدم المتهمان منظمة خيرية وإغاثية، أسست رسميًا في ألمانيا، كغطاء لأعمال جمع التبرعات المادية والعينية للإرهابيين. وكانت سيارات إسعاف وأدوية وأجهزة طبية ومواد غذائية من بين التبرعات التي أوصلاها إلى قواعد التنظيم الإرهابي في سوريا. وتتهم دائرة حماية الدستور الألمانية المنظمتين بقيادة سيارات إسعاف إلى سوريا عبر تركيا، وتحميلها بالذخائر على الحدود السورية. كما تتهم التنظيمات الإرهابية في سوريا باستخدام سيارات الإسعاف في عمليات تفجير انتحارية.
وجاء في بيان صحافي صادر أمس عن النيابة العامة في دسلدورف، عاصمة ولاية الراين الشمالي فيستفاليا، واطلعت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، أن الجمعيتين اللتين تمت مداهمتهما هما «مديسن ميت هيرتس» (الدواء من القلب) و«مديسين أونه غرينسه» (دواء أو طب بلا حدود). وتتخذ الجمعية الأولى من مدينة هينيف في ولاية الراين الشمالي مقرًا لها، في حين تتخذ الثانية من مدينة سانت أوغسطين - هي مدينة صغيرة قرب العاصمة السابقة بون - مقرًا لها.
وجلبت المنظمة أنظار «حماة الدستور» في العام الماضي حينما نظمت سفرة قصيرة لنحو 150 طفلاً من دور اللاجئين في حي كورفايلر في مدينة كولون. ويعتقد رجال التحقيق أن الهدف من السفرة كان شحن أطفال اللاجئين والقاصرين بالأفكار المتطرفة.
وكان موقع «إيرازموس - مونيتور»، المتخصص في مراقبة نشاط المتطرفين وتوثيقه إلكترونيًا قد أدرج اسمي المنظمتين إلى جانب منظمات أخرى تستخدم قانون تأسيس الجمعيات الخيرية في ألمانيا كي تجمع التبرعات للإرهابيين. بين هذه المنظمات «أنصار إنترناشيونال» و«عون المسلمين» و«الرحمة» و«ينابيع أفريقيا»، وذكرت أن لهذه التنظيمات فروعا كثيرة في ألمانيا وخارجها.
ويفترض أن تكون هذه المنظمات على اتصال دائم ببعضها، وتستخدم أساليب محترفة لاستدراج المسلمين الطيبين للتبرع دون الكشف عن حقيقة نياتها، أو الكشف عن التنظيمات التي ستنال هذه التبرعات.
وتحمل جمعية «ميديسن ميت هيرتس» رقم التسجيل «ف ر3228» الصادر عن محكمة مدينة هينيف. وتخضع الجمعية إلى رقابة دائرة حماية الدستور التي تصنفها في قائمة المنظمات المتطرفة. ووصفها رالف ييغر، وزير داخلية الراين الشمالي فيستفاليا، في برلمان الولاية في العالم الماضي بأنها منظمة متطرفة يشك بأنها تجمع التبرعات للإرهابيين. وقال عنها بوركهاردت فراير، رئيس دائرة حماية الدستور في الولاية، إنها منظمة تنتشر في أكثر من 30 مدينة من مدن ولاية الراين الشمالي فيستفاليا (نحو 20 مليون نسمة)، وأنها منظمة متطرفة «معادية للدستور».
وتكشف صفحة الجمعية «الخيرية» أنها تأسست سنة 2013 ولها فروع في 15 دولة، وتدير 12 مشروعًا وتوصل مساعداتها إلى أكثر من 30 ألف محتاج. ولها رقم حساب في «كوميرتس بانك» الذي يعتبر من أكبر المصارف الألمانية والدولية. والمنظمة - والصفحة على الإنترنت - مسجلة باسم محمد بلقايد الذي تصنفه «حماية الدستور» ضمن الإسلاميين المتشددين. كما يخضع أخوه إبراهيم بلقايد لرقابة «حماة الدستور» الذين يعتبرونه من دعاة الكراهية الخطرين.
ويبدو أن الرقابة التي فرضت على المنظمة الأصلية «ميديسن أونه غرينسه» دفعت محمد بلقايد إلى تغيير اسمها إلى «ميديسن ميت هيرتس»، ويكشف ذلك أن المنظمة الجديدة تحمل رقم التسجيل «ف ر3228» نفسه، ولكن في مدينة سانت أوغسطين. وتم تسجيل اسم المنظمة الجديدة في أواخر أيام 2014، وكتب محمد بلقايد يوم 4 / 1 / 2015 إلى المتبرعين على الصفحة الإلكترونية، مؤكدًا أنها الجمعية نفسها.
وذكر بوركهارد فيلكه، من المعهد المركزي للقضايا الاجتماعية، لصحيفة «إكسبريس» الواسعة الانتشار، أن هذه الجمعية المسجلة رسميًا لا تقدم محاضر اجتماعات سنوية ولا تقارير مالية إلى دائرة الضريبة، ولا يعرف أحد ماذا تفعل بالتبرعات التي جمعها.
ويعتقد محققو دائرة حماية الدستور أن الجمعيات التي تتبرع بسيارات الإسعاف قد تتلقى التعليمات حول ذلك من التنظيمات الإرهابية في سوريا. إذ ضبطت الشرطة في العامين الماضيين أكثر من سيارة إسعاف محملة بالمواد والمعدات في الطريق إلى تركيا، وبدعوى إيصال المساعدات للاجئين السوريين. لكن الشرطة أوقفت يوم 12 / 3 / 2016 قافلة من سيارات الإسعاف الجديدة في طريقها إلى سوريا.
وكانت شرطة ولاية الراين الشمالي فيستفاليا سمحت لقافلة من سيارات الإسعاف الجديدة والفخمة بمواصلة رحلتها إلى تركيا بعد تفتشيها في العام الماضي. واكتشفت الشرطة لاحقًا أن سيارات الإسعاف تعود إلى منظمة متطرفة تخضع للمراقبة بسبب الشكوك حول جمعها التبرعات لتنظيمات إرهابية.
وذكر روبرت شولتن، من شرطة الولاية، أن دورية للشرطة أوقفت قافلة مكونة من 8 سيارات إسعاف على الطريق السريع «أ 3» وفتشتها طوال ثلاث ساعات، ومن ثم قررت السماح لها بمواصلة الطريق باتجاه تركيا.
وقال شولتن إن سائقي السيارات ادعوا أنهم يحملون مواد وأغذية وتجهيزات لنجدة اللاجئين السوريين في تركيا، وفعلاً كانت السيارة محولة بالمواد. لكن الشرطة لاحظت وجود معدات لوجيستية مثل البزات العسكرية والنواظير والخوذات المزودة بمصابيح ومعاطف مطرية عسكرية ومعدات لربط العربات بالحافلات.
وعرفت الشرطة لاحقًا فقط أن كل سائقي سيارات الإسعاف الـ11 ينتمون إلى منظمة «النجدة في الطوارئ» ذات العلاقة بتنظيمات المتطرفين. وسبق لوزارة الداخلية في الولاية أن عبرت عن شكها بنشاط هذه المنظمة في مجال جمع التبرعات للتنظيمات الإرهابية. وكان بين ركاب سيارات الإسعاف المدعو «بكر أ» (45 سنة) زعيم المنظمة المعروف بعلاقته الوطيدة مع زعماء المتطرفين في ألمانيا.
على صعيد متصل، أعلنت النيابة الاتحادية العامة في كارلسروهه، مساء أول من أمس، أنها ألقت القبض على سوري (31 سنة) بتهمة الإرهاب، وبتهمة اغتصاب امرأة سورية بينما كان ينشط كمقاتل في تنظيم داعش. وذكرت النيابة العامة أن أمًا سورية حاولت في مطلع سنة 2016 مغادرة المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش، وساهم الداعشي السوري في تفتيشها، ومن ثم استدراجها إلى منزل حيث قام باغتصابها.
وقال لروينتز كيفير، وزير داخلية ولاية ميكلنبورغ فوربومرن، إن القوات الخاصة شاركت في اعتقال السوري المتهم، وأضاف أن العملية تمت بالتنسيق بين شرطة أكثر من ولاية، وأن ذلك يكشف قدرة الشرطة على التصدي للإرهاب.
وفي سياق متصل، وافق مجلس الوزراء الألماني أمس على مشروع قانون ينص على تسهيل شروط مراقبة الجنائيين المتطرفين بأصفاد إلكترونية في كاحلهم لحماية البلاد من مخاطر الإرهاب المتنامي فيها.
ووفقًا لمشروع القانون الذي وضعه وزير العدل الألماني هايكو ماس، فإنه من الممكن تطبيق هذا النوع من الرقابة على المدانين في جرائم خطيرة، من بينها الإعداد لأعمال عنف تعرض أمن الدولة لخطر جسيم، ودعم تنظيمات إرهابية.



موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.