التسخين الكوري.. هل ينهي هدنة 60 عاما؟

بيونغ يانغ اعتبرت نفسها في حالة حرب مع سيول.. وواشنطن تراقب الوضع بقاذفات «بي 52»

التسخين الكوري.. هل ينهي هدنة 60 عاما؟
TT

التسخين الكوري.. هل ينهي هدنة 60 عاما؟

التسخين الكوري.. هل ينهي هدنة 60 عاما؟

سيول: «الشرق الأوسط» نيودلهي: براكريتي غوبتا واشنطن: محمد علي صالح
ازدادت حدة التسخين في شبه الجزيرة الكورية منذ التجربتين النوويتين اللتين أجرتهما كوريا الشمالية في 12 ديسمبر (كانون الأول) و12 فبراير (شباط) الماضيين. ويتفاقم التوتر بين استفزازات بيونغ يانغ والردود الشديدة اللهجة من واشنطن وسيول، مما يحمل على الخوف من انفجار لا يريد العالم أن يحصل.

كل شيء بات في نطاق الممكن.. بعد التصعيد الأخير، وتصاعد الخطاب الحربي، بين الأطراف، وتبني مجلس الأمن الدولي في السابع من مارس (آذار) الماضي بالإجماع عقوبات جديدة ضد كوريا الشمالية. وقبل ذلك وبعده، زاد نظام بيونغ يانغ من لهجته التحذيرية، مهددا سيول بنقض هدنة 1953 التي أنهت الحرب، وواشنطن بـ«حرب نووية حرارية».

وعلى الرغم من أن كوريا الشمالية قد خرقت الهدنة على الأقل سبع مرات في الماضي، فإن هناك تطورات جديدة تجعل من الخرق هذه المرة أكثر خطورة والأمور أكثر سخونة. لماذا ارتفعت حدة التوتر إذن؟ سؤال بدأ يطرح نفسه بقوة. في الأساس، تريد بيونغ يانغ أن تعترف الولايات المتحدة بها قوة نووية، وتوقف «سياستها العدائية» حيالها، كما يقول سكوت سنايدر المحلل في مجلس العلاقات الخارجية الأميركية. ويرى المحللون في الاتجاه الآخر أيضا أن المناورة الأميركية - الكورية الجنوبية، السنوية «فول إيغل» التي تجرى منذ بداية مارس حتى 30 أبريل (نيسان) أججت الأزمة أيضا؟ ويغضب جزء من هذه المناورات بيونغ يانغ لأنه يحاكي إنزال أعداد كبيرة من القوات الأميركية في شبه الجزيرة الكورية إذا ما اندلع نزاع.

وفي الثامن من مارس حلقت قاذفة أميركية من نوع «بي52» قادرة على حمل عبوة نووية، فوق كوريا الجنوبية في إطار هذه المناورات. وتوعدت بيونغ يانغ آنذاك بـ«رد عسكري قاس» إذا ما قامت الولايات المتحدة بعملية تحليق جديدة. وواشنطن التي لا تريد التراجع، سارعت إلى الإعلان أن طلعات أخرى لطائرات «بي52» قد تمت منذ ذلك الحين، وخصوصا لقاذفاتها الخفية «بي-2» مما اعتبر تحذيرا حازما.

وفي المقابل، هددت بيونغ يانغ بضرب الولايات المتحدة وجزيرتيها غوام وهاواي، وردت واشنطن بنشر عدد رمزي من مطارداتها الخفية «إف22» وبطارية صواريخ في غوام ومدمرتين مضادتين للصواريخ في غرب المحيط الهادئ. وعمدت في كل مرة إلى الإعلان عن هذه الخطوات. وقال مسؤول أميركي في هذا الإطار طلب عدم الكشف عن هويته: «إنه ليس نظاما يمكن التأثير عليه بكلمات قاسية فقط».

واعتبر كيم جانغ - سو كبير مستشاري الأمن لدى رئيسة كوريا الجنوبية بارك غون - هيه أن تهديدات الشمال كان هدفها إرغام الجنوب والولايات المتحدة على تقديم تنازلات تنقذ ماء الوجه. ويخشى دبلوماسيون أن تخلق هذه التهديدات الشديدة اللهجة وضعا يخرج عن السيطرة فيما قامت الولايات المتحدة بتأخير تجربة إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات لتجنب تأجيج التوتر مع الشمال.

والأسبوع الماضي قطعت كوريا الشمالية خطوط الاتصال العسكري الساخن مع كوريا الجنوبية، مما يعني تعليق كل الاتصالات العسكرية والحكومية بين البلدين، بعد أن سبقه قطع الخط الساخن للصليب الأحمر بين البلدين. وقالت بيونغ يانغ إنها دخلت رسميا «حالة حرب» مع كوريا الجنوبية وحذرت من أن أي محاولة استفزاز ستتطور سريعا إلى صراع نووي. وطلبت من الدبلوماسيين الأجانب مغادرة أراضيها ومنحت حتى اليوم للمغادرة.

وأعلن مسؤول كوري شمالي أن بلاده ستغزو كوريا الجنوبية، وستطلق صواريخ نحوها، ونحو اليابان، ونحو الولايات المتحدة، وحتى صواريخ نووية لضرب واشنطن العاصمة، ونقل تلفزيون كوريا الشمالية صور البيت الأبيض والكونغرس وقد تم تدميرهما. ويسود الولايات المتحدة خليط من خوف وقلة خوف..

خوف لأن كوريا الشمالية تقدر على إطلاق صواريخها، ومن يدري، ربما ستصل إلى كاليفورنيا في الساحل الغربي، أو ربما نيويورك وواشنطن في الساحل الشرقي. وقلة خوف لأن الرئيس باراك أوباما، والمسؤولين العسكريين، والخبراء، كرروا أن كوريا لا تملك تكنولوجيا تجعلها قادرة على الوصول إلى الساحل الغربي، ناهيك بالشرقي.

ومع الخوف، أو قلة الخوف، تسود الولايات المتحدة حيرة؛ كيف تجرؤ دولة صغيرة وفقيرة على تهديد أقوى وأهم دولة في العالم؟ لماذا تطور الوضع إلى هذا الحد؟ من المسؤول؟ هل كانت السياسة الأميركية خطأ مما جعل الوضع يتطور هكذا؟

وسارع السناتور جون ماكين (جمهوري، ولاية أريزونا)، وحمل الصين المسؤولية، وقال إنها «فشلت في كبح جماح ما يمكن أن يكون وضعا كارثيا»، وإن الصين يمكن أن تصعد الضغط على كوريا الشمالية باستخدام نفوذها الاقتصادي، وأضاف: «تملك الصين مفتاح حل هذه المشكلة، مثل قطع علاقتها الاقتصادية. لكن حتى الآن السلوك الصيني مخيب جدا. أكثر من مرة، وقعت حروب بعد أن بدأت بالصدفة. لهذا، نخشى تكرار ذلك. هذه حالة خطيرة جدا».

وفي إجابة عن سؤال عمن سينتصر إذا نشبت الحرب، قال: «ستفوز كوريا الجنوبية. سنفوز إذا وقع نزاع شامل. لكن الحقيقة هي أن كوريا الشمالية تقدر على إحراق سيول. وواضح أن هذا سيكون كارثة ذات أبعاد هائلة».

وقالت مصادر إخبارية أميركية إن هذه ربما أول مرة يتحدث فيها السناتور ماكين عن موضوع سياسي ولا ينتقد الرئيس أوباما. بل إن آراء السناتور تتفق مع آراء قادة في الحزب الديمقراطي. مثل السناتور تشاك شومر (ولاية نيويورك)، من قادة الناقدين للصين في الكونغرس، الذي قال إنه يتفق مع ماكين. وأضاف: «يحمل الصينيون كثيرا من الأوراق. صار واضحا أنهم، طبيعيا، حذرون. لكن، يبدو أن الأمور هذه المرة تسير نحو التطرف». وأضاف: «حان الوقت للصينيين ليضغطوا قليلا على هذا النظام في كوريا الشمالية».

وقال السفير الأميركي السابق لدى الصين، جون هلتسمان، إنه لم يحدث أن رئيسا صينيا فعل ما فعل الرئيس الحالي تشي جينبينغ عندما حذر من أن أي بلد «ينبغي أن لا يسمح له بوضع منطقة، بل العالم كله، في هذه الحالة من الفوضى لتحقيق مكاسب أنانية». وأضاف هلتسمان: «يبدو لي، وقد شاهدت زيادة الإحباط بين القادة الصينيين على مدى السنوات القليلة الماضية، أنهم ربما وصلوا درجة نقطة الغليان، الدرجة 212، فيما يتعلق بكوريا الشمالية».

وكان البيت الأبيض كرر تصريحات أدلى بها، في الأسبوع الماضي، الرئيس أوباما بأن كوريا الشمالية لا تملك تكنولوجيا تجعلها تؤذي الولايات المتحدة، وأن الولايات المتحدة، في الوقت نفسه، مستعدة للدفاع عن أصدقائها هناك. وفي وقت لاحق، قال مستشار البيت الأبيض دان فايفر إن كوريا الشمالية تتبع نمطا واحدا منذ أمد بعيد، وهو «أعمال استفزازية، وخطب تهدد بالقتال»، وأضاف: «المفتاح هنا عند الكوريين الشماليين، وهو أن يوقفوا أعمالهم، ويبدأوا في الوفاء بالتزاماتهم الدولية، ويعملوا على تحقيق الهدف الأهم المعلن، وهو التنمية الاقتصادية».

وانضم إلى حملة نقد الصين، وتحميلها مسؤولية أعمال كوريا الشمالية، السناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الذي قال: «ألوم الصينيين أكثر من أي جهة أخرى. إنهم يخشون إعادة توحيد كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية حتى لا تتحولا إلى كتلة اقتصادية عملاقة ومنافسة. وإنهم يخشون أيضا، كوريا ديمقراطية شمالا وجنوبا. لهذا، يدعمون هذا النظام المجنون».

في كل الأحوال، لم يتوقع سياسي أو خبير أميركي أن الصين سوف تتخلى عن كوريا الشمالية. أو حتى تنفذ عقوبات قاسية عليها، لكن يقول هؤلاء إن الصين تبدو وقد نفد صبرها، خاصة بعد سنوات من محاولة إقناع كوريا الشمالية بالخروج من العزلة، والتركيز على الإصلاح الاقتصادي. كما أن القادة الجدد في الصين، بما في ذلك الرئيس شي، لا يملكون العلاقات العاطفية نحو كوريا الشمالية التي كان أسلافهم يملكونها، وهم الذين خاضوا معها الحرب الكورية قبل ستين سنة.

ولاحظ هؤلاء الخبراء أن الزعيم الكوري الشمالي الشاب، كيم (30 سنة) أخفق أيضا في تقديم الولاء للصين، كما فعل والده، وكما فعل جده. لم يزر الصين منذ أن تولى الحكم عندما توفي والده في نهاية عام 2011.

وفي البنتاغون، حذر وزير الدفاع تشاك هاغل بأن خطر كوريا الشمالية «واضح وحقيقي». وأعلنت القيادة العسكرية في المحيط الهادي تحرك سفن نحو المنطقة، وأيضا وضع صواريخ مضادة للصواريخ في غوام وأوكيناوا، بالإضافة إلى تنسيق مكثف مع اليابان.

لكن مع بداية الأسبوع أعلن مسؤول في وزارة الدفاع تأجيل اختبار الصواريخ العابرة للقارات من نوع «مينيتمان 3»، التي كان مقررا إجراء الاختبارات الخاصة بها في قاعدة «فاندنبيرغ» الجوية في كاليفورنيا، وذلك جزءا من برنامج طويل المدى. وقال المسؤول: «أخرنا هذا الاختبار لتجنب أي سوء فهم، أو سوء التقدير، في ضوء التوترات الأخيرة في شبه الجزيرة الكورية».

في المجالات الاستخباراتية، قالت مصادر إن تفاصيل برامج أسلحة كوريا الشمالية معروفة لوكالات الاستخبارات الأميركية، لكنها تظل سرية. ويبدو أن هناك ثغرات في تلك التفاصيل نظرا للسرية المتشددة في كوريا الشمالية.

وقال خبراء عملوا سابقا في هذه الأجهزة الاستخباراتية الأميركية إن كوريا الشمالية نجحت في تصميم، وربما بناء، جهاز نووي مصغر يمكن أن يوضع في صواريخ متوسطة المدى تسميها كوريا الشمالية «نودونغ» لكن الصواريخ متوسطة المدى مثل «نودونغ» ليست قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة، لكنها قادرة على الوصول كوريا الجنوبية، واليابان، وأوكيناوا. لكن ليس غوام، وليس ألاسكا، ولا الفلبين، ولا تايوان.

وقال الخبراء الاستخباراتيون إن أجهزة الاستخبارات الأميركية تراقب عن كثب تطوير صاروخ «كي إن 8»، الذي يبلغ مداه أطول من مدى «نودونغ». وكان أولا ظهر في عرض عسكري لكوريا الشمالية في العام الماضي.

في الشهر الماضي، قال ادميرال جيمس وينفيلد، نائب رئيس الأركان المشتركة: «نعتقد أن صاروخ (كي إن 8) يمكنه الوصول إلى الولايات المتحدة».

ويوم الخميس، قال مسؤول أميركي، اشترط عدم ذكر اسمه، إن الولايات المتحدة تعتقد أن صاروخ «كي إن 8» يقدر على ضرب غوام، وألاسكا، وهاواي. واعترف بأن تقدير الولايات المتحدة لهذا الصاروخ «يستند على معلومات استخباراتية محدودة».

لكن، يبدو أن غريغ ثيلمان، الذي عمل في جهاز استخبارات وزارة الخارجية، والآن مع «آرمز كونترول» (مراقبة الأسلحة) أقل ثقة في هذا الصاروخ، وقال إنه ربما ليس موجودا. وقال إن بعض الخبراء الأميركيين فحصوا عن قرب صور الصاروخ بعد أن ظهر في العرض في العاصمة بيونغ يانغ، و«خلصوا إلى أنه وهمي، أو نموذج بالحجم الطبيعي».

وقال ثيلمان إن هناك صاروخا آخر من نوع «موسودان»، وهو أكبر من «نودونغ» متوسط المدى، لكنه لم يجرب عمليا، وقال: «ليس الصاروخ الذي لم يجرب صاروخ فعال، وليس خطرا يهدد».

وحسب معلومات ثيلمان، تملك كوريا الشمالية مئات الصواريخ، معظمها من صواريخ «سكود بي» و«سكود سي» أو شبيهة بها، ويبلغ مداها من 300 كيلومتر إلى 500 كيلومتر (187 إلى 312 ميلا). وأضاف: «لديهم عشرات من صواريخ (نودونغ) التي يبلغ مداها 1300 كيلومتر (862 ميلا).

وتسود حالة من التهكم في الشارع الأميركي إزاء تهديدات كوريا الشمالية، وعلى الخصوص تهديدات الزعيم كيم جونغ، لكن تقابلها «مخاوف حقيقية» عندما يتعلق الأمر بإيران، حسب مجلة «سليت»، التابعة لمجموعة «واشنطن بوست». وأشارت مجلة «أتلانتيك» إلى أن خطاب تشاك هاغل، وزير الدفاع الأميركي، الشهر الماضي، وكان خطابا رئيسا له بعد أن صار وزيرا للدفاع، كرر كلمة «إيران» أكثر من 170 مرة. بينما لم يذكر «كوريا الشمالية» سوى 10 مرات فقط.

وخلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، في مناظرة واحدة، كرر أوباما والمرشح المنافس ميت رومني «إيران» 47 مرة مقابل مرة واحدة لـ«كوريا الشمالية».

وأوضح استطلاع أجراه مركز «غالوب» أن أغلبية الأميركيين لا تهتم كثيرا بما يجري في شبه الجزيرة الكورية، وأن هناك أكثر من سبب: أولا: بعد المسافة. ثانيا: الانشغال بالمشكلات الاقتصادية المحلية. ثالثا: السأم من الحروب بعد أكثر من عشر سنوات منها. رابعا، شبه اقتناع بأن كوريا الشمالية مهرجة أكثر منها خطرة.

هل نحن على شفير الحرب في شبه الجزيرة الكورية؟ يؤكد مسؤول أميركي كبير في واشنطن: «لسنا على شفير الحرب، أقله في هذه المرحلة.. لا شيء ميدانيا يحمل على توقع عمل عسكري واسع النطاق من جانب بيونغ يانغ».

وعلى غرار معظم المراقبين، يشدد سيغفريد هيكر الأستاذ في جامعة ستانفورد على خواء التهديدات النووية، مشككا في الوقت نفسه في قدرات الكوريين الشماليين. وتساءل: «لماذا يتعين عليهم شن هجوم نووي، فيما هم يعرفون تمام المعرفة أن نتيجته هي دمار بلادهم ونهاية النظام؟»، لكنه لا يستبعد خطر حصول تدهور عبر مواجهة محدودة يعمد إليها الزعيم «الشاب والمبتدئ» كيم جونغ أون.

يقول الدكتور راجيسواري بيلاي راجاغوبلان، زميل بارز في مؤسسة «أوبسيرف ريسيرش» للأبحاث، بنيودلهي، إن الغرب ينظر إلى كيم جونغ على أنه «شاب عديم الخبرة، لم تختبر قدراته بعد.. حاول كيم إثبات، من خلال السلسلة الأخيرة من التصريحات القاسية لحكومته، أنه ليس بالشخص الذي يشعر بالخوف من تزايد العقوبات»، التي من شأنها أن تزيد من عزلة نظامه وتعرقل كل الجهود التي يعتزم القيام بها لإحياء اقتصاد بلاده المحتضر.

في الوقت نفسه، قال عدد كبير من الخبراء الأميركيين إن كوريا الشمالية، على الأرجح، على مسافة سنوات كثيرة حتى تقدر على إتقان التكنولوجيا لتوجيه ضربة في أميركا. لكن قال بعض الخبراء النوويين إن كوريا الشمالية ربما تملك المعرفة اللازمة لإطلاق صواريخ ذات رؤوس نووية نحو كوريا الجنوبية واليابان.

وقال ديفيد أولبرايت، خبير الأسلحة الفتاكة والصواريخ في معهد العلوم والأمن الدولي، إن كوريا الشمالية يمكنها وضع رأس نووي على قذيفة صاروخية لمسافة 800 ميل (ألف كيلومتر تقريبا).

لكن، قال سيغفريد هيكر، خبير أميركي في المجال نفسه، إنه غير محتمل أن تفعل كوريا الشمالية ذلك، في الوقت الحاضر على الأقل، وإنه لا يوجد أي شخص، خارج نخبة صغيرة في قمة الحكم هناك، يعرف حقيقة القوة الكورية الشمالية، خاصة القوة النووية والصاروخية. وأيضا، لا يوجد شخص خارج هذه النخبة يمكن أن يحدد، في يقين، مدى التقدم التكنولوجي لكوريا الشمالية. وقال سيغفريد: «لكن يتفق كثيرون على أن كوريا الشمالية تتوقع هجوما مدمرا عليها إذا بادرت واستخدمت هذه الأسلحة».

* حقائق عسكرية

* حسب تقديرات الجمعية الآسيوية في نيويورك، يتألف الجيش الكوري الشمالي من مليون جندي نظامي، وخمسة ملايين جندي احتياطي، مما يجعله الجيش الخامس عالميا من حيث عدد القوات النظامية.

* تملك بيونغ يانغ أربعة آلاف دبابة، وألفي ناقلة جنود، وثمانية آلاف قطعة مدفعية. لكن، يطغى على معظمها القدم. ولا تملك سلاحا بحريا مميزا باستثناء قوات خاصة وقدرة على زرع ألغام في المياه العميقة.

* يتكون السلاح الجوي من 820 طائرة مقاتلة معظمها من طراز «ميغ»، و300 طائرة هليكوبتر. وتتمركز أكثر من 50 في المائة من قوات كوريا الشمالية على بعد 100 كيلومتر من المنطقة منزوعة السلاح التي يبلغ عرضها أربعة كيلومترات وطولها 250 كيلومترا.

* تقول «هيئة مراقبة الأسلحة» إن لدى بيونغ يانغ القدرة العملانية على إطلاق صاروخ يبلغ مداه 1300 كلم. وتتابع كوريا الشمالية تجاربها لتخطي هذه المسافة. والصاروخان اللذان نشرتهما على ساحلها الشرقي من نوع «موسودان» يبلغ مداهما نظريا ما بين 3000 و4000 كلم، لكن بيونغ يانغ لم تختبرهما قط.

* بالنسبة للقوات الأميركية، فهي تجند مليونا ونصف المليون، ويبلغ عدد قوات الاحتياطي مليونا تقريبا. ويملك السلاح الجوي أربعة آلاف طائرة مقاتلة، وأخرى لنقل معدات وجنود، وأكثر من ألفي صاروخ «كروز»، و450 من الصواريخ العابرة للقارات.

* يملك سلاح البحرية 278 سفينة، وأكثر من أربعة آلاف طائرة. ويوجد في كوريا الجنوبية أكثر من 28 ألف جندي أميركي.

* ما الوسائل العسكرية للولايات المتحدة في المنطقة؟ حسب مراكز الدراسات، فإنها كبيرة. فبالإضافة إلى 28 ألفا و500 جندي أميركي في كوريا الجنوبية و50 ألفا في اليابان، تنشر واشنطن نحو ستة آلاف في غوام حيث تقيم قاعدة للقاذفات والغواصات، و50 ألفا آخرين في هاواي. وتجوب أكثر من أربعين سفينة للبحرية الأميركية المحيط الهادي باستمرار.

* القاعدة البحرية الوحيدة في يوكوسوكا في اليابان هي مرفأ الرسو لحاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» وسبع مدمرات وطرادين. أما حاملة الطائرات «يو إس إس جون ستينس» والسفن المواكبة، فموجودة في الوقت الراهن في سنغافورة، لدى عودتها من مهمة في الخليج.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.