قصائد هيفاء الجبري... أفواه لا تنتهي

تقصي منابع الشعرية في صور للخفوت والخفر الأنثوي

غلاف «تداعى له سائر القلب»  -  غلاف «البحر حجتي الأخيرة»
غلاف «تداعى له سائر القلب» - غلاف «البحر حجتي الأخيرة»
TT

قصائد هيفاء الجبري... أفواه لا تنتهي

غلاف «تداعى له سائر القلب»  -  غلاف «البحر حجتي الأخيرة»
غلاف «تداعى له سائر القلب» - غلاف «البحر حجتي الأخيرة»

في البدء كانت قصيدة «دمشق» التي عرفتني بالشاعرة السعودية هيفاء الجبري. فاجأتني القصيدة بمطلع آسر:
منه دمشق ومني زهرة سقطت
فليس بعد دمشق ما أقدمه
أصبحت عاشقة في النهر صامتة
والصمت من بردى لا ينتهي فمه
«والصمت من بردى لا ينتهي فمه»، أود أن أنطلق من هذه العبارة في محاولتي استكناه التجربة الشعرية لدى هيفاء، وأحسبني بذلك أحاول استكناه الشعر نفسه، فالشعر جسد إن أمسكت بأحد أطرافه تداعت بقية الأطراف بالإبانة أو الإيحاء. رأيت في تلك العبارة معبرًا إلى اللحظة التي يعلو بها الكلام ليصير شعرًا، اللحظة التي طالما فتنت بها وحاولت التفرس في ملامحها. وأود أن أتكئ في مقاربتي للحظة العبور تلك على ما سبق أن اقترحته قبل سنوات، في بدايات انشغالي بدراسة الأدب. أقصد التفكير بالبدائل، أن نسأل: ماذا كان يمكن للشاعر أو الكاتب أن يقول بدلاً مما قال؟ علنا نتبين من الاستبدال خروجًا إلى الشعرية أو الأدبية. ماذا لو قالت هيفاء الجبري: والصمت من بردى لا ينتهي مداه، أو لا ينتهي رنينه، أو لا ينتهي، ثم انتهت؟ لو فعلت ذلك لتركت لنا عبارة، أو مجازًا، لكن العبارة أو المجاز سيكونان مما اعتدنا، مما هو مكرر ومستهلك، مجاز لا نتجاوزه إلى دهشة، إلى شعر. تقترب بنا القصيدة من جوهر الشعر حين ترفض الشاعرة ذلك المجاز التقليدي، المجاز المتوقع، المألوف الذي يقتنع به كثير من ناظمي الكلام لا مبدعي الشعر. إنه اختيارها الفم لصمت بردى، ثم قولها إنه فم لا ينتهي. الشاعر الإنجليزي و. هـ. أودن، رأى الشعر من زاوية مشابهة حين قال إنه، أي الشعر «يبقى طريقة في الحدوث، فمًا». والفم هنا هو الاحتمال، مصدر لما يمكن أن يحدث، لما ينتظر حدوثه، لون من الصمت الناطق أو الصمت الذي يوشك على النطق لننشغل نحن باحتمالات القول.
يحضر الصمت إلى قصائد هيفاء الجبري في مجموعتيها: «تداعى له سائر القلب» (نادي الرياض الأدبي، 2015) و«البحر حجتي الأخيرة» (الانتشار العربي، 2016)، جزءًا من منظومة دلالية وجمالية تتصل بالأنوثة وخصوصيتها من ناحية، وبالحالة الشعرية وسماتها من ناحية أخرى. وبدا لي أن من الصعب استيعاب أحد هذين من دون الآخر، فكل منهما يستمد حضوره من الآخر. في مجموعة «تداعى له سائر القلب» تطالعنا قصيدة بعنوان «الحب والصمت والصحراء» مؤكدة هيمنة الصمت على الشاعرة:
«يقف الصمت في ردائي ويمشي
في حذائي ويحتسي من إنائي».
لكن تلك الهيمنة لا تلبث أن تتراخى حين تعلن الشاعرة ثورتها على الصمت في قصيدة بعنوان «... يا أيها الصمت»، والثلاث نقاط التي تسبق العنوان إشارة واضحة لمحذوف. تقول القصيدة:
الصمت أشهر مجنون نطبقه
متى سنخرج هذا الجن من فيه!
يرى الحزين ولا يمضي لسلوته
يا أيها الصمت كم حزنًا ستعطيه!
نحن الخطاب الذي يمشي على ورق
وكل شبر من الأوراق يخفيه
محرّمون على ما دون أحرفنا
نجوز لكن بإنسان نغطيه!
المفارقة الساخرة التي تلاحق الإعلان عن الصمت، هي بطبيعة الحال تناقض الصمت مع الإعلان عنه، أي أن النطق أو البوح به يعلن انتفاءه. لكن الإعلان يظل مع ذلك مؤشرًا على ما لم يقل، مثل نقاط الحذف، لا بد منها لنعرف أن ثمة محذوفًا. تلك المفارقة تلتقطها الشاعرة في صورتين جاءتا في البيتين الأخيرين هما أجمل ما في القصيدة. فها نحن نشاهد خطابًا يتحرك على الورق لكي ندرك سريعًا أن ذلك التحرك لا يعني الوضوح وإنما الخفاء، فكل شبر من الأوراق يخفيه. لا بد من الغطاء لكي يكون القول، مثلما أنه لا بد من القول لكي يكون الغطاء أو الخفاء، أو لكي نعرف عن وقوعهما. إنه فم الصمت الذي لا بد أن يفتح لكي ندرك أنه صامت.
حتى العلاقة بالشعر يتضح أنها مؤطرة هي الأخرى بمفارقات الصمت وجمالياته. في قصيدة بعنوان «شعر المبكى» تتحدث الشاعرة عما يعنيه الشعر لها، لنكتشف أن ذلك الذي يعنيه ملتف هو الآخر بسرية البوح وخفر اللغة:
أخذ الشعر من حياتي كثيرًا
ليته يمنح الذي أعطاه
وأنا في سطوح ذكراه أثوي
كنت قد عشت حرة لولاه
شر إحساسي العظيم يغني
وأنا أنسخ الذي غناه
...
كل حب يذاع في الناس يمسي
ضائقًا دون سره معناه
وأنا الشعر جل ما كنت أهوى
يعظم الحب حينما لا نراه
في قصيدة كهذه تجترح الشاعرة جماليات يمكن أن تسمى جماليات الصمت أو جماليات السرية أو الحميمية أو غير ذلك، لكن سمتها هي تقصي منابع الشعرية في صور للخفوت والخفر الأنثوي. صور نلمح في خلفيتها محافظة المجتمع وسلطته على تفرد الأنوثة وسعيها للاستقلال والاختلاف، لكي تتواءم مع ذلك المحيط الصلب من التنصت والمنع.
قصيدة أكثر إثراء، وإن نسجت على نفس المنوال، هي «لا تمسوهن بحزن». هنا نحن مرة أخرى في حضرة الأنوثة وعالمها الحميم وصمت أسرارها:
«هل ترى أجمل الوجوه المرايا
حين يغشى الظلام وجه الزوايا»
كثيرون في ظني سيخطئون في «أجمل» فيرفعونها على أساس أنها صفة لفاعل هو الوجوه، وقد أدركت الشاعرة ذلك فحرصت على تشكيل الكلمة لكي يتضح أنها لمفعول. ذلك أننا لم نعتد أن المرايا هي التي ترى الوجوه وإنما العكس.
لكن العكس يحدث لأن ذلك العكس هو البديل الشعري لما هو مألوف، ولأن أجمل الوجوه مختبئة بحيث يتعذر على المرايا أن تلمحها لا سيما حين يحل الظلام، بل حين يغطي وجه الزوايا، فالوجوه ليست للجميلات فقط وإنما لزوايا غرفهن أيضًا. ويتواصل اجتراح الشعرية مما ليس مألوفًا في البيت التالي:
«في صدور الحسان أسوار ليل
والمصابيح مطفآت النوايا».
أسوار الليل تحل محل القلائد على الصدور، بينما المصابيح التي كان يمكن أن تضيء تلك الأسوار مطفأة، والمطفأ فيها ليس الضوء، وإنما النوايا التي في الصدور. فهاته الحسان يقبعن في زوايا حجراتهن مثل تلك الفتاة التي لم تعد تتوقع من الفجر شيئًا. ولنلاحظ مرة أخرى أن النوايا ليست في الصدور وإنما في المصابيح، فهو المجاز المقلوب الذي يمنح النوايا للمصابيح لكي نرى إنسانية المصابيح وتوحدها مع الحسان في نهاية المطاف.
تمزج القصيدة حزن الصبايا وخيباتهن بجمالهن المطفأ بليل الوحدة، ولكن الجمال إذ ترد صوره فإنه لا يتكشف بما ترسخ في الذاكرة الشعرية، وإنما بصور مركبة تضطر المتلقي للتمهل ولو لبعض الوقت:
«حائط الورد ما تلاهن حتى
صار من ضيق ما تنفسن نايا»
نحن إزاء شعر يتعذر تلقيه بسرعة وسهولة. نحتاج إلى ربط الورد بالحائط ثم بالحسان ثم بأثر الحسان على حائط الورد. صور تتأبى على الدلالة المحددة أو المثبتة إلى متعارف عليه. حائط الورد قيد وجمال في الآن نفسه. هو حائط يقيد الحسان وإن كان من الورد. هو الذي يتلوهن أو الذي يصدرن عنه، وهو إذ يفعل يتأثر بمعاناتهن، بضيق أنفاسهن، لكنه الضيق الجميل، الضيق الأقرب إلى ضيق الناي بمحدودية فتحاته وضيقها وجمال ما يصدر عنها من موسيقى رغم ذلك الضيق. وتؤذن تلك الصورة الفاتنة بسلسلة من الصور التي تنشد فيها الشاعرة جمال الحسان وأوجه حزنهن في عالم لا يتوقف عن ظلمهن. الأبيات التي تحمل تلك الصور تبدأ بـ«إن» التوكيدية ولكن البعيدة عن تقريريتها المعتادة:
إنهن اللاتي تكسرن باللوم
وناولن منه جرح البقايا
إنهن الخيال من حيث يجري
في ذهول على ضفاف الحكايا
إنهن المقدمات لصمت الليل
كيما يظللن فيه خبايا
هذا التتالي من اللوم والذهول ثم الصمت، هو قدر الحسان المنسيات والمتروكات للدمع في مفارقة ساخرة تنهي القصيدة. فليس من شيء لدى الليل الذي تخبأن فيه وأدرك ما يعتمل في سرهن سوى الدمع هدية يقتسمنها:
عرف الليل كنههن فأهداهن
دمعًا ليقتسمن الهدايا
وبعد، فإن تجربة هيفاء الجبري تجربة غنية على حداثتها الزمنية، تجربة جديرة بتوقف القارئ بل وإطالة الوقوف أمام قيمتها الشعرية التي تضيف لمشهد ينتظر أمثالها.



«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
TT

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد العودة إليها، كل النتائج تثبت العكس. يتبين بالأرقام، أن الكتاب الورقي يحافظ على مكانته في الصدارة، ويربح المعركة في أميركا وأوروبا والعالم العربي أيضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الذي فرمل حيويتها الأولى؟ وهل المستقبل سيكون مختلفاً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

10 أعوام من الجمود

تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد قراء الكتب الرقمية ابتداءً من عام 2011 حيث ازدادت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية بين الأميركيين 11 نقطة مئوية خلال 3 سنوات فقط، أي أنها قفزت من 17 في المائة عام 2011 إلى 28 في المائة عام 2014. لكن للغرابة فإن هذه النسبة لم تشهد بعد ذلك تزايداً يذكر، لا في أميركا عقر دار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا في دول أوروبية، رصدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مدّ الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، بنسبة محددة لا تتزحزح.

أميركا تقرأ ورقياً

في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، في أبريل (نيسان) من العام الحالي، تبين أن الكتب الورقية لا تزال هي المفضلة لدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قرأوا كتاباً إلكترونياً واحداً على الأقل خلال السنة الماضية، فيما وصل عدد الذين قرأوا كتاباً ورقياً إلى 64 في المائة، أي بانخفاض 10 في المائة فقط عن النسبة قبل 14 عاماً، بينما لجأ 26 في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل العام الماضي.

الدراسة تثبت أن الكتب الورقية هي الصيغة الوحيدة التي يستخدمها أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملاً لها ولم يحلّ مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبية عديدة، حيث أن نسبة قراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملاً لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بديلاً عنه، خصوصاً في ما يتعلق بكتب الروايات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر.

لماذا العودة إلى التقليدي؟

قد يكون سبب بقاء القراء مخلصين لعاداتهم الورقية متأتياً من الحاجة إلى الابتعاد عن إجهاد الشاشات الذي يرهقهم طوال اليوم، وقد أصبح استخدام الهاتف يستغرق يومنا ونحتاج إلى استراحة منه. هناك أيضاً الدراسات التي تحذر باستمرار من القراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دوراً إيجابياً في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد في النهاية، في كل صيغة، سواء الورقية أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافراً أو مسترخياً في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها.

ونحن هنا لا نتحدث عن صور «بي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بالعربية وفي شتى اللغات، بحيث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتبقى في منطقة من الظلال الكثيفة. إنما الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب التي تباع وتشترى في سوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها.

بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي

في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة النشر، النتائج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هي الشكل الأقوى للنشر الاستهلاكي، وقد بلغت إيراداتها 2.1 مليار جنيه إسترليني من إجمالي 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 2 في المائة عن العام الماضي. وحققت الصيغ الرقمية إيرادات لم تصل إلى أكثر من 558 مليون جنيه إسترليني، بينما بلغت إيرادات الكتب الصوتية 255 مليون جنيه. ما يعطي الورق تقدماً كبيراً على كل ما عداه.

العرب غياب للتوثيق الدقيق

أما العرب، ورغم غياب الإحصاءات الشاملة والموثوقة، فإن تقارير معارض الكتب والناشرين، تتحدث عن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثرت على سوق الكتب لا يوازيه ارتفاع في بيع الكتاب الإلكتروني، لأسباب تتجاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنياً خاصة في البدايات، في الوقت الذي كانت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عزّ انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مناسباً للنشر الإلكتروني والقراءة على الشاشات تأخر، عن باقي اللغات، ولا تزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كما أن ضعف البنية التحتية لحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية لم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في العالم العربي يقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار من هذا المبلغ، ما يدل على أنه لا يزال ضعيفاً جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم.

أوروبا لا تشذّ عن القاعدة

أوروبا لا تشذ عن غيرها، ففي فرنسا وإسبانيا لا تزال الكتب الورقية في المقدمة، وفي ألمانيا القراءة بخير، حيث إن أكثر من نصف الألمان يشترون الكتب الورقية ولا يستعيرونها فقط. والأمر نفسه من حيث الإقبال على النشر الورقي في الهند وكوريا الجنوبية.

وتسجل الصين اختلافاً بيناً في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجابات من يتم طرح السؤال عليهم، وعدد الكتب المباعة بصيغها المختلفة. وغالباً ما يكون القراء أنفسهم هم الذين يلجأون إلى الوسيلتين معاً، مع ملاحظة أن الشباب أميل قليلاً إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً.

سوق النشر بكليته في العالم العربي تقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار

دراسة

مشاكل رقمية غير مشجعة

الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي باهظاً بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقتاً أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئاً على أصحابها في المنازل الصغيرة. لكنه في المقابل يبقى عملياً بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجاً أو جهازاً للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته.

ومن العوائق، التي لا تزال ترجّح الرغبة في الحصول على الكتب ورقياً، أنها بعد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تدفع ثمن كتاب إلكتروني وتشعر أنه لديك على سبيل الإعارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عدداً محدداً للإعارات المسموح بها والمدة الزمنية المتاحة، وهناك قيود أخرى بدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحدّ من حريتهم، بل ملكيتهم.

من هنا، لا غرابة، ليس بالبقاء على الكتاب الورقي للشعور بالأمان فقط، ولكن هناك أيضاً عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه.

الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل

وقد قُدّر نمو سوق الكتب المستعملة عالمياً بأنه ارتفع من 25.32 مليار دولار عام 2024 إلى 27.13 مليار دولار عام 2025، بسبب تراجع أسعار هذه الكتب، وتوسع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدلّ على نمو جمهورها.

إن ميل «المستجد» يشجع أصحاب المكتبات على إخراج قديمهم وعرضه للبيع، كما شراء المكتبات الشخصية التي تعرض بعد رحيل أصحابها. فهذه الكنوز، بحسب ما أخبرني صاحب أحد المكتبات في لبنان، تتيح كتباً بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هذه المقتنيات لدى أصحاب المكتبات بات شائعاً، إذ ثمة رهان على أن الكتب الورقية ستكون غداً أغلى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور.


«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان
TT

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»، وقد افتتحه بالاقتباس التالي: «إذا كانت المفكرة تنادي الكتابة والكتاب، فليكن للأرواح أن تخفق بالمحبة والصداقة والفقدان، وبالثقافة».

وجاء في تقديم الناشر: لا يكتب نبيل سليمان مراثيَ تقليدية، بل ينسجُ خيوطاً مضيئةً من الذاكرة لأسماءٍ سكنت وجدانه وأعماله قبل أن تسكن صفحات هذا الكتاب. إنه ليس مجرد كتابٍ عن الراحلين، بل هو معرضٌ حيٌّ لـ«أقمارٍ» من الثقافة والأدب العربي والعالمي؛ من ممدوح عدوان وبوعلي ياسين، إلى نزار قباني وعبد الرحمن منيف، وصولاً إلى إبراهيم أصلان، وأديب غنم، وأروى صالح، وغيرهم الكثير ممن تركوا بصمة لا تُمحى في المشهد الثقافي.

يأخذنا سليمان في رحلةٍ وجدانية، يتنقل فيها بين أضرحةٍ صارت منارات، وبين لقاءاتٍ عابرةٍ تحوّلت إلى صداقاتٍ أبدية. الكتاب يتجاوز حدود الرثاء إلى «الاحتفاء» الفلسفي والإنساني. إنها مفكرةٌ لا تحفظ الأسماء فحسب، بل تحفظ «الحرارة» التي تركتها تلك الأرواح في عالمنا. يكتب سليمان بلغةٍ تتقطر شجناً وعمقاً، يمزج فيها بين تفاصيل الحياة اليومية: ضحكاتٍ، جلساتِ مقاهٍ، لحظاتِ انكسار، وبين قراءات نقدية رصينة لتجارب هؤلاء المبدعين. ما يجعل الكتاب مشوقاً هو صدقُ الألمِ وعمقُ الحب. سليمان لا يستعرضُ سِيراً ذاتيةً باردة، بل يفتحُ أبوابَ قلبهِ ليُرينا كيف يتفاعلُ المثقفُ مع فجيعة الفقدان. هو يتساءل: كيف نعيشُ بعد رحيلهم؟ كيف نحمي إرثهم من النسيان؟ الكتاب دعوةٌ للتأمل في جوهر الكتابة، وفي قوة الكلمة التي تقهرُ الموتَ وتجعلُ الغائبين حاضرين في وعينا، في كل سطرٍ وفي كل حكاية.

الكتاب هو تذكرةٌ لكل قارئٍ بأن الكتابة ليست مجرّد حرفٍ على ورق، بل هي محاولةٌ يائسةٌ ونبيلةٌ لتخليد اللحظاتِ النادرةِ التي تمنحنا إياها الحياة. حين تقرأ هذا الكتاب، ستشعرُ أنك تجلسُ مع كل هؤلاء العظماء، تسمعُ أصواتهم، وتتقاسمُ مع الكاتبِ مرارةَ الغيابِ وحلاوةَ الذكرى.


مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».