والت ويتمان: وظيفة الشاعر لا تقل أهمية عن وظيفة رئيس الجمهورية

كان يرى أن عبقرية أميركا تكمن في الإنسان العادي

والت ويتمان - غلاف «أوراق العشب» في ترجمته العربية
والت ويتمان - غلاف «أوراق العشب» في ترجمته العربية
TT

والت ويتمان: وظيفة الشاعر لا تقل أهمية عن وظيفة رئيس الجمهورية

والت ويتمان - غلاف «أوراق العشب» في ترجمته العربية
والت ويتمان - غلاف «أوراق العشب» في ترجمته العربية

أسمع صوت مؤذن عربي ينطلق من قمة مسجد، وأسمع صوت واعظ مسيحي في كنيسة، وأسمع صوت حاخام يهودي يقرأ من التوراة، وأسمع صوت مدرس بوذي يعلم تلاميذه
تقع ولاية نيوجيرسي عبر نهر هدسون من نيويورك، وعبر نهر ديلاوير من فلاديلفيا. وطبعا، لا تنافسهما في الشهرة. لكن، لا بأس، ففي هذه الولاية نيوجيرسي: فيها جامعة برنستون، وفيها أتلانتيك سيتى (حيث كازينو «تاج محل» الذي بناه دونالد ترمب)، وفيها ولد مشاهير مثل المغنيين فرنك سيناترا، وبروس سبرنغستين، وفيها دفن مشاهير مثل توماس أديسون، مخترع الكهرباء، ووالت ويتمان، أبو شعراء أميركا.
من فيلادلفيا، يتجه الطريق البرى رقم 67 إلى كوبري ويتمان، ثم إلى مدينة كامدين، حيث حي ويتمان، حيث متحف ويتمان، وقبر ويتمان. وعلى مسافة قريبة، في جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا «مركز وثائق ويتمان» (توجد وثائق أخرى في مكتبة الكونغرس في واشنطن العاصمة)، وتوجد على نهر هدسون المدمرة «نيوجيرسي» التي صارت متحفا عسكريا، ويوجد منزل ويتمان، الذي تحول إلى متحف.
يقع المنزل على شارع له اسمان: الاسم القديم: «ميكيل» (اسم رجل اسكوتلاندي أبيض)، والاسم الجديد: «مارتن لوثر كينغ» (زعيم حركة السود للحقوق المدنية). يستعمل بعض الناس اسم الأسود، ويستعمل آخرون اسم الأبيض (يركز المتحف على اسم الأبيض).
يمكن ربط هذا الاختلاف بأن ويتمان كان عنصريا في بداية حياته، ثم صار أقل من ذلك (عارض تجارة الرقيق. لكن، قال إن السود لا يستحقون التصويت في الانتخابات).
عند مدخل المنزل المتحف توجد مقتطفات من قصيدة صاحبه: «يبني الشخص منزلا، ليس ليوم، ولكن لكل الأيام. لكل الأعراق، وكل الأجيال. للماضي، والحاضر، والمستقبل».
وتوجد في المتحف نسخ قديمة وجديدة من ديوان «أوراق العشب»، واحد من أشهر دواوين الشعر الأميركية. وتوجد آخر قصيدة كتبها قبل وفاته بأسبوع. قال فيها: «أحس بالألم، ولا أجد راحة. ولا أجد خلاصا. يسبب الألم السأم، السأم، السأم».
قبل أعوام قليلة، احتفل الأميركيون بمرور 120 عاما على وفاة ويتمان. ولسبب ما قرر صحافي من صحيفة «واشنطن بوست» الكتابة عن قبر ويتمان، القريب من متحف ويتمان. وقف أمام القبر، وتأمل في عقيدة ويتمان الدينية.
ويوم عيد الميلاد الماضي، نشرت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» تقريرا عن ويتمان، تحت عنوان: «هل هناك دين أميركي؟» (تكثر، في موسم الأعياد الأميركية الذي يشمل الكريسماس وبداية العام الجديد، نقاشات الأميركيين عن الدين والتدين).
وقالت الصحيفة إن بعض الأميركيين يعتقدون أن ويتمان هو «بوذا أميركا». وذلك لأنه كان يعتقد، مثل بوذا أن هدف الإنسان يجب أن يكون، ليس فقط البحث عن النبيل داخله، ولكن البحث عن النبيل في دواخل الآخرين، أيضا.
ونشرت مجلة «أتلانتيك» تقريرا تحت عنوان: «لماذا ويتمان أعظم شعراء أميركا» ذكرت فيه: «كان الشعر بالنسبة لويتمان، ليس فقط للتعبير عن الرأي السياسي، بل السياسة نفسها. وكان ويتمان يؤمن أن وظيفة الشاعر لا تقل أهمية عن وظيفة رئيس الجمهورية. وأن الشعب الأميركي أكثر شعوب العالم ميلا نحو الشعر. وأن الشعر والديمقراطية متشابهان بسبب قدرتهما على التعبير عن الجميع، وليس فقط عن الفرد».
وأضافت المجلة: «في هذه الأيام التي ينقسم فيها الأميركيون انقساما ربما ليس له مثيل منذ الحرب الأهلية (إشارة إلى الانقسام حول دونالد ترمب)، نحتاج إلى حكمة ويتمان».
ولد ويتمان في هنتنغتون (ولاية لونغ آيلاند)، قبل أن تنتقل العائلة إلى كامدين (ولاية نيوجيرسي). وبسبب فقر العائلة، لم يستطع أن ينتقل من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة المتوسطة، وبحث عن عمل ليساعد والديه وثمانية إخوان وأخوات. كان عمره 12 عاما عندما وجد وظيفة في صحيفة «باتريوت»، وهي تنظيف أرض المطبعة من الحبر الأسود المتدفق.
ثم انتقل إلى صف حروف الصحيفة. ثم صار يكتب شعرا نشرته الصحيفة (كان عمره 16 عاما). ثم أسس صحيفة «لونغ آيلاندار» المحلية (كان عمره 20 عاما). وكان الناشر، ورئيس التحرير، والمحرر، والطابع، والموزع.
وعندما فشلت، انتقل إلى صحف أخرى، ثم استقر في صحيفة «بروكلين إيغيل» في نيويورك، وتخصص في الرواية والشعر (كان عمره 40 عاما).
في ذلك الوقت (عام 1860)، نشر الطبعة الأولى من ديوان «أوراق العشب».
وفي ذلك الوقت، بدأت الحرب الأهلية بين الحكومة الفيدرالية وولايات الجنوب التي كانت أعلنت الانفصال لتستمر في تجارة الرقيق.
في البداية، كان ويتمان عنصريا ضد الزنوج، وعارض حركة «أبوليشان» (إنهاء الرقيق) التي قادها رجال دين، ومفكرون قبل مائتي عام من استقلال الولايات المتحدة، وقبل مائة عام من قرار الرئيس إبراهام لنكون بتحرير الرقيق.
لكن، غير ويتمان رأيه مع بداية الحرب الأهلية، وبعد قرار لنكون (عام 1863). لكن اشترط ألا يصوت الزنوج في الانتخابات.
* أوراق العشب
لا يعتبر ديوان «أوراق العشب» واحدا من أشهر دواوين الشعر الأميركية فقط، بل أيضا، أقساها ولادة. بدأ ويتمان كتابة الديوان وعمره 32 عاما. وقضى 40 عاما يعدله ويغيره. ولم يكمله إلا قبل وفاته بشهور قليلة (توفي وعمره 72 عاما). كان في الديون، أول مرة، 12 قصيدة فقط. وعندما اكتمل، وصل العدد إلى أكثر من 400 قصيدة.
قبل وفاته بشهور، نشر الآتي في صحيفة «نيويورك هيرالد»: «يسر والت ويتمان أن يعلن، بكل احترام، أنه أكمل ديوان شعره (أوراق العشب). ويعتبر هذه النسخة الأخيرة قد نسخت النسخ التي قبلها. ويراها غير كاملة هي نفسها. لكنه يراها أفضل من سابقاتها». وكان ويتمان أول شاعر أميركي مشهور كتب الشعر من دون قافية موزونة.
قبل أن يكتب «أوراق العشب»، كتب مقدمة له يقول فيها: «لا توجد عبقرية أميركا في الرئيس، أو الكونغرس، أو جهازها القضائي، أو وزرائها، أو سفرائها، أو أدبائها، أو أساتذة جامعاتها، أو رجال الدين فيها، أو صالوناتها وحاناتها، أو صحفها، أو مخترعيها. توجد عبقرية أميركا في المواطن الأميركي العادي». وأضاف: «يشكل الواحد الجميع». (يشبه هذا تعبير «آي بلوريباص أونوم» باللغة اللاتينية، ومعناه: «شكل كثيرون واحدًا». وهو شعار الولايات المتحدة، المرسوم في رمز رئاسة الجمهورية، وفي العملات المعدنية والورقية).
* الحلم الأميركي
أنشد ويتمان للحلم الأميركي قبل أن تصبح العبارة مشهورة. وتصور قصيدة «أغني لأميركا» إيمان ويتمان بالفردية، وبقدرة الفرد على إسعاد نفسه، وإسعاد غيره. وقال فيها:
«أسمع أميركا تغني، أسمع التراتيل. يغني الميكانيكي وهو يلوي الحديد. ويغني النجار وهو يقيس قطعة الخشب. ويغني البناء وهو يشكل الحجارة أشكالا. ويغني صاحب المركب وهو يقودها وسط الأمواج. وتغني الأم وهي ترضع وليدها، وتغني الزوجة الجديدة وهي تبدأ حياة جديدة. وتغني الفتاة وهي تخيط الملابس، أو تغسلها. يغني كل واحد أغنية لنفسه، لا لغيره...».
وكان يرى أن المبادئ الأميركية يجب ألا يقتصر تنفيذها على الأميركيين فقط، بل يجب أن تنتشر في كل العالم. قال ذلك في قصيدته «إلى بلاد أجنبية». ويقول فيها:
«سمعت أنكم (الأجانب) تحاولون فهم لغز الدنيا الجديدة. سمعت أنكم تريدون تعريف أميركا. سمعت أنكم تريدون فهم الديمقراطية. لهذا، أرسل لكم قصائدي».
تقول مارثا ناسبوم، مؤلفة كتاب «العدالة الشعرية»، إن «شعر ويتمان يبرهن على قدرة الشاعر على الخيال الواضح، والحكم العاقل، والمشاركة في الفرح والحزن، وتصوير الواقع، والطموح، والتغيير...».
أما ألين سكاري، أستاذة في الأدب في جامعة هارفارد، ومؤلفة كتاب «أون بيوتي آند جستيس» (عن الجمال والعدل)، فترى أن وصف ويتمان للولايات المتحدة هو «أروع قصيدة كتبت». حاولت سكاري الدفاع عن اتهامه بالعنصرية بقولها إنه كان «ضحية العلم الخاطئ في زمانه (تقصد ضحية تفسيرات «علمية» بأن الزنوج أقل ذكاء، وأقل نشاطا)».
* ويتمان والرومي
قبل أعوام قليلة، بمناسبة احتفال الأميركيين بمرور 120 عاما على وفاة ويتمان، كتب إيبو باتيل، مسلم أميركي، ومن مستشاري الرئيس باراك أوباما الدينيين، ومؤسس ومدير جمعية «إنترفيث يوث» (تدعو للتسامح الديني وسط الشباب) عن التشابه بين ويتمان وجلال الدين الرومي. وقال: «قبل سنوات قليلة، أعلنت صحيفة (نيويورك تايمز) أن الرومي هو أشهر شاعر مؤثر في الولايات المتحدة... ماذا يجذب الأميركيون نحو الرومي؟ يقول بعض الناس إن السبب هو غرام الأميركيين بكل ما هو غريب، ومثير. خاصة مع موجة الروحانية الجديدة وسط الجيل الجديد. لكن، أقول أنا إن السبب هو التشابه بين قصائد الرومي وقصائد ويتمان».
وأضاف: «مثل الرومي، ركز ويتمان على الجانب الإنساني في الدين، وعلى أهمية الترابط بين مختلف الأديان والعقائد، وعلى حب التنوع والتعدد وسط شعوب العالم».
في قصيدة «أغنية إلى نفسي»، يقول ويتمان: «أسمع صوت مؤذن عربي ينطلق من قمة مسجد، وأسمع صوت واعظ مسيحي في كنيسة، وأسمع صوت حاخام يهودي يقرأ من التوراة، وأسمع صوت مدرس بوذي يعلم تلاميذه...».
من قصائد الديوان: «أفتخر بنفسي. أحتفل بنفسي. أثق في نفسي. ومثلما أفترض، تفترض أنت. ومثلما تنتمي لي ذرات جسدي، تنتمي لك ذرات جسدك. ها أنا أتأمل. أركز على أوراق حشائش الصيف».
هذه مقتطفات من بعض القصائد:
أولا: عن الفردية: «أنا عملاق، أنا البشرية، أنا متنوع، ومنفتح، ومتعدد...».
ثانيا: عن الروحانيات: «أريد أن أعيش وسط الحيوانات. أريد أن أبحث عن الله في الحشرات».
ثالثا: عن الواقعية: «نقلوا المعتوه إلى عنبر المجانين. لن ينام مثلما كان ينام في سرير قرب سرير والدته».
ثالثا: عن شعره غير المقفى وغير الموزون: «كلماتي بسيطة مثل بساطة الحشائش على سهل منبسط».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.