محكمة أميركية تقضي بقبول 28 يمنياً عالقاً في جيبوتي

التحديات القانونية لقرار الحظر تنتزع استثناءات وتفشل في إبطاله

نسخة من الوثيقة القضائية التي استثنت 28 يمنيًا من قرار الحظر («الشرق الأوسط»)
نسخة من الوثيقة القضائية التي استثنت 28 يمنيًا من قرار الحظر («الشرق الأوسط»)
TT

محكمة أميركية تقضي بقبول 28 يمنياً عالقاً في جيبوتي

نسخة من الوثيقة القضائية التي استثنت 28 يمنيًا من قرار الحظر («الشرق الأوسط»)
نسخة من الوثيقة القضائية التي استثنت 28 يمنيًا من قرار الحظر («الشرق الأوسط»)

أمرت محكمة فيدرالية أميركية في ولاية كاليفورنيا الحكومة الأميركية، بمنح استثناء طارئ لـ28 شخصا من بين أكثر من 200 شخص تقطعت بهم السبل في جيبوتي بعد إنهاء إجراءات حصولهم على تأشيرات هجرة لدخول الولايات المتحدة قبيل صدور قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بحظر دخول رعايا سبع دول إسلامية لمدة 90 يوما.
وقالت المحامية الأميركية جولي غولدبيرغ، في اتصال هاتفي أجرته معها «الشرق الأوسط»، إن غالبية الحاصلين على الاستثناء الطارئ يحملون جوازات سفر يمنية، وبينهم نساء وأطفال. وأوضحت أنها رفعت يوم الثلاثاء قضية عاجلة نيابة عن هؤلاء، ونجحت أمس (الخميس) في الحصول على أمر قضائي بعدم تطبيق المرسوم الرئاسي على من أصبح لديه تأشيرة هجرة أو موعد لتسلم التأشيرة.
وطبقا لما أكدته غولدبيرغ، فإن قرار المحكمة يلزم وزارتي الخارجية والأمن الداخلي بعدم إلغاء «تأشيرات الهجرة التي تم الحصول عليها بصورة سليمة، وإعادة جوازات السفر التي تحتوي على تلك التأشيرات؛ حتى يتمكن أصحابها من السفر إلى الولايات المتحدة». وأضافت غولدبيرغ، أن موكليها يبحثون حاليا عن خطوط طيران تقبل بنقلهم إلى المطارات الأميركية، مؤكدة أن عددا من المحامين الأميركيين تطوعوا بمرافقة المسافرين ليكون بمعية كل دفعة تتمكن من السفر محام واحد على الأقل لحظة الوصول إلى مطارات الدخول.
وأشارت المحامية الأميركية إلى أن العدد الأكبر من العالقين في جيبوتي وضعهم قرار ترمب في مأزق حرج لعدم قدرتهم على العودة إلى بلادهم، في وقت بدأت نقود البعض منهم تنفد بسبب غلاء المعيشة في جيبوتي. يشار إلى أن هذا الحكم القضائي هو الثاني من نوعه الذي يتضمن استثناء لعدد محدود من المتضررين من مرسوم ترمب الرئاسي، ولكن لم ينجح حتى الآن أي تحد قانوني للقرار في إبطال مفعوله نهائيا. وربما أن الوقت لا يزال مبكرا على معرفة ما إذا كانت القضايا الساعية لإبطال القرار قادرة على الوصول إلى المحكمة العليا أم لا.
وكانت محكمة فدرالية في نيويورك أصدرت السبت الماضي حكما مماثلا يقضي بمنع السلطات الأميركية من ترحيل أكثر من مائة شخص من العالقين في المطارات الأميركية ولديهم تأشيرات دخول سابقة لقرار المنع. وقوبل قرار المحكمة بالترحاب في المطارات الأميركية الكبرى، التي عجت بالمحتجين الغاضبين من المرسوم الرئاسي.
وبعد ساعات من صدور الحكم، أعلنت وزارة الأمن الداخلي الأميركية امتثالها للأوامر القضائية، وأنها ستسمح بدخول المحتجزين بعد إخضاعهم لفحص أمني مشدد وفقا لقوانين الهجرة وللأمر الرئاسي، حسب البيان الصادر من الوزارة. وفي وقت لاحق، قال الاتحاد الأميركي للحريات المدنية الذي تبنى قضية عراقيين اثنين من العالقين في مطار جون كندي إن الحكم القضائي استفاد منه ما يزيد على 100 شخص.

مزيد من الطعون والقضايا
وفي سياق متصل، رفع أجانب آخرون دعاوى قضائية ضد الحظر، من بينها دعوى رفعها طالب جامعي ليبي في كولورادو يوم الثلاثاء. وتم رفع قضيتين اثنتين أخريين في شيكاغو، إحداهما نيابة عن إيراني يعيش مع أبنائه الثلاثة في إيلينوي.
في هذه الأثناء، تزايدت الطعون والتعهدات بتقديم طعون في ولايات أميركية متباعدة، ففي ولاية ماساتشوستس أعلنت منظمة «أوكسفام» لمكافحة الفقر أنها ستنضم إلى دعوى قضائية في الولاية للطعن على حظر الدخول الذي تسبب في منع شركاء للمنظمة في الخارج من لقاء مسؤولين بالولايات المتحدة.
وتقدم «أوكسفام» مساعدات إنسانية إلى أسر في خمس من الدول التي شملها حظر السفر، وهي سوريا والعراق والصومال واليمن والسودان. واضطرت «أوكسفام» إلى إلغاء اجتماع كان من المقرر عقده خلال التسعين يوما المقبلة؛ لأنه سيتعذر حضور مدير إقليمي لها إلى واشنطن لتقديم إفادة إلى مسؤولي وزارتي الخارجية والخزانة. ورفضت متحدثة باسم «أوكسفام» تحديد الدولة التي ينتمي إليها المدير، مبررة ذلك باعتبارات أمنية. وكانت الجماعة تخطط أيضا لاستقدام ممثلين عن سوريا لاجتماعات في مارس (آذار)، لكن الأمر التنفيذي سيحول دون ذلك أيضا.
ويواجه ترامب طعونا قضائية مقدمة من أربع ولايات، هي ماساتشوستس ونيويورك وفرجينيا وواشنطن. وتعزم هذه الدعاوى القضائية أن الأمر التنفيذي ينتهك الضمانات التي يكفلها الدستور للحرية الدينية. كما كانت سان فرانسيسكو أول مدينة أميركية تطعن في الأمر الرئاسي بحجب تمويل اتحادي عن المدن الأميركية التي تتبنى سياسات حماية للمهاجرين غير الموثقين.

تراجع البيت الأبيض و«تذمر» الخارجية
من جانبه، تراجع البيت الأبيض عما كان قد أعلنه سابقا بشأن الحاصلين على الإقامة الدائمة، معلنا تحديثا للتعليمات الخاصة بمرسوم ترمب التنفيذي يتضمن إعفاء حملة البطاقات الخضراء (الإقامة الدائمة) من إخضاعهم للإجراءات الجديدة. وقال المتحدث باسم البيت الأبيض، شون سبايسر، في إيجازه الصحافي يوم الأربعاء إن «المقيمين لن يحتاجوا إلى تقديم إقرارات جديدة إذا كانت إقاماتهم دائمة وشرعية».
وكانت القيود على حملة البطاقات الخضراء بين أكثر العناصر المحيرة في الأمر التنفيذي الذي وقعه ترمب الجمعة الماضي. وأثارت القيود المتعلقة بهم نقاشا بين مسؤولي وزارة الأمن الداخلي لتفسير القواعد المتعلقة بهم.
أما وزارة الخارجية الأميركية، فشهدت نقاشات أكثر سخونة؛ إذ نقلت وكالة «رويترز» عن مصدر مطلع إن نحو 900 من مسؤولي الخارجية وقّعوا على مذكرة داخلية تعارض قرار الرئيس دونالد ترمب بحظر دخول لاجئين ومهاجرين من سبع دول ذات أغلبية مسلمة.
وأكد مسؤول كبير في الوزارة تقديم المذكرة المتعلقة بالاعتراض للإدارة، فيما أقر المتحدث باسم البيت الأبيض شون سبايسر بوصول المذكرة إلى مكتب الرئيس ترمب الذي حذر الدبلوماسيين بدوره من أنه ينبغي عليهم «تأدية مهامهم في البرنامج أو الرحيل».

مطالب باستثناء الأطباء والمرضى
في غضون ذلك، حثت أكبر جمعية للأطباء في الولايات المتحدة إدارة ترمب على استثناء الأطباء الأجانب والمصابين بأمراض خطيرة من رعايا الدول السبع.
جاء هذا الطلب في خطاب موجه لوزير الأمن الداخلي جون كيلي من الجمعية الطبية الأميركية، جاء فيه أن القرار يضع حواجز أمام الرعاية الصحية من خلال منع الأطباء الأجانب من العودة للبلاد أو الحصول على تأشيرات دخول، وأضاف الخطاب أن القرار يجب ألا يطبق على المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية طبية فورية في الولايات المتحدة. وأضافت الجمعية في الخطاب الذي نشرته على موقعها الإلكتروني: «تخشى الجمعية الطبية الأميركية أن الأمر التنفيذي يؤثر سلبا على حصول المريض على الرعاية، ويتسبب في عواقب غير مقصودة لنظام الرعاية الصحية في بلادنا».
وأشار خطاب الجمعية الطبية الأميركية أيضا إلى أهمية السماح بدخول خريجي الطب الأجانب الذين يمثلون ربع الأطباء الممارسين للمهنة في الولايات المتحدة. وكانت جماعات أخرى للأطباء، مثل جمعية كليات الطب الأميركية وكلية الأطباء الأميركية عبرت عن قلقها في بيانات منفصلة هذا الأسبوع، معتبرة أن القرار سيضع المزيد من الحواجز أمام الرعاية الطبية.

معارضون ومؤيدون لـ«الحظر»
أظهر استطلاع للرأي أجرته «رويترز» أن 49 في المائة من الأميركيين يؤيدون الحظر، بينما يعارضه 41 في المائة. وقال 53 في المائة من الديمقراطيين إنهم يعارضونه «بشدة»، بينما قال 51 في المائة من الجمهوريين إنهم يؤيدونه «بشدة». وقال ويستي إغمونت، مدير مركز دمج المهاجرين في كلية بوسطن، إن الأميركيين ازدادوا عداء تجاه اللاجئين والمهاجرين مع تحول التدفقات من القادمين من شرق أوروبا إلى آخرين من دول مثل العراق والصومال وأفغانستان. وأضاف: «ارتفاع تلك الأعداد، رغم صغرها نسبيا، لفت انتباها كافيا لإثارة رد فعل صغير من أناس لا يشعرون حقيقة بالارتياح إزاء التنوع حولهم».
غير أن أغلب الأميركيين لا يعتقدون أنه ينبغي لبلدهم أن يفضل استقبال لاجئين مسيحيين، وهو ما لمح إليه ترمب. ورفض نحو 56 في المائة من الأميركيين «الترحيب باللاجئين المسيحيين دون المسلمين». وكانت نسبة الرافضين بين الديمقراطيين 72 في المائة وبين الجمهوريين 45 في المائة.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».