ملك المغرب لقادة أفريقيا: أنا عدت لبيتي

قال إن الريادة للقارة الأفريقية... وإن الحلم المغاربي تعرض للخيانة

العاهل المغربي الملك محمد السادس خلال إلقاء «خطاب العودة» في أديس أبابا أمس (أ.ف.ب) - جانب من الجلسة الافتتاحية للجمعية الـ 28 لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الافريقي في أديس أبابا بإثيوبيا أمس (إ.ب.أ)
العاهل المغربي الملك محمد السادس خلال إلقاء «خطاب العودة» في أديس أبابا أمس (أ.ف.ب) - جانب من الجلسة الافتتاحية للجمعية الـ 28 لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الافريقي في أديس أبابا بإثيوبيا أمس (إ.ب.أ)
TT

ملك المغرب لقادة أفريقيا: أنا عدت لبيتي

العاهل المغربي الملك محمد السادس خلال إلقاء «خطاب العودة» في أديس أبابا أمس (أ.ف.ب) - جانب من الجلسة الافتتاحية للجمعية الـ 28 لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الافريقي في أديس أبابا بإثيوبيا أمس (إ.ب.أ)
العاهل المغربي الملك محمد السادس خلال إلقاء «خطاب العودة» في أديس أبابا أمس (أ.ف.ب) - جانب من الجلسة الافتتاحية للجمعية الـ 28 لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الافريقي في أديس أبابا بإثيوبيا أمس (إ.ب.أ)

قال العاهل المغربي الملك محمد السادس في«خطاب العودة» إلى حضن الاتحاد الأفريقي، الذي وجهه للرؤساء الأفارقة المجتمعين في القمة الـ28 للاتحاد، «أفريقيا قارتي، وهي أيضا بيتي. لقد عدت أخيرًا إلى بيتي. وكم أنا سعيد بلقائكم من جديد. لقد اشتقت إليكم جميعًا».
وتفادى العاهل المغربي لدى حضوره الجلسة الختامية للقمة الإشارة إلى نزاع الصحراء والعلاقات مع الجزائر، لكنه تحدث عن الوضع المزري لاتحاد المغرب العربي.
وبين الملك محمد السادس أن الدعم الصريح والقوي الذي حظي به المغرب لخير دليل على متانة الروابط التي تجمعه مع الدول الأفريقية.
وأوضح ملك المغرب أن الانسحاب من منظمة الوحدة الأفريقية كان ضروريًا «فقد أتاح الفرصة للمغرب لإعادة تركيز عمله داخل القارة، ولإبراز مدى حاجة المغرب لأفريقيا، ومدى حاجة أفريقيا للمغرب». وكشف ملك المغرب أن قرار العودة إلى المؤسسة الأفريقية جاء ثمرة تفكير عميق. وقال بهذا الخصوص: «لقد حان موعد العودة إلى البيت... ففي الوقت الذي تعتبر فيه المملكة المغربية من بين البلدان الأفريقية الأكثر تقدمًا، وتتطلع فيه معظم الدول الأعضاء إلى رجوعنا، اخترنا العودة للقاء أسرتنا. وفي واقع الأمر، فإننا لم نغادر أبدًا هذه الأسرة». ورغم السنوات التي غبنا فيها عن مؤسسات الاتحاد الأفريقي، يضيف العاهل المغربي، فإن الروابط لم تنقطع قط؛ «بل إنها ظلت قوية. كما أن الدول الأفريقية وجدتنا دومًا بجانبها».
وأضاف عاهل المغرب: «إننا ندرك أننا لسنا محط إجماع داخل هذا الاتحاد الموقر، وإن هدفنا ليس إثارة نقاش عقيم، ولا نرغب إطلاقًا في التفرقة، كما قد يزعم البعض!». وخاطب القمة قائلا: «ستلمسون ذلك بأنفسكم؛ فبمجرد استعادة المملكة المغربية لمكانها فعليا داخل الاتحاد، والشروع في المساهمة في تحقيق أجندته، فإن جهودها ستنكب على لم الشمل، والدفع به إلى الأمام».
وأشار العاهل المغربي إلى أن المغرب ساهم في انبثاق هذه المؤسسة الأفريقية العتيدة، وأنه من الطبيعي أن «نتطلع إلى استرجاع مكاننا فيها... وطيلة هذه السنوات، وعلى الرغم من عدم توفره على موارد طبيعية، استطاع المغرب أن يصبح بلدًا صاعدًا، بفضل خبرته المشهود بها. وقد أضحى اليوم من بين الدول الأكثر ازدهارًا في أفريقيا».
وأوضح العاهل المغربي الملك محمد السادس أن المغرب ظل يؤمن دائمًا بأنه ينبغي، قبل كل شيء، أن يستمد قوته من الاندماج في فضائه المغاربي. غير أنه من الواضح أن شعلة اتحاد المغرب العربي قد انطفأت، في ظل غياب الإيمان بمصير مشترك. وقال العاهل المغربي في هذا السياق إن الحلم المغاربي، الذي ناضل من أجله جيل الرواد في الخمسينات من القرن الماضي، يتعرض اليوم للخيانة، مبرزًا أن ما يبعث على الأسى هو أن الاتحاد المغاربي يشكل اليوم المنطقة الأقل اندماجًا في القارة الأفريقية، إن لم يكن في العالم أجمع.
من جهة أخرى، أشار العاهل المغربي إلى أن الرباط استطاعت تطوير علاقات ثنائية قوية وملموسة، وقال إنه منذ سنة 2000 أبرم المغرب مع البلدان الأفريقية نحو ألف اتفاقية، في مختلف مجالات التعاون.
وعلى سبيل المقارنة، قال ملك المغرب: «هل تعلمون أنه بين سنتي 1956 و1999 تم التوقيع على 515 اتفاقية، في حين أنه منذ سنة 2000 إلى اليوم، وصل العدد إلى 949 اتفاقية، أي نحو الضعف»، مضيفًا: «إنه خلال هذه السنوات ارتأيت شخصيًا أن أعطي دفعة ملموسة لهذا التوجه، وذلك من خلال تكثيف الزيارات إلى مختلف جهات ومناطق القارة... كما تم التوقيع أيضًا، خلال كل واحدة من الزيارات الست والأربعين، التي قمت بها إلى 25 بلدًا أفريقيا، على العديد من الاتفاقيات في القطاع الخاص».
وذكر ملك المغرب أن بلاده أولت عناية خاصة لمجال التكوين، الذي يوجد في صلب علاقات التعاون مع البلدان الأفريقية الشقيقة، مشيرًا إلى أن العديد من المواطنين المنحدرين من البلدان الأفريقية، تمكنوا من متابعة تكوينهم العالي في المغرب، وذلك بفضل آلاف المنح التي تقدم لهم.
وتحدث ملك المغرب عن زياراته للبلدان الأفريقية، وقال إنها تميزت بإطلاق مشاريع استراتيجية مهمة، معربًا عن سعادته ببلورة مشروع أنبوب الغاز «أفريقيا – الأطلسي»، مع الرئيس النيجيري محمد بخاري. كما تحدث عن المشاريع التي تهدف إلى الرفع من المردودية الفلاحية، وضمان الأمن الغذائي والتنمية القروية، وقال في هذا السياق إنه تمت إقامة وحدات لإنتاج الأسمدة بالشراكة مع كل من إثيوبيا ونيجيريا. وإن هذه المشاريع ستعود بالنفع على القارة بأكملها. وزاد موضحًا: «لا الغاز ولا البترول بإمكانهما تلبية الحاجيات الغذائية الأساسية»، وتساءل: «أليس الأمن الغذائي أكبر تحد تواجهه القارة الأفريقية؟».
وردًا على تساؤله، قال العاهل المغربي: «هذا هو جوهر المبادرة من أجل تكييف الفلاحة الأفريقية مع التغيرات المناخية، التي تعرف بمبادرة (Triple A)، التي أطلقناها بمناسبة قمة المناخ (كوب 22). إنها مبادرة تمثل جوابًا جد ملموس وغير مسبوق لمواجهة التحديات المشتركة المترتبة عن التغيرات المناخية»، مشيرًا إلى أنه مباشرة بعد إطلاقها، حظيت هذه المبادرة بدعم قرابة ثلاثين بلدا.
وأوضح عاهل المغرب أن مبادرة «Triple A» تهدف إلى توفير موارد مالية أكبر لتحقيق «ملاءمة الفلاحة الأفريقية الصغرى»، وأنها ستواكب أيضًا هيكلة وتسريع المشاريع الفلاحية بالاعتماد على أربعة برامج، وهي التدبير العقلاني للتربة، والتحكم المستدام في المياه المستعملة لأغراض فلاحية، وإدارة المخاطر البيئية، والتمويل التضامني لحاملي المشاريع الصغرى. وأوضح قائلا: «لقد شكلت هذه المبادرة أحد المحاور الرئيسية في قمة العمل الأفريقي، التي كان لي شرف رئاستها في مدينة مراكش في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي».
من جهة أخرى، تساءل ملك المغرب: «هل من حاجة للتذكير بأننا كنا دائمًا من السباقين للدفاع عن استقرار القارة الأفريقية؟ لقد شارك المغرب منذ استقلاله في 6 عمليات أممية لاستتباب الأمن في أفريقيا، وذلك بنشر آلاف الجنود في عدة جبهات»، مشيرًا إلى أن القوات المغربية لا تزال إلى اليوم منتشرة في أراضي جمهورية أفريقيا الوسطى، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، بالإضافة إلى قيام المغرب بمبادرات في مجال الوساطة، ساهمت بشكل فعال في دعم وإقرار السلم، خاصة في ليبيا، ومنطقة نهر مانو.
وفي معرض حديث العاهل المغربي عن التعاون جنوب - جنوب، قال إن منظور بلاده واضح وثابت «فبلدي يتقاسم ما لديه من دون مباهاة أو تفاخر».
وذكر الملك محمد السادس أنه بالاعتماد على التعاون البناء سيصبح المغرب، وهو فاعل اقتصادي رائد في أفريقيا، قاطرة للتنمية المشتركة.
أما على الصعيد الداخلي، يقول الملك محمد السادس، فإنه يتم «استقبال الأفارقة من دول جنوب الصحراء، في إطار الالتزام بالمبادئ التي قمنا بالإعلان عنها سابقًا. وقد تم إطلاق العديد من عمليات تسوية الوضعية، حيث استفاد منها في المرحلة الأولى ما يزيد على 25 ألف شخص»، وذكر أنه في الأسابيع القليلة الماضية، تم إطلاق المرحلة الثانية بنجاح، وفقًا لنفس روح التضامن والقيم الإنسانية، التي طبعت سابقتها.
وأوضح العاهل المغربي أن هذه الجهود البناءة لفائدة المهاجرين عززت صورة المغرب، ورسخت الأواصر التي تجمعنا بشعوبهم منذ زمن بعيد.
وقال العاهل المغربي: «إن من يدعي أن المغرب يبتغي الحصول على الريادة الأفريقية عن طريق هذه المبادرات، أقول: إن المملكة المغربية تسعى لأن تكون الريادة للقارة الأفريقية»، مجددًا التأكيد على أن المغرب لا يدخل الاتحاد الأفريقي من الباب الضيق، وإنما من الباب الواسع، موضحًا أن «الاستقبال الحار الذي خصنا به إخواننا الأفارقة اليوم لدليل قاطع على ذلك».
من جهته، رحب الاتحاد الأوروبي، في بيان، بخطوة الاتحاد الأفريقي حيال المغرب التي «توحد القارة الأفريقية برمتها داخل منظمتها الإقليمية»، لافتا إلى أن «التعاون والاندماج الإقليميين حيويان من أجل الازدهار والاستقرار والسلام». وأوضح كثير من رؤساء الدول؛ بينهم رئيسة ليبيريا إيلين جونسون سيرليف، ورئيس بوركينا فاسو كريسيتيان كابوريه، أن عودة المغرب ستتيح بحث قضايا الخلاف داخل الاتحاد الأفريقي، «ضمن العائلة». وخلال هذه القمة التي كان جدول أعمالها حافلا، انتخب القادة الأفارقة أيضا هيئة تنفيذية جديدة للاتحاد؛ على رأسها وزير الخارجية التشادي موسى فقي محمد.
من جهته، سلم الرئيس التشادي إدريس ديبي الرئاسة الدورية للمنظمة لرئيس غينيا ألفا كوندي، الذي دعا دول الاتحاد إلى التضامن مع الصومال وليبيا والسودان المستهدفة بقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب في شأن الهجرة. وقال كوندي: «علينا أن نتضامن مع هذه الدول الثلاث». وذكر بتبني القارة السوداء إصلاح عضوية مجلس الأمن الدولي بحيث يكون لأفريقيا فيه مقعد دائم.
وكلف رئيس جنوب أفريقيا جاكوب زوما التفاوض مع الأمم المتحدة في هذا الشأن وحول عمليات حفظ السلام في أفريقيا. وكلف كوندي أيضا رئيس أوغندا يويري موسيفيني أن يبحث باسم القارة ملف المهاجرين مع الاتحاد الأوروبي. وقال: «لن نقبل بأن يتفاوض الاتحاد الأوروبي بوصفه اتحادا أوروبيا مع هذا البلد أو ذاك. إذا كان الاتحاد الأوروبي (يفاوض)، فينبغي أن يتم الأمر مع الاتحاد الأفريقي. علينا أن نتكلم بصوت واحد حول مشكلة الهجرة». وفي خطاب حاد اللهجة أشار فيه إلى الآباء المؤسسين للاتحاد الأفريقي، أورد الرئيس الغاني: «كثيرون في العالم خارج أفريقيا اعتقدوا أننا لن نتمكن من انتخاب مفوضية جديدة. اعتقدوا أننا سننقسم، وأن القمة ستنتهي بالتشرذم. ولكن اليوم، قررنا أن نتحمل مسؤولياتنا».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.