«محور المقاومة» انتهى مخلفا توترا في العلاقات بين أميركا والعرب

تحالف قادته إيران من قوى شيعية وسنية سادت بعد هجمات {سبتمبر} اقرب إلى الوهم

جورج بوش
جورج بوش
TT

«محور المقاومة» انتهى مخلفا توترا في العلاقات بين أميركا والعرب

جورج بوش
جورج بوش

أنتجت الأعوام العشرة التي تلت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية ضد الولايات المتحدة، خرافتين أصبحتا تحددان الثقافة السياسية الأميركية والعربية، هما «محور الشر» و«محور المقاومة». وهذان الوهمان اللذان تخلى عنهما واضعوهما بعد ذلك، أثبت تطور الأحداث أنه لا معنى حقيقيا لهما. ومع ذلك، تستمر الأفكار المؤدية لهما في الانعكاس على العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم العربي، في صورة رفض بعض المفاهيم الأساسية واستعادة مفاهيم أخرى. انتهى هذان المحوران، على الأقل في الوقت الحالي، بيد أن مظاهر التوتر التي جسداها ما زالت قائمة، لا سيما فيما يتعلق بالعلاقات الأميركية مع جماعات، وليس مع دول، وعلى رأس هذه الجماعات حماس وحزب الله.

في خطاب حالة الاتحاد، في 29 يناير (كانون الثاني) عام 2002، وصف الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش إيران والعراق وكوريا الشمالية بـ«محور الشر»، واتهمه بدعم الإرهاب الدولي، والسعي إلى نشر أسلحة دمار شامل. استدعت العبارة دلالتين رئيستين في الثقافة السياسية الأميركية:
الأولى، أعادت إلى الأذهان «دول المحور» في الحرب العالمية الثانية: ألمانيا النازية، واليابان الإمبريالية، وإيطاليا الفاشية.
أما الثانية، فهي ترديد وصف الرئيس رونالد ريغان للاتحاد السوفياتي بـ«إمبراطورية الشر».
شكك كثيرون، منذ لحظة البداية تقريبا، في مدى ترابط هذه التركيبة. خاضت إيران والعراق، في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، حربا استمرت عشر سنوات، قتل فيها مليون شخص على الأقل، وكانت العلاقات بينهما أسوأ ما يمكن. ولم تتقارب أي من الدولتين مع كوريا الشمالية على نحو خاص. وبدت فكرة أن هذه الثلاثية تشكل أي نوع من «المحور» - وهي كلمة تشير بقوة إلى وجود تحالف – الذي يعمل تهديدا عالميا غير واقعية، إن لم تكن سخيفة. تأثر هذا المفهوم كثيرا عندما استخدم مبدئيا، كإطار لتبرير غزو العراق عام 2003 واحتلاله، حين تكرر ذكر الغزو، كرد فعل على هجمات 11 / 9، على الرغم من أن حكومة صدام حسين لم تكن على صلة بتنظيم القاعدة بأي حال.
لم يكن هناك معنى على الإطلاق لـ«محور الشر» من الناحية السياسية أو الاستراتيجية. ولكنه عكس بدقة الحالة العاطفية للشعب الأميركي: لقد واجهتهم قوة الشر التي اعتقدوا أنها لا تستطيع أن تأتي ببساطة، من مجموعات.
لم تخضع فكرة أن أقرب جهاز تابع لدولة ما، يمكن أن يتورط في مثل هذه الهجمات، لدراسة جادة إلا في فترة لاحقة، حين ظهر احتمال تورط عناصر داخل وكالة استخبارات الحليفة القديمة، باكستان، فيما كان يجري. واستمرار هذا التورط حتى بعد مقتل أسامة بن لادن في مدينة أبوت آباد العسكرية الباكستانية، التي تحيط بها نخبة الجيش والاستخبارات الباكستانية. ومع ذلك استمر الحديث عن هذا الاحتمال يتردد في همسات خافتة في واشنطن العاصمة.
هكذا كانت فترة صلاحية مفهوم «محور الشر» قصيرة للغاية في السياسة الأميركية. ونادرا ما كانت كلمة «محور الشر» تذكر من دون أن تسبب حرجا، لأنها كانت عبارة فظة، كما أنه لم يكن لها معنى استراتيجيا. علاوة على ذلك، تعتبر العملية الأساسية التي أدت إليها هذه العبارة - الفشل العراقي - كارثة على مستوى العالم.
من جهة أخرى، أثبت مفهوم «محور المقاومة» المضاد، أنه أكثر قدرة على الاستمرار في الثقافة السياسية في الشرق الأوسط. ويبدو أن العبارة صيغت في عام 2002 أيضا، في رد مباشر على خطاب بوش، على صفحات الصحيفة الليبية «الزحف الأخضر». بعد ذلك استخدمت هذه العبارة على نطاق واسع في الخطاب الإيراني، فيما يخص مقاومة الاحتلال الأميركي للعراق في السنوات التالية. واكتسبت العبارة مزيدا من الجاذبية بعد الهجوم الإسرائيلي على لبنان في يوليو (تموز) 2006، الأمر الذي عزز من شعبية حزب الله وزعيمه السيد حسن نصر الله في جميع أنحاء العالم العربي.
ولكن نظرا لتركيز خطاب التحالف الذي تقوده إيران (وبالتالي الشيعة) على استغلال عبارة «محور المقاومة»، ثبطت حماسة كثيرين من العرب السنة. غير أن ما رسخ الفكرة في جانب كبير من الثقافة السياسية العربية لفترة قصيرة، كان الهجوم الإسرائيلي على غزة عام 2008 - 2009. وضع هذا الاعتداء حركة حماس في مقدمة «محور المقاومة»، وبذلك تقوض المفهوم الذي كان بالضرورة وسيلة السياسة الخارجية الإيرانية والمصالح الطائفية الشيعية.
في الواقع، تعززت قوة مفهوم «محور المقاومة» الذي يمكن أن يجمع بين تحالف تقوده إيران، ويتألف أساسا، من قوى غير سنية مثل النظام السوري وحزب الله، مع حركة حماس، أحد فروع الإخوان المسلمين، أثناء الهجوم الإسرائيلي على غزة. جرى التغلب على جزء كبير من الخلاف الطائفي الذي كان قائما في العقود السابقة لفترة وجيزة، لأن أعدادا كبيرة من العرب السنة تبنت فكرة أنه يمكن من الناحية السياسية، أن تكون حماس عضوا في تحالف تقوده إيران، وأن تكون تنظيما أساسيا في جماعة الإخوان المسلمين. ولعل هناك ميزة في خطاب طهران، هي أنها تقود «محور المقاومة» ضد إسرائيل، حيث ساهم في تهدئة قطاع كبير من الرأي العام العربي السني حيال صعود قوة فارسية وشيعية في المنطقة، ولا سيما تحت عنوان أنها تقود الصراع ضد إسرائيل.
كل ذلك كان وهما. كانت إيران تستغل حماس وحزب الله، وتدعي أنها زعيمة المقاومة. بل كانت تنكر «الهولوكوست» للمزايدة على الجميع لتصبح بطلة الفلسطينيين. وحتى بعد مرور أشهر على الحرب على غزة، كانت متابعة انهيار هذا الوهم ممكنة، حين بدأ العرب يتذكرون أن مصالحهم ومصالح إيران ليست متشابهة. غير أن اضطرابات الربيع العربي، ولا سيما اندلاع الحرب في سوريا، ساهمت في فضح لا معقولية «محور المقاومة» أمام قطاع أكبر من الرأي العام العربي.
أجبر الصراع السوري حماس على الاختيار بين الامتيازات التي تحصل عليها من تحالفها مع إيران وحزب الله وسوريا، بوجه خاص، حيث المقر الرئيس لمكتبها السياسي، وحيث استثمرت في سوريا معظم أموالها، وبين هويتها الأساسية كتنظيم إسلامي سني. وفي ظل وجود جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، لاعبا أساسيا في الثورة ضد بشار الأسد، لم يكن في استطاعة حماس البقاء على الحياد. وفي النهاية لم يكن أمامها من خيارات سوى إعادة التأكيد على انتمائها إلى الإخوان المسلمين، مما يعني مغادرة سوريا كلية، والبدء في كفاح مستمر للعثور على مقر آخر ورعاة جدد.

العلاقات الأميركية
مع حماس وحزب الله
اتسمت علاقة الولايات المتحدة الأميركية بكل من حماس وحزب الله بالعداء، لكنه عداء مختلف. فالخلافات بين واشنطن وهذين الفصيلين اتسمت بالتعقيد لدرجة أن كثيرا من الأميركيين، يذكرون حماس وحزب الله في وقت واحد، ويشيرون إليهما معا وكأنهما كيان واحد أو يشبهان بعضهما البعض، وهذا ما يحدث كثيرا في الولايات المتحدة. ويؤشر هذا إلى جهل عام بتفاصيل هذه السياسات في المنطقة. لكن السمة المحددة للعلاقات مع كل من الجماعتين واحدة: كلتاهما مدرجتان ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، منذ أن أصدرت وزارة الخارجية الأميركية أول قائمة لهذه المنظمات في عام 1998، وفقا لقانون صدر عام 1996 يجرم تقديم أي «دعم مادي» إلى مثل هذه المنظمات، متضمنا أي مساعدات غير قاتلة أو مشروعة.

لبنان دولة «صديقة» مؤقتا

رغم ذلك، لا تتشابه السياسات الأميركية تجاه حماس وحزب الله. يشارك حزب الله في تشكيل جميع الحكومات اللبنانية منذ تطبيق قانون عام 1998. وطوال هذه الفترة كانت السياسة الأميركية بسيطة: تعتبر الولايات المتحدة لبنان دولة «صديقة» (بصورة مؤقتة)، وتقدم المساعدات إلى الحكومة على الرغم من وجود وزراء من حزب الله بين أعضائها. ولكن المسؤولين الأميركيين لا يتقابلون مع وزراء حزب الله أو نوابهم في البرلمان سواء رسميا أو غير ذلك، أو يتعاملون معهم.
اختلف الأمر بعض الشيء، عندما تمتعت السلطة الفلسطينية بفترة قصيرة من التعايش بعد فوز محمود عباس في الانتخابات الرئاسية عام 2005، التي حققت بعدها حماس، أغلبية برلمانية في انتخابات عام 2006. أدت هذه الفترة من التعايش بين الرئيس الذي ينتمي إلى حركة فتح وبرلمان أغلبيته من أعضاء حماس، ما بين عامي 2006 و2007، إلى سلسلة من العقوبات المدمرة التي نفذتها الولايات المتحدة واللجنة الرباعية حول الشرق الأوسط بالإضافة إلى إسرائيل. جرى رفع هذه العقوبات عن السلطة الفلسطينية في رام الله بعد الانفصال الذي وقع بين غزة والضفة الغربية صيف عام 2007، فيما استمر تضييق العقوبات على حماس.
لم تضع الولايات المتحدة إطارا خاصا لحزب الله يمكن أن يعتبر من خلاله طرفا ذا شرعية. فهو أداة لطهران، كما هو مفترض، والعلاقات معه تعتمد في الأساس على العلاقات الأميركية الإيرانية. وفي الموقف اللبناني، يمكن لواشنطن تحمل حزب الله ولكن يتم تجاهله. وفي حالة الصراع المباشر بين إسرائيل وحزب الله، تقف أميركا ثابتة إلى جانب إسرائيل، ولكن في إطار من التصرفات المقبولة ولفترة زمنية محدودة.
على جانب آخر، وضعت حماس داخل إطار واضح للغاية بواسطة الولايات المتحدة واللجنة الرباعية. ولاكتسابها «شرعية» يتوجب عليها: نبذ العنف وقبول اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل، أو على الأقل تبني حل الدولتين، وقبول الالتزامات المنصوص عليها في اتفاقيات منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل. وهذه بالضرورة أيضا، هي الشروط التي وضعتها منظمة التحرير أمام حماس ليصبح من الممكن اعتبارها عضوا إضافيا في المنظمة.
لكن «حماس» لا تستطيع الموافقة على هذه الشروط، من دون أن تفقد الاختلاف الرئيس بينها وبين فتح: إنها تتخذ موقفا أكثر حدة تجاه إسرائيل. بخلاف ذلك سوف يصبح للحركتين هدف واحد لتحرير وطنهم - حل الدولتين مع إسرائيل - وسوف تصبح ميزة حماس الرئيسة هي اتجاهها الإسلامي المحافظ. وهذا غير مرجح أن يصبح مسار الأغلبية بين الفلسطينيين. بالإضافة إلى ذلك، تزايد حركة الجهاد الإسلامي على حماس في حقها السياسي والديني، وهي الجماعة التي تحتفظ بعلاقات قوية مع إيران.
حاولت عناصر داخل حماس، من بينها السياسي محمود الزهار، وقائد الجناح العسكري مروان عيسى، الحفاظ على العلاقات مع إيران. وقد حققت تلك العناصر، نجاحا إلى حد ما، على الصعيد العسكري. ومنذ الإطاحة بالرئيس المصري السابق، محمد مرسي، وهم يحاولون استعادة العلاقات السياسية. فقد وجدت حماس نفسها أكثر عزلة من أي فترة مضت، بعد رحيل مرسي. ومما يبعث على الحرج، أنها تعتمد على إسرائيل في جميع الإمدادات والاحتياجات الأساسية لقطاع غزة، بالإضافة إلى الاعتماد على رام الله في سداد رواتب معظم الموظفين العموميين.
من غير المرجح أن تتحسن العلاقات الأميركية مع كل من حماس وحزب الله، على الرغم من الاختلاف بينهما، طالما بقيت الجماعتان على «قائمة الإرهاب». وكما أشرنا فيما سبق، يتم استيعاب العلاقات مع حزب الله في سياق التوازن اللبناني العارض بين عناصر غير مستقرة، وهو توازن تدعمه الولايات المتحدة عموما. وفي هذا الصدد، تتحمل أميركا حزب الله ولكنها تبقيه على مسافة بعيدة. أما حماس، فأمامها مسار واضح للشرعية، ولكنها لا تستطيع أن تسلكه.
أسفر صعود أحزاب جماعة الإخوان المسلمين في المجتمعات العربية بعد سقوط الأنظمة الديكتاتورية - وبخاصة في مصر وتونس، وبدرجة ما في ليبيا - عن تحول غير متوقع في أسلوب واضعي السياسات في واشنطن تجاه الإسلاميين الذين لا يتسمون بالعنف، بدءا بزعيم حركة النهضة التونسي راشد الغنوشي. جرى الترحيب بمجموعة كبيرة من الإسلاميين من شمال أفريقيا في أبرز مراكز الأبحاث والمعاهد الأميركية. كما عوملوا باحترام، وجرى تجنيبهم الأسئلة الصعبة. ولم يستقبلوا كأشخاص غير مرغوب فيهم، كما كانوا منذ أعوام، بل استقبلوا كضيوف مكرمين. ويبدو أن كثيرا من «الخبراء» الأميركيين، اعتقدوا أن الإسلاميين، وبخاصة الإخوان المسلمين، يعبرون عن تمثيل «حقيقي» للرأي العام الذي تؤمن به الأغلبية السنية العربية، والوجه الجديد «الشرعي» للسياسة العربية في عصر ما بعد الأنظمة الديكتاتورية.
بالطبع لم تكن حماس من ضمن هذه المجموعة، نظرا لاتجاهاتها العنيفة وإدراجها على «قائمة الإرهاب». وكانت الرؤية الصحيحة لحزب الله أنه يعمل في مساحة تتقارب أكثر مع إيران. لكن بعض الأصوات المهمة التي تمثل أقلية متنامية، وبعضها مؤثر، أكدت على شرعية حماس والحاجة إلى إشراكها في أي صيغة لعملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.

سقوط الإخوان
يدرك معظم المحللين الأميركيين، وبالتأكيد الحكومة الأميركية، أنه لا يمكن أن يكون للفلسطينيين «طرفان شرعيان» يمثلانهم دبلوماسيا. لكن بعض واضعي السياسات الأميركيين، أصبحوا مفتونين بأحزاب جماعة الإخوان المسلمين، باعتبارها «شرعية» و«حقيقية»، إلى درجة دفاعهم عن قضية حماس. أصاب سقوط حكومة مرسي في مصر، بعد أقل من عام، أمام تأييد شعبي وهتاف هائلين، ارتباك كثير منهم، إذ أسقط فرضيتهم بأن معظم العرب إذا نالوا حرية انتخاب من يمثلهم، سوف يرغبون في النهاية في حكم الإسلاميين وتحديدا جماعة الإخوان المسلمين.
انتهى وهم «محور المقاومة» في المستقبل المنظور، ليحل محله في الشرق الأوسط، مشهد سياسي مختلف للغاية. لم يعد ممكنا لجماعة مثل حماس، أن تكون فرعا في جماعة الإخوان المسلمين، وفي الوقت ذاته جزءا من التحالف مع إيران. أحد أهم تأثيرات ذلك هو مزيد من الاختلاف في السياسة الأميركية تجاه حماس وحزب الله. كما أشرنا، وسيظل حزب الله في نظر الولايات المتحدة، سواء في لبنان أو سوريا أو في الصراع مع إسرائيل، امتدادا لإيران. وسوف يعتمد مستقبل العلاقة بين أميركا وحزب الله، على نتيجة التعامل الأميركي الإيراني في قضية السلاح النووي وقضايا أخرى مهمة.
ومن المرجح أيضا أن يعتمد مستقبل العلاقات بين حماس وأميركا إلى حد كبير على ماهية الأطراف التي سوف تكون رعاتها الأساسيين إلى جانب سلوك حماس ذاتها. لا يمكن أن تصبح الحكومة المصرية الحالية أكثر عداء تجاه حماس مما هي عليه الآن. كذلك يبدو من غير الممكن إقامة تقارب واسع بين حماس وإيران. ويمكن أن يلطف الرعاة المحتملون مثل قطر أو تركيا أو الأردن، من عدوانية سلوك حماس، ولكن من المستبعد أن يقنعوا الحركة بقبول شروط اللجنة الرباعية. لذلك من المرجح أن تظل الحركة على «قائمة الإرهاب» وسوف تتعامل الولايات المتحدة مباشرة مع الفلسطينيين من خلال منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية.
يقضي الموقف الأميركي في الأساس، بأن «المقاومة» العنيفة ضد إسرائيل أو أهداف أو مصالح أميركية في المنطقة غير مقبول، وهذا لن يتغير. إذا تغيرت الحقائق الاستراتيجية في المنطقة بما يكفي، قد يصبح ممكنا تصور احتمال إعادة بعث «محور المقاومة»، حتى إذا حلت حركة الجهاد الإسلامي محل حماس، أو قد تسعى فصائل متطرفة عنيفة داخل جماعة الإخوان المسلمين، بعد تخلصها من وهم الديمقراطية والسياسة، إلى نوع من التحالف مع إيران وعملائها. ولكن في الفترة الحالية، يبدو هذا احتمالا بعيدا على أفضل الأحوال.
غير أن الولايات المتحدة، لا ترفض صراحة «مقاومة» الاحتلال الإسرائيلي. وتعتبر الاحتجاجات غير العنيفة مشروعة، كما أنها تكتسب زخما. ولا تعارض واشنطن حركات المقاطعة، لا سيما تلك التي تستهدف الاحتلال أو المستوطنات - مثل إرشادات الاحتلال الجديدة في الاتحاد الأوروبي، ولكن ليست مقاطعة إسرائيل ذاتها.
في إيجاز، طالما اعتبرت «المقاومة» مرادفا لـ«الإرهاب»، سنظل أمام المواقف الأميركية التي يحددها عالم ما بعد 11 سبتمبر ، وهكذا تصبح هذه المقاومة مرفوضة من دون تفكير.
ولكن في الثقافة العربية السياسية، لا تزال هناك مساحة خالية يملؤها «محور المقاومة» على نحو زائف: ليس سعيا إلى الهيمنة الإيرانية أو الإرهاب، بل حملة نشيطة لمكافحة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة منذ عام 1967. وهنا تظهر فرصة حقيقية لمن يستطيع الاستفادة من حشد التأييد الشعبي الذي يتجنب الإرهاب، ولكنه يواجه الاحتلال بمقاومة فعلية قوية غير عنيفة وسلمية حقا.
* عضو مجموعة العمل الاميركية حول فلسطين



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.