وزير الإعلام اللبناني يسعى لإلغاء الوزارة ووضع قانون يحدث تحولاً كبيرًا

ملحم رياشي لـ «الشرق الأوسط» : أريد إيصال البلد إلى العصرنة دون أن يفقد رسالته

وزير الإعلام اللبناني ملحم رياشي  -  وزارة الإعلام تعمل على حل مشكلات الإعلام وفي مقدمتها إفلاس المطبوعات الورقية
وزير الإعلام اللبناني ملحم رياشي - وزارة الإعلام تعمل على حل مشكلات الإعلام وفي مقدمتها إفلاس المطبوعات الورقية
TT

وزير الإعلام اللبناني يسعى لإلغاء الوزارة ووضع قانون يحدث تحولاً كبيرًا

وزير الإعلام اللبناني ملحم رياشي  -  وزارة الإعلام تعمل على حل مشكلات الإعلام وفي مقدمتها إفلاس المطبوعات الورقية
وزير الإعلام اللبناني ملحم رياشي - وزارة الإعلام تعمل على حل مشكلات الإعلام وفي مقدمتها إفلاس المطبوعات الورقية

ينكب وزير الإعلام اللبناني، ملحم رياشي، على وضع خطة شاملة لتحديث الإعلام اللبناني، خصوصًا أن التحديات كثيرة. وذلك بعد أزمة الصحافة الورقية، ومشكلات البرامج التلفزيونية، وشكوى الصحافيين بسبب حقوقهم المهدورة. ولعلّ الإيقاع السريع لعمله الذي يتبعه منذ توليه مهامه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، يأتي بسبب ضيق الوقت الذي يحيط بولايته الحالية. فقد تواصل مع أهل الإعلام من أصحاب مؤسسات ومحررين بصورة مباشرة، محاولاً تقريب وجهات النظر فيما بينهم، ووضع حدّ لبعض الشوائب التي باتت نافرة على الساحة الإعلامية. وعقد اجتماعات متتالية مع جهات أساسية في المشهد الإعلامي نتج عنها اقتراحات حلول يجري العمل على تطويرها. كما توجّه الوزير إلى الإعلاميين قائلاً لهم: «أعتبر نفسي واحدًا منكم، ويهمّني أن تعتبروا وزارة الإعلام هي وزارة الإعلاميين وأصحاب وسائل الإعلام على اختلافها، رسمية كانت أم خاصة».
أما القرار الذي اتخذه منذ تعيينه وزيرًا للإعلام، ويعمل على تحقيقه، فهو إلغاء وزارة الإعلام، واستبدالها بـ«وزارة التواصل والحوار»، محاولاً بذلك إدخال لبنان القرن الـ21، حسب رأيه. فهو يملك رؤية إعلامية شبابية، ويتميّز بأداء يحمل رؤية مستقبلية، على أمل أن يكمل البناء أي وزير يمكن أن يخلفه بعد نحو ستة أشهر؛ موعد الانتخابات النيابية الجديدة في لبنان كما هو متوقّع... «لا يهمني أن أعود وزيرًا مرة جديدة، كل ما يشغلني اليوم هو وضع حجر الأساس، على أن يكمله من يخلفني، الذي لن يكون وزير إعلام، بل وزير تواصل»، هذا ما قاله الوزير رياشي في سياق حديثه لـ«الشرق الأوسط».
في البداية، تحدث الوزير ملحم رياشي الذي يمارس مهنة تعليم مادة «الجيوستراتيجيا التواصلي»، في جامعة الروح القدس (الكسليك)، عن اللقاء الذي جمعه بنظيره السعودي عادل الطريفي، في الرياض، مشيرًا إلى أنه كان لقاءً مثمرًا تمّ على أثره التوافق على إرسال خبراء سعوديين لدراسة حاجات الإعلام اللبناني.
وبعدها تطرق إلى الأسباب التي دفعته إلى اقتراح إلغاء وزارة الإعلام، واستبدالها بالتواصل والحوار، فقال: «برأي إن أكبر ضرر على الإعلام هو وزارته، فعمليًا صار كل مواطن لديه جهاز هاتف جوال بإمكانه أن يمارس مهمة الوزارة الحالية القائمة على تبليغ المواطن آراء الدولة ونظريّاتها العادية. فمن خلال هذه الآلة، بإمكانه أن يزوّد هو أيضًا الدولة ومجلس الأمن فيها بالمعلومات اللازمة».
ويضيف الوزير رياشي موضحًا: «من حيث المبدأ، لم تعد هناك حاجة لكلمة إعلام (information) لأنها استبدلت بها كلمة تواصل، بعد أن أصبحت وسائل الأخيرة هي السائدة، وحولت المواطن من متلقي فقط إلى متلقي ومرسل في الوقت نفسه. لذلك أنا مع تحويلها إلى (وزارة التواصل والحوار)، لا سيما أن لبنان يحمل هذه الرسالة في كيانه، فيصبح بذلك نموذجًا لها في المنطقة دون أن ننسى أنه بلد التسويات والحوارات وإنتاج الانتصارات من خلال لقاءات بين مختلف الأطراف».
وتساءل الوزير اللبناني عن سبب عدم اختيار لبنان لعقد مؤتمرات سلام كتلك التي جرت بين الأطراف السوريين أو اليمنيين، إضافة إلى أخرى طبعها التحاور وحصلت في سويسرا: «لماذا عليهم أن يذهبوا إلى جنيف مثلاً بدل أن يأتوا إلى بيروت؟ عندما توجد وزارة التواصل والحوار، بالتجهيزات اللوجيستية اللازمة والبنى التحتية المطلوبة، نستطيع أن نقول لهم «أهلاً وسهلاً بكم في لبنان»، مضيفًا: «هذه هي المهمة الاستراتيجية التي أطمح إلى تطبيقها على الأرض، وسأضع على الأقل المدماك الأساسي لها، وأرفع مشروع قانون إلى مجلس الوزراء في هذا الصدد».
وفي سياق حديثه مع «الشرق الأوسط»، رد الوزير اللبناني عمن سيشكل المرجعية الأساسية لوسائل الإعلام في غياب وزارتها برأيه، فأجاب: «هناك قانون إعلام سيشهد تطورًا كبيرًا، كما أنني مع إعطاء مجلس الإعلام الوطني صلاحيات. فهو كمثله في أي دول حضارية أخرى يناط به صلاحيات عدة. كما أنني منكب على تطوير قانون نقابة المحررين، وإنجازه في أقرب وقت ممكن. وممنوع بعد اليوم ألا يعامل المحرر باحترام، أو أن يعمل في غياب حق التعاقدات، فيقال له في ظل كثافة أعداد الإعلاميين هذا هو أجرك، وإذا لم يعجبك الأمر، نتعاون مع غيرك».
وعن الاستفسار حول إمكانية أن تصبح النقابة مشابهة لنقابات لبنانية أخرى، كنقابة الأطباء مثلاً، قال: «تمامًا، على أن تضم جميع المحررين دون استثناء، ولأي وسيلة إعلامية انتموا، ليسمونها كما يشاءون؛ نقابة الإعلاميين أو المحررين، فهذا مدار بحث يجري بيننا وبين النقابة اليوم، وسنتقدم بمشروع قانون، والمطلوب من المحرر في حال بدل عمله، وانتقل مثلاً من الإعلام المكتوب إلى المرئي أو الإلكتروني وغيره، أن يبلغ نقابته بذلك لتكون على علم في أي خانة وسيلة إعلامية يسجل لديها».
وبحسب رأيه، فإنه من المفترض أن يستمر المحرر في الكتابة، رغم تقدمه في السن، مضيفًا: «يجب أن يمارس الكتابة من باب خبرته وتمرّسه، فإن قلمه يصبح جوادًا أكثر مع الوقت، مما يدفعنا إلى الاستفادة منه بدل أن نتركه تائهًا». وعما إذا كان ذلك سيؤدي إلى تفعيل مهمة النقابة لتكون البديل عن المرجعية الرسمية للإعلامي، أجاب: «النقابة ستتمتع بسلطتين أساسيتين: تفعيل التعاقد والتعاضد والتقاعد، وكذلك تفعيل الحصانة التي يجب أن يتمتع بها المحرر، بحيث لا يتم التعاطي معه بتاتًا دون العودة إلى نقابته».
وإلى جانب هذه الخصوصيات، يعمل الوزير رياشي دائمًا، بالتعاون مع نقابة المحررين، على إصدار طابع بريدي (طابع المحرر) يتم فرضه على جميع المعاملات الرسمية في الدولة، ويعود سعره (ألف ليرة) إلى صندوق النقابة، مما يساهم في تمويل صندوق التعاضد الصحي فيها كي يبقى محميًا حتى آخر لحظة من عمره.
وعن المجلس الوطني للإعلام، قال: «يرأس المجلس الوطني الحالي عبد الهادي محفوظ، وهو شخص متمرس صاحب خبرة كبيرة في مجاله، وسيتم انتخاب مجلس جديد يضم عناصر جديدة لتواكب عمل المجلس على أفضل صورة».
وأشار رياشي إلى أن المهلة التي أعطاها للمعنيين من أجل تزويده بالتعديلات التي يرونها ضرورية (72 ساعة) في موضوع قانون الإعلام الجديد، فرضها عليه الوقت الضيق، لا سيما أن هذا القانون موجود في أدراج الدولة منذ 6 سنوات، مؤكدًا أن أي تعديلات جديدة بعد سنّه ممكنة، شرط التصويت عليها.
وتحدّث عن نقابة الصحافة مشيرًا إلى أنها صارت جاهزة لتضم جميع وسائل الإعلام على اختلافها، لتتحول إلى «نقابة أصحاب وسائل الإعلام» بدل نقابة الصحافة فقط، مضيفًا: «نحاول إدخال إيقاع جديد على النقابات، بالتعاون الدائم معها، دون اللجوء إلى إلغاء أي من عناصرها الأساسية، وذلك من باب عصرنتها. فقط هي وزارة الإعلام التي سيتم إلغاؤها».
وإن كان سيستطيع بهذه الخطوات أن يحلّ مشكلات لبنان الإعلامية، وفي مقدمتها إفلاس المطبوعات الورقية، وإقفال أبوابها، قال: «هذا أمر آخر، ونحن نعمل عليه حاليًا، بحيث ستساهم الدولة اللبنانية في الانتقال الطبيعي لتلك المؤسسات، من الورق إلى الإلكتروني، عبر مهل متوسطة الأمد، على أن يبقى من يرغب على حاله في مهلة سنتين من إقرار المشروع الذي سنقدمه إلى مجلس الوزراء، وإذا لم يتم حسمه، فسأقوم أنا بهذه المهمة».
وحول ما إن كانت تنحصر المشكلة بالتمويل، قال: «لا، هناك أيضًا إعفاءات ضريبية وجمركية نعمل عليها، كأن نعفي أصحاب المؤسسات من رسوم الضمان الاجتماعي، فتضاف كلفتها بشكل مباشر إلى أجر المحرر. كما سنجد طريقة لتسدد الدولة هذه الفروقات عن الإعلامي، فنكون بذلك قد خففنا الأعباء عن المؤسسة والصحافي معًا، دون أن يلحق الغبن بأحد. وحتى الإعفاءات من الرسوم الجمركية الخاصة بالكاميرات التلفزيونية ستكون واردة».
وأضاف مستطردًا عن المضمون الإعلامي أنه «من مسؤولية الإعلاميين وأساتذة كليات الإعلام الذين سأعقد معهم اجتماعًا في الأيام القليلة المقبلة. مع الأسف، هناك مشكلتان أساسيتان مطلوب منّا إيجاد حلول لهما، وهما غياب الأخلاق والثقافة الإعلامية. كثيرون يدخلون هذا المجال دون التمتّع بأي خلفيّة عن هاتين القيمتين الاجتماعيتين، وعلينا أن نتدارك الوضع بشكل عملي. ومن هنا، سأتوجه بنصيحة للإعلاميين طالبًا منهم أن يحافظوا على عمودين أساسيين في عالم الإعلام والتمسك بهما إلى أبعد حد، ألا وهما: الحرية وآداب المهنة».
وفي الختام، عبر الوزير رياشي عن الرؤية العامة التي يرغب في تطبيقها على الإعلام اللبناني، فقال: «أريد أن أوصل لبنان 2017 إلى العصرنة السائدة في مختلف الدول المتحضرة، على ألا يخسر في المقابل رسالته الأساسية في تعميق جذور فلسفة هذا الكيان، وكما قال الراحل كمال جنبلاط: إننا نستورد قيم كثيرة من الغرب لا نملكها، وعلينا في المقابل أن نورد لهم ما لم نتخلى عنه لصالح حضارات الآخرين».
مجموعة قوانين مختلفة يستعدّ وزير الإعلام اللبناني لتقديمها، وبينها قانون الآداب الإعلامية واستحداث مجلس تأديبي في نقابة المحررين، إضافة إلى تعديل قانون نقابتي الصحافة والمحررين، وقانون الإعفاء من الضرائب والرسوم الجمركية، وآخر يتعلّق بدعم الصحافة الورقية وغيرها.



لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
TT

لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)

في حين تتصدر بعض الحروب والنزاعات اهتمامات وسائل الإعلام الدولية، فإن حروباً أخرى قد تكون أكثر مأساوية، تتوارى ولا تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية. وهذا ما أرجعه خبراء لأسباب عدة من بينها هيمنة الغرب على الإعلام، وقلة اهتمامه بالصراعات في الدول الفقيرة، إضافةً إلى مستوى تعقيد نزاعٍ ما وطول أمده.

في تقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، أخيراً، ذكر أنه بخلاف نزاعَي أوكرانيا والشرق الأوسط، «من غير المرجح أن تحظى حروب أخرى باهتمام الإعلام الدولي». ولفت التقرير إلى أنه «بدءاً من عام 2025، كان هناك 59 نزاعاً نشطاً بين دول حول العالم، وهو أعلى عدد منذ الحرب العالمية الثانية وفقاً لمعهد الاقتصاد والسلام».

أيضاً تضمّن تقرير «معهد رويترز» مقابلات مع ثلاثة صحافيين من بوركينا فاسو وأوغندا وإثيوبيا سبق لهم تغطية نزاعات وحروب، أعربوا كلهم عن إحباطهم من ضعف التغطية لقصص لها تأثير إنساني عميق.

ثم أشار التقرير إلى أن «الأزمات في الدول الفقيرة، خصوصاً في أفريقيا، تحظى باهتمام أقل من غيرها... وأنه خلال عام 2024 رصد المجلس النرويجي للنازحين تغطية إعلامية ضئيلة لأكثر أزمات النزوح، ثمانٍ منها كانت في أفريقيا، حيث تصدّرت الكاميرون وإثيوبيا وموزمبيق القائمة».

الأهمية الجيوسياسية

وأضاف أن «التغطية الإعلامية للنزاعات تعكس رؤية ضيقة تشكلها الأهمية الجيوسياسية أكثر من الإلحاح الإنساني». ثم لاحظ أن نتائج دراسة لـ«المرصد الأوروبي للصحافة» بيّنت إن «نحو 10 في المائة فقط من وقت البث في نشرات الأخبار العامة في ألمانيا وسويسرا والنمسا يُخصص لدول الجنوب العالمي».

محمد عبد الحميد عبد الرحمن، الصحافي السوداني ورئيس تحرير القسم العربي في إذاعة هولندا العالمية ومدير وكالة السودان للأبناء سابقاً، رأى أن «هناك علاقة معقدة بين الإعلام والسياسة والرأي العام». وأوضح في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن «الإعلام في أثناء الحرب لا يغطي ولا يعكس الواقع كما هو، بل يعكس ما يُعد مهماً أو قابلاً للتسويق أو يخدم سرديات معينة، لذلك تختلف التغطية من حرب إلى أخرى». ثم أردف: «المصالح الجيوسياسية، خصوصاً للدول الكبرى وحلفائها، وتحديداً أميركا ودول غرب أوروبا، هي التي تحدد مدى وكيفية تغطية الحروب ومبرّراتها وفظائعها ومترتباتها الإنسانية الفادحة».

ومن ثم، أضاف عبد الرحمن، الذي عمل خلال مسيرته المهنية مراسلاً حربياً في السودان والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا: «الاهتمام الإعلامي الدولي بالحروب يتناسب طردياً مع مدى تأثيرها على مصالح القوى الدولية والإقليمية واستراتيجياتها إلى حد ما»، لافتاً إلى تراجع الاهتمام بالوضع في السودان مع اندلاع حرب غزة، وتراجع الاهتمام بغزة في ظل استحواذ أوكرانيا على الاهتمام.

بعدها تطرّق الصحافي السوداني إلى «عوامل أخرى تؤثر في تغطية الحروب؛ من بينها البُعد الجغرافي لموقع الحرب عن مواقع مؤسسات الإعلام الدولية الكبرى، حيث غالباً ما تهم النزاعات التي يصعب الوصول إليها». وفي مقارنة بين حرب أوكرانيا والنزاع الممتد منذ عقود في الكونغو الديمقراطية، قال عبد الرحمن إن «وسائل الإعلام تتجنّب الخوض في النزاعات المعقّدة التي تتطلّب معرفة معقولة بخلفياتها، وتميل إلى التركيز على النزاعات التي يمكن تبسيطها إلى نزاع بين قوى شريرة وأخرى خيّرة ومظلومة».

الدمار في غزة (آ ف ب)

ملاحقة الجديد وهجر الحروب الطويلة

وأردف: «الصحافيون وأجهزة الإعلام عادةً ما يميلون إلى ملاحقة الجديد والابتعاد عن الحروب الطويلة، فكل كارثة تسرق الأضواء من سابقاتها، لكن رغم ذلك تلعب التغطية الإعلامية دوراً مهماً جداً، بل وحاسماً في بعض الأحيان، لتشكيل الرأي والضغط على أطراف النزاع والمجتمع الدولي للتخفيف من حدة النزاع أو تصعيده حسب المصالح المعرَّضة للخطر جرّاء استمرار الحرب».

من ناحية أخرى، وفق محمد عبد الحميد عبد الرحمن، «التغطية المتحيزة أو المتأثرة بالمصالح قد تعمل في بعض الأحيان على إطالة أمد الحرب؛ ذلك إلى أن استمرار تغطية نزاعٍ ما لفترة طويلة لا يعني بالضرورة استمرار اهتمام الرأي العام به، بسبب ما يمكن أن نسميه إرهاق التغطية والمتابعة والتعاطف».

وتابع: «لا تؤدي التغطية المكثفة بالضرورة إلى إنهاء النزاعات والميل إلى إنهائها كما نلاحظ بوضوح في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي... لأن المواقف الدولية تحكمها المصالح والتحالفات ولا تخضع في معظم الأحيان للضغط الإعلامي».

على صعيد متصل، وفق تقرير «معهد رويترز»، فإن «النزاعات بين الدول المستقلة تحظى بتغطية أكبر من النزاعات الداخلية؛ نظراً إلى تأثيرها الأوسع على السياسة العالمية والاستقرار الاقتصادي. أما النزاعات في المناطق الأقل تأثيراً اقتصادياً، فمن المرجح تجاهلها بغضّ النظر عن شدّتها أو آثارها الإنسانية... يلعب القرب الثقافي دوراً في تحديد الخبر المهم، وغالباً ما تحظى النزاعات التي يشعر الجمهور الغربي بأنها أقرب إليه بتغطية كبرى».

هنا أرجع يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، غياب بعض الحروب عن العناوين الرئيسية، جزئياً، إلى «هيمنة الغرب على وسائل الإعلام والاتصال». وقال لـ«الشرق الأوسط» خلال حوار معه، إن «تجانس المحتوى الإعلامي يزيد من تفاقم أوجه عدم المساواة أو الاختلال في التوزيع العالمي للمحتوى الإعلامي».

وقارن بين حجم التغطية الإعلامية للحروب الجارية في أوكرانيا وإيران، وحجم التغطية للحروب المستعصية المستمرة منذ عقود في الصومال والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فنبّه إلى أن «توزيع وسائل الإعلام يفترض ضمناً هيمنة السياسة والاتصال ورأس المال».

لجنة ماكبرايد

كذلك تطرّق إكو إلى إنشاء «اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال» عام 1977 برئاسة الآيرلندي شون ماكبرايد (حامل جائزة نوبل للسلام)، ومشاركة ممثلين من 15 دولة أخرى. وقال إن اللجنة أعدَّت فيما بعد تقريراً بعنوان «أصوات متعددة... عالم واحد»، عُرف بـ«تقرير ماكبرايد»، شدد على «وجود اختلال فادح بين الشمال والجنوب، لا تزال أصداؤه تتردد إلى اليوم».

وللعلم، كان إكو قد أجرى عام 1991 دراسة حول تغطية الصحف النيجيرية للأزمات الإقليمية والدولية، كدراسة حالة عن ليبيريا وحرب الخليج. وذكر أن «الدراسة أظهرت أن وسائل الإعلام الغربية آنذاك، لا سيما (سي إن إن) الأميركية و(بي بي سي) البريطانية كانتا تقودان السرديات المتعلقة بالحروب... وهذا الوضع لم يتغير، إذ ما زال الإعلام الغربي يهيمن على سرديات الحروب حتى الآن».

أما بالنسبة إلى «حرب غزة»، فقد أورد تقرير «معهد رويترز» أنه «رغم التغطية الكبيرة للحرب في غزة، فإن بعض الضحايا يحظون باهتمام إعلامي أكبر من غيرهم. حيث كانت التغطية الإعلامية لكل قتيل إسرائيلي أعلى بـ33 مرة من نظيرتها للقتيل الفلسطيني في محتوى (بي بي سي) خلال سنة».

وهنا علّق خالد القضاة، عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، في لقاء مع «الشرق الأوسط» فقال إن «الواقع يؤكد أن موضوع الحياد الإعلامي غير موجود، فبعض المؤسسات الإعلامية هي انعكاسات لسياسات دولية وتنسجم مع مواقفها فيما يتعلق بالحروب والنزاعات».

وأوضح أن «تغطية النزاعات والحروب تختلف بين المتابعة داخل دولة النزاع نفسها والتي تتعرض لانحيازات حسب مواقف الدولة وأطراف الصراع، والتغطية في المؤسسات الدولية التي تنحاز أيضاً إلى مواقف دولها واهتمامات شعوبها». وشدد من ثم على «ضرورة التنوع في مؤسسات الإعلام من أجل تقليل درجة الانحياز في تغطية النزاعات وضبط المصطلحات والمواقف وزيادة الاهتمام بالنزاعات المهملة».


ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
TT

ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)

على الرغم من تراجع منصة «إكس» عن دعم الأخبار المعززة بروابط خارجية، فإن تعديلات خوارزمية أخيرة أجرتها المنصة «قد تعيد المحتوى الإخباري إلى واجهة الاهتمامات بشرط تغيير عقيدة النشر التقليدية».

هذا التحول لم يعد مجرّد تكهّن تقني؛ بل أثبتته الأرقام في دراسة حديثة أجراها مختبر «نيمن لاب» للصحافة التابع لجامعة هارفارد الأميركية، وأشارت إلى «عقوبات خوارزمية» غير مُعلنة تواجهها الروابط الخارجية، مقابل مكافآت لمنتجي المحتوى داخل المنصة.

الدراسة، التي نشرت نتائجها في أبريل (نيسان) الحالي، أوضحت أن «الناشرين الذين يعتمدون على نشر عنوان الخبر مرفقاً برابط يُخرج المستخدم من التطبيق لصالح بقائه على المنصة الإخبارية مالكة الخبر، باتوا يعانون من تراجع حاد في معدلات الوصول».

بينما رصدت الدراسة عدة عوامل أخرى قد تدفع بالأخبار إلى الواجهة. مثلاً، وجدت أن التغريدات التي تبدأ بعبارة «خبر عاجل» حققت تفاعلاً يزيد بمقدار 4 أضعاف بشرط أن يكون المحتوى مكتوباً بأسلوب «أصلي» يغني القارئ عن الخروج من المنصة.

أيضاً، حذّرت الدراسة من أن الخوارزمية أصبحت تتعامل بصرامة مع مقاطع الفيديو «المعاد تدويرها» من منصات أخرى؛ إذ يُخفض الوصول للفيديوهات التي تحمل علامات مائية لمنصة أخرى مثل «تيك توك» بنسبة تصل إلى 90 في المائة.

مستشار الإعلام الرقمي، رامي الطراونة، قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً إن «إكس» تسعى - حالها كحال جميع المنصات – إلى تعزيز وقت مكوث المستخدمين عليها لأطول مدة ممكنة. وأوضح أن الهدف هو بقاء المستخدم، غير أن «المنصة معنية كذلك بالحفاظ على طابع وصبغة محتواها الإخباري الملخص والمركز، مستغلة ميل المتابعين إلى تجربة مبسطة تتضمّن أقل عدد ممكن من التنقل والنقرات مع أكبر زخم من المعلومات (المعلبة) في المكان نفسه». وتابع: «لذلك فإن المنشورات التي تكتفي برابط وعنوان دون تفاصيل لم تَعُد تحظى بمكانتها السابقة، بينما باتت الأفضلية أوضح للمحتوى الذي يقدم الخبر نفسه داخل المنشور».

حسب الطراونة فإن «إكس» لا تعادي الأخبار؛ لكنها لم تعد تكافئ «الكسل التحريري»، على حد قوله. قبل أن يضيف: «لقد صار الوصول يُبنى على جودة الصياغة داخل (إكس) لا على مجرد رابط وانتظار جهد من المتابعين». ودلل على ذلك بأن محتوى «إكس» من المنشورات النصية والفيديو يمثل مصدر تغذية أساسي لـ«غروك» (نموذج ذكاء اصطناعي توليدي خاص طورته المنصة أخيراً)، الذي تستثمر فيه «إكس» بشكل كبير، وهو ما يضيف بعداً وقيمة إضافية لأهمية نشر المحتوى الكامل على المنصة من وجهة نظر ملاكها».

أيضاً وفق الطراونة فإن «الممارسة الأنسب حالياً لمواكبة تغيرات المنصة وخوارزميتها، هي ببساطة أن يبدأ المنشور بخلاصة خبرية قوية ومباشرة، تتضمن أهم معلومة أو تطور أو رقم، ثم يستكمل السياق عبر شرح أو محتوى مرئي سريع». وأردف: «كلما كان المحتوى أصلياً ومباشراً وسهل الالتقاط في لحظة الحدث، زادت فرص ظهوره ضمن التدفقات والملخصات الفورية». أما عن فرص الربح أمام الناشرين داخل المنصة، فقال: «رغم تقلبات (إكس) ما تزال أدوات الربح فيه تمثل فرصة مفيدة، إذا استُخدمت كرافعة تمويل لا كموجه تحريري... ويمكن للمؤسسات الإخبارية الاستفادة من الاشتراكات، ومشاركة الإيرادات، وتحقيق الدخل من الفيديو، ثم إعادة توظيف جزء من هذه العوائد لدعم انتشار المحتوى الجاد والعام ذي القيمة».

من جهة ثانية، في نقاش مطلع الشهر الحالي، جمع رئيس قسم المنتجات في «إكس»، نيكيتا بير، وصحافيين في الـ«نيويورك تايمز»، عبر المنصة، اتهمت الصحيفة المنصة بأنها «تحد من التفاعل على الأخبار»، لكن بير نفى، وأرجع التراجع إلى أسلوب الصحيفة. إذ قال إنها «لم تغير أسلوب صياغة عناوينها منذ 20 سنة، ووصف ذلك بـ«الأسلوب القديم» الذي لا يتناسب مع الخوارزمية، وأن المشكلة في «طريقة النشر» التي لا تشجع المستخدم على التفاعل.

من جانبه، اعتبر أحمد البرماوي، رئيس تحرير منصة «فولو آي سي تي» للاقتصاد الرقمي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «لا تزال فرص انتشار المحتوى الإخباري على منصة (إكس) قائمة، لكنها شهدت تحولاً واضحاً في آليات الوصول للجمهور». ثم أوضح أنه لم يعد أمام المؤسسات الإخبارية «خيار أحادي بين جذب الزيارات إلى مواقعها أو الاكتفاء بالنشر داخل المنصة»، بل أصبح الاتجاه نحو «نموذج هجين هو الأكثر واقعية وفاعلية».

وأضاف أن «الاعتماد الكامل على الروابط لم يعد يحقق النتائج المرجوة، في ظل القيود التي تفرضها الخوارزميات، بينما يحمل الاعتماد الكامل على النشر داخل المنصة مخاطر تتعلق بالتحكم في الوصول». وتابع: «لذا تميل المؤسسات الناجحة إلى المزج بين تقديم محتوى متكامل وجذاب داخل (إكس) مع استخدام الروابط بشكل انتقائي وذكي، وهذا التحول يعكس حقيقة أن (إكس) لم تعد مجرد وسيلة لتوزيع المحتوى؛ بل منصة نشر قائمة بذاتها تتطلب استراتيجيات تحريرية مخصصة».

أخيراً، على صعيد تحقيق الإيرادات، يرى البرماوي أنه «يمكن للناشرين الاستفادة عبر مسارين: الأول مباشر من خلال برامج تحقيق الدخل المرتبطة بنسبة التفاعل والمشاهدات. والثاني غير مباشر عبر بناء جمهور قوي يمكن توظيفه لاحقاً في الشراكات الإعلانية أو توجيهه إلى منصات أخرى».


جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
TT

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة، وبين ما يُكشَف للرأي العام وما يُحجَب عنه باسم «سرية التحقيقات». فكلما اشتعلت قضية في الفضاء العام، عاد السؤال ذاته ليفرض حضوره: أين تنتهي حرية النشر وتبدأ ضرورات الحماية القضائية؟

وانفتح الباب واسعاً أمام موجة جدل في مصر أعقبت قرار قضائي بـ«حظر النشر» في 3 قضايا أخيراً، وُصفت بأنها تمس «صورة المجتمع»، من بينها واقعة «انتحار سيدة في الإسكندرية»، وقضيتان تتعلقان بـ«اعتداءات جنسية على قُصّر من قبل أقارب»، في أحداث أعادت إلى الواجهة إشكاليات التناول الإعلامي للقضايا الحساسة، خصوصاً بعد تداول منصات إلكترونية مواد مكتوبة ومُصوَّرة عُدَّت صادمةً أو غير منضبطة مهنياً.

الإجراء السابق الذي اتخذته النيابة المصرية، الأسبوع الماضي، بـ«حظر النشر» عزته إلى «الحرص على حماية سير التحقيقات... ومنع تداول معلومات غير دقيقة أو غير مكتملة قد تؤثر في الرأي العام أو تمس خصوصية الضحايا وأسرهم».

غير أنَّ القرار، كما هي الحال في قرارات مماثلة خلال السنوات الأخيرة، لم يظل محصوراً في إطاره القانوني؛ بل تحوَّل إلى نقاش عام واسع امتد من غرف الأخبار إلى منصات التواصل. وبينما عدّ صحافيون في منصات رقمية إخبارية أن «حظر النشر» يضعهم أمام معضلة مهنية بين الالتزام القانوني من جهة، ومواكبة اهتمام الجمهور المتزايد من جهة أخرى، يرى برلمانيون وخبراء أنه يُعدُّ جزءاً من أدوات حماية التحقيقات في قضايا حساسة، وأنَّ «الهدف ليس حجب المعلومات عن المجتمع، وإنما ضبط توقيت نشرها».

نقيب الصحافيين المصريين، خالد البلشي، سارع إلى إعلان موقف قطعي «رافض لحظر النشر»، معتقداً أنه «لا يمكن أن يكون وسيلة للتعامل مع القضايا - مهما كانت تفاصيلها - في ظلِّ انتشار وسائل التواصل والتدفق الهائل والعابر للحدود للمعلومات». وإذ ذهب إلى اعتبار أن «المجتمعات تُحمَى بالحقائق لا بحجبها»، فإنَّه رأى أن «العلاج يكون دائماً بالنشر المهني الملتزم بالمعايير القانونية والمهنية».

وعلى مدار العقد الأخير شهدت مصر عدداً من قرارات «حظر النشر» في قضايا جنائية واجتماعية. ففي عام 2025 صدر قرار بـ«حظر النشر» في واقعة وفاة القاضي سمير بدر عبد السلام. وفي عام 2022 صدر قرار مماثل في قضية مقتل الإعلامية شيماء جمال على يد زوجها، كما طُبِّق «الحظر» في قضية مقتل الطالبة نيرة أشرف، وشمل الحظر أيضاً قضية «شقة الزمالك» الخاصة بحيازة آثار.

أما في سنوات سابقة، فقد امتد «حظر النشر» إلى قضايا ذات طابع أخلاقي وسياسي؛ ففي عام 2019 شمل قضية «الفيديوهات الفاضحة» المرتبطة بعدد من الفنانات ومخرج شهير. وفي عام 2015 فُرض الحظر في قضية مقتل ناشطة يسارية.

ويستند «حظر النشر» في مصر إلى مجموعة من النصوص التي تتيح لجهات التحقيق أو المحاكم «فرض السرية على بعض القضايا». ويجرِّم قانون العقوبات نشر تفاصيل التحقيقات في حال صدور قرار بالحظر، مع إمكانية توقيع عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة.

رئيس «اللجنة التشريعية» بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، محمد عيد محجوب، قدَّم رؤيةً داعمةً لاستخدام «حظر النشر» في حدود معينة، عادّاً أنه «ضرورة إجرائية» في مراحل التحقيق الأولى، و«ليس بدعة مصرية». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف الأساسي هو حماية مجريات الاستدلال، ومنع التأثير على الشهود، أو توجيه الرأي العام قبل اكتمال الصورة، محذِّراً من أنَّ تداول المعلومات غير المكتملة قد يؤدي إلى «حالة من اللبس والبلبلة بالمجتمع».

ويشار إلى أنه في بريطانيا يقيّد «قانون ازدراء المحكمة» الصادر عام 1981 النشر المؤثر على العدالة وفق مبدأ المسؤولية الصارمة، ويمنح المحاكم «سلطة تأجيل أو تقييد نشر تفاصيل القضايا لحماية سير المحاكمة، مع السماح بالتغطية العادلة والدقيقة».

ورغم سريان قرارات النيابة المصرية بـ«حظر النشر» في القضايا الثلاث التي شغلت الرأي العام أخيراً، فإنَّ النيابة قد باشرت، الثلاثاء الماضي، التحقيق في وقائع انتهاك لهذا «الحظر». ويقول متابعون إن «أغلبها وقع عبر حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي».

عضو «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر، عبد المحسن سلامة، قال إن «(حظر النشر) هو الاستثناء وليس القاعدة، ويأتي لضرورات معينة ولصالح كل الأطراف، وبهدف حماية المجتمع وخصوصيات الضحايا وذويهم وأسرهم». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «لجان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تتابع (بدقة) مدى التزام وسائل الإعلام المحلية، والأجنبية العاملة في مصر، بقرار النيابة بشأن (حظر النشر) في القضايا المنظورة أمام جهات التحقيق راهناً، وذلك من خلال لجنتَي (الرصد والشكاوى)».

ويوضِّح سلامة أن «أي خروقات يتم رصدها تُعرَض على المجلس لاتخاذ ما يراه مناسباً بحقِّ المؤسسات المخالفة»، ويشير إلى أن «نسبة هذه الخروقات، سواء في القرار الحالي أو في القرارات السابقة تبدو محدودةً وفي نطاق ضيق». وأكد أن «قرارات حظر النشر تهدف إلى الحيلولة دون تحويل تلك القضايا المنظورة أمام المحاكم إلى مادة للتكهنات والتحليلات التي قد تخالف المعايير والقيم المهنية الراسخة».

أستاذة الصحافة في جامعة القاهرة، الدكتورة ليلى عبد المجيد، ترى أن «حرية النشر تظل الأصل في العمل الإعلامي»، لكنها «حرية محكومة بضوابط مهنية وقانونية هدفها حماية الأفراد، وضمان عدم الإضرار بالمجتمع».

وتوضِّح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «بعض القضايا، خصوصاً ذات الطابع الإنساني الحاد أو المرتبط بالأمن، أو الجرائم الحساسة، تستدعي قدراً من التوازن في التغطية الإعلامية بما يمنع الانزلاق إلى الإثارة أو انتهاك الخصوصية». وتلفت إلى أنَّ الإفراط في التفاصيل أو تقديمها دون سياق مهني قد يؤدي إلى آثار اجتماعية سلبية، من بينها احتمالات التقليد لدى بعض الفئات الهشة، خصوصاً الشباب والمراهقين.

غير أنَّ نقيب الصحافيين المصريين، ومع تمسكه بموقفه الرافض لقرارات «حظر النشر» والذي أعاد تأكيده لـ«الشرق الأوسط»، دعا الصحافيين والإعلاميين إلى «مراعاة الدقة المهنية والمسؤولية المجتمعية». وجدَّد دعوته إلى ضرورة «إطلاق التزام مهني طوعي وجماعي داخل الوسط الصحافي لضبط الأداء، وتطوير مواثيق وأكواد التناول الإعلامي، إلى جانب التدريب والمساءلة المهنية النقابية»، مؤكداً أن «الصحافة المنضبطة قانونياً ومهنياً هي الضمان الحقيقي لحماية المجتمع وحقوق جميع الأطراف».

لكن د. ليلى عبد المجيد ترى أن «التحدي الأكبر خلال المرحلة الراهنة يتمثل في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي غيرت جذرياً طبيعة تداول المعلومات، إذ لم يعد النشر مقتصراً على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح متاحاً للجميع؛ ما أدى إلى انتشار محتوى غير موثق يختلط فيه الخبر بالرأي والتكهن».

وتشير إلى أن «هذا الواقع الجديد يفرض تحديات إضافية على (حظر النشر) إذ لم يعد من السهل ضبط تدفق المعلومات عبر جهة واحدة، ما يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية هذا الإجراء في العصر الرقمي».

ومن زاوية قانونية وحقوقية، يقدِّم المحامي والناشط المصري، طارق العوضي، مقاربةً وسطيةً، يتحدَّث فيها عن أن «(حظر النشر) يجب أن يُفهم بوصفه أداةً استثنائيةً لا قاعدة عامة». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «التوازن بين حرية الإعلام ومتطلبات العدالة التزام دستوري يتطلب استخدام هذا الإجراء بحذر شديد، بما يضمن عدم تحوله إلى وسيلة لحجب المعلومات عن الرأي العام بشكل دائم أو غير مُبرَّر».