الأزمة الليبية في عهدة «دول الجوار»

قراءة في المشهد الداخلي قبل لقاء السراج ـ حفتر المرتقب

الأزمة الليبية في عهدة «دول الجوار»
TT

الأزمة الليبية في عهدة «دول الجوار»

الأزمة الليبية في عهدة «دول الجوار»

تتجه الأنظار إلى لقاء مرتقب في العاصمة المصرية القاهرة بين رئيس المجلس الرئاسي الليبي فايز السراج المدعوم من الأمم المتحدة، وقائد الجيش المشير خليفة حفتر، الذي يسانده البرلمان. ويأتي هذا بعد أسابيع من محاولات قامت بها دول الجوار الليبي وأطراف دولية لوضع حد للأزمة الراهنة والمتطاولة في ليبيا، وخصوصا، لمواجهة أخطار الإرهاب العابر للحدود والهجرة غير الشرعية. وبعد نحو سنتين من احتكار الأمم المتحدة محاولات الحل، دخلت خلال الشهور الأخيرة «دول الجوار العربي» لليبيا - أي مصر وتونس والجزائر - على الخط، بقوة، بحضور المبعوث الدولي إلى ليبيا مارتن كوبلر. وتقول هذه الدول إنها لا تبحث عن بديل للاتفاق الذي جرى توقيعه في بلدة الصخيرات المغربية في نهاية عام 2015 بين عدة أطراف ليبية ونتج عنه المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق برئاسة السراج، لكنها تحاول تطبيق الاتفاق على أرض الواقع بعد الاستماع إلى أطراف الصراع وتعديل ما يمكن تعديله.
من المرجح أن يشارك في اللقاء المزمع في القاهرة رئيس المجلس الرئاسي الليبي، فايز السراج، وقائد الجيش، المشير خليفة حفتر، والمستشار عقيلة صالح. وللعلم، لن يكون هذا أول لقاء بين رئيس المجلس الرئاسي وقائد الجيش، إذ سبق لهما اللقاء المباشر في مطلع العام الماضي.
يشرف على إدارة الملف الليبي من القاهرة، الفريق محمود حجازي، رئيس أركان الجيش المصري. ويهدف اللقاء بين الأطراف الليبية الرئيسية إلى تقريب وجهات النظر وإيجاد حل سياسي، إلا أن قادة سياسيين وقبليين محسوبين على النظام السابق ينظرون بعين الريبة إلى المستقبل. ووفقا لما تعلنه الأطراف الليبية المحلية، فإن خيار الحوار لا مفر منه، وأنه أمر لا يمكن أن يرفضه أي طرف. ويتحدث مسؤولون في دول الجوار بالطريقة نفسها، وهو أمر محمود لدى الأمم المتحدة أيضا، لكن الإجراءات التي يتخذها المتصارعون على الأرض الليبية، أي الذين يمسكون بالسلاح وبالأموال، يبدو أنها تسير بالبلاد في طريق قد يأخذها بعيدا عن الحلول السياسية الطموحة.
وبشكل عام، يلاحظ وجود مرونة في مواقف عدة شخصيات مما يسمى «تيار الإسلام السياسي» محسوبة على المجلس الرئاسي، حيال الحوار مع حفتر، وبخاصة بعد تنصيب الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب من جانب، ووجود تقارب بين المشير الليبي وقيادات عسكرية من روسيا من جانب آخر، إلا أن ميليشيات جهوية ومذهبية تحاول مقاومة الواقع الجديد.
بالتزامن مع مثل هذه المتغيرات استضافت القاهرة اجتماعا لوزراء خارجية دول الجوار الليبي. وكان هذا ثاني اجتماع من نوعه يعقد في القاهرة. ويقول مصدر عسكري مقرب من حفتر إنه مستعد للمشاركة في أي لقاءات مع الطرف الآخر، بمن في ذلك السَّراج، ضمن الجهود الدبلوماسية التي ترعاها مصر. كما عبر السَّراج عن أنه ليس لديه مانع من الجلوس مع حفتر.
أما بالنسبة لاتفاق الصخيرات فإنه يضم بنودا توصف بـ«الملغمة» منها ما يخص الموقف من الجيش وتعيين رؤساء الأجهزة الأمنية. ولم يتمكن البرلمان من دمج الاتفاق في الإعلان الدستوري المعمول به في البلاد منذ عام 2011، وبالتالي ظل الاتفاق دون آلية لتنفيذه، رغم مباشرة السراج وحكومته المقترحة للعمل من طرابلس. ومن المقترح إدخال تعديلات جوهرية على الاتفاق، منها تقليص عدد نواب رئيس المجلس الرئاسي إلى نائبين فقط بدلا من ثمانية، والإبقاء على موقع القائد الأعلى للقوات المسلحة بيد رئيس البرلمان بدلا من منح هذا المنصب لرئيس المجلس الرئاسي كما ورد في اتفاق الصخيرات.

المخاوف الأمنية
وراهنًا تخشى كل من مصر وتونس والجزائر من تطاير نار المتطرفين في ليبيا عبر حدود كل دولة. ونفذ مَن يُعتقد أنهم متطرفون هجمات على مواقع أمنية في غرب مصر في منطقة قريبة من الحدود مع ليبيا. كما يوجد نشاط لمتطرفين تونسيين انطلاقا من ليبيا، وبخاصة من جانب تنظيمي أنصار الشريعة و«داعش». وتخشى الجزائر من استغلال المتطرفين الحدود الهشة مع الجانب الليبي للتغلغل داخل أراضيها. وتأتي هذه المخاوف بعد رصد الأجهزة الأمنية لجوء عدة آلاف من عناصر الجماعات المتشددة من كل من العراق وسوريا، إلى ليبيا.
ويعتقد عدد من قادة النظام السابق، سواء من العسكريين أو السياسيين، أن الحوار الجاري بين الأطراف الليبية، بما في ذلك حوار الصخيرات، حوار يقتصر حتى الآن على فريقي 17 فبراير (شباط)، والمقصود بذلك الحكام الجدد الذين تولوا السلطة بعد مقتل معمر القذافي، وأصدروا قرارات تقضي بإبعاد كل رموز النظام السابق عن تولي أي مسؤوليات في الدولة. وبغض النظر عن أي من المواقف المسبقة، يتفق الجميع على أنه لا يمكن الوصول إلى حل في ليبيا طالما ظلت الميليشيات في العاصمة تحتفظ بترسانة من الأسلحة الثقيلة، سواء كانت موالية للسراج أو للغويل.

قراءة قذّاف الدم
أحمد قذاف الدم، المسؤول السياسي لجبهة النضال الوطني الليبية، قال خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، بشأن تقييمه للحراك الظاهر بين دول جوار ليبيا بشأن حل الأزمة الليبية: «شيء جيد أن تتوافق دول الجوار الليبي، لتجد مخرجا للأزمة التي تتحول تدريجيًا إلى كارثة». إلا أنه يضيف موضحا أن «الإشكالية التي وقعوا فيها هي أنهم بنوا مقترحات على تصور خاطئ للمشهد الليبي... من مؤتمر الصخيرات الأعرج الذي لم يكن يمثل القوة الحية والواقعية في ليبيا... وقرار مجلس الأمن الذي أراد فرض حكومة لم يجزها البرلمان، ولم تستطع حتى هذه الساعة أن تضع أقدامها على ليبيا، وبقت حبيسة في القاعدة البحرية».
وتابع قذاف الدم قائلا إن «الملاحظة الأخرى... هي المطالبة برفع القيود على الأرصدة الليبية لتسلم إلى مافيات... فهؤلاء بددوا في هذه السنوات العجاف (منذ 2011) أكثر من 150 مليار دولار، ولم يقوموا ببناء طوبة واحدة في بلد يغرق في الظلام والجوع والخوف، بينما توقع عقود السلاح، ويجري جلب المرتزقة من كل مكان لقتل أبناء شعبنا».

تسابق دولي
وإلى جانب قلق دول الجوار من الوضع المأساوي في ليبيا، تتسابق قوى دولية، من بينها روسيا وأوروبا والولايات المتحدة، من أجل جني الثمار مستقبلا من هذه الدولة الغنية بالنفط، وبخاصة أن ليبيا مقبلة على إعادة إعمار ما خربته الحرب وشراء أسلحة بمليارات الدولارات، بعد رفع الحظر الدولي على استيراد السلاح. وستحتاج ليبيا إلى جيش موحد، كما يقول كوبلر، لكن الموضوع لا يبدو بهذه البساطة. فمنذ قصف حلف شمال الأطلسي «الناتو» قوات الجيش الليبي لمدة ثمانية أشهر عام 2011، تعرَّض هذا الجيش لخلل كبير، وهناك قسم منه اندمج مع الميليشيات الجهوية والمذهبية، وقسم آخر يعمل تحت قيادة حفتر وحكومة عبد الله الثني في الشرق، وقسم ثالث يرفض الانخراط مع أي من الفريقين باعتبارهما من مخرجات الانتفاضة التي أسقطت حكم القذافي. وتدين غالبية الميليشيات بمن فيها من عسكريين، بالولاء إلى متنافسين اثنين في العاصمة طرابلس هما «مجلس» السراج الذي يدير أعماله من قاعدة «بوستة» العسكرية على شاطئ طرابلس، و«حكومة» خليفة الغويل في العاصمة نفسها. ويوجد وزير مكلف بحقيبة وزارة الدفاع في «حكومة الوفاق» برئاسة السراج، هو مهدي البرغثي، لكن الجناح العسكري الذي يعتمد عليه يتكون في معظمه من ميليشيات منتشرة بين طرابلس ومصراتة والجفرة. ويقول مصدر عسكري إنه كلما اتخذ السراج خطوة في اتجاه المصالحة مع خصومه في الشرق، وعلى رأسهم حفتر، أبدت الميليشيات تحركا ضد سلطة وزير دفاع السراج، مشيرة إلى أن آخر تحرك من هذا النوع تزامنَ مع اعتزام رئيس المجلس الرئاسي مقابلة حفتر، وكان من جهة ميليشيا تعرف باسم «الصمود».
كذلك تتبع ميليشيات كثيرة، وزارة الدفاع ووزارة الداخلية التابعتين للسراج، لكنها تبعية إدارية في معظمها تتعلق فقط بصرف الرواتب وشراء الوقود والمعدات. وقبل يومين أصدرت ميليشيا «الصمود» أوامر بعدم صرف الوقود إلى الآليات شبه العسكرية في العاصمة إلا بعد الرجوع إليها، وقامت على هذا بمحاصرة مستودع خزانات النفط في طريق المطار الدولي، كما اتخذت هذه الميليشيا خطوة أخرى من شأنها أن تضعف قدرات المجلس الرئاسي في العاصمة قبل دخوله في مفاوضات مع حفتر. وهذه الخطوة تتعلق باقتراح منها، جرى تقديمه إلى الغويل رئيس «حكومة الإنقاذ» بضم عدة ميليشيات تحت قيادته.

بنادق للإيجار
الدكتور محمد الزبيدي، الرئيس السابق للجنة القانونية لمؤتمر القبائل الليبية قال لـ«الشرق الأوسط» إن مثل هذه الميليشيات «بنادق للإيجار، لا توالي السراج، ولا الغويل، بل توالي من يدفع أكثر»، مشيرا إلى أن اتفاق الصخيرات خوَّل للمجلس الرئاسي صرف الأموال، فأعلنت تلك الميليشيات أنها مع المجلس، وحين تبين أنه لم يستطع تسييل كثير من الأموال المطلوبة لها، وتسديد رواتبها، عادت لقواعدها حيث إن معظمها من الموالين للغويل وليس السراج. وفي حال تراجع مؤيدو السراج فإن مفاوضاته مع حفتر ربما تكون لصالح الأخير؛ فالمجلس الرئاسي لم يتمكن أيضا من سداد باقي رواتب ومكافآت «قوات البنيان المرصوص» التي كانت تقاتل «داعش» في سرت. وحسب الدكتور الزبيدي فإن «السراج وعد قوات البنيان المرصوص بالمن والسلوى في حال انتصارها على (داعش) سرت، لكن كثيرين من عناصر هذه القوات لم يحصلوا على شيء حتى الآن؛ ولذا ما زال كثير منها يحتل بيوتا في منطقة (الحي السكني رقم 300) في سرت، رافضين إخلاء تلك البيوت إلى أن يحصلوا على باقي مستحقاتهم». ثم أشار إلى أن «الميليشيات تبحث عمن يدفع أكثر... ولو وعدها الجيش بقيادة حفتر أو البرلمان برئاسة صالح، بأنه سيتكفل برواتبها، فأعتقد أنها لن تتردد في الانضمام إليه».
وبينما يقف جيش حفتر مع البرلمان الذي يضطر، منذ انتخابه في 2014 إلى عقد جلساته في مدينة طبرق، بشمال شرقي البلاد، يشترط الفريق العسكري الصامت - كما يطلق عليه - وضع آلية جديدة لا تعتمد على مخرجات «الثورة التي قامت ضد النظام السابق» للمشاركة في «الجيش الموحد»، من بينها إعادة النظر في شكل علم الدولة الذي يرمز لحقبة ما بعد القذافي. وهذه أمور يبدو أن الأطراف الدولية لا تريد الخوض فيها. ووفق مصادر عسكرية يحتاج حفتر إلى أنصار أقوياء في الغرب الليبي كي يتمكن من بسط سلطاته هناك. وإذا لم يتمكن من كسب ود السراج فإن اللقاء معه من شأنه أن يفتت التكتل الميليشياوي الموالي له.

منظور «دول الجوار»
ومن جانبه، يضيف قذاف الدم، قائلا إن دول الجوار «يجب أن تتحرك وفقًا لمنظور مختلف، وليس تابعا لدول لا تبحث عن حل بل تدير الصراع في ليبيا ولا تريد له حلاً... إذ إن عينها على ليبيا كمكب لنفاياتها، ولكي تؤمن ظهر أوروبا وتوقع معها عقود النفط والغاز والبناء والسلاح، وتطل من خلالها على دول جنوب الصحراء، وتوطن ملايين من أجناس أخرى، ما سيغيّر ديموغرافية الدولة الليبية ودينها... كل هذا يتعارض مع مصالح دول الجوار التي تحتاج غدًا للعمل في ليبيا».
وعما إذا كان يعتقد وجود تنافس مصري - تونسي - جزائري على الإمساك بملف الحل في ليبيا، يقول قذاف الدم: «التنافس يفرضه الوضع في ليبيا... فمصر تتعامل مع حكومة الشرق لتأمين حدودها، وتجد الجزائر بالمقابل تتعاطى مع حكومتي الغرب أيضًا لتأمين نفسها». ويضيف: «نحن ندعو كل إخواننا العرب لئلا يكرروا الأخطاء التي وقعت في 2011، ونحذّر من إقصاء أصحاب الوطن الذين لم يحملوا السلاح حتى الآن» - في إشارة إلى أنصار النظام السابق - محذرا مما سماه «التعاطي الأحادي لحل الأزمة من جانب بعض الدول، مع نظام نصبته صواريخ الغرب (يقصد طبقة من حكام ما بعد القذافي) وهذا أمر لا يصنع شرعية».
ومن جانبه، قال الدكتور الزبيدي إنه أمام هذا الواقع المعقد في ليبيا فإن «اللقاء بين حفتر والسراج لن يقدم أو يؤخر في شيء فيما يتعلق بالحالة الليبية؛ فالسيد السراج متمسك باتفاق الصخيرات والصلاحيات التي منحها له الاتفاق الذي سيصبح جزءا من الدستور الليبي، بما فيها صلاحيات تتعلق بالمؤسسة العسكرية وصرف الأموال وإعلان حالة الحرب والسلم، وهي صلاحيات واسعة لا مثيل لها في باقي دساتير النظم الرئاسية في العالم». وعن تفسيره للتطورات الأخيرة التي تؤشر لتقارب مزمع بين السراج وحفتر، أوضح الزبيدي أن «السراج يحاول كسب ود المؤسسة العسكرية بقيادة حفتر بحكم انتصاراتها التي حققتها مؤخرًا على الأرض، ووجودها على مشارف طرابلس، وهذا دافع أساسي للسراج لعقد صفقة مع المنتصرين، ويمثل شكلا من أشكال القفز من سفينة إلى أخرى؛ وعلى كل حال فإن اللقاء بين الرجلين قد يُعقد وقد لا يُعقد».
مع هذا، يتركز الرهان الآن على ما تستطيع كل دولة من «دول الجوار» تقديمه من تنازلات للخروج بالمشكلة الليبية إلى بر الأمان... فلدى مصر علاقات قوية مع المشير حفتر ورئيس البرلمان صالح، وتونس تحتفظ بعلاقات جيدة مع السراج وعدد من أعضاء مجلسه الرئاسي. ولدى الجزائر اتصالات معتبرة مع قيادات أخرى في العاصمة الليبية. وإضافة إلى وجود الأمم المتحدة، من خلال كوبلر، بصفته متابعا لمثل هذه التحركات، يحاول الاتحاد الأفريقي بذل مزيد من الجهود للوصول إلى توافق بين الليبيين، كما بدأ على هامش التحضير لاجتماعات اللجنة رفيعة المستوى لرؤساء دول الاتحاد الأفريقي ودول الجوار حول ليبيا، في الكونغو.
في هذه الأثناء، يرفض أحد قيادات مدينة مصراتة، ذات التسليح الميليشياوي القوي، وهو محسوب على اتفاق الصخيرات، إجراء السراج لقاء مع حفتر. وتلقى نبأ اعتزام عقد مفاوضات بينهما في القاهرة، بـ«الغضب»، وفقا لما أفاد به مسؤول في فرع جهاز الأمن القومي الليبي في مصراتة. وعلى هذا، انتقلت الخلافات إلى مقر المجلس الرئاسي في قاعدة بوستة. ووفقا للمسؤول نفسه، فقد قدم أحد الشخصيات المرموقة في المجلس تبريرات لضرورة إنجاز جلسة برعاية مصرية بين السراج وحفتر، وقال إن مقابلة حفتر والتحاور معه مباشرة حول طاولة واحدة لا يعني الموافقة على رأيه، «فلنجلس معه... لا بد أن نبرهن للمجتمع الدولي ولدول الجوار، على أننا لسنا متشبثين برأينا، ولسنا متعصبين لموقف بعينه، وأننا مع أي جهود تبذل لحل الأزمة».
وعلى الصعيد نفسه، تقول «جبهة النضال الوطني»، التي تضم غالبية أنصار النظام السابق وبعض القبائل الموالية له، إن الصراع في ليبيا «لم يعد على سلطة»، بل «المعركة الواجبة الآن هي إنقاذ الوطن». وطرحت «الجبهة» مبادرة على هذا الأساس «بعد دراسة معمقة للواقع الليبي»، قائلة إنه لا بد من «تجاوز محاولات الأمم المتحدة التي عزلت أكثر من نصف الشعب الليبي في كل حواراتها، حتى أصبح الجميع ينظر إليها باعتبارها تدير الصراع، ولا تريد حلا لهذا الصراع». ووفق «الجبهة»، فإنه لا بد من النظر إلى ليبيا، في الوقت الراهن، على أنها «وطن للجميع»، وأنه لا يوجد منتصر في الصراع المستمر منذ 2011، رغم تدخل «الناتو» في إسقاط النظام السابق، مشيرة إلى أن كل القوى الدولية التي تدخلت في ليبيا منذ ذلك الوقت بدأت تعترف في الفترة الأخيرة بأنها ارتكبت أخطاء بإسقاطها النظام، وهو أمر ترتب عليه تشريد ملايين الليبيين والزج بعشرات الآلاف من الرجال والنساء في السجون، ونهب الثروات، وتدمير البنية التحتية، وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا.
وتضمنت مبادرة «الجبهة»، التي اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، الدعوة لخروج السجناء وعودة المهجرين، وإجراء انتخابات حرة تحت رعاية الأمم المتحدة تشمل الجميع، إلى جانب تجميع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة (من الميليشيات) في معسكرات تابعة للجيش وتوثيق الأسلحة الخفيفة، مع تخصيص مبلغ 400 مليار دولار لإعادة البناء وتضميد الجراح وعودة الأمل.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».