دونالد ترمب... قصة نجاح فاجأت الجميع

طبّق نصيحة والده بدراسة الاقتصاد بدل السينما

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يؤدي اليمين الدستورية خلال حفل تنصيبه يوم الجمعة الماضي (غيتي)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يؤدي اليمين الدستورية خلال حفل تنصيبه يوم الجمعة الماضي (غيتي)
TT

دونالد ترمب... قصة نجاح فاجأت الجميع

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يؤدي اليمين الدستورية خلال حفل تنصيبه يوم الجمعة الماضي (غيتي)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يؤدي اليمين الدستورية خلال حفل تنصيبه يوم الجمعة الماضي (غيتي)

لم يكلف رجل الصفقات الناجحة دونالد جون ترمب أبدًا في مرحلة من مراحل عمره، عناء البحث عن وظيفة حكومية أو تحمل مشاق الوصول إليها. بل إنه لو تقدم لشغل وظيفة إدارية عادية في البيت الأبيض لما وجد في سجله ما يؤهله للحصول على الوظيفة العادية. لكن الرجل لم يكن شخصا عاديا، ولم يبحث عن وظيفة عادية، بل وضع نصب عينيه الموقع الأول في البلاد دون سواه، الذي يتصارع عليه عادة مخضرمو السياسة.
ومن المفارقات أن أول وظيفة عامة يشغلها رجل الأعمال الأميركي دونالد ترمب في حياته هي وظيفة رئيس الولايات المتحدة الأميركية. وعندما أجريت له مراسم التنصيب الرسمي في العشرين من يناير (كانون الثاني) الحالي، كانت هي المرة الأولى في تاريخه يؤدي فيها اليمين الدستورية، في حين أن مدعويه من كبار رجال الدولة قد أمضوا حياتهم في أداء قسم بعد آخر.
ولهذا، فقد جرى حفل تنصيب ترمب في جو تقاسمه الفرح والحزن، وخيم الوجوم على وجوه عشرة رجال وامرأة واحدة على الأقل، من المنافسين السابقين لترمب، ممن سعوا حثيثا للفوز بأهم وظيفة شاغرة في العالم عام 2016، وكان كل منهم يتمنى أنه مكان ترمب ليؤدي القسم الأخير في حياته، بدلا من أن يستمع للقسم الأول في حياة ترمب.
وبأدائه القسم، يكون ترمب قد نجح في تحقيق ما عجز عنه سياسيون كبار، من بينهم حكام ولايات محورية، وأعضاء بارزون في مجلس الشيوخ، ووزيرة خارجية سابقة. ولا غرابة في ذلك، فقد كان المنخرط في الأعمال الحرة يردد على مسامعه دومًا المقولة الرائجة في المجتمع الأميركي، «إن وظائف الحكومة للفاشلين فقط»، ولم يتعمد ترمب الأب أن يغرس هذه القناعة في تفكير الابن عبثًا، بل كان قد لمس من ابنه ميولاً نحو العمل العام مثلما كان يلمس منه حبه للظهور، وعشقه للشهرة. وكان الأب يخشى على ابنه من أن يسلك طريق الفقر، ويخسر فرصًا ذهبية أمامه كفيلة بصنع الثراء، والاستفادة من أصول عقارية مترامية الأطراف يملكها والده.
* أول صفقة رابحة
دونالد ترمب هو الابن الرابع من بين إخوته، ولد في 14 يونيو (حزيران) 1946 في حي كوينز بنيويورك، والتحق بإحدى مدارسه النموذجية وهي مدرسة «كيو فورست» التي عرف فيها بأنه تلميذ شقي. وعندما بلغ الثالثة عشرة من عمره، أرسله والداه إلى أكاديمية شبه عسكرية على أمل تحسين سلوكه. وبالفعل، حقق ترمب في الأكاديمية تفوقًا دراسيًا ورياضيًا، حيث أصبح نجمًا في لعبة الإسكواش وهو في السادسة عشرة من عمره. وكان الشاب النيويوركي المراهق يتمنى لنفسه أن يصبح ممثلاً أو إعلاميًا أو بطلاً رياضيًا مشهورا، وكان والده يخشى عليه من عشقه المخيف للشهرة وحب الظهور. وجاء استحقاق تقرير المصير عند إكمال دونالد ترمب سنين التعليم العام (الثانوية العامة)، حيث يبدأ مفترق الطرق.
وكما كان يخشى الأب، فقد علم من ابنه الشاب بأنه يعتزم دراسة السينما أو الفنون الجميلة أو الإعلام التلفزيوني، فوقع النبأ على الأب وقع الصاعقة، وقرر أن يعقد معه صفقة، كانت هي أول صفقة رابحة في حياة دونالد ترمب.
وطبقًا لما رواه ترمب في أكثر من مناسبة، فقد اقترب منه الأب محيطًا إياه بذراعيه ثم همس في أذنه قائلا: «أنصحك يا ولدي أن تدرس علم الاقتصاد والتجارة، لكي تؤسس نفسك بالمال وبعدها يمكنك شراء أي شيء ترغب به». وأضاف الأب مازحًا: «وإذا أصبح لديك مال كافٍ فتستطيع أن تشتري محطة تلفزيونية لنفسك، وتحقق الشهرة عن طريق محطتك الخاصة بدلاً من العمل لدى أي جهة أخرى حتى لو كانت هذه الجهة هي الحكومة الفيدرالية ذاتها». ومضى الأب يشرح لابنه أهمية المال وضخامة القوة والنفوذ الذي يصنعها المال لأصحابه. ولكن الأب كان يعتبر العمل السياسي، حتى لو كان في البيت الأبيض، مضيعة للوقت وخسارة لا مبرر لها. ولكي يحمي ابنه من المهن المتعبة، عرض عليه صفقة مغرية بمنحه رأسمال قيمته مليون دولار أميركي مؤجل التسليم إلى أن يحصل الابن على شهادة في الاقتصاد، ليبدأ بعد ذلك في استثمار رأس المال المقدم من الأب، والعمل على مضاعفته مستندًا إلى تأهيل أكاديمي مجدٍ. ولم يتردد الابن في قبول الصفقة وبدأ من تلك اللحظة في رحلة طويلة من الصفقات الناجحة باستثناء القليل جدًا منها.
وحسب ما يرويه ترمب في كتابه «فن الصفقات»، فإنه بعد أن أنهى المرحلة الثانوية في الأكاديمية العسكرية بنيويورك عام 1964، فكر بدراسة السينما التي كانت تستهويه، لكنه قرر في النهاية دراسة الاقتصاد تطبيقا لنصيحة والده لأنه عن طريق المال سيصبح قادرا على شراء السينما وغير السينما. ولهذا التحق أولا بجامعة فوردهام لمدة عامين قبل أن ينتقل إلى كلية وارتون التابعة لجامعة بنسلفانيا، وحصل على بكالوريوس في الاقتصاد تخصص تمويل.
وعلى نقيض ما يعتقد البعض بأن دونالد ترمب رجل عصامي بنى ثروته بنفسه، فهو لم يولد فقيرًا بل إن مؤسسته العقارية تعود في الأساس لوالده الثري الذي كان أحد كبار ملاك العقارات في مدينة نيويورك، وورث نجله عن أعماله. فوالده هو رجل الأعمال النيويوركي الشهير فريدريك كريست ترمب المولود في نيويورك في 11 أكتوبر (تشرين الأول) 1905، وتوفي في منتصف العام الأخير من القرن الماضي 1999. أما والدة ترمب، فهي ماري ماكلويد المولودة باسكتلندا في 10 مايو (أيار) 1912، وتوفيت بعد عام واحد تقريبا من وفاة والده.
وإذا كانت جذور الأم اسكتلندية، فإن جذور الأب تعود إلى ألمانيا التي جاء منها أجداد دونالد ترمب المهاجرين إلى الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر الميلادي، ولهذه الجذور البيضاء تأثير شديد على شعوره بالانتماء لعرق متميز، وعدم اكتراثه بأي جذور أخرى للآخرين.
تزوج والده من والدته عام 1936، وأنجبا خمسة أطفال؛ ثلاثة أولاد توفي أكبرهم وبنتان المعروفة منهما الشقيقة الكبرى ماري آن ترمب باري، وتبلغ من العمر حاليا 78، وكانت قاضية شهيرة في محكمة استئناف فدرالية.
بعد تخرج ترمب في عام 1968 انضم إلى شركة والده العقارية المعروفة باسم مؤسسة ترمب العقارية التي كان أكثر نجاحا لها هو بناء وتأجير المجمعات السكنية.
وركز دونالد في البداية على الطبقة المتوسطة أسوة بوالده بتأجير الشقق السكنية في بروكلين وكوينز، وعمل على تنشيط وتحديث مجمع سكني يدعى سويفن فيلج في مدينة سينسيناتي بولاية أوهايو فحول 1200 وحدة سكنية، من نسبة شغور 66 في المائة إلى نسبة امتلاء 100 في المائة في غضون سنة واحدة. وما لبث أن باع المبنى ذاته بـ12 مليون دولار، محققا ربحا من الصفقة يبلغ 6 ملايين دولار.
وفي عام 1971 انتقل ترمب إلى مانهاتن، حيث الفرص الاقتصادية والمشاريع الكبيرة وحول فندق كومودور المفلس إلى فندق غراند حياة الناجح، فعلمته التجربة أن النجاح يبدأ بالإفلاس، فاستمر في استغلال معاناة مدينة نيويورك من مصاعب تهدد بعض مقاطعاتها بالإفلاس فحصل على تنازلات وتخفيضات هائلة في ضرائب العقارات ساعدته على التوسع في مشاريعه، إلى أن امتلك في مانهاتن مئات الآلاف من الأمتار المربعة التي لم تعد تقدر بثمن حاليا.
ولاحقًا، بدأ ترمب بتأسيس منتجعات ترمب الترفيهية التي تدير الكثير من الكازينوهات، والفنادق وملاعب الغولف والمنشآت الأخرى في جميع أنحاء العالم. لكن توسعه في بعض المشاريع التجارية أدى إلى تصاعد الديون عليه في أوائل التسعينات، فضلا عن تزايد الأخبار عن علاقاته خارج نطاق الزوجية، الأمر الذي تسبب في طلاقه من زوجته الأولى، إيفانا ترمب. وعلى الرغم من أنه عزز أعماله التجارية بقروض إضافية وتأجيل مدفوعات الفائدة، إلا أن زيادة الديون عليه بحلول عام 1991 أجبرت ترمب إلى إشهار الإفلاس التجاري وأصبح على حافة الإفلاس الشخصي. وفي 2 نوفمبر (تشرين الثاني) 1992، اضطر فندق ترمب بلازا لتقديم طلب من الفصل 11 لقانون الإفلاس الأميركي بعد أن عجز عن دفع أقساط الديون. وبموجب حكم قضائي، وافق ترمب على التخلي عن حصة 49 في المائة من الفندق الضخم للمقرضين مقابل الاحتفاظ بمنصبه كرئيس تنفيذي للشركة المالكة للفندق.
وبحلول منتصف التسعينات، كان ترمب قد تمكن من تسديد جزء كبير من الديون الشخصية وخفض الديون التجارية بعد أن خسر بعض ممتلكاته لبنك تشيس مانهاتن، ومقرضين آخرين في سبيل أن يتمكن من الحفاظ على ممتلكات أخرى.
وقد سمح له الملاك الجدد بأن يضع اسمه الذي أصبح علامة تجارية على المباني التي ارتفعت قيمتها وقيمة ممتلكاته المتبقية فتمكن من تحويل 3 مليارات من الديون إلى ما يوازيها من الثروة العقارية أو يزيد.
وفي عام 2001، أتم برج ترمب الدولي، الذي احتوى على 72 طابقًا ويقع هذا البرج السكني على الجانب الآخر من مقر الأمم المتحدة. كذلك، بدأ بناء «ترمب بلس»، وهو برج متعدد الخدمات على جانب نهر هدسون. وامتلك ترمب مساحات تجارية في «ترمب إنترناشيونال أوتيل آند تاور»، الذي يتألف من 44 طابقًا للاستعمال المختلط (فندق وشقق سكنية).
وطوال السنوات العشر اللاحقة كان ترمب يحقق نجاحات ويعمد إلى حل مشكلات أي مشروع فاشل يقدم عليه بإعلان إفلاس الشركة المسؤولة عن المشروع، وهو إفلاس لا يلحقه شخصيا بالأذى بقدر ما تعيد به أي شركة من شركاته التي قد تمنى بالفشل جدولة ديونها والنهوض من جديد.
* تحقيق النجومية
ورغم النجاحات المتتالية التي حققها من الصفقات التجارية، فإن حبه للأضواء وحياة النجومية ظل مهيمنًا على وجدانه ولم يقو على التخلي عنه منذ أن فكر في دراسة السينما قبل الاقتصاد.
ولإرضاء هذه الرغبة، عمل على تقديم برنامج ترفيهي على محطة «إن بي سي»، واضطر في البداية لأن يدفع للمحطة مقابل تقديم البرنامج. ولكن سرعان ما حقق البرنامج نسبة مشاهدة عالية وأرباحا من الإعلانات، فأصبحت المحطة تدفع له كأكثر النجوم تقاضيا للأجور. كما عمد إلى تنظيم مسابقات ملكات جمال الكون وابتكار أنشطة كثيرة تكسبه الأضواء التي يعشقها.
كانت آخر صفقات ترمب الناجحة هي التي عقدها مع آخرها مع الناخبين الأميركيين لتسليم البيت الأبيض له لمدة أربع سنوات، مقابل أن «يجعلهم يكسبون مثلما ظل يكسب هو طوال حياته»، و«استعادة عظمة أميركا المفقودة، وإنقاذ الأميركيين من البطالة وتوفير الوظائف بإعطاء الأولوية للمنتجات الأميركية، وإقامة الأسوار أمام تدفق المهاجرين واللاجئين». وباختصار: «جعل أميركا أولاً...».
وبصفته رجل أعمال، فإنه يدرك جيدا أن أعظم خطوات النجاح لا تأتي إلا بعد فشل، لكنه يرفض اعتبار الفشل واردًا أو القبول به مسبقًا. ولهذا، عندما خاض حملته الانتخابية لإنجاز آخر صفقة مهمة في حياته، كان يتلقى أسئلة عن خياراته في حال فشله في الحصول على أصوات كافية، فلم يكن يقبل بالرد على مثل هذه الأسئلة وإنما يؤكد تصميمه على النجاح، ويزعم مسبقًا أن النتائج ستكون مزورة إذا لم يكن هو الفائز بها.
وعلى الجانب الآخر، كانت منافسته هيلاري كلينتون ترد بدبلوماسية فائقة بأنها ستقبل النتائج كما هي وأن خسارتها لن تكون نهاية العالم. ويبدو أن نتائج الانتخابات قد أثبتت اعتقادًا سائدًا في الذاكرة الشعبية أن التفاؤل بالنجاح يساعد على تحقيق النجاح، وأن التشاؤم أو الاستعداد المسبق للفشل هو نصف فشل في حد ذاته.
وقليلون جدا هم من كانوا يتوقعون أن يصل ترمب إلى مرحلة المنافسة مع كلينتون، فقد كان الاعتقاد السائد بأن الرجل مثير للجدل ويفتقد لأدنى الخبرات التي تؤهله لتمثيل الجمهوريين أمام صاحبة الشعبية الكاسحة هيلاري كلينتون، ناهيك بقدرته بالفوز عليها. وليس هذا فحسب، بل سارع سياسيون كبار جمهوريون وديمقراطيون على حد سواء بالجزم أن شخصا مثل دونالد ترمب لا يمكن أن يصبح رئيسا للولايات المتحدة على الإطلاق.
ومن بين هؤلاء الرئيس السابق باراك أوباما الذي ذرفت عيناه بالدموع عندما رأى هيلاري كلينتون تشارك في حفل تنصيب ترمب رئيسا. وكان الجازمون بأن ترمب سيكون وبالا على الحزب الجمهوري، يستندون في تقييمهم له بأنه يطلق شعارات مثيرة للجدل، ولم يدركوا حينها أن مكمن قوته كان في لغة الناس وفي ابتعاده عن اللغة النخبوية المتعالية.
* استراتيجية انتخابية ناجحة
لقد كان ترمب طوال حملته الانتخابية يجاهر بعدائه للنخب السياسية ويصف أحاديث السياسيين في واشنطن بـ«الجوفاء»، قائلاً إن السياسيين المحترفين منافقون يخادعون المجتمع بأكاذيبهم ويمارسون عكس ما يقولون.
ما كان يهمه أثناء رحلته نحو البيت الأبيض هما أمران اثنان، أولهما إثارة الجدل حوله بما يفيد حملته ويلفت انتباه الناخب إليه، وثانيًا تمثيل الأغلبية البيضاء والتعبير عن مكنونات «الرجل الأبيض» أو الناخب الأبيض.
وقد بدأ ترمب هذه الاستراتيجية في اليوم الأول لإعلانه اعتزامه ترشيح نفسه للمنافسة على تمثيل الحزب الجمهوري، بأن تعمد مهاجمة القادمين من المكسيك بشكل خاص، فقوبلت تصريحاته بانتقادات واسعة مهدت له طريق الانتشار، ولفتت انتباه الناخبين البيض إليه بسبب جرأته في قول ما يتردد في قوله حتى المواطن العادي من الأغلبية البيضاء، غير أن النتائج اللاحقة أثبتت أنهم يتفقون معه.
واستمر ترمب على المنوال ذاته، ينفذ خطته الإعلامية بنجاح، مستفزًا مناصري هيلاري كلينتون، التي وصفها بـ«السياسية المحتالة». وهاجم كذلك شرائح أخرى مثل ذوي الاحتياجات الخاصة، وغيرهم. لكن ردود الفعل من شرائح المجتمع الأميركي التي تعرضت للإساءة لم تكن قوية بالقدر الذي كان يأمل ترمب، فوجد ضالته لاحقًا في المسلمين بالتزامن مع أحداث تخدم هدفه، لكنه بذلك لم يستفز المسلمين فقط بل جميع الرافضين للتمييز الديني، سواء لدواع سياسية أو كمبدأ يؤمنون به.
لكن صدق ترمب في تعبيره عن مكنوناته وبساطة لغته كانا أجدى نفعا مما يصفه بـ«أكاذيب» جميع منافسيه الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء. فرغم ما في طروحاته من تمييز جنسي وعرقي وديني، فإن هذه الصراحة حققت له نجاحًا عجز عن تحقيقه الآخرون، حسب ما دلت عليه استطلاعات الرأي العام منذ أول إساءة له ضد المكسيكيين حتى تفجيره القنبلة المدوية ضد المسلمين عندما طالب بمنع دخولهم الأراضي الأميركية.
واتخذ ترمب استراتيجية نابعة على ما يبدو من خبرته التجارية، فلم يعط بالاً لما يسمى بالذوق السياسي، ولا اهتمامًا برأي النخب وشعاراتها الرنانة، بقدر ما ركز كل همه على إرضاء الأغلبية الأميركية البيضاء التي يستمد منها عصبويته السياسية.
* المسيرة السياسية
في أكتوبر 2007، ظهر ترمب في برنامج لاري كينغ لايف وشن هجوما لاذعا على الرئيس الأميركي في ذلك الوقت جورج بوش الابن بسبب تداعيات غزو العراق. وقال إن أي مرشح للرئاسة يطالب بإرسال المزيد من القوات إلى العراق لن يفوز بالانتخابات.
لكن تعليقاته السياسية قبل أن يرشح نفسه للرئاسة كانت نادرة وأقل إثارة، مما هي عليه بعد قراره خوض المعترك السياسي.
وكان ترمب منذ البداية يدرك تمامًا أنه مهما كانت قدرته في الاستغناء عن الجمهوريين ماليًا أو الاستغناء عن المتبرعين من جماعات الضغط، فإن قدرته كفرد على حشد الناخبين الداعمين له لا تقارن بإمكانيات حزب كبير يطمح في الترشح باسمه. وكان يدرك أن ليس بمقدوره على الإطلاق أن ينجح في الوصول إلى البيت الأبيض، إلا بصفقة يعقدها مع الحزب الجمهوري للقبول به مرشحا عن الحزب. وقد تم له ذلك بسبب استمرار تصدره لقائمة المرشحين في الانتخابات التمهيدية. ولكن الحزب الجمهوري المحافظ لم يقدم على مغامرة اختيار ترمب إلا على مضض امتثالا لرغبة الناخبين.
وكان قادة الحزب الجمهوري يخشون من تبعات سجل ترمب العائلي الذي يعتقد بعض الجمهوريين أنه سجل ينم عن انفتاح أو ليبرالية، لا عن محافظة أو إيثار للقيم العائلية. كما أن تبرعاته لسياسيين ديمقراطيين وجمهوريين في وقت واحد كانت تجعلهم يعتبرونه تاجرا سياسيا، أو سياسيا تاجرا أكثر من كونه مؤطر حزبيا.
ومن النقاط التي كان الجمهوريون يخشون من أن يثيرها الحزب المنافس لهم في حال القبول بترشيح ترمب حياته الزوجية التي لم تكن مستقرة؛ إذ إن ترمب تزوج من مواطنة تشيكية هي إيفانا ترمب وأنجبا ثلاثة أطفال: دونالد الابن، وإيفانكا وإريك. وفي عام 1992 انفصلا عن بعضهما. وفي عام 1993، تزوج مارلا مابلس وأنجبا طفلا واحدا لكنهما انفصلا في 1999. ويقال إن سبب الانفصال هو علاقات ترمب الواسعة خارج نطاق الزوجية، وهو الأمر الذي يرفضه الجمهوريون المحافظون بشدة.
وإلى جانب ذلك، كانوا يخشون أن يفقدهم ترمب بعض قواعدهم الانتخابية بين الأقليات التي يهاجمها. إلا أنه كان يتعمد أن يخسر غالبية الأقليات من أجل أن يكسب كامل الأغلبية البيضاء، فكل ناخب من الأقليات يفقده ترمب يحصل بديلا عنه. في المقابل، فإن هذه الأغلبية تدرك أنه من دون أشخاص في مثل جرأة ترمب يسكنون البيت الأبيض، فلن تظل أغلبية بل ستفقد اللقب لغيرها خلال عقود قليلة مقبلة.



الدعوات الدولية لوقف اضطرابات إثيوبيا... هل تقود لوساطة جديدة؟

أعضاء من «جبهة تحرير تيغراي» يسيرون على طريق رئيسي في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
أعضاء من «جبهة تحرير تيغراي» يسيرون على طريق رئيسي في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
TT

الدعوات الدولية لوقف اضطرابات إثيوبيا... هل تقود لوساطة جديدة؟

أعضاء من «جبهة تحرير تيغراي» يسيرون على طريق رئيسي في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
أعضاء من «جبهة تحرير تيغراي» يسيرون على طريق رئيسي في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)

بعد أيام من تحركات عسكرية لجبهة تحرير تيغراي المعارضة ومعارك مع الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، توالت دعوات إقليمية ودولية بوقف الاضطرابات والعودة لمسار الحوار.

تلك الدعوات التي صدرت من قطر والإمارات وجيبوتي والولايات المتحدة والاتحادين الأوروبي والأفريقي، يرى خبراء في الشؤون الأفريقية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنها قد تعزز الوساطة الحالية لإعادة الأطراف لاتفاق 2022 أو وساطة جديدة مع وجود تحالف أوسع من الجبهة يحتاج لاتفاق موسع جديد.

وتتواصل المعارك بين الحكومة وجبهة تيغراي لليوم الخامس بحسب وسائل إعلام إثيوبية. واستولت «قوات تيغراي» على 3 مطارات في الإقليم، وشنَّت هجمات في إقليمَي عفر وأمهرة بالتعاون مع حلفاء لها هناك، الأسبوع الماضي، في أخطر تصعيد منذ الحرب المُدمِّرة التي دارت رحاها بين عامَي 2020 و2022 ضد قوات الحكومة الاتحادية.

وأدانت قطر «التصعيد العسكري ضد القوات الفيدرالية الإثيوبية»، مؤكدة «دعمها الكامل لجميع الجهود الرامية إلى خفض التوتر في إثيوبيا». كما دعت جيبوتي، الأحد، إلى خفض التصعيد في إثيوبيا، وتسوية النزاعات من خلال الحوار.

ودعت الإمارات، الجمعة الماضية، إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية وخفض التصعيد، والالتزام باتفاق بريتوريا للسلام، مجددة دعمها لجميع الجهود الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار الدائمين في إثيوبيا.

كذلك، دعا الاتحاد الأفريقي في بيان خلال الساعات الماضية إلى التهدئة، وكذلك طالب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى خفض التوتر على الفور، مجدداً في بيان دعمه لجهود الاتحاد الأفريقي بما في ذلك المبذولة من رئيس نيجيريا السابق أولوسيغون أوباسانغو الهادفة إلى تخفيف التوترات، وإعادة إشراك الأطراف في المحادثات بحسن نية تحت إطار عمل اتفاق بريتوريا.

أيضاً دعا الاتحاد الأوروبي، أخيراً، إلى خفض التصعيد بشكل فوري في شمال إثيوبيا، مؤكداً مواصلة دعمه لجهود خفض التصعيد، وعملية الوساطة التي يقودها الاتحاد الأفريقي، والحوار الهادف بين الأطراف.

عناصر من «جبهة تحرير تيغراي» في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)

ويرى المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد أن تلك المواقف المكثفة ترغب في العودة إلى طاولة المفاوضات، وتفعيل اتفاق بريتوريا، مؤكداً أن العودة للتفاهمات وتطبيق الاتفاق يصب في مصلحة الحكومة الإثيوبية؛ كونها غير معنية بالانجرار نحو حرب استنزاف تسعى إليها أطراف معينة، والالتزام بمسار بريتوريا يمثل مصلحة عليا لإثيوبيا ولدول المنطقة كافة.

ويشير الخبير في الشؤون الأفريقية عبد المنعم أبو إدريس إلى أن جبهة تيغراي سبق أن رحبت بأي خطوات للسلام فضلاً على أن هذه الدعوات تدرك أهمية استقرار إثيوبيا للأمن في الإقليم. ويعتقد أبو إدريس أن هذا التحرك المتسارع دولياً يحتاج إلى معادلة جديدة أكبر من اتفاق بريتوريا 2022 بسبب دخول فاعلين جدد إلى الملعب مع تكوين التحالف المسلح الجديد.

وقبل أيام، أعلنت 7 جماعات معارضة للحكومة الفيدرالية في مناطق مختلفة من البلاد، بما في ذلك «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» وميليشيات «فانو» في أمهرة و«جيش تحرير أورومو»، عن تحالف يهدف إلى إطاحة السلطة الحاكمة في أديس أبابا.

وسبق لـ«جبهة تحرير شعب تيغراي» أن تولت السلطة عام 1991 وحكمت إثيوبيا 3 عقود قبل أن يهمشها آبي أحمد عندما تولّى رئاسة الوزراء عام 2018؛ ما أسهم في اندلاع الحرب الأهلية.

ورغم أن «اتفاق بريتوريا» للسلام في 2022 أنهى تلك الحرب وأرسى هدوءاً حذراً، فإن الاشتباكات تجددت في أواخر عام 2025. وشنت الحكومة الاتحادية آنذاك ضربات بالطيران المُسيّر على تيغراي، وحشدت قواتها على حدود الإقليم، وسط اتهامات من الطرفين بانتهاك الاتفاق.

ويرى أبو إدريس أن أي وساطة مهما كان الطرف الذي يقوم بها إذا لم تصاحبها إرادة داخلية تريد طي صفحة النزاعات في البلد لن تحقق نجاحاً كاملاً، وقد تنجح الوساطة الجديدة في الوصول إلى هدنة مؤقتة لكنها يمكن أن تنهار في أي وقت.

وحول مدى استجابة القيادات الميدانية داخل الجبهة المعارضة، أوضح عبد الصمد أن الواقع العسكري والاقتصادي والسياسي داخل إقليم تيغراي وموازين القوى الراهنة لا تمنح هذه الأطراف خيار الرفض؛ ما سيجبرها في النهاية على القبول بالجهود الجارية للعودة للاتفاق.


ترمب يرفض «دمج» جهود الذكاء الاصطناعي مع الصين رغم فتح قناة اتصال

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في الأرشيف الوطني بواشنطن يوم 25 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في الأرشيف الوطني بواشنطن يوم 25 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

ترمب يرفض «دمج» جهود الذكاء الاصطناعي مع الصين رغم فتح قناة اتصال

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في الأرشيف الوطني بواشنطن يوم 25 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في الأرشيف الوطني بواشنطن يوم 25 سبتمبر (أ.ف.ب)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، أنه لا يريد «دمج» جهود الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي، رغم «النقاش الكبير» الذي أجراه هذا الأسبوع مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، بشأن هذه التكنولوجيا.

وقال ترمب للصحافيين، لدى مغادرته واشنطن متّجهاً إلى نوكسفيل في تكساس، إن الصين «تريد وقف تقدمنا لأننا نتقدم عليها بفارق كبير، وسنحافظ على ذلك»، مضيفاً: «أفضِّل ألا نندمج لأننا متقدمون بفارق كبير... عندما تكون في الصدارة، لا تفتح المجال للطرف الآخر».

جاءت تصريحات ترمب بعد يوم من اختتام زيارة شي لواشنطن، وفي وقت أعلن فيه البيت الأبيض أن البلدين اتفقا على استحداث «قناة اتصال» لمعالجة الحوادث المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، في خطوة تعكس تنسيقاً محدوداً بين القوتين المتنافستين من دون أن يمتد إلى تعاون أوسع في تطوير التكنولوجيا.

تنسيق محدود مع بكين

أفاد البيت الأبيض في وثيقة بأن البلدين استحدثا «حواراً بين الولايات المتحدة والصين في شأن (الذكاء الفائق) لتبادل وجهات النظر حول المخاطر والمنافع» المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، واتفقا كذلك على إقامة «قناة اتصال ثنائية» لمعالجة الحوادث في هذا المجال. وأكدت وسائل الإعلام الرسمية الصينية، في تقرير حول نتائج القمة، السبت، الاتفاق على إنشاء خط ساخن للذكاء الاصطناعي.

وشكّل الذكاء الاصطناعي، الذي بات ترمب منذ أيام يصفه بـ«الذكاء الفائق»، أحد المحاور الرئيسية التي بحثها مع شي خلال زيارته لواشنطن التي استمرّت 3 أيام واختتمت، الجمعة. وقال ترمب، السبت، إن الجانبين أجريا «نقاشاً كبيراً» حول هذا الملف، قبل أن يقلّل في الوقت نفسه من حجم المحادثات، موضحاً أنهما «لم يمضيا وقتاً طويلاً» في بحثه.

وتتعرض الدولتان المتنافستان في مجال الذكاء الاصطناعي لانتقادات متزايدة في شأن مسألة المخاطر الناجمة عن الذكاء الاصطناعي، بعد تسجيل عدد من الحوادث أثارت مخاوف من تَفَلُّت هذه التكنولوجيا عن سيطرة مبتكريها. ورأى الرئيس الصيني أن على واشنطن وبكين مسؤولية «تطوير وإدارة الذكاء الاصطناعي بما يخدم الصالح العام، وضمان أن يظل تطويره دائماً في ظل الرقابة البشرية».

أما ترمب، فكان موقفه مختلفاً؛ إذ أعرب عن تمسكه بـ«مستوى التنظيم الحالي»، وشدّد على أن أي تنسيق مع بكين لا يعني انفتاحاً على دمج الجهود في هذا القطاع. وقال إن الصين تسعى إلى إبطاء التقدم الأميركي، مضيفاً أن الولايات المتحدة تتقدم عليها «بفارق كبير».

وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت اقترح، الأسبوع الماضي، استحداث آلية للإخطار المتبادل بين البلدين في شأن أي حوادث في مجال الذكاء الاصطناعي «تتعلق بالأمن القومي». وأضاف: «نعتقد أنه من المهم الانتقال من وضع يكتنفه الغموض إلى مزيد من الشفافية بين القوتين الأولى والثانية في العالم في مجال الذكاء الاصطناعي».

اختراق جديد

تزامن الإعلان عن قناة اتصال جديدة بين بكين وواشنطن بشأن الذكاء الاصطناعي، مع كشف شركة «أوبن إيه آي» عن اختراق جديد مثير للقلق.

وأقرت الشركة الرائدة، أمس، بأن أدواتها للذكاء الاصطناعي نشرت على الإنترنت 53 صورة أرسلها مستخدمون عبر منصتها «تشات جي بي تي»، في تسريب جديد يطول هذه المرة بيانات مستخدمي الشركة نفسها.

كما أكّدت أن أدواتها اخترقت مواقع تابعة لوكالات فيدرالية أميركية، مؤكدة بذلك معلومات أوردتها صحيفة «نيويورك تايمز» سابقاً، لكنها أشارت إلى أنها لم تجمع فيها سوى معلومات متاحة للعموم.

وأوضحت «أوبن إيه آي» أن الروابط للصور الـ53 لم تكن متاحة للعلن، ونُشرت عن طريق الخطأ على مواقع استضافة إلكترونية، وأشارت إلى أن معظمها أزيل بمساعدة مقدمي الخدمات المضيفين المعنيين، وأن العمل يجري على إزالة الصور المتبقية، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت هذه الصور قد أُرسلت من حسابات وافق أصحابها على استخدام بياناتهم لتطوير نماذج الشركة. ومرت قبل استخدامها عبر مصفاة لخصوصية البيانات الشخصية، وأكدت الشركة أنه لم يعد بالإمكان ربط الصور بالمستخدمين الذين أرسلوها. ولم توضح «أوبن إيه آي» ما إذا كانت هذه الصور تظهر أشخاصاً يمكن التعرف عليهم أو بيانات حساسة، ولم تكشف المزيد من التفاصيل رداً على أسئلة «وكالة الصحافة الفرنسية».

ونُشرت الصور نتيجة سلوك «وكلاء للذكاء الاصطناعي»، وهي برمجيات مصممة بناءً على نماذج ذكاء اصطناعي وقادرة على تنفيذ سلسلة من المهام المتتالية بصورة ذاتية. وأوضحت الشركة أن أدوات ذكاء اصطناعي وكيلة يجري استخدامها في إطار أبحاثها، نقلت إلى خدمات خارجية بيانات تدريب لم تكن بمعظمها صادرة عن مستخدمين، ولفتت إلى أن عمليات النقل جرت بمعظمها قبل أن تعزز الأمن حول أبحاثها في أغسطس (آب).

وأكدت أنها تجري حالياً عملية مسح شاملة لأنشطة أدواتها الوكيلة السابقة، في عملية ستستغرق أشهراً عدة.

وأقر الرئيس التنفيذي للشركة سام ألتمان، الجمعة، بأنه «لم نكن بالسرعة التي كنا نتمناها» في عمليات المراجعة والكشف عن الحوادث، مبرراً ذلك بالحجم الهائل من البيانات الواجب تحليلها.

وقال متحدث باسم «أوبن إيه آي» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «غالبية الأنشطة التي خضعت للتدقيق حتى الآن كانت من ضمن مهام البحث الاعتيادية، كالوصول إلى محتويات متاحة للعموم على الإنترنت للإجابة عن أسئلة». وأضاف أن «بعض هذه الأنشطة شملت مواقع حكومية، إذ غالباً ما تلجأ نماذجنا إليها بوصفها مصادر مرجعية للمعلومات العامة».

وبذلك، أكدت الشركة أن نماذجها وصلت إلى معلومات عامة على مواقع هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، الجهة الناظمة للأسواق المالية، قبل أن تنشر جزءاً منها على صفحة أخرى على الإنترنت، مشددةً على أنها لم تجد أي أثر للنفاذ إلى معلومات غير متاحة للعموم.


قمة «مبهرة شكلاً» و«فقيرة مضموناً»... اختتام محادثات ترمب وشي باحتساء الشاي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
TT

قمة «مبهرة شكلاً» و«فقيرة مضموناً»... اختتام محادثات ترمب وشي باحتساء الشاي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)

احتسى الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ الشاي في البيت الأبيض، الجمعة، وزارا الأرشيف الوطني، ليختتما بذلك قمة استمرت ثلاثة أيام طغت فيها الدبلوماسية الشخصية على الإنجازات الكبيرة في العلاقات الاقتصادية.

وأشاد الزعيمان ببعضهما في تعليقات أدليا بها في أثناء احتساء الشاي في «الغرفة الحمراء» بالبيت الأبيض. وقال ترمب إن القمة بين أكبر اقتصادين في العالم أنجزت أموراً كبيرة، مضيفاً: «أعتقد أن مزارعينا سيكونون سعداء»، لكنه لم يقدم تفاصيل.

وأوضح: «أميركا سعيدة جداً بهذه الزيارة، وأنا متأكد من أن الصين سعيدة للغاية أيضاً».

وقال شي إن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين تطورت لتصبح علاقة بناءة تتميز «بالاستقرار الاستراتيجي على أساس الاحترام والعدل والمعاملة بالمثل».

وأضاف شي أنه وترمب ستسنح لهما فرصتان أخريان للقاء هذا العام، خلال قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (آبيك) في الصين وقمة مجموعة العشرين في ميامي. وقال: «أرحب بزيارتكم للصين، سيادة الرئيس والسيدة الأولى».

العلاقات التجارية

واتسمت القمة بالفخامة وتضمنت استعراضات جوية وجولات ومأدبة عشاء رسمية فاخرة، لكنها كانت مبهرة شكلاً وفقيرة مضموناً، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ومع ذلك، سلّط ترمب الضوء على التقدم المحرز في إطار آلية التجارة الثنائية، مشيراً إلى ما وصفه بزيادة فرص الوصول إلى الأسواق أمام المزارعين ومربي الماشية الأميركيين، في حين حدد الزعيمان الذكاء الاصطناعي بوصفه مجالاً للتعاون.

وقال الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير لشبكة «سي. إن. بي. سي»، الجمعة، إن تفاصيل الاتفاقات المحدودة التي توصل إليها الجانبان بشأن علاقاتهما التجارية المتوترة ستُنشر يوم الاثنين.

وأضاف: «نحن في وضع تجاري يخضع للتنظيم... لقد أحرزنا تقدماً، وأعتقد أننا سنعلن، يوم الاثنين، المزيد من التفاصيل حول ما أنجزناه خلال الأسابيع القليلة الماضية في المفاوضات مع الصينيين».

ومضى غرير قائلاً إن الولايات المتحدة اتفقت مع الصين على استثناء بعض السلع الأساسية من النزاعات التجارية، بما في ذلك الصادرات المتجهة إلى الصين من المنتجات الزراعية والأجهزة الطبية، وواردات السلع الاستهلاكية والسلع غير الحساسة.

جولة في الأرشيف الوطني

اختُتِمَت القمة في الأرشيف الوطني الأميركي، وبدا ترمب وشي وهما يستعرضان إعلان الاستقلال الأميركي والدستور ووثيقة الحقوق.

وقال ترمب في كلمة ألقاها، الخميس، للترحيب بشي إنهما سيشاهدان أيضاً «قطعاً أثرية تشهد على العلاقة الطويلة والعزيزة» بين الصين والولايات المتحدة و«التبادلات الثقافية» بينهما.

وقال ترمب: «مثلما تواصل أسلافنا عبر المحيط منذ قرون للتجارة والتعلم وبناء عالم أفضل، فإن بلدينا يفعلان الشيء نفسه بالفعل، ونحن فخورون جداً بذلك وبالعلاقة بيننا».

ولم تعلّق الصين على زيارة الأرشيف، لكن محللين يقولون إن شي ربما كان حريصاً على الاطلاع على السجلات المتعلقة بتحويل الولايات المتحدة اعترافها من تايوان إلى الصين الشيوعية في عام 1979.

ورداً على سؤال، قال ترمب إنه ناقش مع شي موضوع إيران، مضيفاً: «أعتقد أننا سنحقق نتائج رائعة»، دون أن يقدم مزيداً من التفاصيل. وتنفي بكين مزاعم الولايات المتحدة بمساعدة قادة إيران في الصراع الذي بدأه ترمب في فبراير (شباط).

الصين تضغط بشأن تايوان

تعتبر الصين أن تايوان، التي تتمتع بنظام حكم ديمقراطي، جزء من أراضيها، وسعى شي منذ فترة طويلة إلى إقناع ترمب بإعلان أن الولايات المتحدة تعارض استقلال تايوان، بدلاً من الاكتفاء بالقول إنها لا تدعم الاستقلال، وهو الموقف الرسمي لواشنطن منذ عشرات السنين.

كما يحرص على حمل الولايات المتحدة على وقف مبيعات الأسلحة إلى الجزيرة.

وكما كان متوقعاً، ضغط شي على ترمب بشأن تايوان، الخميس، قائلاً إنه يأمل أن «تتعامل الولايات المتحدة مع قضية تايوان بحكمة». وأوردت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) أن شي «يأمل في أن يلتزم الجانب الأميركي بالموقف الصحيح المتمثل في معارضة (استقلال تايوان)».

ورغم أن الولايات المتحدة، شأنها شأن معظم الدول، لا تربطها علاقات دبلوماسية رسمية مع تايوان، فإن واشنطن تُعد أهم داعم دولي لها، وهي ملزمة، بموجب القانون الأميركي، بتزويدها بالوسائل اللازمة للدفاع عن نفسها.

وسيراقب حلفاء واشنطن في آسيا من كثب كيف سيتحدث ترمب عن تايوان بعد زيارة شي.

وبعد قمة مع شي في مايو (أيار)، قال ترمب، الذي وافقت إدارته في ديسمبر (كانون الأول) على صفقة أسلحة لتايوان بقيمة 11 مليار دولار، إنه علق صفقة ثانية، بقيمة نحو 14 مليار دولار، ووصفها بأنها «ورقة تفاوضية جيدة للغاية».

أساس جديد

وقال كريغ سينغلتون من مؤسسة «الدفاع عن الديمقراطيات» إن بكين ربما تعتقد أنها أرست أساساً جديداً بشأن تايوان مع ترمب.

وأضاف أن استخدام شي لكلمة «الالتزام» كان كاشفاً لأنه «يشير إلى أن بكين تعتقد أن واشنطن تتصرف بالفعل بالطريقة التي تريدها».

ومضى قائلاً: «مع التوقف الحالي عن مبيعات الأسلحة لتايوان، قد تنظر الصين بشكل متزايد إلى هذا الأمر على أنه أساس جديد وليس مجرد توقف مؤقت».

وأوضح: «هدف بكين هو حمل ترمب على إدراج الخطوط الحمراء الصينية في تعريفه الخاص للعلاقة المستقرة».

وانتقد الديمقراطيون بمجلس الشيوخ القمة، الخميس، قائلين إن ترمب فشل في الحصول على تنازلات مهمة من بكين بشأن التجارة والأمن والذكاء الاصطناعي أو حقوق الإنسان.

كما انتقدوا ترمب لعدم تطرقه علناً للضغوط العسكرية الصينية على تايوان، ودعوا إلى التسليم الفوري للمساعدات العسكرية التي تمت المصادقة عليها ومبيعات الأسلحة إلى الجزيرة.