دونالد ترمب... قصة نجاح فاجأت الجميع

طبّق نصيحة والده بدراسة الاقتصاد بدل السينما

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يؤدي اليمين الدستورية خلال حفل تنصيبه يوم الجمعة الماضي (غيتي)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يؤدي اليمين الدستورية خلال حفل تنصيبه يوم الجمعة الماضي (غيتي)
TT

دونالد ترمب... قصة نجاح فاجأت الجميع

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يؤدي اليمين الدستورية خلال حفل تنصيبه يوم الجمعة الماضي (غيتي)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يؤدي اليمين الدستورية خلال حفل تنصيبه يوم الجمعة الماضي (غيتي)

لم يكلف رجل الصفقات الناجحة دونالد جون ترمب أبدًا في مرحلة من مراحل عمره، عناء البحث عن وظيفة حكومية أو تحمل مشاق الوصول إليها. بل إنه لو تقدم لشغل وظيفة إدارية عادية في البيت الأبيض لما وجد في سجله ما يؤهله للحصول على الوظيفة العادية. لكن الرجل لم يكن شخصا عاديا، ولم يبحث عن وظيفة عادية، بل وضع نصب عينيه الموقع الأول في البلاد دون سواه، الذي يتصارع عليه عادة مخضرمو السياسة.
ومن المفارقات أن أول وظيفة عامة يشغلها رجل الأعمال الأميركي دونالد ترمب في حياته هي وظيفة رئيس الولايات المتحدة الأميركية. وعندما أجريت له مراسم التنصيب الرسمي في العشرين من يناير (كانون الثاني) الحالي، كانت هي المرة الأولى في تاريخه يؤدي فيها اليمين الدستورية، في حين أن مدعويه من كبار رجال الدولة قد أمضوا حياتهم في أداء قسم بعد آخر.
ولهذا، فقد جرى حفل تنصيب ترمب في جو تقاسمه الفرح والحزن، وخيم الوجوم على وجوه عشرة رجال وامرأة واحدة على الأقل، من المنافسين السابقين لترمب، ممن سعوا حثيثا للفوز بأهم وظيفة شاغرة في العالم عام 2016، وكان كل منهم يتمنى أنه مكان ترمب ليؤدي القسم الأخير في حياته، بدلا من أن يستمع للقسم الأول في حياة ترمب.
وبأدائه القسم، يكون ترمب قد نجح في تحقيق ما عجز عنه سياسيون كبار، من بينهم حكام ولايات محورية، وأعضاء بارزون في مجلس الشيوخ، ووزيرة خارجية سابقة. ولا غرابة في ذلك، فقد كان المنخرط في الأعمال الحرة يردد على مسامعه دومًا المقولة الرائجة في المجتمع الأميركي، «إن وظائف الحكومة للفاشلين فقط»، ولم يتعمد ترمب الأب أن يغرس هذه القناعة في تفكير الابن عبثًا، بل كان قد لمس من ابنه ميولاً نحو العمل العام مثلما كان يلمس منه حبه للظهور، وعشقه للشهرة. وكان الأب يخشى على ابنه من أن يسلك طريق الفقر، ويخسر فرصًا ذهبية أمامه كفيلة بصنع الثراء، والاستفادة من أصول عقارية مترامية الأطراف يملكها والده.
* أول صفقة رابحة
دونالد ترمب هو الابن الرابع من بين إخوته، ولد في 14 يونيو (حزيران) 1946 في حي كوينز بنيويورك، والتحق بإحدى مدارسه النموذجية وهي مدرسة «كيو فورست» التي عرف فيها بأنه تلميذ شقي. وعندما بلغ الثالثة عشرة من عمره، أرسله والداه إلى أكاديمية شبه عسكرية على أمل تحسين سلوكه. وبالفعل، حقق ترمب في الأكاديمية تفوقًا دراسيًا ورياضيًا، حيث أصبح نجمًا في لعبة الإسكواش وهو في السادسة عشرة من عمره. وكان الشاب النيويوركي المراهق يتمنى لنفسه أن يصبح ممثلاً أو إعلاميًا أو بطلاً رياضيًا مشهورا، وكان والده يخشى عليه من عشقه المخيف للشهرة وحب الظهور. وجاء استحقاق تقرير المصير عند إكمال دونالد ترمب سنين التعليم العام (الثانوية العامة)، حيث يبدأ مفترق الطرق.
وكما كان يخشى الأب، فقد علم من ابنه الشاب بأنه يعتزم دراسة السينما أو الفنون الجميلة أو الإعلام التلفزيوني، فوقع النبأ على الأب وقع الصاعقة، وقرر أن يعقد معه صفقة، كانت هي أول صفقة رابحة في حياة دونالد ترمب.
وطبقًا لما رواه ترمب في أكثر من مناسبة، فقد اقترب منه الأب محيطًا إياه بذراعيه ثم همس في أذنه قائلا: «أنصحك يا ولدي أن تدرس علم الاقتصاد والتجارة، لكي تؤسس نفسك بالمال وبعدها يمكنك شراء أي شيء ترغب به». وأضاف الأب مازحًا: «وإذا أصبح لديك مال كافٍ فتستطيع أن تشتري محطة تلفزيونية لنفسك، وتحقق الشهرة عن طريق محطتك الخاصة بدلاً من العمل لدى أي جهة أخرى حتى لو كانت هذه الجهة هي الحكومة الفيدرالية ذاتها». ومضى الأب يشرح لابنه أهمية المال وضخامة القوة والنفوذ الذي يصنعها المال لأصحابه. ولكن الأب كان يعتبر العمل السياسي، حتى لو كان في البيت الأبيض، مضيعة للوقت وخسارة لا مبرر لها. ولكي يحمي ابنه من المهن المتعبة، عرض عليه صفقة مغرية بمنحه رأسمال قيمته مليون دولار أميركي مؤجل التسليم إلى أن يحصل الابن على شهادة في الاقتصاد، ليبدأ بعد ذلك في استثمار رأس المال المقدم من الأب، والعمل على مضاعفته مستندًا إلى تأهيل أكاديمي مجدٍ. ولم يتردد الابن في قبول الصفقة وبدأ من تلك اللحظة في رحلة طويلة من الصفقات الناجحة باستثناء القليل جدًا منها.
وحسب ما يرويه ترمب في كتابه «فن الصفقات»، فإنه بعد أن أنهى المرحلة الثانوية في الأكاديمية العسكرية بنيويورك عام 1964، فكر بدراسة السينما التي كانت تستهويه، لكنه قرر في النهاية دراسة الاقتصاد تطبيقا لنصيحة والده لأنه عن طريق المال سيصبح قادرا على شراء السينما وغير السينما. ولهذا التحق أولا بجامعة فوردهام لمدة عامين قبل أن ينتقل إلى كلية وارتون التابعة لجامعة بنسلفانيا، وحصل على بكالوريوس في الاقتصاد تخصص تمويل.
وعلى نقيض ما يعتقد البعض بأن دونالد ترمب رجل عصامي بنى ثروته بنفسه، فهو لم يولد فقيرًا بل إن مؤسسته العقارية تعود في الأساس لوالده الثري الذي كان أحد كبار ملاك العقارات في مدينة نيويورك، وورث نجله عن أعماله. فوالده هو رجل الأعمال النيويوركي الشهير فريدريك كريست ترمب المولود في نيويورك في 11 أكتوبر (تشرين الأول) 1905، وتوفي في منتصف العام الأخير من القرن الماضي 1999. أما والدة ترمب، فهي ماري ماكلويد المولودة باسكتلندا في 10 مايو (أيار) 1912، وتوفيت بعد عام واحد تقريبا من وفاة والده.
وإذا كانت جذور الأم اسكتلندية، فإن جذور الأب تعود إلى ألمانيا التي جاء منها أجداد دونالد ترمب المهاجرين إلى الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر الميلادي، ولهذه الجذور البيضاء تأثير شديد على شعوره بالانتماء لعرق متميز، وعدم اكتراثه بأي جذور أخرى للآخرين.
تزوج والده من والدته عام 1936، وأنجبا خمسة أطفال؛ ثلاثة أولاد توفي أكبرهم وبنتان المعروفة منهما الشقيقة الكبرى ماري آن ترمب باري، وتبلغ من العمر حاليا 78، وكانت قاضية شهيرة في محكمة استئناف فدرالية.
بعد تخرج ترمب في عام 1968 انضم إلى شركة والده العقارية المعروفة باسم مؤسسة ترمب العقارية التي كان أكثر نجاحا لها هو بناء وتأجير المجمعات السكنية.
وركز دونالد في البداية على الطبقة المتوسطة أسوة بوالده بتأجير الشقق السكنية في بروكلين وكوينز، وعمل على تنشيط وتحديث مجمع سكني يدعى سويفن فيلج في مدينة سينسيناتي بولاية أوهايو فحول 1200 وحدة سكنية، من نسبة شغور 66 في المائة إلى نسبة امتلاء 100 في المائة في غضون سنة واحدة. وما لبث أن باع المبنى ذاته بـ12 مليون دولار، محققا ربحا من الصفقة يبلغ 6 ملايين دولار.
وفي عام 1971 انتقل ترمب إلى مانهاتن، حيث الفرص الاقتصادية والمشاريع الكبيرة وحول فندق كومودور المفلس إلى فندق غراند حياة الناجح، فعلمته التجربة أن النجاح يبدأ بالإفلاس، فاستمر في استغلال معاناة مدينة نيويورك من مصاعب تهدد بعض مقاطعاتها بالإفلاس فحصل على تنازلات وتخفيضات هائلة في ضرائب العقارات ساعدته على التوسع في مشاريعه، إلى أن امتلك في مانهاتن مئات الآلاف من الأمتار المربعة التي لم تعد تقدر بثمن حاليا.
ولاحقًا، بدأ ترمب بتأسيس منتجعات ترمب الترفيهية التي تدير الكثير من الكازينوهات، والفنادق وملاعب الغولف والمنشآت الأخرى في جميع أنحاء العالم. لكن توسعه في بعض المشاريع التجارية أدى إلى تصاعد الديون عليه في أوائل التسعينات، فضلا عن تزايد الأخبار عن علاقاته خارج نطاق الزوجية، الأمر الذي تسبب في طلاقه من زوجته الأولى، إيفانا ترمب. وعلى الرغم من أنه عزز أعماله التجارية بقروض إضافية وتأجيل مدفوعات الفائدة، إلا أن زيادة الديون عليه بحلول عام 1991 أجبرت ترمب إلى إشهار الإفلاس التجاري وأصبح على حافة الإفلاس الشخصي. وفي 2 نوفمبر (تشرين الثاني) 1992، اضطر فندق ترمب بلازا لتقديم طلب من الفصل 11 لقانون الإفلاس الأميركي بعد أن عجز عن دفع أقساط الديون. وبموجب حكم قضائي، وافق ترمب على التخلي عن حصة 49 في المائة من الفندق الضخم للمقرضين مقابل الاحتفاظ بمنصبه كرئيس تنفيذي للشركة المالكة للفندق.
وبحلول منتصف التسعينات، كان ترمب قد تمكن من تسديد جزء كبير من الديون الشخصية وخفض الديون التجارية بعد أن خسر بعض ممتلكاته لبنك تشيس مانهاتن، ومقرضين آخرين في سبيل أن يتمكن من الحفاظ على ممتلكات أخرى.
وقد سمح له الملاك الجدد بأن يضع اسمه الذي أصبح علامة تجارية على المباني التي ارتفعت قيمتها وقيمة ممتلكاته المتبقية فتمكن من تحويل 3 مليارات من الديون إلى ما يوازيها من الثروة العقارية أو يزيد.
وفي عام 2001، أتم برج ترمب الدولي، الذي احتوى على 72 طابقًا ويقع هذا البرج السكني على الجانب الآخر من مقر الأمم المتحدة. كذلك، بدأ بناء «ترمب بلس»، وهو برج متعدد الخدمات على جانب نهر هدسون. وامتلك ترمب مساحات تجارية في «ترمب إنترناشيونال أوتيل آند تاور»، الذي يتألف من 44 طابقًا للاستعمال المختلط (فندق وشقق سكنية).
وطوال السنوات العشر اللاحقة كان ترمب يحقق نجاحات ويعمد إلى حل مشكلات أي مشروع فاشل يقدم عليه بإعلان إفلاس الشركة المسؤولة عن المشروع، وهو إفلاس لا يلحقه شخصيا بالأذى بقدر ما تعيد به أي شركة من شركاته التي قد تمنى بالفشل جدولة ديونها والنهوض من جديد.
* تحقيق النجومية
ورغم النجاحات المتتالية التي حققها من الصفقات التجارية، فإن حبه للأضواء وحياة النجومية ظل مهيمنًا على وجدانه ولم يقو على التخلي عنه منذ أن فكر في دراسة السينما قبل الاقتصاد.
ولإرضاء هذه الرغبة، عمل على تقديم برنامج ترفيهي على محطة «إن بي سي»، واضطر في البداية لأن يدفع للمحطة مقابل تقديم البرنامج. ولكن سرعان ما حقق البرنامج نسبة مشاهدة عالية وأرباحا من الإعلانات، فأصبحت المحطة تدفع له كأكثر النجوم تقاضيا للأجور. كما عمد إلى تنظيم مسابقات ملكات جمال الكون وابتكار أنشطة كثيرة تكسبه الأضواء التي يعشقها.
كانت آخر صفقات ترمب الناجحة هي التي عقدها مع آخرها مع الناخبين الأميركيين لتسليم البيت الأبيض له لمدة أربع سنوات، مقابل أن «يجعلهم يكسبون مثلما ظل يكسب هو طوال حياته»، و«استعادة عظمة أميركا المفقودة، وإنقاذ الأميركيين من البطالة وتوفير الوظائف بإعطاء الأولوية للمنتجات الأميركية، وإقامة الأسوار أمام تدفق المهاجرين واللاجئين». وباختصار: «جعل أميركا أولاً...».
وبصفته رجل أعمال، فإنه يدرك جيدا أن أعظم خطوات النجاح لا تأتي إلا بعد فشل، لكنه يرفض اعتبار الفشل واردًا أو القبول به مسبقًا. ولهذا، عندما خاض حملته الانتخابية لإنجاز آخر صفقة مهمة في حياته، كان يتلقى أسئلة عن خياراته في حال فشله في الحصول على أصوات كافية، فلم يكن يقبل بالرد على مثل هذه الأسئلة وإنما يؤكد تصميمه على النجاح، ويزعم مسبقًا أن النتائج ستكون مزورة إذا لم يكن هو الفائز بها.
وعلى الجانب الآخر، كانت منافسته هيلاري كلينتون ترد بدبلوماسية فائقة بأنها ستقبل النتائج كما هي وأن خسارتها لن تكون نهاية العالم. ويبدو أن نتائج الانتخابات قد أثبتت اعتقادًا سائدًا في الذاكرة الشعبية أن التفاؤل بالنجاح يساعد على تحقيق النجاح، وأن التشاؤم أو الاستعداد المسبق للفشل هو نصف فشل في حد ذاته.
وقليلون جدا هم من كانوا يتوقعون أن يصل ترمب إلى مرحلة المنافسة مع كلينتون، فقد كان الاعتقاد السائد بأن الرجل مثير للجدل ويفتقد لأدنى الخبرات التي تؤهله لتمثيل الجمهوريين أمام صاحبة الشعبية الكاسحة هيلاري كلينتون، ناهيك بقدرته بالفوز عليها. وليس هذا فحسب، بل سارع سياسيون كبار جمهوريون وديمقراطيون على حد سواء بالجزم أن شخصا مثل دونالد ترمب لا يمكن أن يصبح رئيسا للولايات المتحدة على الإطلاق.
ومن بين هؤلاء الرئيس السابق باراك أوباما الذي ذرفت عيناه بالدموع عندما رأى هيلاري كلينتون تشارك في حفل تنصيب ترمب رئيسا. وكان الجازمون بأن ترمب سيكون وبالا على الحزب الجمهوري، يستندون في تقييمهم له بأنه يطلق شعارات مثيرة للجدل، ولم يدركوا حينها أن مكمن قوته كان في لغة الناس وفي ابتعاده عن اللغة النخبوية المتعالية.
* استراتيجية انتخابية ناجحة
لقد كان ترمب طوال حملته الانتخابية يجاهر بعدائه للنخب السياسية ويصف أحاديث السياسيين في واشنطن بـ«الجوفاء»، قائلاً إن السياسيين المحترفين منافقون يخادعون المجتمع بأكاذيبهم ويمارسون عكس ما يقولون.
ما كان يهمه أثناء رحلته نحو البيت الأبيض هما أمران اثنان، أولهما إثارة الجدل حوله بما يفيد حملته ويلفت انتباه الناخب إليه، وثانيًا تمثيل الأغلبية البيضاء والتعبير عن مكنونات «الرجل الأبيض» أو الناخب الأبيض.
وقد بدأ ترمب هذه الاستراتيجية في اليوم الأول لإعلانه اعتزامه ترشيح نفسه للمنافسة على تمثيل الحزب الجمهوري، بأن تعمد مهاجمة القادمين من المكسيك بشكل خاص، فقوبلت تصريحاته بانتقادات واسعة مهدت له طريق الانتشار، ولفتت انتباه الناخبين البيض إليه بسبب جرأته في قول ما يتردد في قوله حتى المواطن العادي من الأغلبية البيضاء، غير أن النتائج اللاحقة أثبتت أنهم يتفقون معه.
واستمر ترمب على المنوال ذاته، ينفذ خطته الإعلامية بنجاح، مستفزًا مناصري هيلاري كلينتون، التي وصفها بـ«السياسية المحتالة». وهاجم كذلك شرائح أخرى مثل ذوي الاحتياجات الخاصة، وغيرهم. لكن ردود الفعل من شرائح المجتمع الأميركي التي تعرضت للإساءة لم تكن قوية بالقدر الذي كان يأمل ترمب، فوجد ضالته لاحقًا في المسلمين بالتزامن مع أحداث تخدم هدفه، لكنه بذلك لم يستفز المسلمين فقط بل جميع الرافضين للتمييز الديني، سواء لدواع سياسية أو كمبدأ يؤمنون به.
لكن صدق ترمب في تعبيره عن مكنوناته وبساطة لغته كانا أجدى نفعا مما يصفه بـ«أكاذيب» جميع منافسيه الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء. فرغم ما في طروحاته من تمييز جنسي وعرقي وديني، فإن هذه الصراحة حققت له نجاحًا عجز عن تحقيقه الآخرون، حسب ما دلت عليه استطلاعات الرأي العام منذ أول إساءة له ضد المكسيكيين حتى تفجيره القنبلة المدوية ضد المسلمين عندما طالب بمنع دخولهم الأراضي الأميركية.
واتخذ ترمب استراتيجية نابعة على ما يبدو من خبرته التجارية، فلم يعط بالاً لما يسمى بالذوق السياسي، ولا اهتمامًا برأي النخب وشعاراتها الرنانة، بقدر ما ركز كل همه على إرضاء الأغلبية الأميركية البيضاء التي يستمد منها عصبويته السياسية.
* المسيرة السياسية
في أكتوبر 2007، ظهر ترمب في برنامج لاري كينغ لايف وشن هجوما لاذعا على الرئيس الأميركي في ذلك الوقت جورج بوش الابن بسبب تداعيات غزو العراق. وقال إن أي مرشح للرئاسة يطالب بإرسال المزيد من القوات إلى العراق لن يفوز بالانتخابات.
لكن تعليقاته السياسية قبل أن يرشح نفسه للرئاسة كانت نادرة وأقل إثارة، مما هي عليه بعد قراره خوض المعترك السياسي.
وكان ترمب منذ البداية يدرك تمامًا أنه مهما كانت قدرته في الاستغناء عن الجمهوريين ماليًا أو الاستغناء عن المتبرعين من جماعات الضغط، فإن قدرته كفرد على حشد الناخبين الداعمين له لا تقارن بإمكانيات حزب كبير يطمح في الترشح باسمه. وكان يدرك أن ليس بمقدوره على الإطلاق أن ينجح في الوصول إلى البيت الأبيض، إلا بصفقة يعقدها مع الحزب الجمهوري للقبول به مرشحا عن الحزب. وقد تم له ذلك بسبب استمرار تصدره لقائمة المرشحين في الانتخابات التمهيدية. ولكن الحزب الجمهوري المحافظ لم يقدم على مغامرة اختيار ترمب إلا على مضض امتثالا لرغبة الناخبين.
وكان قادة الحزب الجمهوري يخشون من تبعات سجل ترمب العائلي الذي يعتقد بعض الجمهوريين أنه سجل ينم عن انفتاح أو ليبرالية، لا عن محافظة أو إيثار للقيم العائلية. كما أن تبرعاته لسياسيين ديمقراطيين وجمهوريين في وقت واحد كانت تجعلهم يعتبرونه تاجرا سياسيا، أو سياسيا تاجرا أكثر من كونه مؤطر حزبيا.
ومن النقاط التي كان الجمهوريون يخشون من أن يثيرها الحزب المنافس لهم في حال القبول بترشيح ترمب حياته الزوجية التي لم تكن مستقرة؛ إذ إن ترمب تزوج من مواطنة تشيكية هي إيفانا ترمب وأنجبا ثلاثة أطفال: دونالد الابن، وإيفانكا وإريك. وفي عام 1992 انفصلا عن بعضهما. وفي عام 1993، تزوج مارلا مابلس وأنجبا طفلا واحدا لكنهما انفصلا في 1999. ويقال إن سبب الانفصال هو علاقات ترمب الواسعة خارج نطاق الزوجية، وهو الأمر الذي يرفضه الجمهوريون المحافظون بشدة.
وإلى جانب ذلك، كانوا يخشون أن يفقدهم ترمب بعض قواعدهم الانتخابية بين الأقليات التي يهاجمها. إلا أنه كان يتعمد أن يخسر غالبية الأقليات من أجل أن يكسب كامل الأغلبية البيضاء، فكل ناخب من الأقليات يفقده ترمب يحصل بديلا عنه. في المقابل، فإن هذه الأغلبية تدرك أنه من دون أشخاص في مثل جرأة ترمب يسكنون البيت الأبيض، فلن تظل أغلبية بل ستفقد اللقب لغيرها خلال عقود قليلة مقبلة.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».