كتاب ونقاد مصريون: 6 أعوام ليست كافية لاختمار «أدب الثورة»

المشهد الأدبي ما بعد الربيع العربي

مظاهرة في ميدان التحرير 2011
مظاهرة في ميدان التحرير 2011
TT

كتاب ونقاد مصريون: 6 أعوام ليست كافية لاختمار «أدب الثورة»

مظاهرة في ميدان التحرير 2011
مظاهرة في ميدان التحرير 2011

في الحلقة السابقة نشرنا آراء لعدد من الكتاب والنقاد العرب حول الإنتاج الأدبي والربيع العربي، وهل ارتفع هذا النتاج، فنيًا وجماليًا، إلى مستوى الحدث، بوعوده وإلهاماته ومآسيه ومآله أيضًا، أم جاء سريعًا، منفعلاً، أو تسجيليًا قد ينتهي مع انتهاء الحدث ذاته؟
هنا آراء عدد من الكتاب من مصر والمغرب:

حمودة: نحتاج لوقت طويل
يرى الناقد د. حسين حمودة، أستاذ الأدب العربي بجامعة القاهرة، أن «الوقائع التي أحاطت بثورات الربيع العربي كان لها تأثير متعدد في الأدب، على مستوى تناولها كموضوعات للكتابة، وعلى مستوى ما ارتبط بها من وعي جديد، ومن أحلام وتوقعات، ومن إحباطات أيضًا. وهذه الوقائع حاضرة في عدد كبير من القصائد والقصص والروايات، وبغض النظر عن التعبير عنها في بعض هذه الأعمال بشكل متعجل أحيانًا، أو إقحامها على بناء أعمال أخرى. وهناك عدد كبير من الأعمال التي قمت بتحكيمها أقحمت تجربة ميدان التحرير في بنائها الروائي. على أية حال، فالوقائع الكبرى، مثل الثورات، قد تحتاج إلى وقت طويل للوصول إلى نظرة موضوعية مكتملة لها، ولتقييمها، ولاستكشاف آثارها القريبة والبعيدة. وعلى ذلك يمكن تصور أن هذه الوقائع التي ارتبطت بثورات الربيع العربي سوف تظل، لزمن طويل قادم، مادة غنية للكتابات الأدبية المتنوعة».
ويعتبر د.حمودة أن «ستة أعوام ليست فترة طويلة، ولا كافية لنظر لتجارب ثورات الربيع العربي. فهناك أعمال أدبية عالمية كبيرة، تناولت تجارب ثورات، بعد عشرات الأعوام من مرورها ومنها مثلا «الحرب والسلام» لتولستوي، ولهذا فلا يجب التعجل في كتابة أعمال عن تجارب مثل ثورات العربي لا يزال بعضها في طور الإكمال ولا تزال امتداداتها قائمة في كثير من البلدان العربية، ولا يزال المشهد الأخير لها لم يكتمل بعد».
وحول ما إذا كانت خشية بعض الأدباء من تصنيفهم «ضد أو مع» الثورة أثرت على المنتج الإبداعي في البلدان التي شهدت الثورات، يجد د. حمودة أن: «حرية التعبير بالنسبة لكثيرين من الكتاب العرب، حرية ليست كاملة، ولم تكن كاملة في أي زمن من الأزمنة، وبالتالي فالمساحة المحدودة التي يتحرك فيها بعض الكتاب الآن في تعبيرهم عن قضايا سياسية ليست قاصرة على الوقت الحاضر فقط، وإنما لها امتدادات قريبة وبعيدة في تاريخينا الأدبي والثقافي».

طلب: احذروا الأدباء الموسميين
«الأحداث السياسية ليست مقدمة للأدب الجيد»، هكذا لخص الشاعر والناقد د. حسن طلب، عضو لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة، وجهة نظره بالقول: «إن الأدب رفيع المستوى لا يكون أبدًا انعكاسًا للأحداث السياسية. فالأحداث تظهر، والثورات تقوم، والتغيرات تحدث، وتأتي بعض الكتابات لتعبر عن هذه الأشياء، وهذا النوع من الأدب الذي يكتب في ذيل الأحداث السياسية، عادة لا يعتبر الوجه المشرق للأدب، لذا فمن وجهة نظري أن الأدب يستطيع أن يثور في ذاته حتى لو لم تقم ثورة».
ويتحفظ د. طلب على معظم النتاج الأدبي الذي ظهر انعكاسًا لثورات الربيع العربي لأنه «ليس أدبًا رفيعًا بالمعنى الجمالي»، قائلا: «الأدب الرفيع هو الذي يثور ويهيئ للثورة ويمهد لها». ويقول: «علينا أن نبحث في الشعر الذي كان يقاوم الاستبداد قبل الثورات... فالأدب يقود ويشعل الثورة في النفوس يقود لكي يكون أدبًا حقيقيًا».
ويعتبر صاحب ديوان «إنجيل الثورة وقرآنها» وقصيدة «مبروك مبارك» التي توقعت برحيل مبارك وسخرت من ترشيحه لنفسه في الانتخابات أن هناك من انتهزوا قيام الثورة وظهروا كفقاعات الهواء وركبوا موجة الثورة من أجل ألقاب «شعراء الثورة» أو «أدباء الثورة»، وهؤلاء سرعان ما تلاشت فقاعاتهم، «علينا أن نحذر من هؤلاء (الأدباء الموسميين)». ويضيف: «إذا نظرنا للأحداث الكبرى وما كتب قبلها وما بعدها، مثل النكسة وحرب أكتوبر (تشرين الأول)، فلا يمكن تقييم الكتابة عنها في الفترة اللاحقة لها دون النظر لأهمية الأدب الذي كتب قبلها، في تلك الفترة كانت هناك أصوات في الشعر والرواية تتحدث عن الحريات والانتصار، مثل قصائد أمل دنقل».
عبد المجيد: اخترت الكتابة المباشرة عن الثورة

وحول استعانته بقالب الفانتازيا في روايته الصادرة بداية هذا العام «قطط العام الفائت» عن الدار المصرية اللبنانية، وإذا ما كان ذلك تفاديًا للوقوع في تصنيف نقدي للأعمال التي تناولت الثورة، يقول الروائي إبراهيم عبد المجيد: «الفانتازيا موجودة في رواياتي السابقة كلها ولكن بدرجات، وأكثرها وضوحًا في رواية (مسافات) و(بيت الياسمين) حتى (لا أحد ينام في الإسكندرية) فقد كان المشهد الأخير في نهايتها في قالب فانتازي». ويشير: «اخترت الكتابة عن الثورة بشكل مباشر جدًا في كتابي (لكل أرض ميلاد: أيام التحرير) وهي عبارة عن سيرة ذاتية لمعايشتي لأحداث الثورة. أما فيما يخص (قطط العام الفائت)، فقد عبرت عن الآراء السياسية في صورة مواقف لشخصيات الرواية وعبر الاستعانة بأساطير من الميثيولوجيا اليونانية (بيغاسوس) أو (الحصان المجنح) أو (الكنتاروس) أو (جسد حصان وجذع ورأس إنسان) وتدور الأحداث عام 2011 في بلد اسمه (لاوند) قامت فيه الثورة في اليوم نفسه الذي حدثت فيه الثورة في (مصرايم) المجاورة لها، لكن الحاكم بدلاً من أن يهرب أو يتخلى عن السلطة يلقي بجميع المتظاهرين إلى العام السابق ويقنع الشعب بأن العام هو 2010».
وحول «قرار» الكتابة عن الثورة، قال: «المسألة لا تخضع لقرار ولكن الفكرة ألحت علي وتركتها حتى تختمر وتخرج بتلقائية. بعد الثورة لم أفكر في كتابة الرواية وتركت الفكرة وأثناء إقامتي في مدينة (لاروشيل) الفرنسية على المحيط وجدت الفكرة تلح علي من جديد وبدأت الكتابة وأنجزتها في شهرين، وحينما عدت إلى مصر خلال 6 أشهر وساعدني وجود وقت فراغ كاف للانتهاء منها».
خاض عبد المجيد تجربة إبداعية في روايته «في كل أسبوع يوم جمعة» تلك التي صدرت قبل وقوع الثورة بثلاث سنوات وقدمت رصدًا لحالة التشتت والضياع التي كان يعاني منها المجتمع المصري وهروبه إلى الواقع الافتراضي والتي تسببت في اندلاع الثورة. وهو يعتقد أن «الكتاب الموهوبين عادة ما يسبقون الأحداث السياسية ولا يكونون تابعين لها».

سيد محمود:
أدب انكسار الثورة
أما الناقد والشاعر سيد محمود، رئيس تحرير جريدة القاهرة الثقافية، فقد رصد من خلال قراءاته عددًا من الظواهر التي تجسدت في المشهد الأدبي في الوطن العربي في أعقاب الثورات، ويقول متحدثًا عن المشهد الأدبي السوري: «ما جرى له أصداء في أعمال إبداعية كثيرة وهو أمر نلمسه بوضوح في سوريا حيث كان الأدب كاشفًا لحالة الاحتقان داخل المجتمع وتقدمت أصوات مثل: سمر يزبك، ومها حسن وفواز حداد، خالد خليفة، وخليل صويلح، وياسين حسن، ومنهل السراج ومصطفى خليفة على صعيد الكتابة الروائية، هذه الأصوات كانت تشي بحدوث شيء ما إيجابيًا أو سلبيًا. وحينما حدثت الثورة السورية أصبح هناك نصوص تعبر عن الحالة السورية في الخارج والداخل، تكاد تكون متطابقة لأنه ما أنتج كان خارج الشعار السياسي. وكان لديهم نضج في تجاربهم الأدبية والفنية وقدموا تصورًا عما جرى من منظور فني وإنساني بالغ الأهمية، ومن بين هذه النصوص ظهرت نصوص مباشرة تتبنى فكرة الشعار السياسي سواء مع أو ضد».
وعن المشهد الأدبي المصري قال: «الأمر نفسه موجود في مصر، حيث ظهرت نصوص تمهد لحالة التغيير وتمثلت في ظهور كثير من الكتاب المنخرطين في الحركات السياسية وبعضهم بدأ يقدم رواياته لما جرى، حتى إبراهيم أصلان الذي توفي بعد عام من الثورة كتب عدة نصوص صدرت في كتاب (انطباعات صغيرة حول حادث كبير). وظهرت نصوص تلبي الاحتياج السريع لفكرة الثورة».
ويعتبر محمود أن «الشعر بحكم طبيعته وتكوينه كان أسرع في أن ينخرط مباشرة في دعم الثورة ويلبي خطابها، وكان خطابًا إنشائيًا أكثر من أنه فني. إذا قمنا باستثناء نصوص مهمة في العامية مثل: نصوص مصطفى إبراهيم، أو بالفصحى نص عماد أبو صالح (كنت نائمًا حين قامت الثورة)، لكن ظهرت نصوص كثيرة لشعراء في أجيال مختلفة كانت ذات نبرة خطابية».
أما عن المشهد الروائي فيقول: «مع تقدم الحدث ظهرت نصوص مختلفة عن الثورة، مثل: الإطار الفانتازي في رواية (قطط العام الفائت) لإبراهيم عبد المجيد، و(جبل الزمرد) لمنصورة عز الدين، و(بياض ساخن) سهير المصادفة، و(أن تحبك جيهان) لمكاوي سعيد، و(التماسيح) ليوسف رخا، و(تجربة سيد الأهل) لأحمد صبري أبو الفتوح وكانت كلها عن السياق الثوري».
وتعتبر ظاهرة أدب «الديستوبيا»، وهو الأدب المضاد لـ«اليوتوبيا» - المدينة الفاضلة - هي الملمح الأهم من وجهة نظر الناقد سيد محمود، الذي أفرزته الثورات كرد فعل لانكسار الثورة، أو الواقع المرير، وهو نوع أدبي يمكن أن نسميه الأدب الكابوسي، ومن أبرز الأعمال في هذا النوع: رواية «يوتوبيا» لأحمد خالد توفيق، و«عطارد» محمد ربيع، و«نساء الكارنتينا» نائل الطوخي، و«استخدام الحياة» لأحمد ناجي. هذه الروايات خلقت أحداثها من «المكان الخبيث» وكأنه ملاحق بلعنة ويدفع بالنصوص لتصور مستقبل له طابع كابوسي، وتكون الرواية عنيفة ومتجردة من الإنسانية وكاشفة عن كوارث وجو قابض وتذهب مباشرة للعصب العاري في المجتمع؛ لأن هدفها تعرية الواقع بدلا من تجميله وتختفي وراء المستقبلية والتنبؤ بالمستقبل لتتحرر من سطوة الماضي وقهره».
وحول ما إذا كانت «الديستوبيا» خيارًا مرضيًا للهروب من سطوة التصنيف النقدي والسياسي للأدباء، قال: «أعتقد أنه كان اختيارًا فنيًا أكثر منه خيار سياسي، فمن الأمور الإيجابية أن معظم الكتاب كانوا منخرطين في دعم خطاب الثورة، وقد ظهرت نصوص ممتازة ورصدنا من خلالها تنوعًا جيليًا كبيرًا ما بين الشاب وجيل السبعينات مثلا».
يجد محمود أن «الديستوبيا» هي الملمح الطاغي على المشهد الأدبي في مصر والعراق واليمن كرد فعل للثورات العربية ومآلاتها. ويقول: «نجد هذا الملمح الكابوسي طاغيًا على الأدب المصري الجيد في الفترة الأخيرة، وخصوصًا الشباب الذين كانت لديهم خسارة مباشرة من تراجع الأمل. وهذا النوع من الكتابة موجود في اليمن أو العراق التي تعاني من الصراع السياسي، وأبرزها: «فرانكشتين في بغداد» لأحمد سعداوي، و«يا مريم» لسنان أنطون، وأعمال الروائي العراقي علي بدر».



محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended


رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ