مستقبل الاقتصادات العربية في ظل الثورة الصناعية الرابعة

التهيؤ لـ«الطفرة التقنية» حتمي حفاظًا على آلاف الوظائف

جانب من جلسة تناولت الإصلاحات الاقتصادية في العالم العربي بمنتدى دافوس أمس («الشرق الأوسط})
جانب من جلسة تناولت الإصلاحات الاقتصادية في العالم العربي بمنتدى دافوس أمس («الشرق الأوسط})
TT

مستقبل الاقتصادات العربية في ظل الثورة الصناعية الرابعة

جانب من جلسة تناولت الإصلاحات الاقتصادية في العالم العربي بمنتدى دافوس أمس («الشرق الأوسط})
جانب من جلسة تناولت الإصلاحات الاقتصادية في العالم العربي بمنتدى دافوس أمس («الشرق الأوسط})

خصص منتدى الاقتصاد العالمي في «دافوس»، أمس، جلسة خاصة بمستقبل الاقتصادات العربية في ظل التحديات التي يطرحها ما يعرف بـ«الثورة الصناعية الرابعة»، وعصر التكنولوجيا و«الأتمتة» الذي بدأ يفرض واقعا جديدا في المنطقة والعالم.
وشارك في هذه الجلسة التي نظمت بتعاون مع قناة «العربية»، رئيس الحكومة التونسي يوسف الشاهد، ووزير التجارة والصناعة المصري طارق قابيل، والرئيس التنفيذي لشركة الاتصالات السعودية خالد بياري، والرئيس التنفيذي لشركة تطبيقات «بلوك تشين» بيتر سميث.
وخلال ساعة نقاش، أجمع المشاركون على ضرورة تهيئة الاقتصادات العربية لاستيعاب الطفرة التكنولوجية الحالية، التي تهدد آلاف، إن لم يكن ملايين، الوظائف. واتفق المشاركون على أن الطريقة الأنسب للاستفادة من هذه الطفرة في تنمية الاقتصادات الوطنية، دون تهميش الوظائف التقليدية وإخراج آلاف عمال المصانع وموظفي الإدارات من أعمالهم، هي عبر تطوير وإصلاح ثلاثة جوانب أساسية؛ هي البنية التحتية، والتعليم والمهارات، والقوانين التنظيمية.
ومعلقا على هذه الجوانب الثلاث، قال الشاهد إن بلاده التي لا تزال تعاني عواقب ثورة 2011، مستعدة لمواجهة واستيعاب الطفرة التكنولوجية من حيث التعليم والمهارات، وتعمل على تطوير بنيتها التحتية من حيث ربط جميع أرجاء تونس بالإنترنت مثلا؛ إلا أنها تحتاج إلى تطوير وتعزيز بيئة مناسبة فيما يتعلق بالقوانين التنظيمية.
وحول الجانب الأخير، أوضح سميث أن الحكومة التونسية، على غرار دول كثيرة أخرى، تواجه تحديا لا يحسدون عليه؛ وهو تحقيق توازن بين سن قوانين تنظيمية مرنة لاستيعاب التغيرات السريعة والكبيرة التي يطرحها التقدم التكنولوجي، وبين الحفاظ على الأمن والاستقرار عبر منع متطرفين ومجرمين إلكترونيين من استخدام هذه المنصات لصالحهم.
من جهته، شدد بياري على أهمية إصلاح الأنظمة التعليمية في العالم العربي وتطوير المهارات التقنية المطلوبة لوظائف المستقبل، كما شدد على ضرورة التحاق الشركات في المنطقة بقاطرة التحول التكنولوجي عبر توفير برامج تدريبية لموظفيها بهدف تعزيز مهاراتهم وتطويرها حسب الاحتياجات.
من جانبه، وردا على كيف يمكن للاقتصاد المصري الاستفادة من الثورة الصناعية الرابعة، قال قابيل إن «القطاع السياحي في بلاده عانى بشدة تبعات الهجمات الإرهابية التي استهدفت مصر والمنطقة خلال الفترة الأخيرة»، إلا أنه لفت إلى أن حكومته تعمل على تطوير منتجات تكنولوجية «غير تقليدية» لدعم الاقتصاد السياحي.
وضرب الوزير المصري مثالا بمشروع تطبيق متاح في جميع أرجاء العالم، يتيح لمستخدميه أينما كانوا زيارة أبرز المواقع السياحية المصرية، ودخول متاحفها بمقابل مالي، كما يستطيعون شراء منتجاتها ليتصلوا بها لاحقا.
أما فيما يتعلق بما يمكن وصفه بـ«الإصلاحات الاقتصادية التقليدية» في العالم العربي، فقال وزير الحكومة التونسية ردا على سؤال «الشرق الأوسط» حول تعزيز جاذبية تونس للاستثمارات الخارجية، إن تونس رغم الصعوبات الاقتصادية التي تمر بها لا تزال وجهة استثمارية متميزة عالميا، بأكثر من 3000 شركة أجنبية تستثمر بها... إلا أنه لفت إلى أن المزيد من الجهود مطلوب في هذا الإطار، مشيرا إلى أن تونس نظمت مؤتمر الاستثمار بعنوان «تونس 2020» لتحقيق هذا الهدف.
على صعيد متصل، وفي جلسة ثانية حول «تسارع الإصلاح في العالم العربي»، أشار مجيد جعفر، الرئيس التنفيذي لشركة «نفط الهلال»، إلى أن هناك ستة تحديات يواجهها القطاع الخاص في العالم العربي لمواكبة جهود التنمية الاقتصادية والإصلاحات التي يقودها القطاع العام.
وقال جعفر إن «القطاع الخاص في المنطقة يحتاج إلى إصلاح سوق العمل وقدرة العاملين على التنقل، وإصلاح قوانين الإفلاس، وتسهيل إجراءات إنشاء شركة؛ وهي عملية تتطلب في بعض دول المنطقة 90 إجراء قانونيا، وتصل مدتها إلى سنة كاملة». أما الإصلاح الرابع وفق جعفر، فهو «تعزيز العقود بين مؤسسات القطاعين الخاص والعام، وخامسا إصلاح عمليات الوساطة التجارية، وأخيرا اعتماد قواعد الحوكمة الجيدة والشفافية».
وفيما تبقى هذه الإصلاحات قابلة للتنفيذ في المدى القصير إلى المتوسط، يرى جعفر أن إصلاحا رئيسيا لتصحيح مسار الاقتصادات العربية هو تحقيق توازن بين المهارات المطلوبة في القطاعين الخاص والعام ومنظومة التعليم.
في هذا الصدد، قال وزير التخطيط الأردني عماد فاخوري، ردا على سؤال «الشرق الأوسط»، إن إصلاح المنظومة التعليمية في المنطقة يرقى إلى «أولوية»؛ لضمان الاستقرار الاقتصادي والسياسي في بلداننا. وأوضح فاخوري أنه «في الوقت الذي تحتاج فيه المنطقة إلى خلق 100 مليون فرصة عمل خلال السنوات العشر المقبلة، يعد هذا الهدف أساسيا؛ ليس في تطوير اقتصاداتنا فحسب، بل في ضمان الاستقرار»، لافتا إلى أن «البلدان التي عانت تبعات الثورات كانت تعاني قبل ذلك مستويات بطالة مرتفعة، أغلبها سببها عدم التطابق بين حاجيات سوق العمل والمهارات الموجودة».
كما علق جعفر لـ«الشرق الأوسط» قائلا إنه في شمال أفريقيا مثلا، أصحاب «الشهادات العالية» يعانون أكثر البطالة؛ مقارنة مع غيرهم.



الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
TT

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)

كشفت الهيئة العامة للإحصاء عن أداء استثنائي للقطاع الصناعي السعودي في نهاية عام 2025، حيث حقق الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي نمواً سنوياً بلغت نسبته 8.9 في المائة مقارنة بشهر ديسمبر (كانون الأول) من العام السابق.

ويعكس هذا الارتفاع حالة الانتعاش في الأنشطة الاقتصادية الرئيسة، وعلى رأسها التعدين، والصناعة التحويلية، مما يعزز من مكانة القطاع باعتبار أنه رافد أساسي للاقتصاد الوطني.

الإنتاج النفطي

لعب نشاط التعدين واستغلال المحاجر دوراً محورياً في دفع المؤشر العام نحو الأعلى، حيث سجل نمواً سنوياً لافتاً بنسبة 13.2 في المائة بحلول ديسمبر. ويُعزى هذا الزخم بشكل أساسي إلى ارتفاع مستويات الإنتاج النفطي في المملكة لتصل إلى 10.1 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ 8.9 مليون برميل في الفترة المماثلة من العام الماضي. على أساس شهري، شهد المؤشر استقراراً نسبياً بزيادة طفيفة بلغت 0.3 في المائة فقط مقارنة بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) السابق.

الصناعة التحويلية

وفي سياق متصل، أظهر قطاع الصناعة التحويلية مرونة عالية بنمو سنوي قدره 3.2 في المائة، مدعوماً بقوة الأداء في الأنشطة الكيميائية والغذائية. وقد برز نشاط صنع المواد الكيميائية والمنتجات الكيميائية بوصفه من أقوى المحركات في هذا القطاع مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 13.4 في المائة، تلاه نشاط صنع المنتجات الغذائية الذي نما بنسبة 7.3 في المائة. أما على الصعيد الشهري، فقد حافظ المؤشر على وتيرة إيجابية بزيادة قدرها 0.3 في المائة، حيث قفز نشاط المنتجات الغذائية منفرداً بنسبة 9.6 في المائة، ونشاط المواد الكيميائية بنسبة 2.8 في المائة مقارنة بنوفمبر 2025.

إمدادات المياه والخدمات العامة

أما بالنسبة للخدمات العامة، فقد سجل نشاط إمدادات المياه وأنشطة الصرف الصحي وإدارة النفايات ومعالجتها ارتفاعاً سنوياً قوياً بنسبة 9.4 في المائة. وفي المقابل، واجه نشاط إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء انخفاضاً بنسبة 2.5 في المائة مقارنة بديسمبر 2024. ولوحظ انكماش شهري في هذين القطاعين بنسب بلغت 7.2 في المائة و13.1 في المائة على التوالي عند المقارنة بشهر نوفمبر 2025، مما يشير إلى تأثر الإنتاج بالتقلبات الموسمية، أو جداول الصيانة الدورية.

توازن الأنشطة النفطية وغير النفطية

ختاماً، تُظهر البيانات توزيعاً متوازناً للنمو بين الركائز الاقتصادية للمملكة، حيث حققت الأنشطة النفطية ارتفاعاً سنوياً بنسبة 10.1 في المائة، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً ثابتاً بنسبة 5.8 في المائة. وعند النظر إلى الأداء قصير المدى، يتبين أن الأنشطة غير النفطية حافظت على تفوقها الشهري بنمو قدره 0.4 في المائة، في حين سجلت الأنشطة النفطية انخفاضاً شهرياً طفيفاً بنسبة 0.3 في المائة، مما يعكس استراتيجية التنويع الاقتصادي المستمرة في المملكة.


ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
TT

ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)

في واحدة من أكثر تصريحاته الاقتصادية إثارة للجدل، وضع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقفاً مرتفعاً جداً لمرشحه الجديد لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وورش، مؤكداً أنه قادر على دفع عجلة الاقتصاد الأميركي لتحقيق معدلات نمو تاريخية تصل إلى 15 في المائة.

هذه التصريحات لا تضع ضغطاً هائلاً على وورش فحسب، بل تعلن رسمياً بداية معركة ترمب لكسر التقاليد النقدية المتبعة في واشنطن منذ عقود.

ندم «تاريخي» واعتراف بالخطأ

خلال مقابلة مطولة مع شبكة «فوكس بيزنس»، عاد ترمب بالذاكرة إلى الوراء ليعرب عن ندمه الشديد على تعيين جيروم باول رئيساً للبنك المركزي في ولايته الأولى. ووصف هذا القرار بأنه كان «خطأً كبيراً جداً»، كاشفاً أن كيفن وورش كان هو «الوصيف» في ذلك الوقت.

وحمّل ترمب وزير خزانته السابق، ستيفن منوشين، مسؤولية هذا الاختيار، قائلاً: «لقد أصرَّ وزيري حينها على باول بشكل لا يصدق... لم أكن مرتاحاً له في قلبي، لكن أحياناً تضطر للاستماع للآخرين، وكان ذلك خطأً جسيماً».

ترمب والسيناتور الأميركي تيم سكوت وباول خلال جولة في مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يونيو الماضي (رويترز)

أحلام النمو... هل هي واقعية؟

عند الحديث عن وورش، لم يتردد ترمب في رسم صورة «إعجازية» للمستقبل الاقتصادي، حيث صرح للشبكة: «إذا قام وورش بالعمل الذي أعلم أنه قادر عليه، فيمكننا أن ننمو بنسبة 15 في المائة، بل أعتقد أكثر من ذلك».

هذا الرقم أثار دهشة الأوساط الاقتصادية؛ فالاقتصاد الأميركي نما بمتوسط 2.8 في المائة سنوياً على مدار الخمسين عاماً الماضية، ولم يسبق للناتج المحلي الإجمالي أن لامس حاجز الـ 15 في المائة إلا في حالات استثنائية جداً، منها فترة التعافي من إغلاقات كورونا في 2020. ومع ذلك، يبدو ترمب مصمماً على أن وورش هو الشخص القادر على تحقيق هذه القفزة التي تتجاوز كل التوقعات التقليدية.

لا لرفع الفائدة

كشف ترمب بوضوح عن المعيار الذي اختار على أساسه وورش، وهو الرغبة في خفض أسعار الفائدة. وأكد أنه لم يكن ليختار وورش لو كان الأخير يدعو إلى رفع الفائدة، مشدداً على رغبته في مرشح يدفع بالنمو إلى أقصى حدوده.

ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس «مقامرة» اقتصادية كبرى؛ إذ إن تحقيق نمو يقترب من 15 في المائة قد يؤدي تقنياً إلى انفجار في معدلات التضخم التي لا تزال تكافح للوصول إلى مستهدفاتها، وهو أمر يبدو أن ترمب لا يراه عائقاً أمام طموحاته قبل الانتخابات النصفية.

رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر صحافي (رويترز)

جدار الصد في «الكابيتول هيل»

على الرغم من حماس ترمب، فإن طريق وورش نحو رئاسة الفيدرالي مزروع بالألغام السياسية. فقد أعلن السيناتور الجمهوري البارز ثوم تيليس عزمه عرقلة أي عملية تصويت لتأكيد تعيين وورش في مجلس الشيوخ.

ويأتي تهديد تيليس احتجاجاً على سلوك إدارة ترمب تجاه جيروم باول، حيث تلاحق وزارة العدل باول في تحقيقات تتعلق بمشروع تجديد مبنى الفيدرالي، وتصريحاته حول التكاليف. ويرى تيليس أن هذه الملاحقات القضائية هي محاولة لترهيب رئيس البنك المركزي، وتقويض استقلاليته.

«إذا حدث التأجيل... فليحدث»

بدا ترمب غير مبالٍ بتهديدات التعطيل في مجلس الشيوخ، حيث سخر من معارضة تيليس قائلاً: «لقد حاربت تيليس لفترة طويلة، لدرجة أنه انتهى به الأمر بالاستقالة». وعندما سُئل عما إذا كان التحقيق مع باول يستحق تعطيل ترشيح وورش، أجاب ببرود: «لا أعلم، سنرى ما سيحدث... إذا حدث التأجيل، فليحدث»، في إشارة واضحة إلى أنه لن يتراجع عن ملاحقة باول قانونياً حتى لو كلّفه ذلك تأخير تعيين خليفته.


«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
TT

«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)

في خطوة تعكس فقدان «الراحة» والاطمئنان تجاه الأصول الأميركية، بدأت الصين مساراً استراتيجياً لتقليص تبعية نظامها المصرفي لديون واشنطن، في عملية وُصفت بـ«الهروب الهادئ»، لتفادي الصدمات العنيفة في الأسواق.

تعليمات صينية خلف الأبواب المغلقة

كشفت مصادر مطلعة لـ«بلومبرغ» أن السلطات التنظيمية في بكين، وعلى رأسها بنك الشعب الصيني، أصدرت توجيهات للمؤسسات المالية المحلية بضرورة كبح حيازاتها من الديون الأميركية. هذه التعليمات تضمنت حث البنوك ذات «التعرض العالي» على تقليص مراكزها فوراً، بذريعة حماية القطاع المصرفي من «مخاطر التركز»، والتقلبات الحادة.

ورغم أن القرار استثنى «الاحتياطيات السيادية» الرسمية، فإن الأسواق استقبلته بوصفه إشارة حمراء، مما رفع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوراً إلى 4.2359 في المائة.

لغة الأرقام

تُظهر البيانات الدقيقة الواردة من وزارة الخزانة الأميركية أن الصين بدأت بالفعل مساراً نزولياً في حيازاتها:

  • الصين: بعد أن كانت تمتلك 767 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، رفعت حيازتها لتتجاوز 900 مليار دولار في أغسطس (آب) 2025، لكنها عادت للتراجع السريع لتصل إلى 888.5 مليار دولار بحلول نوفمبر 2025، حيث باعت في شهر واحد ما قيمته 5.39 مليار دولار. ويرى مراقبون أن فقدان هذا المصدر للطلب سيشكل ضربة قوية لسوق سندات الخزانة الأميركية البالغ 30.3 تريليون دولار، لكن يبقى من الصعب قياس التأثير.
  • التكتل الصيني: تشير بيانات «آي إن جي» إلى أن إجمالي ما تمتلكه الصين وهونغ كونغ معاً بلغ 938 مليار دولار بنهاية نوفمبر الماضي، مما يضعها في المرتبة الثالثة عالمياً باعتبارها أكبر حامل للدين الأميركي.
  • دول بريكس الأخرى: لم تكن الصين وحدها؛ فقد قلّصت البرازيل حيازتها من 229 مليار دولار إلى 168 ملياراً خلال عام واحد، كما تراجعت استثمارات الهند من 234 مليار دولار إلى 186.5 ملياراً.

توقيت «الاتصال الساخن» وظلال ترمب

ما يمنح هذا التحرك ثقلاً سياسياً استثنائياً هو صدوره قبيل اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويأتي هذا الحذر الصيني وسط تزايد حالة عدم اليقين تجاه سياسات إدارة ترمب الثانية؛ حيث أدى نهجه الذي لا يمكن التنبؤ به في ملفات التجارة والدبلوماسية، وهجماته المتكررة على الاحتياطي الفيدرالي، وزيادة الإنفاق العام، إلى دفع المستثمرين الدوليين للتساؤل علانية: هل لا تزال الديون الأميركية مكاناً آمناً؟

وفي هذا الإطار، قال مصرف «يو بي إس» إن فكرة تراجع رغبة المستثمرين الدوليين في شراء الديون الأميركية باتت تستحوذ على اهتمام الأسواق فعلياً.

بين «سلاح الديون» واستراتيجية التحوط

بينما يقلل وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، من أهمية تحركات المستثمرين الأجانب، يرى خبراء أن هذه الضغوط تأتي في وقت «هش» للدولار.

الواقع الجديد يشير إلى أن المستثمرين العالميين لم يعودوا يرغبون في استخدام ديون واشنطن أداة «عقاب سياسي» فحسب، بل بدأوا استراتيجية «التحوط الكبرى» (Hedging). فهم يريدون البقاء في السوق الأميركية القوية بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنهم في الوقت نفسه يقلصون مشتريات السندات، لحماية أنفسهم من انهيار محتمل في قيمة الدولار، أو تذبذب حاد في الفائدة.