«سلاف بغداد»... عراق ما بعد 2003

تمتد جغرافيًا ما بين العاصمة وبعشيقة والناصرية والمناطق الغربية

شارع الرشيد  -  غلاف الرواية
شارع الرشيد - غلاف الرواية
TT

«سلاف بغداد»... عراق ما بعد 2003

شارع الرشيد  -  غلاف الرواية
شارع الرشيد - غلاف الرواية

صدرت أخيرًا عن دار المركز الثقافي العربي في بيروت رواية «سُلاف بغداد» ديسمبر (كانون الأول) 2016 للناقد والأكاديمي د. محسن الموسوي، أستاذ الأدب المقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك، وتشكل في رصيده الروائي الخامسة، بعد «أوتار القصب» و«دون سائر الناس: انفعالات الرقم 46»، و«درب الزعفران»، و«العقدة».
وسُلاف هو أسم المشرب الذي يقع في الطرف الشرقي لشارع الرشيد، قبالة محلات «الجقمقجي للتسجيلات والأسطوانات». هذا المشرب الذي ذاع صيته بين الأدباء والشعراء في الخمسينات البغدادية، فقد ارتاده كاظم جواد، ورشدي العامل، ومحيي الدين إسماعيل والسياب، إذا ما توفرت النقود، واستمرت سمعته في المراحل التالية قبل أن تدفع به محلات شارع أبي نؤاس إلى المرتبة الثانية أو الثالثة. كانت مطالع التحذيرات تنبّه القارئ إلى أنه بصدد تداخل الوهم بالواقع، والأسماء الحقيقية لأشخاص تاريخيين تستدعي الأوهام أحيانًا والحقائق في أحيان أخرى. وما هذا تريده الرواية بجمعها وحشدها للأسماء والمسميّات والأماكن. تبتدئ الرواية بصوت لسيرة بنت محمد، مدرّسة الجغرافية في ثانوية «العقيدة» للبنات. تقول: «توسدت الليلَ ونمتُ...».. لكنها نامت في ظلام بغداد المحتلة، يخاتلها «سرّ» ما، داعب مخيلتها وأبقاها أسيرته على مدى أشهر، بينما كانت تتساءل عما تسمعه عن «حمدي السماك» الشاعر والروائي الذي يراه الناس واجمًا منذ مشادة قديمة في «سُلاف»، ادعى فيها القدرةَ على إنهاء حياة الطرف الآخر في المشاجرة بجرة قلم في رواية مقبلة. مات الطرف الآخر فعلاً. وكان أن ذُهلَ السماك: ترى هل يكتب بعد ذلك؟ وماذا لو تحولت هذه إلى وقائع؟ هنا تبتدئ الرواية متخذة مجموعة مسارات وبناءات سردية متوازية. هناك في بغداد الموحشة كان له أن يقع على صحبة فريدة تمناها من قبل، لكنها بدت مستحيلة. كان ذلك اللقاء بالعالم العراقي يوحنا السرياني في سرداب عتيق عصي على أعين الميليشيات هو مفتتح جملة المغاليق على أصعدة الروي ما بين رحلات فعلية، كرحلة «الحمير»، وجولات ليلية مع المجانين والمشردين في عالم غامض مضطرب لا تنيره غير ذبالة ضوء خافت وشمعة هنا أو هناك تتيح قليلاً من الفضاء للكتابة والرسم والتفكير. كل هذه الأسرار والجولات واللقاءات تفتح نافذة هنا أو هناك، وتجعل الرواية مجموعة من الألغاز والحلول. لكن النافذة الغريبة هي تلك التي يفتحها اللقاء بالعالم السرياني وابنته، فالعالم يريد لابنته الشفاء من علة طالتها بعدما شهدت عام 1991 وفواجعه، السماك يبصر المشهد بعين المحب الذي تتفجر في داخله الرغبة في الإنشاد والكتابة. لكن هؤلاء الأشخاص يتفقون على أمور ويختلفون في أخرى: أي أن السرد يتقصّد مساراته وبناءاته لينقاد القارئ في دروبها وثناياها، مطلعًا في الوقت نفسه على وقائع تاريخية من أيام الغزو المغولي تسترجعها الذاكرة لتعمّق من تبئير الرؤية السردية. ستنفرج الرواية في حلول طبعًا، وسيعود السماك إلى الكتابة، لكن ذلك لا يتم بسهولة: فثمة مكابدة وشجن وهوس وخوف وقلق. ويلقي التاريخ بظلاله على مجريات السرد فيلتبس الحاضر والماضي وترتجف اللحظة بانتظار حزمة ضوء تعيد للزمن مسارًا معقولاً. وقد ينتهي القارئ إلى التساؤل: تُرى مَنْ يصنع مَنْ؟ هل الفن هو صانع واقعه؟ أم هل أن الواقع وبضمنه التاريخ يوجد الفن، لكن الرواية تحيد عن «تعالم» المفكرين والمثقفين، ولا تضع القارئ عمدًا في لحظة لبس والتباس. وهي لا تقدم وصفات جاهزة. «رجال الروي» هنا لا يمتلكون مفتاحًا سحريًا لكنهم يتعاملون مع مجريات الأمور بعين المتأمل والشريك والراغب والمرغوب، كما لا تعوّل الرواية على بنيات سردية متعددة: فغايتها السرد نفسه، كما ينبغي أن يكون، منقادًا بسلاسة وهدوء لا تكسرها غير مفاجآت محدودة بعضها من الحاضر والآخر من الماضي. لكن الذي يتبقى في الذاكرة هو «سُلاف» نفسه بما يعنيه من عصارة، و«سُلافة» وما يجمعه ويكثّفه من الزمن، والفضاء، والذاكرة والحدث. سيبقى «سُلاف» في الذاكرة دليلاً في خريطة يُراد لها أن تنقرض وتنمحي، لكنه يراهن على «التاريخ» بعد عدة قرون كان يتخذ فيها تسمياتٍ مختلفة لديارات شغلت مساحة كبيرة ما بين الشماسية وموقعه الحالي في طرف شارع الرشيد. إن «سُلاف بغداد» رواية لوعة وطرب وشجن، كما أنها رواية تدين الدمار الذي يلحق ببغداد وأهلها وذاكرتها منذ قدوم الحمقى والجبابرة والفاسدين. وعندما سألت المؤلف عن الأسباب التي تكمن وراء اختيار «سُلاف» عنوانًا لروايته، قال إنه لم يحضر في هذا المشرب غير مرة واحدة، لكن صورته انطبعت في الذاكرة، وعندما كان يزور محلات «الجقمقجي» قبالة «سُلاف» كان يسمع وقعًا موسيقيًا ما بين الأسطوانات وما بين هذا المشرب. لربما كان الرواد ينشغلون بالأحاديث والمناقشات، وقد يكثر الصخب أو يقل، لكنه أي البار، كان في النتيجة منتدى آخر من منتديات بغداد يستعيد في ذاكرة رواده الديارات القديمة وما يجري فيها من حوارات ولقاءات وأناشيد. لكني تساءلت أيضًا عما إذا كان المؤلف يتباعد قصدًا عن روايته السابقة «دون سائر الناس: انفعالات الرقم 46»، يقول: لا أعتقد أن تلك الرواية الجاحظية أسلوبا والساخرة نسبيًا تضع اليد على معنى ما أنا بصدده: «هل يخلق الفنان عالمًا قد يتحقق؟ ترى هل أنه يقارب ويتباعد كما يقول القدامى عن الأدب؟». تنطلق تلك الرواية من الإشارة الاستعارية في القرآن عندما «تشهد جلودهم...» لكني سأنتزع الاستعارة وأتعامل مع الأمر حرفيًا في دكان أسكافي حيث تتحدث جلود الغزلان والجِمال والأرانب والمخلوقات الأخرى وتتحاور، وتنبّه إذا ما دخل قومندار أو صاحب سلطة و«بسطال» إلى المحل. كما إنها هي الأخرى تهرش جلد من تريد كما يفعل «بسطال» القومندار بصاحبه. والخلاصة أن هذا الهامش، الجلود في محل الأسكافي، تثأر لنفسها من «القومندار» الدموي... تُرى هل كنت أدرك ما سيكون؟ الكتابة لا تعرض الماضي أو المستقبل: لكنها تأتي بما يفتح المجال للتأمل والتساؤل وخلخلة الواقع. وهذا ما أقوله بصدد هذه الرواية أيضًا أي «سُلاف بغداد». ولكن ماذا عن «أوتار القصب» التي لم يُتَح لها الانتشار خارج العراق لأنها صدرت أيام هجوم 1991، هل لها علاقة بهذه الفكرة؟ يقول المؤلف: «تلك رواية تقع ما بين روايات ما بعد الاستعمار بامتياز. إن (الرومانس) الذي يجعل منها محببة لدى النقاد العراقيين كفاضل ثامر وحميد سعيد مثلاً هو الذي يوجد لهب المقاومة وشعلة الصّد والمواجهة، تمامًا كما هو الأمر في (سُلاف) عندما نعرف أن صاحبه (مطارد) من قبل سلطة الاحتلال وزبانيته. (الرومانس) هو الذي يوقد هذه الشعلة. وهذا ما يجهله بعض روائيي هذه الأيام، متناسين أن شعلة (الأدب) وشعريته رومانسية أولاً».
قلت للمؤلف إن خريطة «سُلاف بغداد» واسعة، امتدت جغرافيًا ما بين بغداد وبعشيقة والناصرية والمناطق الغربية من العراق. هل تريد أن تقول شيئًا ضد دعاة التقسيم والشرذمة مثلاً؟ يقول: «ربما كان ذلك في الوعي الذي سكن السرد. لم أفكر بذلك. لكن هذه هي مساحة البلاد التي عُرفت بسفساءاتها على مدى القرون والتواريخ. لكنها لم تجعل من هذه حجة للتقاتل والاختلاف والسيطرة والانتقام. العراقيون يمتلكون ولاءً للعراق. هكذا أود أن أقول. أما الفرقة العنصرية والدينية والطائفية فهي من ترتيب ذوي المصلحة في الانشقاق والنهب والسرقة والفساد وهدم البلاد. (سُلاف بغداد) تعرض للعراق جسدًا له نتوءاته شأن غيره، لكنه جسد له قلب وانتماء وذاكرة. وهذا هو المهم. لم أقصد كتابة ذلك، ولكن إن برز ذلك في الرواية، فلأنه يحيل إلى وعي أشارك فيه غيري من العراقيين».
وهكذا يبرهن لنا محسن الموسوي أنه قادر على أن يمسك بالسرد الروائي كما يمسك بنظرية السرد في ذات التألق والانبهار والعمق في «سُلاف بغداد».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.