الطموحات الهندية تمتد لآسيا الوسطى

لكن منافستها الصين تسير بخطوات حثيثة بمبادرة «حزام واحد وطريق واحد»

الرئيس الهندي برناب موخارجي (الثاني من اليسار) مع نظيره ألمازبيك أتامباييف رئيس جمهورية قيرغيزستان (الثاني من اليمين) ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي (يسار) وزوجة رئيس قيرغيزستان رئيسة إتمباييفا في نيودلهي الشهر الماضي  (إ.ب.أ)
الرئيس الهندي برناب موخارجي (الثاني من اليسار) مع نظيره ألمازبيك أتامباييف رئيس جمهورية قيرغيزستان (الثاني من اليمين) ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي (يسار) وزوجة رئيس قيرغيزستان رئيسة إتمباييفا في نيودلهي الشهر الماضي (إ.ب.أ)
TT

الطموحات الهندية تمتد لآسيا الوسطى

الرئيس الهندي برناب موخارجي (الثاني من اليسار) مع نظيره ألمازبيك أتامباييف رئيس جمهورية قيرغيزستان (الثاني من اليمين) ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي (يسار) وزوجة رئيس قيرغيزستان رئيسة إتمباييفا في نيودلهي الشهر الماضي  (إ.ب.أ)
الرئيس الهندي برناب موخارجي (الثاني من اليسار) مع نظيره ألمازبيك أتامباييف رئيس جمهورية قيرغيزستان (الثاني من اليمين) ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي (يسار) وزوجة رئيس قيرغيزستان رئيسة إتمباييفا في نيودلهي الشهر الماضي (إ.ب.أ)

أعربت الهند، من خلال استضافتها مؤخرا ألمازبيك أتامباييف، رئيس جمهورية قيرغيزستان، وإمام علي رحمن، رئيس جمهورية طاجيكستان، عن نواياها الصريحة بشأن توطيد علاقاتها بدول آسيا الوسطى. التحول في علاقات الهند بآسيا الوسطى جاء مع انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1992، وهناك الكثير من التفسيرات التي توضح هذا التوجه، ومن أبرزها أن الهند كانت متفاعلة وبشكل كبير مع أقرب جيرانها إليها، ولا سيما باكستان، خصوصا فيما يتعلق بقضية إقليم كشمير الشهيرة. ثانيا، أن الهند الآن تعمل بمفردها في النظام الدولي، حيث فقدت الدعم والتأييد من القوة العظمى السابقة، أي الاتحاد السوفياتي، الذي شهد التفكك والاضمحلال في أعقاب الحرب المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية في أفغانستان.
وعلى الرغم من ذلك، استيقظت الهند في وقت متأخر لتدرك التغيرات السريعة في الحقائق الجيو - سياسية والجيو - اقتصادية الجارية في وسط آسيا. وكان رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي هو أول من زار دول هذه منطقة (أوزبكستان، وكازاخستان، وتركمانستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان) أثناء رحلة واحدة خلال العام الأول من توليه لمهام منصبه.
يقول الخبير الاستراتيجي كيه. سوبرامانيان، المتخصص في شؤون المنطقة: «حازت آسيا الوسطى أهمية كبيرة، ليس فقط من واقع أنها جار ممتد مع روابط حضارية قديمة، ولكن بسبب المميزات الاقتصادية، والأمنية، والنفطية الهائلة. وحيث إن المنطقة غنية بشكل كبير فيما يخص السلع الأساسية، مثل القطن، والذهب، والنحاس، والألمونيوم، والحديد، ومع الأهمية المتزايدة لموارد النفط والغاز الطبيعي في المنطقة قد ولدت منافسات جديدة بين مختلف القوى الخارجية. سرعان ما طوقت دول آسيا الوسطى بمبادرة (حزام واحد وطريق واحد) الصينية. ولا يمكن للهند غض الطرف عن آسيا الوسطى إن كان لها طموح حقيقي في المحافظة على وضعية القوة الصاعدة في النظام الدولي».
من الحوافز الأخرى لإلقاء نظرة متفحصة على منطقة آسيا الوسطى، هي أن الهند بدأت تفقد ميزة «الجوار العاجل» لصالح الصين، التي طورت من العلاقات السياسية والاقتصادية الجيدة مع ما يقرب من دول الجوار للهند كافة، ومن ثم التحول إلى وضعية التطويق الاستراتيجي ضد الهند.
يقول مارتاند جها، الباحث البارز في مركز دراسات روسيا وآسيا الوسطى التابع لجامعة جواهر لال نهرو بمدينة دلهي: «حققت الصين اختراقات عميقة في قلب جمهوريات آسيا الوسطى من حيث الاستثمارات مع المنطقة، عندما قام الرئيس الصيني شي جين ببينغ في رحلة حول دول آسيا الوسطى قبل عامين من الآن، كانوا يرحبون به مثل الملوك الفاتحين الحاملين للهدايا والعطايا والمنح. وشرعت الصين في شراء احتياطيات النفط والغاز الطبيعي، وإبرام الصفقات العسكرية، والدخول في مشروعات البنية التحتية. هذه السياسة نظر إليها من زاوية البديل عن مبادرة طريق الحرير الصينية الأولى ومبادرة حزام واحد وطريق واحد الثانية».
تشير بعض التقديرات إلى أن الصين تملك ما يقرب من ثلث احتياطات النفط والغاز الطبيعي في تلك المنطقة. ومن دون شك، وأغلب مشروعات البنية التحتية لخطوط الأنابيب قد استكملت لتغذية الصين بالنفط والغاز القادم من الشرق ليصب في الصين. وأحبطت بكين، وبنجاح، محاولات نيودلهي لاتخاذ موطئ قدم في مجال الطاقة في منطقة آسيا الوسطى من خلال الاستحواذ على حصة ضخمة في مشروع كاشاغان النفطي العملاق في بحر قزوين عام 2013. وعلى الرغم من أن جمهورية كازاخستان قد بعثت بإشارات مسبقة لموافقتها على بيع ما قيمته 5 مليارات دولار لصالح قسم المشروعات الدولية في شركة النفط والغاز الطبيعي الهندية.
وعلى سبيل المقارنة، كانت الخطوات الهندية بطيئة في بناء الشراكات هناك. وأحد المشروعات الذي تعمل فيه الهند بالفعل في هذه المنطقة هو خط أنابيب (تابي) للغاز الطبيعي، وهو من المشروعات الطموحة التي ستضخ الغاز الطبيعي من تركمنستان إلى الهند ويمر عبر أفغانستان وباكستان.
ومن الناحية العملية، تجاوزت الصين الهند كثيرا في تلك المنطقة، من حيث استثمار ملايين الدولارات في بناء شبكات الطرق والسكك الحديدية؛ لأنها تشترك في الحدود مع ثلاث من الدول هناك (طاجيكستان، وقيرغيزستان، وكازاخستان). إلى جانب ذلك، توفر الصين أيضا المئات من المنح الدراسية للطلاب من هذه البلدان، في حين أن الهند لا توفر هذه المنح إلا لعدد قليل من طلاب هذه المنطقة.
على الرغم من أن بلدان آسيا الوسطى تعد من دول الجوار للهند، لكن نقص الاتصال المباشر ما بينهما عبر الأرض أو البحر يعتبر ليس لصالحها. ويرى الكثير من المراقبين أنه لهذا السبب، لا تزال مشروعات مهمة كمشروع خط أنابيب (تابي: تركمانستان، أفغانستان، باكستان، والهند) للغاز الطبيعي في طي النسيان. وحتى اليوم لم تصل ولا قطرة واحدة من النفط من آسيا الوسطى إلى الهند. وعن ذلك يقول إم. رياض، الخبير البارز في شؤون آسيا الوسطى لدى أكاديمية الدراسات الدولية الملحقة بالجامعة الملية الإسلامية: إن «قضية الربط بين الإقليمين هي ذات أهمية قصوى. فحتى تصل الهند إلى آسيا الوسطى، فإن أقصر الطرق تمر عبر باكستان وأفغانستان. وحيث إن العداء واضح وجلي بين الهند وباكستان، ونظرا لتعاون الأخيرة مع الصين ضد الهند، فإن الربط البري مع آسيا الوسطى لا يزال من الإشكاليات الحقيقية». نتيجة لذلك؛ فإن حجم التجارة الهندية مع بلدان آسيا الوسطى لا يتجاوز 1.5 مليار دولار فقط.
وعلى الرغم من القيود المتعلقة بالربط الإقليمي، تسعى الهند سعيا حثيثا للاستثمار في المنطقة في مجال تكنولوجيا المعلومات وقطاع التعليم. وحيث إن الهند تملك قطاعا كبيرا ومؤثرا في تكنولوجيا المعلومات، وعمال مهنيين وماهرين ومؤهلين وموهوبين، فإنها تسعى لاستخدام قوتها في هذا المجال لإنشاء الشبكة الإلكترونية لآسيا الوسطى التي تربط الدول الخمسة كلها مع الشبكة الهندية لتوفير خدمات التعليم والعلاج عن بعد. وهناك إمكانات ضخمة لقطاع تكنولوجيا المعلومات الهندي ويمكنه العمل جسرا للتواصل لتقريب بلدان المنطقة بعضها ببعض.
سلطت سياسة التجارة الخارجية الهندية لعام 2015 - 2020 الضوء على أهمية ممر النقل الشمالي الجنوبي الدولي الذي من شأنه أن يكون من المشروعات الحيوية التي تربط الهند مع بلدان آسيا الوسطى. ولقد أعطى مجلس الوزراء الهندي الضوء الأخضر للمضي قدما في خطط انضمام الهند إلى اتفاقية النقل متعددة الوسائط، والمعروفة إعلاميا باسم «اتفاقية اشغابات»، التي ستكون بمثابة ممر دولي لتسهيل نقل البضائع من مومباي في الهند عبر بندر عباس في إيران وإلى موسكو في روسيا. وتعتبر الهند هذا الطريق أقصر من الطريق الحالي الذي يمر عبر قناة السويس والبحر الأبيض المتوسط.
وتتطلع الهند أيضا إلى طريق آخر يمر عبر ميناء شاباهار الإيراني، الذي سيساعد في استكشاف خيارات أخرى لتنمية الربط مع دول أخرى مثل تركيا وأوروبا الشرقية. ومع ذلك، هناك حالات قليلة لتنمية الروابط بين الهند والمنطقة. حيث تملك القوات الجوية الهندية قاعدة فارخور الجوية، وهي قاعدة عسكرية جوية توجد بالقرب من مدينة فارخور في جمهورية طاجيكستان.
كما تستخدم الهند، وفي هدوء، قاعدة العيني الجوية في طاجيكستان، التي تضم سربا من المروحيات والطائرات المقاتلة، كما نقل الصحافي الهندي ساوراف جها، الذي يكتب في مجلة «السياسة العالمية».
وأخبر أحد المسؤولين الهنود، المكلفين بصورة مباشرة بجهود تجديد المطار في القاعدة الجوية، لمجلة «السياسة العالمية» بأن فرقة من القوات الجوية الهندية، تضم مروحيات مي17 الهندية وسربا من طائرات ميغ 29، قد انتشرت بالفعل في القاعدة الجوية تحت القيادة المشتركة للقوات الهندية والطاجيكية.
ولقد أنفقت الهند 70 مليون دولار، بما في ذلك تكاليف العتاد، من أجل تنفيذ عمليات التجديد الكاملة لتوسيع وتمهيد مدرج الإقلاع والهبوط في قاعدة العيني، وإنشاء برج مراقبة الحركة الجوية، والسياج المحيط بالقاعدة، وبناء 3 مخابئ تحت الأرض، مع التركيز، كما قال المسؤول الهندي، على دعم عمليات المقاتلات الجوية. ومع ذلك، أعلنت جمهورية طاجيكستان على نحو رسمي عن أن روسيا هي الدولة الوحيدة الاعتبار ذاته فيما يخص استخدام قاعدة العيني الجوية في المستقبل.
ولقد وقّعت الهند على صفقة جديدة مع كازاخستان لتأمين 5000 طن من إمدادات اليورانيوم خلال السنوات الأربع المقبلة. وتعد كازاخستان هي أكبر منتج في العالم لليورانيوم، وتضمن الصفقة الموقعة استمرار الإمدادات من الوقود إلى المفاعلات الهندية الـ21 العاملة. كما تستخدم الهند سياسة القوة الناعمة أيضا في التعامل مع تلك المنطقة. حيث تشتهر المنتجات الثقافية الهندية وعلى نطاق واسع بين شعوب هذه المنطقة. حيث يستمع الناس هناك إلى الموسيقى الهندية ويشاهدون الأفلام الهندية من إنتاج بوليوود. ومن الناحية الثقافية، تطور الهند الكنز الكبير الواسع من ماضي قيرغيزستان البوذي، والمتواجد في المواقع الأثرية في وادي تشو.
يقول بي. ستوبدان، وهو المبعوث الهندي إلى جمهورية قيرغيزستان: «للهند أربع مصالح رئيسية في جمهوريات آسيا الوسطى، وهي الأمن، والطاقة، والتجارة، والتعاون المشترك في مختلف المجالات. ولا يرغب مودي في مساعدة تلك البلدان على بناء أسس الديمقراطية، كما يرغب الجانب الأميركي، لكنه يهتم كثيرا بقضايا التجارة، كما أنه يدرك أن الأمن والاستقرار لا غنى عنهما أبدا بالنسبة للتجارة والتنمية».



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.