عبد الله العروي.. أدلجة الآخر

أطروحات ودراسات مبتكرة أثرت الفكر العربي المعاصر

عبد الله العروي
عبد الله العروي
TT

عبد الله العروي.. أدلجة الآخر

عبد الله العروي
عبد الله العروي

عُرف عبد الله العروي مؤرخًا للمغرب العربي مثلما عرف مفكرًا معنيًا بالقضايا الحيوية الكبرى المتعلقة بتطور الفكر العربي في إشكالياته الخاصة، أي ضمن سياقه التاريخي والثقافي الخاص، وفي تفاعله مع الفكر الغربي. هذا الجانب الأخير أسفر عن عدد من الأطروحات والدراسات المبتكرة التي أثرت الفكر العربي المعاصر ومن أشهرها دراساته في مفاهيم رئيسية كالآيديولوجيا والتاريخ والحرية والدولة. ويُعدّ كتابه «الآيديولوجيا العربية المعاصرة» الصادر بالفرنسية عام 1967 ثم المترجم إلى العربية من الكتب المهمة التي تناولت وضع الثقافة العربية في النصف الأول من القرن العشرين وأوائل النصف الثاني. وتأتي أهمية الكتاب من عدة وجوه، أحدها ما يهم مبحثنا هذا الذي لا يسعى إلى تقييم الكتاب أو تحليله، وإنما الوقوف على بعض ما تضمنه مما يتصل بموضوع السلطة والرقابة وتأثيرهما على المثقف والثقافة.
لعل أول ما يسترعي الانتباه في كتاب العروي إشكالية الترجمة، ليس فقط من الوجهة التي طرحها هو في مقدمته، وإنما أيضًا من وجهة أخرى تعرض لها في الكتاب، وإن من زاوية مغايرة للمقصود هنا. الإشكالية هي إشكالية الترجمة، فالعروي يشكو من سوء ترجمة الكتاب إلى العربية ويعزو سوء الفهم الذي قوبل به الكتاب لدى البعض إلى ذلك السوء في الترجمة. ويسترعي الانتباه في البدء قوله: «سيطلع القارئ إذن لأول مرة على النص الأصلي لهذا الكتاب»، فهل يقصد أن هذه هي الترجمة الأدق؟ وكيف يكون النص أصليًا إذا كان مترجمًا؟ إن في الأمر لبسًا يزداد حين يتحدث العروي بعد ذلك عن «الظروف التي تمت فيها الترجمة الأولى والكيفية التي انتزعت بها مني الموافقة» (التأكيد مني). فإلى أي كيفية وأي انتزاع يشير المؤلف؟ هل كان الانتزاع بسبب ضغط الأصدقاء أم أن عوامل أخرى تدخلت؟ وهل ود العروي لو أن الكتاب بقي بالفرنسية التي ترجم منها؟
مشكلة العروي هنا تذكّر بما واجهه مالك بن نبي حين ألف بالفرنسية ثم اضطر أولاً لأن يرى كتبه مترجمة بإشرافه، ثم إلى أن يؤلف بالعربية لا بالفرنسية. لكن مشكلة المؤلف الجزائري مع الفرنسيين الذين شوهوا كتبه الفرنسية، كما يقول، تنقلب مع المؤلف المغربي لتصبح المشكلة مع العرب لا مع الفرنسيين. فالترجمة القاصرة أدت إلى فهم قاصر يسعى المؤلف إلى تصحيحه من ناحية، بينما هو يسعى، من ناحية أخرى، إلى ربط المشكلة بقضية أكبر تعد جزءًا من مشكلة الثقافة العربية قديمًا وحديثًا. إنها مشكلة التعامل مع الآخر، مع ثقافته وكيفية فهمها. هنا يقترب المؤلف من أطروحة كتابه التي تبرز هيمنة الآيديولوجيا على الثقافة العربية المعاصرة، الآيديولوجيا التي تعني سلسلة من الأفكار والمعتقدات المنفصلة عن الواقع سواء حول الذات أو الآخر، فهي «منحرفة عن الواقع» (أي أدلوجة). وتلعب الترجمة دورًا بارزًا في تلك العملية الانفصالية بنشر فهم مغلوط أو ناقص للنصوص المعربة. كيف يا ترى ترجم أعلام الثقافة الفرنسية، يتساءل العروي، إن كانت ترجمة كتابه أنموذجًا لما ينتشر من ترجمات؟
الصورة التي يظهر بها المترجم في مقدمة العروي تكاد تجعله الشخصية الرابعة إلى جانب الشخصيات الثلاث التي يدرسها في كتابه: الشيخ والسياسي وداعي التقنية. سعي أولئك إلى تحقيق نهضة عربية سواء في المشرق أو المغرب العربي ظل محكومًا بآيديولوجيا منفصلة عن واقع المجتمعات العربية مثلما هي منفصلة عن واقع المجتمعات الغربية التي تترجم ويجري التعلم منها ومحاكاتها، منفصلة بمفاهيم وأحكام مسبقة. لكن المهم هنا هو أن ذلك يعني هيمنة على الواقع العربي يصعب اختراقها، وما صراع العروي مع مترجميه إلا صورة مصغرة لمحاولته كسر الهيمنة لكي يصل إلى القارئ العربي بالقدر الذي يجعل كتابه مؤثرًا بحيث يجعل «الوعي العربي يتساوى مع واقعه المجتمعي داخليًا وخارجيًا».
تقول المعلومات السيرية الخاصة بعبد الله العروي إنه ابتدأ حياته الثقافية بالنشر باسم مستعار هو «عبد الله الرافضي»، ومن يعرف إيحاءات مفردة «رافضي» الملصقة بالشيعة من قبل أهل السنّة في العالم الإسلامي سيستغرب الاختيار، فلعل المقصود هو الرافضي بمعنى من يرفض الواقع أو النظام الذي يعيش فيه، أي بمعنى الثائر أو الثوري، لكن تلك ستكون صيغة غير معتادة. ولا يبدو أن في سيرة العروي، المعلنة على أية حال، أحداث نضالية سوى قربه ربما من بعض المناضلين في الحياة السياسية للمغرب المعاصر مثل المهدي بن بركة، هذا إلى جانب انتمائه لليسار في الفكر والسياسة. وهذا الانتماء يعني دون شك رفضًا، أو قدرًا من الرفض، للواقع السياسي والفكري، لكن السؤال هو: كيف أسفر ذلك الرفض عن نفسه في أعمال العروي؟
في كتاب «الآيديولوجيا العربية المعاصرة»، كما في كتاب «مفهوم الآيديولوجيا»، يؤكد العروي أن الآيديولوجيا العربية المعاصرة، بما هي آيديولوجيا، «تستعيد مسار الفكر الغربي وهي، لهذا السبب، متعالية عن المجتمع الذي تعبر عنه». ويعني هذا أن الفكر الغربي يمارس هيمنة أو احتلالاً للفكر العربي، نوعًا من القمع المفروض ذاتيًا وليس من الخارج. وسيذكرنا ذلك بما يقوله مالك بن نبي حول القابلية للاستعمار، والاستعداد لتلبس فكر الآخر، أطروحاته، رؤيته لنفسه وللعالم، بحيث يتحول إلى رقيب مهيمن على الذات وقامع لقدرتها على الرؤية المستقلة. يأتي هذا ضمن مقارنة يجريها العروي بين كتابه «الآيديولوجيا العربية المعاصرة» وكتاب للبناني نديم البيطار بعنوان «الآيديولوجية الانقلابية» (1964)، مقارنة تنتصر، كما يجب أن نتوقع، لكتاب العروي.
وتختتم تلك المقارنة بملاحظات المفكر المغربي حول كتابه يقول في نهايتها إنه اختار الابتعاد عن الغرب بعدم استخراج أدلوجة من تاريخه مفضلاً استخراج الأدلوجة من التاريخ العربي الحديث نفسه («لم أستخرج أدلوجة من تاريخ الغرب»). لكنه يفاجئنا بعد ذلك بقليل بقوله إنه حكم «على الماركسية بأنها النظرية المعقولة الواضحة النافعة لنا في الدور التاريخي الذي نحياه»، وليؤكد ذلك مرة أخرى في آخر جملة من ذلك الفصل؛ يقول فيها: «ولهذا السبب يستعمل البحث مفهوم الأدلوجة الذي تشترك فيه الماركسية والاجتماعيات الألمانية، المعنى الذي بلورته أعمال مانهايم ولوكاتش».
لا يرى العروي أن تبنيه للماركسية استعادة لمسار الفكر الغربي، كالتي تسم الفكر العربي الذي ينتقده. هل الماركسية وأعمال مانهايم ولوكاتش منفصلة عن الفكر الغربي؟ أم أن وعي العروي بما يفعل يبعده عن التلبس الآيديولوجي الذي يجده لدى المفكرين العرب الآخرين؟ أو لربما أنه لم ير أن الأطروحات الماركسية وفكر مانهايم واقعة ضمن آيديولوجيا غربية، ما يجعلها مهيأة للتبني وصالحة لتفسير الظواهر حتى النابت منها في سياقات ثقافية مختلفة عن تلك التي عمل ماركس ومانهايم على استخراج آيديولوجيتهما منها؟
الحقيقة أن العروي مع تبنيه للماركسية يعبر عن موقف نقدي إزاءها، فهو ينكر دعوى العلمية في الماركسية ويقول إن الماركسيين العرب انزعجوا من ذلك الإنكار. شكواه من ذلك الانزعاج تذكّر بشكوى ميشال فوكو من انزعاج الماركسيين الفرنسيين لتجاهله الإشارة إلى ماركس الذي سبق أن أشرت إليه في مقالة سابقة حول فوكو، فهو القلق ذاته من الرقابة التي يفرضها عليه الرقيب الآيديولوجي في نهاية المطاف.
غير أن فوكو الذي يتحرك ضمن سياقه الحضاري من دون أن يلقي بالاً لسياقات ثقافية أخرى يختلف عن العروي وغيره من المفكرين العرب الذين يتحركون وأعينهم مشدودة إلى ثقافتهم من جهة وإلى الآخر من جهة أخرى، بل وأعين الثقافتين مشدودة إليهم بالتفحص والنقد. بيد أن الوعي بالآخر الثقافي لدى المفكرين العرب، ومنهم العروي، يظل بعيدًا عما يشكو منه مفكرون غربيون مثل فوكو. ليس المفكرون العرب معنيين بالتنوير، مثلاً، من الزاوية التي كانت مدار تحليلات فوكو في كتب مثل «أدب وعاقب» أو «أركيولوجيا المعرفة».
يشير العروي إلى فوكو ضمن مفكرين آخرين فقط ليلفت الانتباه إلى صعوبة أساليبهم في الكتابة وتأسيه على وضع أعمالهم المترجمة إلى العربية. أما ضيق بعض أولئك، مثل فوكو وباديو ودولوز وتشومسكي، من القيود المفروضة على حرية الخطاب فلا تحتل مكانًا في الوعي الفكري العربي المشغول بكيفية الاتكاء على معطيات الفكر الغربي أكثر منه بنقدهم أو اكتشاف مشكلاتهم، أي المشغول بالمنهجيات على النحو الآيديولوجي الذي يكشف عنه العروي دون أن يخرج هو تمامًا عن مؤثراته.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».