تعكس المؤلفة مريم مشتاوي، في روايتها «ياقوت»، مقدارًا وافرًا من المخاتلة السردية، كاحتيال فنّي بالمعنى التغريبي يكفي لتبديد الصدمة الإبداعية المتوقعة للتشويق التقليدي، وإعادة إحيائها عبر الاسترجاع الواعي لما تمّ قراءته، بما جعلني أكابد حقيقة في إنهاء الفصل الأول «ضياع» لآخذ عملها على محمل الجدّ. وهذه المكابدة ليست بسبب كسر نسق الزمن السردي للحكي، أو السرد من النهاية، كأن يستفيق «محمد» على الشاطئ ناجيًا من الموت، بينما يبدو حضور حبيبته «ياقوت» في عالم السموات أشبه بفنتازيا أفلام الكارتون وحسب، بقدر ما كانت هذه المكابدة بسبب الافتراض التخيّلي لهذه الفنتازيا الكرتونية، حيث الموتى ينقسمون في السماء إلى نوعين من الأرواح: أرواح حيّة تساعد الملائكة بالاهتمام بشؤون البشر، كما هي حال «ياقوت»، وأرواح تخلد في نومها الأبدي، كما هو حال معظم الموتى، وكما سيؤول مصير «ياقوت» في النهاية.
لكن التفكير في ذلك، وبما يعنيه من حضور القدر في المسرح الإغريقي، يجعل كتابة مريم مشتاوي متعالية وذات رؤية احترافية: أولاً بكسر غموض هذا القدر، وجعله متداولاً من المتخيّل الديني المسيحي. وثانيًا حين تحوّله إلى مشارك في الفعل الدرامي، وليس حاسمًا فيه. ولذلك ربما لا يصدّق القارئ أنّ «سما»، الطفلة ذات الخمس سنوات، قد تحوّلت إلى ملاك في السماء تضحك وتلعب بعد أن باركتها السيدة «مريم العذراء»، ومحت ذاكرتها. لكنّه سيتساءل إن كان هذا كافيًا لعقاب «خمسة دواعش اغتصبوها بوحشية وهي لم تتجاوز الخمس سنوات.. ولم يتوقفوا عن اغتصابها حتى بعد يومين من موتها»! وهل سيطمئن هذا القارئ في الفصل الثاني من الرواية على مصير الطفل «آلان الكردي» الشهير بسرواله الأزرق وقميصه الأحمر، الذي وجد ميتًًا على شاطئ البحر بعد أن وصلت روحه إلى سماء الملائكة، ليعيش برفقة «سما»؟
من جهتي، بوصفي ناقدًا، لا أعتقد ذلك. بل إنّ الروائية تشكّك في مقدرة هذا النمط من التفكير على حماية أطفال سوريا، من خلال المهمة التي أوكلها رئيس الملائكة «ميخائيل» للملاك «ياقوت»، وتتضمن أن تراقب، من بوابة الجنة الرئيسية، مراكبَ البحر المتوجهة من تركيا إلى اليونان لتنشل الأطفال من المراكب التي تغرق قبل وصول سمك القرش إليهم، إذ بينما تقوم بهذه المهمة بهمة وتفانٍ، حصل في الفصل الخامس من الرواية أن «استطاعت أن تنقذ مركبًا من هجوم سمكة قرش، وأن تساعد أمًا على ولادة طفلها على هذا المركب»، لكن راعها أن ترى طفلاً آخر يموت متجمدًا في الوقت ذاته، وعلى المركب ذاتها، من غير أن تستطيع إنقاذه، فتطلب من الله ضارعة، مصلية، أن يعفيها من مهمتها لتكون من الملائكة النيام، فيستجيب لصلاتها فورًا.
إقامة الفعل - حتى لو كان غائمًا في السماء - على التساؤل هو ما يجعل بعده الدرامي أكثر جاذبية للعقل والتفكير منه لسلبية العاطفة ومشاعرها، لولا أنّ هذه الجاذبية سوف تأخذ مسارًا آخر في رصد شخصيات الرواية ومصائرها من خلال التشويق الواقعي في سرد أفعالها عبر التقسيم الدرامي لها. ذلك أنّ ما جعل «ياقوت» ذات حظوة لدى الملائكة في السماء، ومشاركة لهم في مهماتهم في الفصل الأول، سوف تشرحه الفصول اللاحقة من خلال أفعالها الإيجابية على الأرض؛ إن كان في تجاوزها للإثنية الدينية والوطنية، وارتقائها بروابطها الإنسانية مع حبيبها «محمد»، أو في محاولة إنقاذها له من المعاناة التي يعيشها في وطنه سوريا. لكنّ الإيجابية عامة سوف تبهت في أفعال شخصيات هذه الرواية طردًا مع ابتعادهم عن مستقرها الأرضي، وتحديدًا أرض الوطن، بما يطرح سؤال الهجرة وجدواه عليها جميعًا.
بهذا المعنى سوف تتحوّل دلالة البحر الألسنية في الفصل الثاني «الشاطئ الأزرق» من الإيجاب إلى السلب بسبب أفعال شخصياتها. فالبحر الذي أبرز مفاتن «ياقوت» وألقها ليعشقها «محمد» هو ذاته سيكون مكان غرق «ياقوت» بسبب الهجرة غير الشرعية، لتبدأ سلبية «محمد» بالتفاقم، بدايةً من دفع «ياقوت» عنه كي لا يغرق معها في البحر، مرورًا بعجزه عن حبّ الممرضة «منال» على شاطئ اليونان، وصولاً إلى الشارع الأحمر في أمستردام، حيث أخفق في إقناع «ميراي» بالعدول عن عملها في الدعارة في الفصل الثامن بعد فشلها في علاقة حب في دمشق، بما دفعها إلى الهجرة بدل أن تواجه واقعها، وتحاول تخطيه في الفصل السادس.
غير أن تشظي السرد وإرجاءه من فصل إلى آخر بقي ممسوكًا من خلال شبكة العلاقات التي أقامتها الروائية بين شخصياتها، لا سيما من خلال علاقة «ياقوت» بهذه الشخصيات كلها، بما جعلها تستحوذ على عنوان الرواية، على الرغم من موتها المبكّر فيها. فمن خلال علاقتها بصديقتها «ليلى» ستبرّر حضور شخصية «ميراي». ومن خلال علاقتها بحبيبها «محمد» ستبرّر حضور شخصية «منال» والعائلة الكردية. ومن خلال علاقتها في السماء بشخصية «آلان الكردي» سوف تبرّر حضور شخصية أبيه «عبد الله»، إضافة إلى أمّ «ياقوت»، شخصية «هناء»، التي ستلقى مصيرها البائس في نهاية الرواية.
هذا الحضور المتميز للفعل الدرامي لا يبرّر السرد العرضي للشخصيات، بالاقتصار على سرد رحلتها الشاقّة من سوريا إلى أوروبا عبر تركيا، وما سيعانونه من تجّار الهجرة ومشقّة الطريق والغرق في البحر وسوء المعاملة في بعض الدول الأوروبية، ورقيها الإنساني في بعضها الآخر فقط، بل سيعمل على تنوّع هذا السرد وأشكاله: الرسالة، والقصيدة، والأغنية.. إضافة إلى ما يمكن أن يتضمنه السرد النثري من تأملات ومحاكمات وجودية واجتماعية تنسجم والرؤية الإنسانية لاستراتيجية خطاب الرواية إجمالاً.
لطالما تحدّث النقاد كثيرًا عن المسرح داخل المسرح في مسرحية «هاملت» لوليم شكسبير، فإنّ الحديث عن المسرح داخل الرواية يبدو ضروريًا هنا، فهو ينسجم والبناء الدرامي للرواية، ويكاد يكون الفعل الإيجابي الوحيد المقنع بعد هجرة شخصياتها واستقرارهم في بلدان المهجر. ذلك أنّ «عبد الله»، والد «آلان»، بعد استقراره في مدينة مونتريال الكندية سيعمل على جمع الجوارب من المهملات ليصنع منها دمى للعرائس، بمساعدة جارته الكندية «جوان»، ليتجوّل وإياها في شوارع المدينة بمسرحهم الصغير مردّدين الأغاني باللغتين العربية والإنجليزية لجمع المال لأطفال المهجرين، بما يشكّل نموذجًا للثقافة الكونية المرجوة.
* كاتب لبناني

