وفاة بائع سمك الحسيمة... فاجعة هزّت الشارع المغربي

قمة «كوب 22» المناخية في مراكش أبرز حدث بيئي عالمي

العاهل المغربي الملك محمد السادس (يمين وسط الصورة) وسكرتير عام الأمم المتحدة بان كي مون (الثاني إلى اليمين) ووزير الخارجية المغربي صلاح الدين مزوار (الثالث من اليسار) ورئيسة لجنة المناخ باتريسيا اسبينوزا (الثانية من اليسار) خلال افتتاح مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في مراكش بتاريخ 15 نوفمبر 2016 (أ.ف.ب)
العاهل المغربي الملك محمد السادس (يمين وسط الصورة) وسكرتير عام الأمم المتحدة بان كي مون (الثاني إلى اليمين) ووزير الخارجية المغربي صلاح الدين مزوار (الثالث من اليسار) ورئيسة لجنة المناخ باتريسيا اسبينوزا (الثانية من اليسار) خلال افتتاح مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في مراكش بتاريخ 15 نوفمبر 2016 (أ.ف.ب)
TT

وفاة بائع سمك الحسيمة... فاجعة هزّت الشارع المغربي

العاهل المغربي الملك محمد السادس (يمين وسط الصورة) وسكرتير عام الأمم المتحدة بان كي مون (الثاني إلى اليمين) ووزير الخارجية المغربي صلاح الدين مزوار (الثالث من اليسار) ورئيسة لجنة المناخ باتريسيا اسبينوزا (الثانية من اليسار) خلال افتتاح مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في مراكش بتاريخ 15 نوفمبر 2016 (أ.ف.ب)
العاهل المغربي الملك محمد السادس (يمين وسط الصورة) وسكرتير عام الأمم المتحدة بان كي مون (الثاني إلى اليمين) ووزير الخارجية المغربي صلاح الدين مزوار (الثالث من اليسار) ورئيسة لجنة المناخ باتريسيا اسبينوزا (الثانية من اليسار) خلال افتتاح مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في مراكش بتاريخ 15 نوفمبر 2016 (أ.ف.ب)

لم تكن قضية بائع السمك في مدينة الحسيمة، بالشمال المغربي، أول قضية تثير الجدل في المغرب ويتفاعل معها الشارع بشكل واسع، بل سبقتها أحداث كثيرة أثارت اهتمام الرأي العام، ووصل صداها خارج البلاد على مدى السنوات الأخيرة. إلا أن تفرد هذه القضية يكمن في مأساويتها - وخطورتها أيضًا - إذ كادت تعصف بأمن البلاد واستقرارها. ومن ناحية، نجح المغرب خلال عام 2016 في كسب رهان تنظيم الدورة 22 لمؤتمر الأطراف في الاتفاقية الإطار للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ (كوب 22) والدورة 12 لمؤتمر الأطراف في «بروتوكول كيوتو» والدورة الأولى لمؤتمر الأطراف في «اتفاق باريس» التي احتضنتها مدينة مراكش.
بالنسبة لـ«قضية الحسيمة»، بعد يوم واحد من الفاجعة خرجت يوم 29 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مظاهرات غاضبة في أكثر من 20 مدينة مغربية احتجاجًا على وفاة محسن فكري، وهو بائع سمك بمدينة الحسيمة على الساحل الشمالي المتوسطي للبلاد. وتواصلت المظاهرات لعدة أيام في مدن كبرى مثل الدار البيضاء والرباط ومراكش وطنجة وفاس ووجدة ومكناس وأغادير والقنيطرة والناظور والحسيمة وتطوان، طالب المحتجون خلالها بالكشف عن المتورطين في الحادث. واعتبرت تلك المظاهرات الأكبر في المغرب، منذ الاحتجاجات التي قادتها حركة 20 فبراير (شباط) عام 2011 إبان «الربيع العربي».
مات فكري (30 سنة) ليلة الجمعة 28 أكتوبر داخل شاحنة لفرم النفايات بينما كان يحاول الاعتراض على إتلاف كمية كبيرة من الأسماك صودرت منه من قبل السلطات. وتسبب نقل فيديوهات حية عن الحادث وصور لجثة فكري داخل شاحنة فرم النفايات بتصاعد موجة الغضب العارم التي اجتاحت معظم المدن المغربية. وسار آلاف المشيعين خلف جثمان فكري، إلى بلدته إمزورن الواقعة على بعد 15 كلم من الحسيمة. ونظرًا لخطورة الحادث تدخل العاهل المغربي الملك محمد السادس وأعطى تعليماته إلى وزير الداخلية محمد حصاد بـ«إجراء بحث دقيق ومعمق، ومتابعة كل من ثبتت مسؤوليته في هذا الحادث، مع التطبيق الصارم للقانون في حق الجميع، ليكونوا عبرة لكل من يخل أو يقصر خلال القيام بمهامه ومسؤولياته»، كما توجه وزير الداخلية طبقًا لتعليمات الملك إلى الحسيمة لتقديم التعازي ومواساة عائلة الراحل.
وزير الداخلية صرح آنذاك أنه «لا يمكن اعتبار الدولة مسؤولة بشكل مباشر عن مقتل (بائع السمك)، لكن على الدولة مسؤولية تحديد الأخطاء ومعاقبة مرتكبيها». ورغبة في تهدئة الشارع الغاضب لم يتأخر ظهور نتائج التحقيق الأولي. وقرر الوكيل العام للملك (النائب العام) لدى محكمة الاستئناف بمدينة الحسيمة إحالة 11 شخصًا على قاضي التحقيق بتهم التزوير في محرر رسمي والمشاركة فيه والقتل غير العمد. وتقرر إحالة هؤلاء على قاضي التحقيق بعد التوصل بمحضر البحث الذي تم من خلاله الاستماع لما يزيد عن 20 شخصًا.
وكشفت التحقيقات الرسمية أن فكري كان قد اشترى من بعض الصيادين بميناء الحسيمة نحو نصف طن من سمك بوسيف (إسبادون) المحظور صيده خلال الفترة الممتدة من أول أكتوبر إلى 30 نوفمبر (تشرين الثاني) من كل سنة بمقتضى قرار وزير الصيد البحري. وأظهر التحقيق أن الراحل فكري كلف أحد الأشخاص بنقل هذه الأسماك على متن سيارة نقل لم تخضع للمراقبة عند مغادرة الميناء، الأمر الذي دفع عنصر الأمن المداوم هناك إلى تبليغ مصالح الأمن المعنية، التي اعترضت السيارة. وسجل ممثل مندوبية الصيد البحري وجود مخالفات للقانون المنظم لصيد السمك، لتتصل، إثر ذلك، مصالح الشرطة القضائية بالنيابة العامة التي أمرت بإحالة السائق والأسماك المحجوزة إلى مندوب الصيد البحري لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في الموضوع.
وبينما تصاعدت دعوات للخروج للاستمرار في الاحتجاج، انطلقت دعوات أخرى عبر مواقع التواصل الاجتماعي موجهة إلى المغاربة تدعوهم إلى عدم الانجرار نحو الفتنة، وذلك بعد تواصل المظاهرات في بعض المدن، وحذرت تلك الدعوات من «بعض المغرضين الذين يسعون لاستغلال الحادث الأليم لإشعال فتيل الفتنة» و«جر البلاد إلى فتن ودماء وخراب وفوضى أسوة بما يجري في سوريا واليمن وليبيا»، وهو ما استجاب له الكثيرون.
القمة المناخية في مراكش
على صعيد آخر، جاءت استضافة مدينة مراكش «القمة المناخية» مناسبة لبروز المغرب كحامل لهموم وآمال القارة السمراء، والدفاع عن نقل التقنية والتمويل المناخي لفائدة الدول النامية.
وفضلاً عن الارتياح الذي عبر عنه رؤساء الدول والوفود في إعلانهم، الذي توج أشغال مؤتمر مراكش، وإشارتهم إلى أن الزخم العالمي المنقطع النظير الذي ميز عام 2016، تجاه التغير المناخي، في كثير من المنتديات متعددة الأطراف «لا رجعة فيه، حيث لم تساهم فيه الحكومات فقط، بل ساهم فيه كذلك العلم والأعمال والعمل العالمي في مختلف الأصعدة»، سجل بيان للديوان الملكي المغربي، أن مؤتمر مراكش «عرف نجاحًا باهرًا يشرف المغرب ويعزز الثقة والمصداقية التي يحظى بهما على الصعيد الدولي».
ولقد أكد العاهل المغربي الملك محمد السادس، في افتتاح قمة «كوب 22» أن «انعقاد هذا المؤتمر في أفريقيا، يحثنا على إعطاء الأسبقية لمعالجة الانعكاسات السلبية للتغيرات المناخية، التي تزداد تفاقمًا بدول الجنوب والدول الجزرية المهددة في وجودها».
واعتبر العاهل المغربي أن مؤتمر مراكش «مؤتمر للحقيقة والوضوح، مؤتمر لتحمل المسؤولية أمام الله والتاريخ، وأمام شعوبنا». ثم تساءل: «هل سيكون لمؤتمراتنا واتفاقاتنا معنى إذا نحن تركنا الفئات الأكثر هشاشة، هناك في الجزر المهددة بالزوال، وفي الحقول المهددة بالتصحر، في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية في مواجهة قدرها المليء بالمخاطر؟».
لذلك، كان طبيعيًا أن يدعو رؤساء الدول والوفود المجتمعون بمراكش إلى العمل من أجل المناخ والتنمية المستدامة، وإلى مزيد من العمل المناخي والدعم، قبل حلول 2020، مع الأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات والظروف الخاصة للدول النامية، والدول الأقل نموًا، خاصة تلك الأكثر عرضة للآثار الكارثية للتغير المناخي.

عمل شامل لأجل المناخ
أكدت النتائج الرئيسية لـ«كوب 22» أن القرارات التي تم اتخاذها والمبادرات التي أطلقت خلال اجتماعات مؤتمر مراكش عززت روح الدول الأطراف من أجل تسريع عمل لا رجعة فيه على المستوى العالمي من أجل المناخ.

«نور» ورزازات
جاء نجاح المغرب في تنظيم «قمة المناخ» بمراكش، منسجمًا مع اختيارات استراتيجية وطنية تم الانخراط فيها بشكل لافت مع تدشين العاهل المغربي خلال شهر فبراير الماضي، محطة «نور 1 للطاقة الشمسية» في ورزازات (جنوب المغرب)، التي ناهزت استثماراتها 600 مليون دولار، وإعطاء انطلاقة أشغال إنجاز المحطتين الثانية والثالثة من المركب، حيث سيتم تطوير محطة «نور 2» (810 ملايين يورو) بناء على تكنولوجية الطاقة الشمسية الحرارية بألواح لاقطة مقعرة، فيما ستعزز محطة «نور 3» (645 مليون يورو) الريادة التكنولوجية للمملكة في مجال الطاقة الشمسية الحرارية.
ومن شأن هذه المشاريع المندمجة أن تجعل من محطة «نور ورزازات» أكبر موقع لإنتاج الطاقة الشمسية في العالم، بطاقة إنتاجية تقدر بـ580 ميغاوات بشكل يساهم في «تنويع الباقة الطاقية الوطنية، في انسجام مع رؤية تحسين استغلال الموارد الطبيعية للمغرب وحماية بيئته والعمل على استدامة نموه الاقتصادي والاجتماعي، وضمان مستقبل الأجيال القادمة»، حسب مصطفى البكوري، رئيس مجلس إدارة الوكالة المغربية للطاقة الشمسية.



السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، خلال اتصالٍ هاتفي مع نظيرته الكندية أنيتا أناند، الجمعة، مستجدات التصعيد في المنطقة، والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار.

من جانب آخر، بحث وزير الخارجية السعودي، في اتصالٍ هاتفي تلقاه من نظيره الكوري الجنوبي جو هيون، تطورات التصعيد في الشرق الأوسط، والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

إلى ذلك، أشاد سفراء الدول الأوروبية في الرياض بالجهود التي تبذلها السعودية لصون الأمن والاستقرار بالمنطقة، والحفاظ على أمن أراضي المملكة، والتصدي بكفاءة لكل الهجمات الإيرانية السافرة.

أوضح الاجتماع موقف السعودية تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها (واس)

وأوضح اجتماع عقده المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي مع سفراء الدول الأوروبية، في الرياض، مساء الخميس، موقف المملكة تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها.

وجدَّد السفراء خلال الاجتماع إدانة بلدانهم للاعتداءات الإيرانية الغاشمة على السعودية ودول الخليج، وأخرى عربية وإسلامية، مُعربين عن تقديرهم للمساعدة التي قدمتها المملكة لإجلاء مواطنيهم وتسهيل عودتهم إلى بلدانهم.

حضر الاجتماع من الجانب السعودي، السفير الدكتور سعود الساطي وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، والسفير عبد الرحمن الأحمد مدير عام الإدارة العامة للدول الأوروبية.


السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.