2016 فرنسيًا... إرهاب وأزمات اجتماعية ومفاجآت سياسية

عناصر شرطة فرنسيون يعاينون الشاحنة التي قتلت 60 شخصًا دهسًا في نيس خلال احتفالهم بذكرى الثورة الفرنسية العام الماضي («الشرق الأوسط») - عنصران من القوات الخاصة الفرنسية بكامل العتاد يقومان بدورية في نيس في 16 أكتوبر 2016 خلال حفل تأبين لضحايا الدهس (أ.ف.ب) - آلاف من باقات الورد وضعها فرنسيون بالمكان الذي قتل فيه دهسًا 60 فرنسيًا (أ.ف.ب)
عناصر شرطة فرنسيون يعاينون الشاحنة التي قتلت 60 شخصًا دهسًا في نيس خلال احتفالهم بذكرى الثورة الفرنسية العام الماضي («الشرق الأوسط») - عنصران من القوات الخاصة الفرنسية بكامل العتاد يقومان بدورية في نيس في 16 أكتوبر 2016 خلال حفل تأبين لضحايا الدهس (أ.ف.ب) - آلاف من باقات الورد وضعها فرنسيون بالمكان الذي قتل فيه دهسًا 60 فرنسيًا (أ.ف.ب)
TT

2016 فرنسيًا... إرهاب وأزمات اجتماعية ومفاجآت سياسية

عناصر شرطة فرنسيون يعاينون الشاحنة التي قتلت 60 شخصًا دهسًا في نيس خلال احتفالهم بذكرى الثورة الفرنسية العام الماضي («الشرق الأوسط») - عنصران من القوات الخاصة الفرنسية بكامل العتاد يقومان بدورية في نيس في 16 أكتوبر 2016 خلال حفل تأبين لضحايا الدهس (أ.ف.ب) - آلاف من باقات الورد وضعها فرنسيون بالمكان الذي قتل فيه دهسًا 60 فرنسيًا (أ.ف.ب)
عناصر شرطة فرنسيون يعاينون الشاحنة التي قتلت 60 شخصًا دهسًا في نيس خلال احتفالهم بذكرى الثورة الفرنسية العام الماضي («الشرق الأوسط») - عنصران من القوات الخاصة الفرنسية بكامل العتاد يقومان بدورية في نيس في 16 أكتوبر 2016 خلال حفل تأبين لضحايا الدهس (أ.ف.ب) - آلاف من باقات الورد وضعها فرنسيون بالمكان الذي قتل فيه دهسًا 60 فرنسيًا (أ.ف.ب)

عندما رأى الفرنسيون صور الشاحنة الضخمة التي أثارت الذعر وزرعت الموت في «السوق الميلادية» في مدينة برلين مساء الاثنين 19 ديسمبر (كانون الأول)، عادت الذاكرة بهم سريعًا لما شهدته مدينة نيس، درة الشاطئ اللازوردي الفرنسي، ليلة 14 يوليو (تموز) الماضي.
شاحنة برلين السوداء أزهقت أرواح 12 شخصًا، بينما قتلت شاحنة نيس البيضاء 86 بريئًا ذنبهم الوحيد أنهم حضروا تلك الليلة إلى كورنيش المدينة المسمى «متنزه الإنجليز» للتمتع بصور الألعاب النارية التي أطلقت بمناسبة العيد الوطني الفرنسي.
محمد لحويج بو هلال، المواطن التونسي الذي بايع تنظيم داعش الإرهابي المتطرف - كما مواطنه «جاني برلين» أنيس العامري، وهو أيضًا تونسي الجنسية ومن جنود «داعش»، الخلافة» - قرر تلك الليلة أن يثير الرعب، وأن يقتل أكبر عدد من الأبرياء باسم «الخلافة» الداعشية المزعومة، وأن ينتقم من فرنسا ومما تمثله. جاءت «عملية نيس» لتثبت مرة أخرى أن التهديد الإرهابي الذي كانت فاتحته «عملية شارلي إيبدو» في شهر يناير (كانون الثاني) من العام الماضي، ما زال جاثمًا على صدر فرنسا، وأن حالة الطوارئ التي فرضت على البلاد عقب مقتلة ملهى الباتاكلان ومطاعم ومقاهي شرق العاصمة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه، لم تكن كافية لتوفير الأمن والحماية للفرنسيين ولتضع حدًا للعمليات الإرهابية.
* حوادث بالجملة
فمنذ أول يناير وقعت في فرنسا ستة أعمال إرهابية منها ذبح كاهن كنيسة سان إتيان دو روفريه قرب مدينة كان خلال يوليو (تموز). وقبلها بشهر ذبح رجل أمن ورفيقة دربه في منزلهما في ضاحية مانيافيل الواقعة غربي العاصمة باريس. إلا أن جديد عام 2016 هو بروز ظاهرة «جهاد النساء» و«جهاد الفتيان». ففي سبتمبر (أيلول) ألقت القوى الأمنية على مجموعة نسائية كانت تخطط لعملية إرهابية كبرى في باريس وبعض منها حاول تفجير سيارة بقارورة غاز كانت قد ركنت إلى جانب كاتدرائية نوتردام التاريخية في قلب العاصمة. أما إرهاب «القاصرين» فقد تجلى من خلال القبض على اثنين في شهر سبتمبر كانا يخططان لعملية في العاصمة. ونقطة التلاقي بينهم وبين الخلية النسائية أن الجميع كان على تواصل مع رشيد قاسم، مشغّل الإرهابيين الفرنسيين الذي ظهر اسمه في كثير من الملفات. وقاسم معروف لدى الأجهزة الفرنسية، ولد في عام 1987 في مدينة روان بفرنسا، من أب يمني وأم جزائرية وهو وجه معروف في تنظيم داعش. وتعتقد الأجهزة الفرنسية أنه «المسؤول» عن كثير من العلميات الإرهابية التي ضربت فرنسا وأنه «المشغل» للكثيرين الذي اختاروا درب «الجهاد».
* قانون الطوارئ
لا تكفي هذه التفاصيل لتظهير حقيقة التهديد الإرهابي في فرنسا. ولعل أبلغ دليل على جديته أن قانون الطوارئ مدة إضافية وهو سيسري حتى شهر يوليو 2017. ويوفر هذا القانون الذي يحد من حرية التظاهر والتجمع، ويعطي الأجهزة الأمنية، خصوصًا، حرية كاملة في توقيف أيا كان، ومداهمة المنازل وأي مكان آخر، وفرض الإقامة الجبرية، وطرد من يُعد تهديدًا لأمن البلاد، مانحًا الشرطة والمخابرات حيزًا واسعًا من التحرك. وبحسب إحصائيات وزارة الداخلية، فقد تيسر في الأشهر تعطيل كثير من الخلايا الإرهابية النائمة وتوقيف 293 شخصًا على علاقة بها كما تم إغلاق أماكن عبادة وطرد أئمة اعتبروا متطرفين في خطبهم ونهجهم ودُعي المسلمون إلى مواجهة الآيديولوجية المتطرفة.
* تباينات الطبقة السياسية
في بدايات العمليات الإرهابية، وقفت الطبقة السياسية صفًا واحدًا وراء الحكومة، وبرزت الوحدة الوطنية بوجه الخطر الداهم بأبهى وجوهها. غير أن تكرار هذه العمليات واقتراب الاستحقاقات الانتخابية الرئاسية والتشريعية أظهرا تشققات في بنيانها إلى درجة استغلالها في الهجوم على الحكومة، وعلى رئيس الجمهورية بالدرجة الأولى. وجاء الانقضاض من كل من اليمين الكلاسيكي واليمين المتطرف، وانتشر الخطاب المعادي للمهاجرين والربط بين الإرهاب والإسلام الذي لم يبق لفظيًا فقط، بل انعكس على اعتداءات على أماكن العبادة وعلى مصالح المسلمين. وبعدما اقترح الرئيس فرنسوا هولاند إجراء تعديل دستوري من شأنه السماح للسلطات بنزع الجنسية الفرنسية عن أصحاب الجنسية المزدوجة، اضطرت الحكومة للتراجع بسبب المعارضة التي جاءت من صفوف اليسار، مما أدى إلى استقالة وزيرة العدل كريستيان توبيرا.
* هولاند: نهاية الطريق
كان الإرهاب أحد الأسباب التي نسفت شعبية هولاند ودفعته في بداية شهر ديسمبر المنقضي إلى الامتناع عن الترشح لولاية ثانية، وهذه سابقة في تاريخ الجمهورية الفرنسية. ذلك أن أسلاف هولاند منذ الجنرال شارل ديغول - باستثناء الرئيس جورج بومبيدو، الذي مات بمرض السرطان قبل أن ينهي ولايته الأولى - سعوا للفوز بولاية ثانية، منهم من حالفه الحظ مثل ديغول وفرنسوا ميتران وجاك شيراك، ومنهم من فشل في البقاء في قصر الإليزيه (مقر الرئاسة). وهذا كان مصير الرئيسين فاليري جيسكار ديستان والرئيس السابق نيكولا ساركوزي. إلا أن الخيط الجامع بين هؤلاء أنهم جميعًا سعوا لتمديد عقدهم الرئاسي، بعكس هولاند الذي وجد نفسه في حالة وهن شديد، ليس فقط على الصعيد الفرنسي العام، بل حتى داخل صفوف الحزب الاشتراكي واليسار بشكل عام. وهو ما دفعه لتلافي هزيمة مريرة فضل عليها البقاء خارج السباق والاهتمام، كما قال، بأمن وسلامة الفرنسيين.
الحقيقة أن هولاند كان ضحية الخيانة السياسية التي لها وجهان: الأول هو وجه وزير الاقتصاد السابق إيمانويل ماكرون، والثاني وجه رئيس الحكومة إيمانويل فالس الذي ترك منصبه بداية الشهر الحالي ليكرس جهده للحملة الانتخابية التمهيدية داخل الحزب الاشتراكي.
ماكرون، وهو شاب عمره 38 سنة، صنيعة هولاند الذي عينه مستشارًا، ثم أمينًا عامًا مساعدًا لقصر الإليزيه، ثم وزيرًا للاقتصاد، كما وفر له الحماية، وسهر على صعود نجمه وآمن إيمانًا أعمى بولائه المطلق له. لكن ماكرون لم يتردد خلال الصيف الماضي في الاستقالة من منصبه، ومن ثم تأسيس حركة سياسية سماها «إلى الأمام»، ومن ثم رشح نفسه للانتخابات الرئاسية من خارج اليسار والحزب الاشتراكي.
ثم جاءت خيانة فالس، الذي رأى أن الفرصة سانحة ليأخذ مكان هولاند بحجة أن الأخير ضعيف، لدرجة أن اليسار لن يكون قادرًا على التأهل للمرحلة الثانية من الانتخابات الرئاسية.
واستغل فالس طويلا الكتاب الذي ألفه صحافيان من جريدة «لوموند» بالاستناد إلى ستين مقابلة في السنوات الماضية مع هولاند، ليقول ما معناه إن الأخير لم يعد جديرًا بالرئاسة، بسبب ما جاء في الكتاب من كلام مسيء بحق كثير من المسؤولين وما كشفه من أسرار لا يتعين أن تكشف. وللعلم، ذهب نائب يميني إلى تقديم شكوى ضد هولاند والمطالبة بتنحيته عن منصبه بسبب إفشائه أسرارا عن عمليات تصفية قامت بها الأجهزة الفرنسية في الخارج.
* تشرذم اليسار
في الحقيقة، نادرًا ما عرف الاشتراكيون واليسار الفرنسي الحالة الراهنة من التشرذم والتشظي. فخمسة من وزراء هولاند يتنافسون للفوز بترشيح الحزب الاشتراكي للانتخابات الرئاسية المقبلة. وبالنظر لما توفره استطلاعات الرأي من نتائج، فالواضح أن أيًا من المرشحين الخمسة لن يكون قادرًا على التأهل للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، مما سيعني حلول كارثة ستنعكس انشقاقات، وربما انقسامات داخل الحزب الاشتراكي.
وفي المقابل، فإن اليمين الكلاسيكي نجح في إجراء انتخاباته التمهيدية التي جاءت بمفاجأة فوز فرنسوا فيّون، رئيس الوزراء السابق، بينما كانت التوقعات ترجّح فوز إما رئيس الوزراء الأسبق آلان جوبيه أو رئيس الجمهورية السابق نيكولا ساركوزي. أما في معسكر اليمين المتطرف، فإن مارين لوبن، رئيسة حزب الجبهة الوطنية، تجد نفسها في وضع مريح. والمرجح أن تكرّر تجربة والدها الذي نجح في عام 2002 في التأهل للجولة الرئاسية الثانية بالتفوّق على مرشح اليسار ليونيل جوسبان.
ولا يخفي بعض المحللين منذ الآن قلقهم من الانتخابات المقبلة، إذ يرون أن نتيجتها ليست محسومة سلفًا كون حزب الجبهة الوطنية كسب في السنوات الأخيرة، بسبب الأزمات الاقتصادية والسياسية والإرهاب والمهاجرين والإسلام، شعبية متزايدة.
وهذا هو واقع الحال ليس فقط في صفوف البورجوازية اليمينية المسيحية، بل أيضًا في صفوف الطبقة العاملة والطبقات الدنيا حيث سجّلت هجرة كثيرين من أنصار الحزب الشيوعي واليسار المتطرف إلى صفوف الجبهة الوطنية.
* مخيم كاليه
أخيرًا، كيف يمكن المرور على عام 2016 من دون ذكر مخيم «الغابة» في ميناء كاليه - على بحر المانش - الذي طارت شهرته عالميًا بعد ذيوع صور البؤس والألم لآلاف من اللاجئين الذين سدت بوجوههم دروب الوصول إلى الجزر البريطانية؟
صغار ونساء ورجال حطوا رحالهم في هذه البقعة الواقعة إلى جانب مرفأ كاليه مقابل مرفأ دوفر على الشاطئ البريطاني. كثيرون ماتوا وهم يحاولون توقيف الشاحنات الداخلة إلى المرفأ للانتقال منه إلى بريطانيا، وآخرون ماتوا وهم يسعون للصعود إلى «القطار السريع» الذي يربط فرنسا ببريطانيا ويمر تحت مياه المانش.
«الغابة» أغلقه رجال الدرك والشرطة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي ووزعوا ساكنيه - ما يزيد على 8 آلاف شخص - على خمسين مركز إقامة منشورة في المناطق الفرنسية، إلا أن كثيرين تركوها للتسكع في شوارع باريس والمدن الأخرى الكبرى.
وكيف يمكن المرور على هذا العام المنتهي دون التوقف عند مشاهدة كثير من العائلات السورية مع أطفالها التي افترشت أرصفة العاصمة أو ممرات المترو بحثًا عن عاطفة إحسان ورأفة غابت حتى في عز أعياد البذخ والاستهلاك؟
هكذا يطل عام 2017 على فرنسا وهي تتساءل عن مستقبلها وموقعها في عالم معولم كثيرة هي صوره السيئة. والتساؤلات أعم وأشمل وليس أقلها طرافة تظاهرات رجال الشرطة في شوارع العاصمة تنديدًا بظروف عملهم أو احتجاجات الممرضات أو المزارعين ومربّي الأبقار المطالبين بأسعار أعلى للحليب الذي ينتجونه.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.