رفعت بريطانيا، الأسبوع الماضي، صفة السرية عن عدد من وثائق الأرشيف الوطني البريطاني التي لم تنشر من قبل، لتضمنها معلومات سرية عن مداولات الحكومة، ومراسلات السفارات البريطانية حول العالم مع وزارة الخارجية. وجاء ذلك في إطار رفع قيود الـ30 عاما من السرية، في نهاية كل عام في شهر ديسمبر (كانون الأول)، عن عدد من وثائق الدولة.
وكانت العلاقات البريطانية مع ليبيا والعراق أبرز ما جاء في الوثائق هذا العام، إذ كشفت مراسلة بين وزارتي المالية والخارجية أن مصالح بريطانيا التجارية مع العراق حالت دون فرض عقوبات على نظام صدّام، رغم إعدامه مراسل إحدى أبرز الصحف البريطانية. كما رفعت وثائق صفة السرية عن تهديد ليبي بتوظيف منظمة «الجيش الجمهوري الآيرلندي» لاغتيال «المرأة الحديدية» مقابل 50 مليون دولار.
* نظام القذافي هدد بتوظيف «الجيش الجمهوري الآيرلندي» لاغتيال ثاتشر
كشفت الوثائق التي أفرجت عنها بريطانيا مؤخرا أن مسؤولا في الحكومة الليبية أبلغ السفير الآيرلندي في روما، إيمون كينيدي، أثناء زيارته لطرابلس عام 1986، بأن ليبيا فكرت في دفع مبلغ كبير لتنظيم الجيش الجمهوري الآيرلندي، مقابل اغتيال رئيسة الوزراء السابقة مارغريت ثاتشر.
وورد في إحدى هذه الوثائق، التي نقلت صحيفة «الغارديان» أبرز ما جاء فيها، أنه خلال زيارة إيمون كينيدي لطرابلس عام 1986، أكّد له رئيس المراسم الليبية سعد مجبر، أن بلاده مستعدة لتمويل «الجيش الجمهوري الآيرلندي» بنحو 50 مليون دولار، مقابل «القضاء على ثاتشر»، وفق ما نقلت صحيفة «إكسبريس» البريطانية.
وجاء الاجتماع ردّ فعل على تصريحات صدرت عن مسؤولين حكوميين ليبيين دعما للجيش الجمهوري الآيرلندي. وأفاد كينيدي أنه أكّد خلال اللقاء مع مجبر على أن تنظيم «الجيش الجمهوري الآيرلندي عدو للدولة الآيرلندية». غير أن مجبر وجه اللوم لثاتشر والرئيس الأميركي رونالد ريغان، لتعاونهما في قصف المدن الليبية، طرابلس وبنغازي، في أبريل (نيسان) 1986.
وأبلغ مجبر السفير الآيرلندي أن «ثاتشر وأطفالها سيدفعون الثمن من دون شك، إن لم تترك منصبها، فسوف تدفع ثمنا غاليا هي وأسرتها». وكشفت الوثائق كذلك أن مجبر واصل «الصياح والعرق والبكاء في وقت واحد» خلال الاجتماع العاصف الذي دام ساعتين. وأضاف كينيدي في إفادته أن «مع اقتراب الاجتماع من نهايته، قال مجبر شيئا ما لفت انتباهي. قال إن رغم كل ما قلته، فإن ليبيا سوف تدعم الجيش الجمهوري الآيرلندي بشكل كامل في مواجهة ثاتشر». وكشفت الوثائق أن القذافي دعم الجيش الجمهوري الآيرلندي بالسلاح أيضا.
وعبر الدبلوماسي الآيرلندي عن مخاوفه من أن «تنشط ليبيا دعمها للجيش الجمهوري الآيرلندي ببريطانيا، وتحاول اغتيال ثاتشر هي وعائلتها، فساعتان مع مجبر أكّدتا هذا الخطر».
يعود دعم القذافي للجيش الجمهوري الآيرلندي لعام 1972، عندما قام بمد التنظيم شبه العسكري بترسانة أسلحة ضخمة، وبعد تعزيز الصلة بالتنظيم عام 1986 عقب القصف الأميركي لليبيا، واصل القذافي إرسال الأسلحة للتنظيم. وكشفت الوثائق أن السلطات الفرنسية أوقفت سفينة ليبية كانت في طريقها إلى شمال آيرلندا وعلى متنها 1000 بندقية آلية طراز «إيه كي – 47»، وأكثر من 50 صاروخ أرض جو، وطنّين من مادة «سيمكس» شديدة الانفجار.
* إعدام مراسل «الأوبزرفر» في العراق
في عام 1990، أعدم نظام صدام حسين الصحافي فرزاد بازوفت، شنقًا، بسبب مزاعم كاذبة عن قيامه بأنشطة تجسس. وكشفت الوثائق التي رفعت عنها السرية، الجمعة، أسباب امتناع بريطانيا عن التدخل في القضية.
وأثارت عملية إعدام مراسل صحيفة «الأوبزرفر» البريطانية فرزاد بازوفت في 15 مارس (آذار) 1990 بناء على أوامر من صدام حسين، حالة من الغضب اجتاحت العالم. إلا أن الغريب هو أن مارغريت ثاتشر وحكومتها قررا في نفس اليوم عدم اتخاذ أي إجراء ضد ما وصفه الوزراء بـ«النظام القاسي»، خشية أن يؤثر ذلك على الصادرات البريطانية المربحة إلى العراق.
وفي مذكرات كُتبت بعد إقدام صدام على استخدام غاز الخردل لقتل نحو 3000 كردي، وقبل شهور قليلة من غزوه للكويت، كشفت الوثائق الصادرة حديثا عن مجلس الوزراء البريطاني أن التجارة كانت مصدر القلق الأكبر لغالبية الوزراء.
وحتى بعد شيوع خبر إعدام المراسل الصحافي الشاب الذي كان يبلغ من العمر 31 عاما، وعلى الرغم من الوعود التي طالما سمعها المواطنون عن رد فعل حازم ضد الديكتاتور الذي أخذت خطورته في التنامي بصورة كبيرة، فإن الوزراء قرروا عدم فرض أي عقوبات على العراق.
فبحسب مذكرة وزير الخزانة (المقبل) والمسؤول الرفيع في وزارة المالية البريطانية آنذاك، نورمان لامونت، أرسلها إلى وزير خارجيته دوغلاس هيرد، فإن العقوبات المالية والتجارية «لن يكون لها تأثير يذكر على الحكومة العراقية، لكنها سوف تعود بضرر بالغ على الصناعة البريطانية». وأضاف لامونت: «شعر الرأي العام هنا بصدمة كبيرة من تصرف العراقيين»، ورغم ذلك جاء رد هيرد في رسالة أخرى ليعزز رأي لامونت، قائلا: «لدينا مصالح تجارية قوية يتعين علينا حمايتها في العراق».
لا يتذكر لامونت، الذي أصبح لقبه لورد لامونت أوف ليرويك، كثيرًا عن تلك الوقائع التي مر عليها 27 عاما، غير أنه لم يكن يملك كثيرًا من التأثير على صناع القرار البريطانيين كي يدفع باتجاه اتخاذ قرار ضد صدام. غير أن اللورد لامونت علق قائلا: «لا أتذكر دورًا كبيرًا لي في تلك القضية، لكن ما أتذكره جيدًا هو الصدمة التي شعرت بها عند إعدام هذا الشاب البريء بتلك الصورة التراجيدية». وأضاف أنه «كان هناك بعض الجدل بشأن هويته البريطانية، فقد كان يحمل جواز سفر إيرانيًا، وهذا ما حسم الجدل، ولم يكن مواطنا بريطانيا».
وكان بازوفت، مراسل إيراني المولد يحمل تصريحا بالإقامة في بريطانيا، قد تلقى دعوة من حكومة صدام حسين لزيارة العراق، وسط مجموعة من الصحافيين في رحلة جماعية لتغطية الانتخابات المقررة بالجزء الكردي من العراق. كانت تلك الزيارة السادسة له للعراق، وكان حريصا على كتابة موضوع يليق بالنشر في صحيفة «الأوبزرفر». وفي اليوم الذي غادر فيه بريطانيا متجها للعراق في سبتمبر (أيلول)، نشرت صحيفة «الإندبندنت» خبرا عن تفجير بمجمع الحلة العسكري جنوب بغداد، يشتبه أنه يجري عمليات تعديل لصواريخ باليستية وتصنيع لأسلحة كيماوية سرًا. وبعد انتشار الشائعات عن وقوع مئات القتلى، طلب بازوفت من الممرضة البريطانية دافان باريش اصطحابه بسيارتها إلى موقع الانفجار، وهو ما حدث إذ التقط صورا فوتوغرافية وجمع عينات من التربة.
وفي مطار بغداد، ألقي القبض على بازوفت، بينما كان ينتظر الطائرة التي ستقله عائدا إلى لندن، وأودع في زنزانة انفرادية بسجن أبو غريب، وتعرض للتعذيب والتجويع. وفي 1 نوفمبر (تشرين الثاني)، ظهر بازوفت أمام كاميرات التلفزيون واعترف بأنه عميل إسرائيلي.
وفي عام 2003، توصلت صحيفة «الأوبزرفر» إلى عقيد بالاستخبارات العراقية يدعى قادم عسكر، الذي تولي استجواب بازوفت، واعترف بأنه كان يعلم أنه بريء، لكنه لم يكن بمقدوره منع تنفيذ أوامر صدرت عن صدام شخصيا بإدانته وإعدامه.
وبعد شهور من موت بازوفت، أعيد جثمانه داخل صندوق لوالديه اللذين كانا ينتظرانه بمطار هيثرو بالمملكة المتحدة.
وثائق بريطانية: ليبيا هددت بعرض 50 مليون دولار لاغتيال ثاتشر
مصالح تجارية حالت دون فرض عقوبات على نظام صدام
لقاء بين رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت ثاتشر والرئيس الأميركي جورج بوش الأب (غيتي) - معمر القذافي عام 1989 (غيتي) - صورتان من وثائق الأرشيف الوطني البريطاني نشرتها صحيفة «التلغراف» البريطانية
وثائق بريطانية: ليبيا هددت بعرض 50 مليون دولار لاغتيال ثاتشر
لقاء بين رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت ثاتشر والرئيس الأميركي جورج بوش الأب (غيتي) - معمر القذافي عام 1989 (غيتي) - صورتان من وثائق الأرشيف الوطني البريطاني نشرتها صحيفة «التلغراف» البريطانية
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

