عام اندحار «القاعدة» في المناطق اليمنية المحررة

أجهزة صالح استخدمت «التنظيم» فزاعة للغرب وورقة للابتزاز وحشد الدعم

جنود يمنيون يعاينون موقعا بعد تفجير نقطة أمنية في مديرية حجر التي تبعد نحو 15 كيلومترا عن محافظة المكلا في يوليو الماضي (أ.ف.ب)
جنود يمنيون يعاينون موقعا بعد تفجير نقطة أمنية في مديرية حجر التي تبعد نحو 15 كيلومترا عن محافظة المكلا في يوليو الماضي (أ.ف.ب)
TT

عام اندحار «القاعدة» في المناطق اليمنية المحررة

جنود يمنيون يعاينون موقعا بعد تفجير نقطة أمنية في مديرية حجر التي تبعد نحو 15 كيلومترا عن محافظة المكلا في يوليو الماضي (أ.ف.ب)
جنود يمنيون يعاينون موقعا بعد تفجير نقطة أمنية في مديرية حجر التي تبعد نحو 15 كيلومترا عن محافظة المكلا في يوليو الماضي (أ.ف.ب)

غالبًا ما يطلق على عام 2016 في اليمن اسم «عام الحرب على الإرهاب»، إذ تمكنت القوات الأمنية والعسكرية اليمنية، بدعم وإسناد عسكري جوي وبحري وبري من التحالف العربي من دحر الجماعات الإرهابية في المحافظات الجنوبية - أي عدن ولحج وحضرموت وأبين وشبوة. وكانت هذه الحرب الثانية التي تخوضها قوات التحالف في اليمن ضد التنظيمات الإرهابية. ولقد نجحت بقوة بدءًا من عدن، مرورًا بالمحافظات الأربع الأخرى، بصورة لا تقل عن حرب تحرير الجنوب من ميليشيا الحوثيين والمخلوع علي عبد الله صالح.
وفي إحصائيات دقيقة كشفتها لـ«الشرق الأوسط» غرفة عمليات مشتركة لقوات النخبة الحضرمية والمنطقة العسكرية الثانية أنه بنتيجة غارات الطائرات الأميركية من دون طيار (الدرون) التي استهدفت «القاعدة» في حضرموت، وكذلك غارات طيران التحالف العربي، بلغ عدد قتلى «القاعدة» في هذه المحافظة وحدها ما يقارب 480 قتيلاً، بجانب أكثر من 360 جريحًا وأسر واعتقال ما لا يقل عن 120 إرهابيًا خلال الفترة الممتدة بين بدء معركة تحرير مدينة المُكلاّ في أواخر شهر أبريل (نيسان) وحتى منتصف ديسمبر (كانون الأول) الحالي.
كذلك بلغت حملات الدهم التي نفذتها النخبة الحضرمية ضد «القاعدة» 280 حملة، في حين كانت حصيلة العمليات الإرهابية التي استهدفت حضرموت وقوات النخبة الحضرمية وتبنتها الجماعات الإرهابية من تنظيمي القاعدة وداعش 56 عملية إرهابية، أسفرت عن سقوط 131 شهيدًا و156 جريحًا معظمهم من قوات النخبة الحضرمية والأمن، بالإضافة إلى مدنيين. وأيضًا نجحت قوات النخبة والأمن في عموم حضرموت بضبط 36 معملاً تستخدمها عناصر إرهابية مدربة بينهم خبراء أجانب لصناعة العبوات الناسفة والمتفجرات والمفخخات، وتفكيك ما زنته أكثر من 180 طنًا من العبوات الناسفة والمتفجرات، وإحباط 6 محاولات فاشلة لتفجير مقرات عسكرية وأمنية ونقاط تفتيش ومؤسسات ومرافق حكومية حيوية.

نجاحات بمعاونة شعبية
ولقد أفاد عبد الله الكندي، الضابط والمسؤول الإعلامي في المنطقة العسكرية الثانية بحضرموت، بأن «أبرز الإنجازات التي حققتها قوات النخبة الحضرمية والأمن منذ تحرير المُكلا في أواخر أبريل وحتى اللحظة الراهنة، تمكّنت القوات العسكرية والأمنية من التحرير الكامل لمدينة المُكلا وجميع مدن ساحل حضرموت وقراه، كما أكملت انتشارًا واسعًا لتغطية وتأمين هذه المنطقة وتمشيطها من العناصر الإرهابية، وكذلك عملت على ملاحقة عناصر (القاعدة) المختفية وألقت القبض عليهم في عمليات دهم وتعقب مستمرة للخلايا النائمة منهم».
وأردف الكندي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن قوات النخبة الحضرمية والأمن «تمكنت بالعمل على تفكيك العبوات الناسفة والمتفجرات، وبلغ إجمالي العبوات التي تم تفكيكها أكثر من 180 طنًا، وكذلك إحباط 6 محاولات فاشلة لتفجير مقرات عسكرية وأمنية ونقاط تفتيش ومؤسسات مدنية هامة. وكان من أبرز النجاحات أيضًا إنشاء شبكة استخبارات واسعة تيسر بفضلها، وفضل تعاون مواطنين، العثور على عناصر إرهابية ومواد مفخخة ومتفجرات».
وأضاف الكندي إلى ما سبق، اشتراك المجتمع في عملية حفظ الأمن، حيث شكلت لجان من المواطنين في الأحياء على المنافذ لمساعدة قوات الأمن والجيش في الكشف ومواجهة أي عمل إرهابي. وهو ما أتاح لحضرموت أن تعيش في أمن وأمان وتتمتع بحركة شعبية واقتصادية وتجارية دؤوبة في أعقاب تطهيرها من جماعات القتل والإرهاب المموّلة من المخلوع صالح لإغراق المحافظة في وحل الفوضى والإرهاب، وإفشال أي جهود للتحالف في المناطق المحررة»، على حد قوله.
يذكر أن قوات التحالف كانت قد أطلقت أواخر أبريل 2016 معركة تحرير المُكلا، عاصمة محافظة حضرموت وكبرى مدن الجنوب (بعد عدن)، عقب أكثر من سنة من خضوعها لسيطرة تنظيم القاعدة. وتمكنت القوات العسكرية من تطهير المُكلا ومديريات الساحل الحضرمي من الجماعات الإرهابية بدعم وإسناد عسكري بحري وجوي وبري من قوات التحالف.
و«شارك في عملية التحرير الكبرى ما يقارب 50 ألف عسكري من قوات النخبة الحضرمية والمقاومة في المحافظات الجنوبية المجاورة» بحسب تصريحات اللواء فرج سالمين البحسني قائد المنطقة العسكرية الثانية لـ«الشرق الأوسط» حينذاك.

معركة أبين
وفي محافظة أبين، القريبة من العاصمة المؤقتة عدن، قادت قوات الحزام الأمني والجيش عملية عسكرية كبرى لتطهير المحافظة من الجماعات الإرهابية بدعم قوات التحالف العربي بعدن وذلك في 14 أغسطس (آب) من العام الحالي، حيث بلغت عدد غارات طيران التحالف ضد الجماعات الإرهابية ما يزيد عن 28 غارة، وعدد غارات «الدرون» التي أمكن رصدها من قبل عسكريين بالمحافظة بين 13 إلى 17 غارة جوية نفذتها القوات المسلحة الأميركية.
وكشفت إحصائيات لعمليات القوات الأمنية والعسكرية بمحافظة أبين لـ«الشرق الأوسط» عن أن العمليات العسكرية والغارات الجوية في المدينة أسفرت عن مقتل مالا يقل عن 70 من عناصر «القاعدة» وجرح ما يقارب 40 آخرين أسر واعتقال بحدود 50 عنصرًا إرهابيًا بينما تجاوزت حملات الدهم التي نفذتها قوات الحزام الأمني ضد الجماعات الإرهابية في عموم مدن أبين 50 حملة. كذلك بلغ عدد المعامل المصنعة للعبوات الناسفة والمتفجرات، وكذا مخازن الأسلحة التي تم ضبطها في المحافظة، أكثر من 14 معملاً ومخزنًا. أما عدد العمليات الإرهابية التي استهدفت أبين والقوات الأمنية فبلغت نحو 27 عملية إرهابية أسفرت عن مقتل 34 شهيدًا وسقوط أكثر من 50 جريحًا من القوات الأمنية، ومعهم بعض من المدنيين الذين كانوا مارين أو موجودين بالقرب من أماكن تلك العمليات الإرهابية ومعظمها في عاصمة المحافظة مدينة زنجبار.
وبخصوص الإنجازات التي حققتها القوات العسكرية والأمنية في محافظة أبين فقد عدّدها ضباط عسكريون وأمنيون في أحاديث متفرقة لـ«الشرق الأوسط»، مشيرين إلى أن أولها تطهير كل مديريات المحافظة من الجماعات الإرهابية أبرزها العاصمة زنجبار والمدينة الكبيرة الثانية جعار، التي كانت مقرًا للجماعات الإرهابية، وثانيها تثبيت الأمن والاستقرار في عموم مديريات المحافظة، وثالثها استعادة المرافق الحكومية التي كانت تسيطر عليها الجماعات الإرهابية للعمل من جديد، ورابعها عودة الحركة الاقتصادية والمعيشية إلى عموم مناطق المحافظة بعد سنوات من حكم وسيطرة جماعات القتل والإرهاب على المدينة الساحلية، وكذا عودة الدولة إلى أبين بعد غياب طويل بسبب سيطرة الجماعات الإرهابية المتقطعة على المحافظة منذ ثورة إسقاط نظام المخلوع صالح في 2011، على حد قولهم ذلك.

مناطق محرّرة
ولفت مراقبون سياسيون وعسكريون إلى أن تحرير أبين من الجماعات الإرهابية مكّن القوات العسكرية والدولة من إعادة جبال المحفد والمراقشة وجعار واحور وشقرة إلى حضن القوات الحكومية، بعدما كانت معسكرات لـ«القاعدة». وهذا ما ساعد قوات الجيش والأمن في قطع خط إمدادات الجماعات الإرهابية التي هي على علاقة وطيدة في الحوثيين وصالح بين محافظات شبوة وأبين والبيضاء. وأيضًا استعادة معسكرات الجيش والأمن في مناطق أبين من سيطرة الإرهابيين إلى حضن قوات الحزام الأمني. وأشاروا إلى أهمية تمركز القوات الأمنية في عموم مديريات محافظة أبين، وهو أمر ساعد خلال فترة وجيزة على تثبيت الأمن والاستقرار وتأمين الخط الساحلي والدولي بين عدن ومحافظات أبين وحضرموت وشبوة، وعودة سلطة الدولة والأمن والاستقرار للمدن الساحلية والزراعية.
وكانت قوات الجيش والأمن بدعم من قوات التحالف قد شنت منتصف أغسطس من العام الحالي حملة عسكرية لتطهير أبين من الإرهابيين ونجحت خلال أقل من أسبوعين في تطهير كامل مدن المحافظة الساحلية من الإرهابيين مما أربك الميليشيات الانقلابية. إذ كشفت تصريحات قادة الحملات العسكرية أن أجهزة أمنية واستخباراتية موالية لصالح والحوثيين هي من تدير إرهابيي «القاعدة» بمحافظة أبين، التي هي مسقط الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي.

محافظة شبوة
وفي محافظة شبوة بدأت قوات النخبة الشبوانية، من جانبها، بإشراف ودعم قوات التحالف، عملية انتشارها في سواحل المحافظة ضمن خطة قيادة التحالف العربي. جاء التحرك ضمن مخطط استكمال انتشار قوات الحزام الأمني في المحافظات الجنوبية وتضييق الخناق على الجماعات الإرهابية في الجنوب. وبعد تحقق هذا الهدف لاذت عناصر التنظيمات الإرهابية بالفرار باتجاه محافظة البيضاء الخاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثيين وقوات صالح. ووفق التقارير باتت هذه المحافظة معقلاً لإرهابيي «داعش» و«القاعدة»، وتوجد فيها معسكراتها بموجب عقد صلح وهدنة عقدا بين الحوثيين وصالح من جهة والجماعات الإرهابية من جهة، يقضيان بعدم تعرض أي منهما للآخر، وذلك بوساطة شيوخ وقادة قبليين في البيضاء من الموالين لصالح.
ومن جهة أخرى، أوضحت مصادر عسكرية وأمنية في محافظة شبوة لـ«الشرق الأوسط» أن ما يزيد عن 20 غارة لطائرات أميركية من دون طيار استهدفت عناصر التنظيمات الإرهابية في بلدة عزّان وعددًا من مناطق ومديريات محافظة شبوة، مما أدى لقتل أكثر من 40 إرهابيًا وجرح العشرات (من 20 إلى 30) بينهم قيادات كبيرة في التنظيم. وكذلك تدمير أعتدة ولوازم لكميات كبيرة عائدة للجماعات الإرهابية، واستهداف مخازن أسلحة ومعسكرات تدريبية للتنظيم. ولقد تم طرد الإرهابيين من عزّان، معقل تنظيم القاعدة في المحافظة شبوة ذات الأهمية الاستراتيجية والغنية بالنفط والغاز، كذلك ساعدت الغارات الجوية وبدأ انتشار قوات النخبة الشبوانية في المحافظة في تشديد الخناق على معسكرات وتنقلات الجماعات الإرهابية وتطهير سواحل شبوة وتحديدًا رضوم وبير علي وبالحاف من أي عمليات تهريب أو وجود علني إرهابي في المنطقة.
هذا، وتقول مصادر أمنية يمنية إنها توصلت بصورة مؤكدة لوجود علاقة بين «القاعدة» وقوات صالح، وإن أجهزة صالح كانت تستخدم التنظيم الإرهابي فزاعةً للغرب وورقة للابتزاز وحشد الدعم، وإنها توصلت إلى التثبت من هذه العلاقة إثر تحقيقات أجريت مع عدد من قادة التنظيم الإرهابي الذين وقعوا في شباك القوات الأمنية في كل من عدن وحضرموت ولحج وأبين.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.