الآثار الجيوسياسية لأزمة أوكرانيا

روسيا بوتين تحاول إثبات ذاتها بتحدي سياسات القوى الغربية

صورة تعود إلى مارس الماضي لأوكرانيين يتظاهرون تأييدا لوحدة أراضي بلادهم (أ.ب)
صورة تعود إلى مارس الماضي لأوكرانيين يتظاهرون تأييدا لوحدة أراضي بلادهم (أ.ب)
TT

الآثار الجيوسياسية لأزمة أوكرانيا

صورة تعود إلى مارس الماضي لأوكرانيين يتظاهرون تأييدا لوحدة أراضي بلادهم (أ.ب)
صورة تعود إلى مارس الماضي لأوكرانيين يتظاهرون تأييدا لوحدة أراضي بلادهم (أ.ب)

يمكن القول إن العلاقات الروسية - الأميركية وصلت إلى أدنى درجاتها منذ نهاية الحرب الباردة. فقد ترك تصرف روسيا الصادم بتجاهل سيادة أوكرانيا وغزو إقليم القرم واضعي السياسات حول العالم في حالة من الارتباك, إذ تشهد صور القوات الروسية المحيطة بالمنشآت العسكرية والمطارات على انتهاء محاولة «إعادة ضبط» العلاقات الروسية الأميركية، التي بدأت منذ خمس سنوات في قمة الدول العشرين التي أقيمت في لندن. ومنذ ذلك الحين، وبعيدا عن اتفاقية خفض السلاح النووي الجديدة وجولات التعاون الدبلوماسي بين حين وآخر، لا تشهد العلاقات بين الدولتين سوى التدهور.

ليس من الغريب أن تحدث هذه الانتكاسة في ظل حكم الرئيس فلاديمير بوتين لروسيا. يأتي الغزو الروسي للقرم في فصل آخر جديد من ملحمة ما بعد الاتحاد السوفياتي المعروفة، التي يلجأ فيها الكرملين إلى التدخلات العسكرية في دول الاتحاد السوفياتي السابق التي أصبحت مستقلة، كوسيلة لإضعاف حكومات هذه الدول المجاورة وتحدي سياسات الولايات المتحدة والقوى الغربية عامة. ترمز عدم رغبة موسكو في المساعدة على حل الصراعات المستمرة في مناطق مثل ترانسنستريا، وغزوها العدواني لجورجيا في عام 2008، واعتداؤها الأخير على سيادة أوكرانيا باحتلال إقليم القرم، إلى مخططات روسيا لإعادة إثبات هيمنتها على نطاق إقليمي.
علاوة على ذلك، لا تقف هذه المحاولات لإثبات القوة عند الحدود القريبة من الاتحاد الروسي. في منطقة الشرق الأوسط، تستمر روسيا في دعم حليفتها القديمة سوريا: وتقدم غطاء سياسيا فعَّالا لإيران ومساعدة تقنية لبرنامجها النووي؛ وتسعى بانتهازية إلى تعميق علاقاتها مع مصر والأردن في المجالات التي تركتها الولايات المتحدة فارغة. إن ما تملكه المنطقة من مصادر الطاقة وأسواق الصناعة والسلاح المحتملة وتصدير الفكر الإسلامي المتطرف يجعل من الضروري للغاية عدم ترك المنطقة دون اهتمام.
وفي حين كان يجري الإعداد لاستراتيجية بوتين في استعراض القوة منذ عدة أعوام، فإنها أصبحت ذات تأثير في الوقت الحالي. تنبع جرأة صناع القرار في السياسة الخارجية الروسية من اعتقادهم بأن الإدارة الأميركية الحالية عاجزة عن القيادة والعزم الضروري لكبح أطماعهم؛ ولكن هذا مجرد حدس. في الوقت الحالي يضع واضعو السياسات الخارجية الأميركيون استراتيجيات بشأن كيفية تحقيق التوازن بين تطلعات روسيا الجيوسياسية التي تمثل تهديدا، وفي الوقت ذاته تقديم حوافز لروسيا للتعاون على نحو بنّاء مع المجتمع الدولي.

* التخندق في الخارج القريب
يجد واضعو السياسات والخبراء الأميركيون في شؤون الخارج القريب من روسيا أن التعامل مع طموحات بوتين بإعادة روسيا إلى مجد يشبه عهد الاتحاد السوفياتي هو التحدي الأول في السياسة الخارجية منذ أعوام وحتى الآن. أشار بوتين في عدة مواقف إلى أنه يعتبر سقوط الاتحاد السوفياتي أكبر مأساة حلت في القرن العشرين. تعيش دول الاتحاد السوفياتي المنهار بالإضافة إلى الدول التابعة له في ظل نفوذ روسيا منذ أعوام استقلالها الأولى. وعلى الرغم من تضاؤل النفوذ الروسي كثيرا في 11 دولة بعد عهد الشيوعية والتي أصبحت اليوم أعضاء في الاتحاد الأوروبي، فإنها ما زالت ذات أهمية بين الدول الأعضاء في الاتحاد السوفياتي سابقا. ما زالت بعض من هذه الدول بالفعل داخل نطاق النفوذ الروسي، لا سيما تلك الواقعة في آسيا الوسطى. وفي المقابل، يجاهد بوتين من أجل تعزيز هيمنة بلاده على دول جنوب القوقاز (جورجيا وأرمينيا)، بالإضافة إلى الدول التي تقع مباشرة على حدود الاتحاد الأوروبي، مثل مولدوفا وأوكرانيا. يظل النفوذ الغربي كبيرا في هذه الدول؛ كما تظل هناك آمال كبيرة في تحقيق تحول ديمقراطي ورغبة في تكامل أوثق مع الاتحاد الأوروبي.
أصبحت كل من أرمينيا وجورجيا ومولدوفا وأوكرانيا في الوقت الحالي قطع شطرنج في الصراع العنيف الشهير الدائر بين روسيا والغرب. تشارك الاستثمارات الأميركية في التنمية الاقتصادية والتحول الديمقراطي في هذه الدول بنسبة كبيرة. وتؤدي هذه الدول، التي ما زالت في مراحل انتقالية، دورا جيوسياسيا مهما في الربط بين الغرب والشرق، وأوروبا وآسيا، وتعد منطقة عازلة بين روسيا وأوروبا. تمثل أوكرانيا بمفردها مركزا ذا أهمية قصوى لنقل الطاقة بين أوروبا وآسيا، ولروسيا على وجه التحديد.
من المعروف أن بوتين يملك نفوذا كبيرا في مجال الاقتصاد والطاقة والجغرافيا السياسية في الدول المجاورة لروسيا. وكان لفرض حظر على منتجات جورجيا ومولدوفا وأوكرانيا نتائج مدمرة على اقتصاد هذه الدول في الماضي. ويظل ارتفاع أسعار الطاقة أو قطع إمدادات الطاقة كلية عن مولدوفا وأوكرانيا أداة أخرى شديدة الفاعلية تستخدمها روسيا. وكما هو الحال في معظم الدول في المنطقة، تعاني هذه الدول الهشة أيضا من قضايا تتعلق بوحدة أراضيها ويستمر وجود القوات المسلحة الروسية في مناطقها الانفصالية ليمثل مشكلة كبرى. منح دور حفظ السلام الذي عينت روسيا ذاتها لتأديته فرصة دخول لا تقدر بثمن عندما اندلع الصراع في إقليم أوسيتيا الجنوبية في جورجيا عام 2008. أسفر الصراع عن مقتل وتشريد الآلاف داخل الأراضي ذات السيادة الجورجية، خارج مناطق الصراع. وأدى ضعف رد الفعل الدولي مع عدم وجود إجراء من جانب الغرب لمعاقبة روسيا بسبب تدخلها غير المشروع إلى تعزيز اعتقاد بوتين بضعف وعجز الغرب.
في سبيل مواجهة محاولات الاتحاد الأوروبي للتوسع شرقا، أسس بوتين اتحاد أوراسيا الذي من المقرر أن يتكون رسميا في عام 2015. يضع الكيان الأول لهذه المبادرة، بقيادة روسيا، اتحاد الجمارك الأوراسي، روسيا البيضاء وكازاخستان من بين أعضائه. كما أدرج الاتحاد أرمينيا كمرشح للعضوية بعد أن قرر الرئيس سيرج سيركسيان الامتناع عن توقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في سبتمبر (أيلول) عام 2013. استغل بوتين بفاعلية الصراع الدائر بين أرمينيا وأذربيجان في ناغورني كاراباخ لتقديم أجندته الخاصة. بعد أن لمح علانية لاحتمالية تصعيد الصراع في هذه المنطقة ببيع أسلحة إلى أذربيجان، استطاع إقناع سركسيان بترك المباحثات المطولة من أجل اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي التي كانت تسبق قمة فيلنيوس في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013.
بعد أن استمروا في الصراع من أجل تحقيق الاستقلال الكامل عن روسيا، أصبح قادة جورجيا ومولدوفا وأوكرانيا مقتنعين بأن مصير استقلالهم في يد الغرب. لا يمكن ضمان نتيجة ذلك سوى بتحقيق مزيد من التكامل الذي لا يمكن الرجوع فيه مع الغرب؛ وبالتالي، يأتي الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو على قمة أجندات حكومات هذه الدول.
بعد الاحتلال العسكري الروسي الحالي لإقليم القرم في أوكرانيا، والتهديد الواضح بغزو أجزاء أخرى من شرق أوكرانيا، أصبحت سيادة الدولة معرضة للخطر. تشكل أزمة أوكرانيا تحديا رئيسا للولايات المتحدة حيث إنها أدت إلى تدهور شديد في العلاقات الروسية الأميركية. وقد تحدث نتائج هذه الأزمة تغييرا كبيرا في ميزان القوى العالمي الراهن، ويعرقل النفوذ الأميركي خارج وسط أوروبا وشرقها أوراسيا. منذ عدة أشهر فقط لم يكن مسؤولون أميركيون ليعترفوا صراحة بفكرة أن هناك ما يشبه الحرب الباردة يدور الآن بيد أن المحللين يعترفون الآن صراحة بـ«لعبة الشطرنج» التي يلعبها بوتين ضد الغرب.
أصدرت واشنطن بيانات صريحة ضد تصرفات بوتين، وفرضت عقوبات على بعض الشخصيات من ذوي النفوذ في الحكومة الروسية بتجميد أرصدتهم الخارجية، وفرضت قيودا على سفرهم وسحبت تأشيراتهم. ووقفت الولايات المتحدة إلى جانب المجتمع الدولي الكبير في إدانة الاستفتاء الذي أجري في القرم لتقرير ما إذا كان الإقليم سيظل جزءا من أوكرانيا. وعلى الرغم من أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رفض هذا الاستفتاء، فإن حكومة القرم أجرت الاستفتاء غير الدستوري في 16 مارس (آذار). ووفقا للسلطات المساندة من جهة الروس في القرم، صوت 94 في المائة من المشاركين في استفتاء 16 مارس لصالح انفصال القرم عن أوكرانيا وانضمامها إلى روسيا. ردا على ذلك، تعهد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بزيادة العقوبات التي تستهدف شخصيات روسية أخرى مؤثرة. وفي 17 مارس، وقع الرئيس أوباما على قرار رئاسي يدرج قائمة بالشخصيات الروسية التي ستفرض عقوبات ضدها. تتضمن هذه القائمة المكونة من 11 اسما (تدرج قائمة الاتحاد الأوروبي 21 اسما) سياسيين وبرلمانيين روسا ومساعدي ومستشاري الرئيس بوتين بالإضافة إلى تجار أسلحة روس وداعمين ماليين رئيسين لأفراد في الحكومة الروسية. كما تضمنت قائمة الشخصيات التي فرضت عليها عقوبات الرئيس الأوكراني السابق يانوكوفيتش الذي هرب إلى روسيا بعد توجيه اتهامات ضده.
يسري اعتقاد بين واضعي السياسات الخارجية الأميركيين بأنه ما زال من الممكن حل أزمة أوكرانيا عن طريق الدبلوماسية. المقصود من هذه العقوبات هو بعث رسالة قوية إلى القادة الروس والضغط على الحكومة من أجل التعاون مع المجتمع الدولي. ولكن تتسم المساعي إلى إيقاف روسيا المتهورة بأنها رد فعل بدلا من أن تكون جزءا من تخطيط استراتيجي، وفي ذلك عجز عن الانتباه إلى أن اعتداء موسكو الأخير على دولة أخرى مستقلة يعد جزءا من مبادرة أكبر يقودها بوتين لتعزيز فكرة أن الاتحاد الروسي طرف قوي على الساحة العالمية.
حتى الآن أثبتت جميع العقوبات التي فرضت بسبب سياسات بوتين في أوكرانيا أنها غير فاعلة. بعد الاستفتاء، صوت مجلس الدوما الروسي لصالح ضم إقليم القرم. وفي 18 مارس، وقع بوتين ومسؤولو حكومة القرم معاهدة لضم شبه الجزيرة إلى روسيا. وسوف تتم الاتفاقية بمجرد أن تقرها المحكمة الدستورية الروسية ويصادق عليها البرلمان الروسي. ويسبب هذا التطور الأخير قلقا بالغا لدى الغرب. يعني فشل العقوبات حتى الآن في الضغط على بوتين من أجل الالتزام بمطالب الغرب واحترام حق الشعب الأوكراني في تقرير مصيره، أنه يجب النظر في طرق أخرى لحل الأزمة. في الوقت الحالي، تشمل هذه الطرق استمرار المباحثات الأميركية مع حلفائها في الاتحاد الأوروبي والناتو، ومن بينهم بولندا ودول البلطيق من أجل التأكيد على رغبة أميركا في دعم شركائها الدوليين وزيادة التكاليف التي تسددها روسيا جراء تصرفاتها غير المشروعة في إقليم القرم.

* العودة إلى التدخل في الشرق الأدنى
قبل بداية المواجهة السياسية حول القرم، كان أكبر نموذج على فشل محاولات ضبط العلاقات هو عجز القوى عن الوصول إلى طريق مشترك ذي نفع متبادل للمساعدة على إنهاء الحرب الأهلية الوحشية المندلعة في سوريا. وفي ظل توفر تقييم استخباراتي يكشف عن أن عملاء الحكومة السورية استخدموا عن عمد أسلحة كيماوية ضد سكانها المدنيين، بدأ مخططو السياسات الأميركيون في صياغة ردود محتملة لما يمكن أن يمنع شن مزيد من الهجمات من جهة الرئيس السوري؛ كان أحدها شن حملة قصف جوي لمواقع وقواعد عسكرية.
بعيدا عن هذه الأحداث المتلاحقة، امتد دعم موسكو المستمر للنظام السوري منذ عقود، بداية من عام 1970 تحت حكم حافظ الأسد واستمر مع تولي ابنه الرئيس الحالي بشار الأسد الحكم. بعد أن تحولت مظاهرات الربيع العربي السلمية في سوريا إلى عنف متزايد مع الاعتداءات العنيفة التي تقوم بها الدولة في صيف عام 2011، تزايد تدخل روسيا على المستويين المحلي والدولي. من وجهة نظر الكرملين هناك كثير من الأشياء المعرضة للخطر: منشأة طرطوس البحرية على ساحل البحر المتوسط في سوريا؛ ومصنعو السلاح الروس الذين يشكلون نسبة 48 في المائة من الواردات السورية أثناء توسعها المطرد في التسليح ما بين عامي 2006 و2010؛ وآخر حليف عربي جدير بالثقة في عالم ما بعد الحرب الباردة، والذي كانت روسيا تأمل من خلاله امتلاك نفوذ سياسي في الشرق الأوسط.
شن بوتين، الذي أزعجته احتمالات إضعاف الأسد عسكريا، حملة دبلوماسية لوقف القصف الوشيك، وسمح لوزير خارجيته بالتمسك بتعبير بلاغي صرح به نظيره الأميركي. منحت عدم رغبة أوباما في اتخاذ إجراء دون موافقة الكونغرس وقتا ومجالا للروس للتوسط في قرار مجلس الأمن رقم 2118، توافق بموجبه الحكومة السورية على التخلي عن أسلحتها الكيماوية، مما يلغي مبرر شن رد مسلح على المذبحة التي يرتكبها نظام الأسد ضد شعبه.
عدت جميع العواصم الغربية هذا الحل السلمي للأزمة تسوية ناجحة، وخطوة تجاه إعادة الروح إلى العلاقات، والتي كانت تلفظ أنفاسها بالكاد بسبب الخلافات حول الدرع الصاروخية الأميركية في أوروبا، والحماية التي قدمتها روسيا للموظف المتعاقد سابقا في وكالة الأمن القومي إدوارد سنودين الذي جرت إدانته؛ والطرق الدبلوماسية المسدودة بشأن الصراع السوري والبرنامج النووي الإيراني. ولكن ظهر التردد الأميركي في اتخاذ رد فعل أكثر حسما تجاه تجاوز «الخط الأحمر» في صورة ضعف العزيمة الأميركية.
كذلك كانت الحالة مع طهران، التي لم يقل دعمها للأسد قيد أنملة عندما وردت أنباء وقوع هجوم على غوطة دمشق. أدان الرئيس المنتخب حديثا حسن روحاني استخدام غاز الأعصاب سارين، ولكنه لم يحدد من المتورط في استخدامه. وبعيدا عن هذا الانتقاد، استمر إمداد إيران للقوات الموالية للحكومة بالمقاتلين والأسلحة والمال والدعم اللوجيستي دون توقف. وعكس انعدام خوف إيران من الرقابة الدولية بسبب دعمها للنظام الوحشي موقفا متجرئا يثق في أن واشنطن ستُبعد القصف الإسرائيلي وربما تكون مرنة في مفاوضات 5+1 التالية.
يرجع جزء من الفضل فيما تحقق من مكاسب إيران الأخيرة على الجبهة النووية، وتخفيف العقوبات، وما يتعلق بسوريا إلى مصالحها المتماشية مع مصالح موسكو، ويرجع أيضا إلى التخطيط الروسي. ومنذ عام 1995، صدّرت روسيا تكنولوجيا نووية إلى إيران، على الرغم من احتجاجات الحكومات الغربية. يشترك القادة الغربيون في مخاوفهم بشأن مسيرة المرشد الأعلى علي خامنئي المزعومة لتسليح برنامج بلاده للطاقة النووية. تفاقمت هذه المخاوف جراء المباحثات الجارية لإقامة مفاعل ثان يمد الحكومة الروسية بالنفط والنفوذ.
وفيما يتعلق بمجموعة الدول 5+1، قدم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف دعما راسخا لمساعي طهران لتخفيف العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وأوروبا، في جزء كبير من حملة روسيا الواسعة لرفع العقوبات كوسيلة للحفاظ على النظام العالمي. وعلى صعيد سوريا، يتعلق التعاون الروسي مع إيران بتداخل المصالح بدلا من التخطيط للتدخل من الكرملين؛ بيد أن استخدام مبعوث روسيا لدى الأمم المتحدة بيدالي تشوركين المستمر لحق الفيتو حقق حماية فعالة للعرب والفرس من أعضاء هذا الثالوث الاستبدادي ضد اتخاذ إجراء أكثر حسما ضدهم في الجمعية العامة.
يجري تجديد العلاقات في مناطق أخرى في العالم العربي، تتضمن مصر الشريك القديم لروسيا. وفي ظل قرار إدارة أوباما بتقييد مبيعات الأسلحة إلى مصر في أعقاب إطاحة الجيش بالحكومة الإسلامية المدنية في يوليو (تموز) 2013، وجدت روسيا فرصة لسد هذا الفراغ. تلت زيارة وفد رفيع المستوى إلى القاهرة برئاسة الوزير لافروف في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، زيارة أخرى قام بها مؤخرا وزيرا الدفاع والخارجية المصريان - في أول زيارة رسمية منذ 40 عاما – من أجل إتمام صفقة سلاح تقدر بنحو ثلاثة مليارات دولار ومن المنتظر معرفة ما إذا كان الأمر مجرد صفقة أم تحولا أكبر في توجهات مصر. ولكنها تشير إلى منهج روسيا الاستباقي في إقامة العلاقات، كما حدث مع سوريا وإيران.
يأتي الأردن مثالا آخر. على الرغم من أن درجة الشراكة مع المملكة الهاشمية ومصر في عهد عبد الناصر تختلف بدرجة كبيرة (على سبيل المثال، لم يكن هناك 15 ألف خبير عسكري روسي متمركز في الأردن)، إلا أن العلاقات بين عمان وموسكو منفتحة وتشهد صفقات متبادلة منذ منتصف السبعينات، فيما عدا معارضة عمان العلنية لحرب الشيشان في الوقت الحالي، في مواجهة ازدياد احتياجات الطاقة وعدم وجود وسائل فعالة من حيث التكلفة لتلبيتها، أتمت هيئة الطاقة الذرية الأردنية الشهر الماضي عدة جولات من المباحثات تمهد نتائجها الطريق أمام «روساتوم» الروسية لإقامة أول مفاعل نووي في البلاد. قبل عامين، شكلت لجنة حكومية أردنية وروسية عندما كان بوتين في زيارة إلى عمان. وفي إطار سعيها إلى معالجة عجزها التجاري المزمن ورغبتها في زيادة تدفق السياحة، استمر تفاعل الأردن من خلال اللجنة مع نظرائها الروس.
تتشارك جميع الدول المذكورة آنفا معا في خوفها المبرر من التهديدات الأمنية للتفسيرات المتطرفة للإسلام والمنظمات الإرهابية السنية. من شمال القوقاز إلى شمال سيناء إلى غرب العراق، تجاهد كل هذه الحكومات لاحتواء الجماعات الجهادية والتخلص منها. تبلي روسيا - التي تستمر مخاوفها المبررة من تصدير مثل هذه الآيديولوجيا إلى سكانها من المسلمين الذين يشكلون قطاعا كبيرا - بلاء حسنا في دعم تلك الحكومات في المنطقة التي تعمل على منع انتشارها أيضا.
يتنوع نطاق تعاون روسيا مع دول الشرق الأوسط من اتفاقيات مشروعة (الأردن) إلى مبيعات السلاح إلى الحكومات المصرية، إلى تقديم دعم ثابت متعدد الجوانب إلى أنظمة استبدادية مثل (إيران وسوريا). الأمر المشترك في كل هذه الحالات هو تدخل روسيا الانتهازي عندما تكون هناك مساحة لتوسعة نطاق نفوذها ووقف أهداف السياسات الأميركية في المنطقة، دون أن تضع في اعتبارها معاملة هذه الحكومات لمواطنيها.

* اعتبارات السياسات الأميركية
لا تبدو نهاية الأزمة الأوكرانية قريبة، وسوف تستمر في اختبار فاعلية الدبلوماسية الغربية. وفي حين يحدو واضعي السياسات الأميركيين الآمال بأن تثبت العقوبات الراهنة المتاحة نجاحها في إجبار روسيا على الالتزام بمطالب الغرب، فإن هناك إجراءات أخرى محل دراسة مثل المساعدة على بناء الجيش الأوكراني. يدخل الاتحاد الأوروبي في مفاوضات جديدة مع الحكومة الأوكرانية المؤقتة للإسراع بتوقيع اتفاقية الشراكة، وتلتزم الحكومة الأميركية بإمداد أوكرانيا بقرض قيمته مليار دولار من أجل مساعدة اقتصاد أوكرانيا المتعثر.
يعتقد عدد قليل نسبيا من الخبراء الأميركيين أن بوتين يرتجل في القرم، وأنه يتخذ رد فعل على اتهام حليفه الرئيس الأوكراني السابق يانوكوفيتش، ويستغل فرصة انعدام الاستقرار في البلاد. تقدم تصرفات بوتين الأخيرة في الخارج القريب، بالإضافة إلى نتائج الأزمة في سوريا، قصة لقائد استبدادي لديه استراتيجية كبرى بعيدة الأمد.
سوف تلقي تبعات عدم احترام روسيا لسلطة الحكومة في كييف بدرجة ما بآثار سلبية على الشرق الأوسط. وسوف تكون كلمة موسكو أقل مصداقية سواء في المفاوضات من أجل الوصول إلى حل ممكن للحرب الأهلية المأساوية في سوريا أو من أجل التسوية في قدرات إيران النووية. يمثل رفض بوتين سحب قواته من القرم مجرد قمة جبل الجليد. تحد الدولة التي تملك هذا الاستعداد المستمر للاستهانة بالقواعد الأساسية في النظام العالمي من ثقة أصدقائها وأعدائها على حد سواء.
ليس معنى ذلك عدم وجود بديل على المدى القريب. تملك سوريا قليلا من الحلفاء الذين يمكنها الاختيار بينهم، إن وجدوا؛ ومن المؤكد أنه لا يوجد من يملك مصالح ومخاطر مثل تلك التي تملكها روسيا. علاوة على ذلك، لن يمنع بوتين الأسد من اتخاذ إجراء مستقل في الداخل أو الخارج. وكذلك، لا تملك إيران أيضا نصيبها من الداعمين على الساحة العالمية وكذلك لن يكون مرجحا أن تغير موقفها في مواجهة الكرملين؛ ولكن ستقل احتمالات اعتماد الغرب على روسيا في أن تكون مُحكّما أو مشاركا في حل المفاوضات. ومع الانتخابات الرئاسية المقبلة في سوريا، يدعو الخبراء واشنطن إلى التركيز على الدولة التي مزقتها الحرب الأهلية، حتى لا يستفيد الأسد من الاهتمام الأميركي بأوكرانيا ويقوم بتزوير الانتخابات. ربما تحيي الحكومة الأميركية مباحثات السلام السورية من أجل وقف إراقة مزيد من الدماء، إذا تفوق بوتين في القرم وأعاد توجيه أجندته بتحدي نفوذ الغرب في الشرق الأوسط.
في إيجاز، أفضل ما يقوم به واضعو السياسة الخارجية الأميركيون هو حماية وتقديم المصالح الأميركية، بأن تشمل سياساتهم إثبات روسيا الاستباقي لذاتها في الجوار والخارج. وكما يشير بعض المحللين، تحتاج الولايات المتحدة إلى تحديد نهاية اللعبة وتطوير استراتيجية عملية لتحقيق هذه النهاية، اعترافا منها بأنه أينما وجدت حاجة أو فراغ، في الشرق الأوسط أو غيره من المناطق، سوف ينتهز الكرملين تحت قيادة بوتين الفرصة ليملؤه.

* ريتشارد كرايمر: أستاذ بالجامعة الأميركية، باحث مساعد في مشروع التحولات الديمقراطية في معهد أبحاث السياسة الخارجية في فيلادلفيا.
* مايا أوتاراشفيلي: باحثة مساعدة في معهد أبحاث السياسة الخارجية ومنسقة برنامج مشروع التحولات الديمقراطية (فيلادلفيا).



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.