واقع افتراضي.. يغمرك كليا

نظم مطورة تنقلك من دنياك إلى عالم مغاير

واقع افتراضي.. يغمرك كليا
TT

واقع افتراضي.. يغمرك كليا

واقع افتراضي.. يغمرك كليا

الأخبار التي جرى تناقلها بأن «فيسبوك» اشترت الشركة الناشئة «أوكيلوس في آر» Oculus VR للواقع الافتراضي بمبلغ ملياري دولار قد تتركك مذهولا، فتماما مثلها مثل السيارات الطائرة والروبوتات التي تعمل كخدم، فإن فكرة وضع زوج من النظارات الكومبيوترية والدخول في العالم الرقمي بدت في الماضي كما لو أنها من عالم المستقبل. هل مثل هذا الأمر يستحق فعلا مليارات الدولارات؟ وماذا يفعل الشخص العادي غير التقني، بنظم الواقع الافتراضي هذه؟ الجواب: ينفذ كل الأشياء والأمور!
يقول الدكتور جيرمي بايلينسون الباحث في شؤون الواقع الافتراضي، الذي يدير مختبرات «فيرتجوال هيومان إنترأكشن» التابع لجامعة ستانفورد في أميركا، «أنا لا أقلق بعد الآن ما إذا كان هذا الأمر بات مقبولا من قبل أغلبية الناس أم لا، لأن ذلك سيحصل آجلا أم عاجلا»، وهو كبقية الباحثين الآخرين في هذا الحقل، يعتقد أن تقنية الواقع الافتراضي أضحت تتقدم وتتطور بسرعة، مما يؤكد أنها ستغزو كل مناحي حياتنا. وبعد أن اختبرت هذه التقنية في مختبره هذا، أعتقد أنه على حق، فالواقع الافتراضي مقبل، وعلى الجميع القفز في زورقه. والسبب هو أن هذا الواقع هو الامتداد الطبيعي لجميع التقنيات الرئيسة التي نستخدمها اليوم، كالسينما، والتلفزيون، ومؤتمرات الفيديو، والهاتف الذكي، والإنترنت. إنها النسخة الغامرة جدا لكل هذه الأمور، وسنستخدمها تماما بالأسلوب ذاته لأغراض الاتصالات، والتعليم، وتسلية أنفسنا، والهرب أحيانا من الواقع الحالي. ويضيف الدكتور بايلينسون أنها حتى ستغير في كيفية قيام المجتمع بالتعامل مع المسائل الكبيرة، مثل المساواة بين الجنسين، والتدهور البيئي. لكن السؤال هو متى؟
يصف الدكتور بايلينسون ما يصنعه مختبره من أمور متطورة في الواقع الافتراضي بأنها «أكثر التجارب الغامرة التي يشهدها كوكبنا». فهو يقوم بالإضافة إلى إجراء تجارب تقنية لمعرفة كيفية تجاوب الأفراد مع البيئات الافتراضية، وبانتظام باستقبال رجال أعمال يرغبون في اختبار مستقبل الواقع الافتراضي. فقبل أسابيع من إعلان «فيسبوك» عن شرائها شركة «أوكيلوس»، قام مارك زكربيرغ أحد مؤسسي «فيسبوك» وكبير رؤسائها بزيارة للمختبر. كما قام بايلينسون أخيرا بعقد جلسة مدتها ساعة ونصف قدم خلالها سلسلة من عمليات المحاكاة مشابهة بتلك التي شاهدها واختبرها زكربيرغ.

* نظم محاكاة
وكانت توجيهات بايلينسون في بعض الأحيان طبيعية، لكنني عندما خضعت إلى التجارب الافتراضية، اهتزت أوصالي وارتعدت، وكان على بايلينسون أن يهدئ من روعي. وفي نهاية تجربة المحاكاة هذه كان الذهول مسيطرا علي، ورقبتي تؤلمني من ثقل النظارات التي بلغ وزنها خمسة أرطال، والتي يبلغ سعرها 30 ألف دولار. والتي تقدم محاكاة أكثر واقعية من تلك الصغيرة الرخيصة التي تركب على الرأس، والتي تشبه نظارات «ريفت» من «أوكيلوس».
لقد سحرني الأمر، فقد رأيت كيف أن أداة المحاكاة التي غمرتني بالواقع الافتراضي يمكنها أن تلعب ألاعيب غريبة تؤثر على جسم الإنسان وعقله ومزاجه. وقد تمكنت أن أرى كيف خرج زكربيرغ من المختبر متفائلا بمستقبل هذه التقنية. وقد أشار بايلينسون في كتابه «الواقع لا متناه» الذي يدور حول مستقبل الواقع الافتراضي، إلى أن البشر يتهربون بطبيعتهم من الواقع الذي يعيشون فيه إلى الكتب، والأفلام السينمائية، وألعاب الفيديو، وأجهزة «آيباد»، أي إنه كلما وفرت لنا التقنيات أساليب للهرب من القلق الذي يعتمر في أنفسنا، والدخول في عوالم من صنعنا، نقوم نحن باستغلال الفرصة، فإذا كانت التقنية جيدة، فإن الواقع الافتراضي لن يكون مختلفا.
وكانت نظم الواقع الافتراضي لسنوات، محط انتقادات مقنعة، وبأنها ليست جيدة بما فيه الكفاية. وهذا الأمر ما يزال سائدا الآن ويشكل الانتقاد الرئيس. فأجهزة الواقع الافتراضي تعمل عن طريق إرسال صور من صنع الكومبيوتر لكل عين من الاثنتين، استجابة لحركاتنا. وتعتمد دقة أداة المحاكاة على دقة تتبع وملاحقة حركاتنا، والسرعة التي تعدل بموجبها الصورة لكي تتماشى مع هذه الحركة، فإذا حادت التقنية قليلا عن الطريق الصحيح، أخفقت عملية المحاكاة وفشلت.
«فإذا ما أدرت رأسك إلى هناك ستلاحظ قليلا من التناقض وعدم الانتظام، وعقلك قد يشعرك بذلك»، كما يقول تادهك كيلي مصمم الألعاب الذي يحرر مدونة بعنوان «وات غايمس آر»، الذي يشك في إمكانية الواقع الافتراضي أن يصبح من التيارات أو الاتجاهات الأساسية في حياتنا اليومية، «فأنا أتساءل ما إذا كان هذا الاضطراب سيزول، وما إذا كان بالمقدور يوما الحصول على انغمار كلي مع المشاهد التي نراها». وتاريخ الوسائط المتعددة مليء بمحاولات التلاعب الفاشلة لإنتاج عمليات محاكاة جيدة للعالم الحقيقي.
ويقول كريس ديكسون المستثمر في شركة «اندسون هوروتز» لرساميل المشاريع التي استثمرت بمبلغ 75 مليون دولار في شركة «أوكيلوس في آر» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، «لقد كان الوقت المناسب لجعل الأمور كلها تعمل جيدا».
وأشار ديكسون إلى أن الانتعاش الذي شهدته صناعة الهواتف الذكية، ساعد في تدني تكلفة الشاشات القوية والمكونات المطلوبة لأجهزة الرأس الخاصة بالواقع الافتراضي، مما وضع الأخير في المسار الصحيح للإلكترونيات الجوالة، وأجهزة الكومبيوتر التي أصبحت رخيصة السعر، ومن المناحي الأساسية، مع تحسن هذه التقنية. وهو يتوقع أن تصبح مفيدة جدا حتى قبل أن تصبح كاملة متكاملة، ومن أن الألعاب لن تكون بالضرورة الهدف الأول لها.

* تواصل إنساني
ولقد أدركت ما يقصده، فأثرها الوشيك كان حقيقيا جدا، بحيث كنت أستدير غالبا بجسدي لتفادي أثرها، ولم يكن هذا الإحساس مريحا بالضبط.
وبدلا من القيام بأعمال جسدية فذة عن طريق هذه التقنية، إلا أنها سحرتني بدقتها للقيام باتصالات عاطفية، مع شخصيات افتراضية أخرى. ففي إحدى عمليات المحاكاة دخلت إلى غرفة كان فيها عشرة أو أكثر من الأشخاص جالسين أمامي ويحدقون في عيني. ولم يكونوا يبدون حقيقيين، بل أشبه بشخصيات في ألعاب الفيديو، أو بقع مضلعة الشكل.
ومع ذلك عندما سألني الباحثون أن أقترب منهم، أحنيت رأسي ولمست أنف أحدهم بأنفي، ووجدت ذلك أمرا صعبا جدا. وهذا أمر لم أختبره، أو أجربه في العاب الفيديو. فقد شعرت بأنني أتعامل مع أشخاص حقيقيين، وبالتالي أنتهك حيزهم الخاص.
ومثل هذه الإمكانية للتواصل الإنساني تجعل منها وسيلة جيدة لأغراض كهذه، فحاليا تنفق الشركات أموالا طائلة على السفر ومؤتمرات الفيديو، فمع إمكانية القيام بأعمالنا من بعيد، إلا أن المقابلات وجها إلى وجه هي أداة متينة.
وأظهر الباحثون أن المقابلات الافتراضية قد تكون وسيلة أفضل من المقابلات الحقيقية، نظرا لأن الرموز هذه التي تمثلنا يمكن برمجتها لكي تتصرف بأساليب لا نستطيع القيام بها. ومثال على ذلك، فإنه في المقابلات في العالم الافتراضي، يمكن للجميع النظر عينا إلى عين مع الآخرين الحاضرين، مما يشير إلى مستوى من الحضور والانتباه الذي هو غير موجود في العالم الحقيقي.
ومن الاستخدامات الأخرى الممكنة الهروب الدائم من الواقع. فقد أظهر التاريخ أننا لم نتلكأ يوما عن مثل هذه التجارب الغامرة لمشاعرنا، عندما تكون تعمل بشكل صحيح. فمنذ اختراعها قدمت الأفلام السينمائية لنا عالما من هذا النوع. ففي يومنا هذا شرعنا نتوجه خارجا واضعين على رؤوسنا الأجهزة والسماعات لكي تنقلنا إلى عالم الموسيقى، كما أننا لا نكف عن النظر إلى هواتفنا.

* خدمة «نيويورك تايمز»



«بايت دانس» الصينية تطلق نموذج الذكاء الاصطناعي «دوباو» وتبدأ «عصر الوكلاء»

صورة التُقطت في 5 فبراير 2026 تظهر إعلاناً ترويجياً لمنصة خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي «فولكانو إنجن» التابعة لشركة «بايت دانس» بالإضافة إلى برنامج الدردشة الآلي «دوباو» في مطار بكين الدولي بمدينة بكين (أ.ف.ب)
صورة التُقطت في 5 فبراير 2026 تظهر إعلاناً ترويجياً لمنصة خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي «فولكانو إنجن» التابعة لشركة «بايت دانس» بالإضافة إلى برنامج الدردشة الآلي «دوباو» في مطار بكين الدولي بمدينة بكين (أ.ف.ب)
TT

«بايت دانس» الصينية تطلق نموذج الذكاء الاصطناعي «دوباو» وتبدأ «عصر الوكلاء»

صورة التُقطت في 5 فبراير 2026 تظهر إعلاناً ترويجياً لمنصة خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي «فولكانو إنجن» التابعة لشركة «بايت دانس» بالإضافة إلى برنامج الدردشة الآلي «دوباو» في مطار بكين الدولي بمدينة بكين (أ.ف.ب)
صورة التُقطت في 5 فبراير 2026 تظهر إعلاناً ترويجياً لمنصة خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي «فولكانو إنجن» التابعة لشركة «بايت دانس» بالإضافة إلى برنامج الدردشة الآلي «دوباو» في مطار بكين الدولي بمدينة بكين (أ.ف.ب)

أعلنت شركة «بايت دانس» الصينية، اليوم (السبت)، عن طرح النموذج «دوباو 2.0»، وهو نسخة مطورة من تطبيق الذكاء الاصطناعي الأكثر استخداماً في الصين.

و«بايت دانس» هي واحدة من عدة شركات صينية تأمل في إثارة الاهتمام في الداخل والخارج بنماذجها الجديدة للذكاء الاصطناعي خلال عطلة رأس السنة القمرية الجديدة التي تبدأ الأحد.

وفوجئت الشركة، مثل منافستها «علي بابا»، بالصعود الصاروخي لشركة «ديب سيك» للذكاء الاصطناعي إلى الشهرة العالمية خلال عيد الربيع، العام الماضي، عندما صُدم وادي السيليكون والمستثمرون في شتى أنحاء العالم بإنتاج هذه الشركة الصينية لنموذج يضاهي أفضل نماذج «أوبن إيه آي»، ولكن بتكلفة أقل بكثير.

ويهدف إطلاق «دوباو 2.0»، قبل إطلاق نموذج «ديب سيك» الجديد المرتقب، على الأرجح إلى منع تكرار الأمر، وفقاً لوكالة «رويترز» للأنباء,

وقالت «بايت دانس»، في بيان، إن «دوباو 2.0» مصمم من أجل ما يطلق عليه «عصر الوكلاء»، الذي من المتوقع أن يشهد تنفيذ نماذج الذكاء الاصطناعي مهام معقدة في العالم الحقيقي وليس مجرد الرد على الأسئلة.

وذكرت الشركة أن النسخة الاحترافية من النموذج تتضمن قدرات معقدة على الاستدلال وتنفيذ المهام متعددة الخطوات بشكل يضاهي قدرات نموذج «جي بي تي 5.2» الذي طورته «أوبن إيه آي» و«جيميناي 3 برو» من «غوغل»، مع تقليل تكاليف الاستخدام بشكل هائل.


كيف يصبح «عيد الحب» اختباراً حقيقياً للذكاء الاصطناعي على فهم العملاء؟

يضاعف «عيد الحب» توقعات العملاء ما يجعل أي خلل في فهم سلوكهم الرقمي أكثر وضوحاً وتأثيراً على الثقة (أدوبي)
يضاعف «عيد الحب» توقعات العملاء ما يجعل أي خلل في فهم سلوكهم الرقمي أكثر وضوحاً وتأثيراً على الثقة (أدوبي)
TT

كيف يصبح «عيد الحب» اختباراً حقيقياً للذكاء الاصطناعي على فهم العملاء؟

يضاعف «عيد الحب» توقعات العملاء ما يجعل أي خلل في فهم سلوكهم الرقمي أكثر وضوحاً وتأثيراً على الثقة (أدوبي)
يضاعف «عيد الحب» توقعات العملاء ما يجعل أي خلل في فهم سلوكهم الرقمي أكثر وضوحاً وتأثيراً على الثقة (أدوبي)

لطالما كان التسوّق في «عيد الحب» مسألة تخمين. يحاول المستهلكون فك شفرة التفضيلات اعتماداً على إشارات محدودة ووقت ضيق وضغوط عاطفية عالية. لكن بشكل متزايد، تجد متاجر التجارة الإلكترونية نفسها تلعب اللعبة ذاتها مستخدمةً الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بما يريده العملاء، غالباً تحت ضغط موسمي مكثف.

في الشرق الأوسط، تزداد أهمية هذا المشهد، حيث من المتوقَّع أن يصل حجم التجارة الإلكترونية في المنطقة إلى 80.3 مليار دولار بحلول عام 2029، مدفوعاً بسكان شباب متمرسين رقمياً وبتوقعات متصاعدة لتجارب تسوق مخصصة. كما أن إنفاق عيد الحب يتغير. فلم يعد يقتصر على الشركاء العاطفيين، بل يشمل «Galentine’s Day» والهدايا الذاتية وحتى هدايا الحيوانات الأليفة؛ ما يوسّع تحدي التخصيص أمام المتاجر الإلكترونية.

لمواكبة هذه التوقعات، يدمج تجار التجزئة الذكاء الاصطناعي في محركات التوصية، وأنظمة التنبؤ بالطلب، وخوارزميات التسعير، وأدوات التفاعل مع العملاء. في كثير من الحالات، أصبح الذكاء الاصطناعي في قلب عملية اتخاذ القرار داخل قطاع التجزئة. لكن فعالية هذه الأنظمة تعتمد على عامل حاسم وهو البيانات.

يضاعف «عيد الحب» توقعات العملاء ما يجعل أي خلل في فهم سلوكهم الرقمي أكثر وضوحاً وتأثيراً على الثقة (أدوبي)

عندما يتحول التخصيص إلى تخمين

تعتمد منصات التجارة الإلكترونية الحديثة على شبكة معقدة من إشارات البيانات لتخصيص تجربة التسوق. تشمل هذه الإشارات سجل التصفح والمشتريات السابقة وبيانات المرتجعات وتفضيلات التوصيل وحتى تفاعلات خدمة العملاء.

كل نقطة بيانات توفر سياقاً؛ فسجلّ التصفح يكشف الاهتمام، والمشتريات السابقة توحي بالنية أو التفضيلات المتكررة، وبيانات المرتجعات تشير إلى عدم الرضا، بينما تكشف تفضيلات التوصيل عن درجة الإلحاح، خاصة حول تواريخ ثابتة مثل 14 فبراير. كما قد تكشف تفاعلات خدمة العملاء عن مشكلات في المقاسات أو الجودة أو تأخر الشحن.

في الشرق الأوسط، حيث تُجرى نسبة كبيرة من المشتريات عبر الأجهزة المحمولة، وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في اكتشاف المنتجات، يجب معالجة هذه الإشارات لحظياً. يتوقع المستهلكون توصيات فورية تبدو دقيقة وذات صلة.

تكمن المشكلة عندما تكون هذه البيانات مجزأة عبر أنظمة مختلفة كأدوات التسويق وأنظمة إدارة المخزون وقواعد بيانات الخدمات اللوجستية ومنصات خدمة العملاء وبوابات الدفع. عندما لا تتكامل هذه الأنظمة بسلاسة، تعمل نماذج الذكاء الاصطناعي على معلومات غير مكتملة.

فالخوارزميات المصممة للتنبؤ بالنية أو تحسين قرارات التوصيل تحتاج إلى بيانات موحَّدة في الوقت الحقيقي. ومن دون ذلك، حتى أكثر المحركات تقدماً قد تنتج توصيات واثقة لكنها غير دقيقة.

النتائج معروفة حيث قد يُعرض على العميل منتج سبق أن أعاده. أو تُروَّج هدية لا يمكن توصيلها قبل 14 فبراير. أو تظهر فئات غير ذات صلة، أو تُتجاهل تفضيلات التوصيل المعروفة. وفي بعض الحالات، تؤدي العروض غير المناسبة إلى مشتريات اندفاعية تنتهي بمرتجعات بعد العطلة. هذه الأخطاء ليست مجرد تفاصيل صغيرة، بل تعمل على تقويض الثقة. فعندما يبدو التخصيص غير دقيق، يستنتج المستهلك أن المنصة لا تفهمه حقاً.

فبراير... اختبار ضغط لأنظمة التجزئة

يُضخم «عيد الحب» هذه التحديات؛ فالمناسبة تجلب موجة من الزيارات، خصوصاً من المتسوقين في اللحظات الأخيرة. مواعيد التوصيل ثابتة وغير قابلة للتفاوض والقرارات عاطفية والتوقعات مرتفعة.

يتعين على تجار التجزئة إدارة المخزون والخدمات اللوجستية والتفاعل مع العملاء تحت ضغط زمني مكثف. وفي الوقت نفسه، تتزايد عمليات الشراء عبر الحدود، كما تحل المدفوعات الرقمية تدريجياً محل الدفع عند التسلُّم في العديد من أسواق المنطقة، ما يضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى إدارة البيانات وتكامل الأنظمة. وعندما تتعطل رؤية البيانات تحت هذا الضغط الموسمي، يلجأ تجار التجزئة غالباً إلى عرض المنتجات الأكثر مبيعاً أو إلى افتراضات سطحية. قد تحقق هذه الاستراتيجية مبيعات قصيرة الأجل، لكنها نادراً ما تبني تجربة ذات معنى للعميل.

في لحظات عالية الحساسية، مثل «عيد الحب»، تترك التجربة المحبطة أثراً طويل الأمد. فقد تؤثر هدية متأخرة أو توصية غير مناسبة على صورة العلامة التجارية لفترة أطول بكثير من الموسم نفسه.

تحت ضغط 14 فبراير تظهر الفجوة بين التخصيص الحقيقي والتوصيات القائمة على بيانات مجزأة

الذكاء الاصطناعي... بقدر قوة بياناته

يقدم تجار التجزئة الذكاء الاصطناعي باعتباره الحل لتحديات التخصيص. لكن قدرات الذكاء الاصطناعي محدودة بجودة البيانات التي يعتمد عليها وإمكانية الوصول إليها ومدى تكاملها.

تقول سيما العيدلي، المديرة الإقليمية لدى «دينودو» إن «عيد الحب يرفع سقف التوقعات. يعتمد تجار التجزئة اليوم بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي لتشغيل التوصيات والتسعير والتفاعل مع العملاء. لكن الذكاء الاصطناعي لا يكون فعالاً إلا بقدر جودة البيانات التي تقف خلفه». وتضيف: «إذا لم يتمكن التجار من رؤية الصورة الكاملة للعميل في الوقت الحقيقي، فإن التوصيات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي قد تبدو غير دقيقة. الرؤية الشاملة هي ما يحول التحليلات من تخمين إلى تجربة تبدو مدروسة وموثوقة».

التمييز هنا أساسي، والتخصيص لا يعني فقط نشر أدوات الذكاء الاصطناعي، بل يتطلب رؤية بيانات موحَّدة عبر كامل منظومة التجزئة، من التصفح إلى التوصيل إلى ما بعد الشراء. ومن دون هذه الرؤية، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى محرك تخمين متقدم. أما بوجودها، فيمكنه مساعدة التجار على الانتقال من العروض الترويجية التفاعلية إلى تجارب تنبؤية مدركة للسياق.

الدلالات الأوسع

مع استمرار نمو التجارة الإلكترونية في الشرق الأوسط بوتيرة سريعة، تمثل المناسبات الموسمية، مثل «عيد الحب» اختبارات حقيقية للبنية التحتية الرقمية؛ فهي تكشف نقاط الضعف في تكامل البيانات، وتبرز أهمية بناء منظومات رقمية موحَّدة. ولا تقتصر الرهانات على عطلة واحدة، فالمستهلكون باتوا معتادين على بيئات رقمية ذكية وسريعة الاستجابة. والمنصات التي تفشل في الربط بين سلوك التصفح والشراء والمرتجعات تخاطر بالتراجع في سوق تحكمها توقعات متصاعدة. قد يكون «عيد الحب» مناسبة عاطفية، لكنه بالنسبة لتجار التجزئة اختبار للدقة التشغيلية. وفي عصر أصبح فيه الذكاء الاصطناعي في قلب القرارات التجارية، لا يعتمد النجاح على الخوارزميات المتقدمة فحسب، بل على وضوح واكتمال البيانات التي تغذيها. ففي لحظات ترتفع فيها التوقعات، لا يرغب أحد في الشعور بأن منصَّته المفضلة للتجارة الإلكترونية ترمي السهام في الظلام.


371 % نمواً في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي إجرامياً

الذكاء الاصطناعي أزال «عنق الزجاجة» البشري ما سمح بتوسّع الجريمة السيبرانية بسرعة ونطاق غير مسبوقين (رويترز)
الذكاء الاصطناعي أزال «عنق الزجاجة» البشري ما سمح بتوسّع الجريمة السيبرانية بسرعة ونطاق غير مسبوقين (رويترز)
TT

371 % نمواً في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي إجرامياً

الذكاء الاصطناعي أزال «عنق الزجاجة» البشري ما سمح بتوسّع الجريمة السيبرانية بسرعة ونطاق غير مسبوقين (رويترز)
الذكاء الاصطناعي أزال «عنق الزجاجة» البشري ما سمح بتوسّع الجريمة السيبرانية بسرعة ونطاق غير مسبوقين (رويترز)

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، تطورت الجريمة السيبرانية عبر موجات متتالية من مجتمعات الاختراق الأولى بدوافع الفضول، إلى شبكات إجرامية منظمة تستثمر في البرمجيات الخبيثة وبرامج الفدية والاحتيال. لكن حسب دميتري فولكوف، الرئيس التنفيذي لـ«غروب آي بي» (Group-IB) فإن الموجة الحالية تمثل تحولاً جذرياً مختلفاً عبر تصنيع الجريمة السيبرانية من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي سلاحاً.

يقول فولكوف، في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يبدو مختلفاً جذرياً هذه المرة هو أن الذكاء الاصطناعي أزال عنق الزجاجة البشري».

ويضيف: «في الماضي، كانت الجريمة السيبرانية تنمو بالسرعة التي يستطيع بها المجرمون كتابة الشيفرات أو التلاعب بالضحايا أو تنسيق الفرق. أما اليوم، فيتولى الذكاء الاصطناعي هذه المهام فوراً، وبشكل متكرر، وعلى نطاق واسع».

هذا التحول لا يعني فقط تسريع الهجمات، بل يمثل تغييراً هيكلياً في طريقة تصميم الجرائم الرقمية وتسويقها وتنفيذها ما يحوّلها من نشاط قائم على مهارات أفراد إلى صناعة قابلة للتوسع.

دميتري فولكوف الرئيس التنفيذي لـ«غروب آي بي» متحدثاً إلى «الشرق الأوسط» (الشركة)

من المهارة البشرية إلى التوسع الآلي

تقليدياً، اعتمدت الجريمة السيبرانية على خبرات بشرية متخصصة. وقد تطلب تطوير برمجيات خبيثة أو صياغة رسائل تصيد مقنعة أو تنفيذ هجمات هندسة اجتماعية وقتاً وخبرةً وتنسيقاً. هذا كان يحدّ من سرعة الانتشار وحجم العمليات. لكن فولوف يشرح كيف ألغى الذكاء الاصطناعي هذه القيود، موضحاً أن «حتى المجرمين الأقل خبرة باتوا قادرين على تنفيذ هجمات كانت تتطلب سابقاً مستوى عالياً من التخصص».

المهام التي كانت تُنجز يدوياً كالتقمص والإقناع والبرمجة والاستهداف، أصبحت اليوم مؤتمتة أو متاحة عبر أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي تعمل بشكل مستمر. وتظهر هذه الطفرة بوضوح في منتديات الإنترنت المظلم، حيث رصدت شركة «Group-IB» ارتفاعاً كبيراً في النقاشات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي داخل تلك البيئات.

ويشير فولكوف إلى أن أول المنشورات التي تتضمن كلمات مفتاحية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ارتفعت بنسبة 371 في المائة بين عامي 2019 و2025. وفي عام 2025 وحده، تم تسجيل 23 ألفاً و621 منشوراً أولياً ونحو 298 ألفاً و231 رداً. هذا يعني أن الذكاء الاصطناعي انتقل من مرحلة الفضول إلى كونه أداةً إجراميةً سائدةً. ويذكر فولكوف أن «المجرمين لا يجرّبون... بل يتبنون بسرعة كل ما ينجح».

الهجمات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي تجمع بين الحجم الكبير والتعقيد العالي، وتترك آثاراً جنائية أقل (رويترز)

الذكاء الاصطناعي بنيةً تحتيةً إجراميةً

الخطورة لا تكمن فقط في الاستخدام، بل في تحول الذكاء الاصطناعي إلى بنية تحتية أساسية للجريمة. وألمح فولكوف «إلى وجود تبنّ غير متكافئ وفي مجالات مثل الاحتيال والهندسة الاجتماعية، أصبح الذكاء الاصطناعي بنيةً تحتيةً أساسيةً، ولم يعد خياراً بل هو أساس». ويؤكد فولكوف أن الذكاء الاصطناعي أضحى جزءاً محورياً في توليد المحتوى والاستهداف وانتحال الهوية والأتمتة، وأن الأدوات المعتمدة عليه تُباع عبر نماذج اشتراك منخفضة التكلفة. ويذكر أنه «عندما تصبح الأدوات المتقدمة متاحة بسعر يعادل اشتراكاً في منصة بث، تختفي حواجز المهارة والمال».

الجريمة خدمةً

تتشابه الأسواق الإجرامية اليوم مع شركات البرمجيات السحابية المشروعة. ويعد فولكوف أن «هؤلاء الفاعلين يفكرون في الاحتفاظ بالعملاء وسهولة الاستخدام وقابلية التوسع، تماماً مثل الشركات الناشئة».

وعندما تُعامل الجريمة بوصفها منتجاً، تصبح أكثر مرونة واستدامة وأصعب في التعطيل. كما أن الذكاء الاصطناعي خفّض عتبة المهارة المطلوبة لتنفيذ هجمات متقدمة. ويرى فولكوف أن «الذكاء الاصطناعي يحوّل مهارات بشرية مثل الإقناع والتقليد والبرمجة إلى خدمات متاحة عند الطلب». وعلى عكس الاعتقاد بأن الأتمتة تقلل الجودة، يرى فولكوف أن الذكاء الاصطناعي زاد من الحجم والتعقيد معاً مع ارتفاع في حجم الهجمات، وفي مستوى تعقيدها. ويقول إن الذكاء الاصطناعي لا يضاعف عدد المحاولات فحسب، بل يحسّن واقعية الانتحال ويزيد من التخصيص الثقافي واللغوي.

لا تزال الأطر التنظيمية متأخرة عن وتيرة التهديدات ما يتطلب دفاعات استخباراتية وتعاوناً دولياً أوسع (غيتي)

قابلية الهوية للبرمجة

يحذر فولكوف من أن أحد أخطر التحولات يتمثل في الهجمات القائمة على الهوية، حيث أصبحت «الهوية قابلة للبرمجة... فالصوت والوجه والوثائق، يمكن تصنيعها وبيعها».

عندما تصبح الهوية سلعة، يتحول الاحتيال من استغلال الأنظمة إلى استغلال الثقة. وبالنسبة للفاعلين ذوي الدوافع المالية، تمثل الهوية بوابةً إلى البنية المالية. ويلفت على سبيل المثال إلى تجاوز إجراءات «اعرف عميلك» الذي يسمح بفتح حسابات مصرفية والوصول إلى أنظمة الدفع وتحويل الأموال المسروقة.

وقد وثّقت «Group-IB» حالة ساعدت فيها مؤسسة مالية على رصد 8065 محاولة تجاوز لأنظمة «KYC» باستخدام تقنيات التزييف العميق خلال الفترة بين يناير (كانون الثاني) وأغسطس (آب) 2025، ما أدى إلى اكتشاف 5702 حساب احتيالي. وبعد تطبيق أدوات كشف قائمة على التحليل الاستخباراتي، انخفض النشاط الاحتيالي بشكل حاد واستقر عند مستويات منخفضة.

أزمة ثقة في آليات التحقق

يقول فولكوف إن «رؤية شخص أو سماعه لم تعد دليلاً على هويته»، وإن الكثير من أنظمة التحقق الحالية صُممت في عالم ما قبل التزييف العميق، وتعتمد على التحقق البصري أو الصوتي.

لكن الجمع بين تحليل السلوك وذكاء الأجهزة وتقييم المخاطر يوفر دفاعاً أكثر فاعلية، إذ يمكن كشف التناقضات التي لا يستطيع التزييف إخفاءها، وينوه بأن الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تترك آثاراً جنائيةً أقل «ما يجعل التحقيق الرقمي والاستجابة للحوادث أكثر أهمية من أي وقت مضى».

أدوات الجريمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تُباع بنماذج اشتراك منخفضة التكلفة ما خفّض حواجز الدخول أمام مهاجمين جدد (شاترستوك)

فجوة تنظيمية

يلفت فولكوف إلى أن التشريعات لم تواكب بعد سرعة التحول، وأن «التنظيم يتحرك لكنه غير متسق، والمجرمون يستغلون الفجوات عبر الحدود».

في الشرق الأوسط، لا يوجد حتى الآن قانون موحد قائم على تقييم المخاطر مشابه لقانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي، خصوصاً في ما يتعلق بالاستخدامات عالية المخاطر مثل انتحال الهوية والاحتيال.

ويختتم فولكوف حديثه لـ«الشرق الأوسط» بدعوة إلى «التوقف عن النظر إلى الجرائم المدفوعة بالذكاء الاصطناعي حوادث منفصلة، وإدراك أنها نظام مترابط»، وأن وضع الذكاء الاصطناعي في قلب استراتيجيات الأمن وتعزيز التعاون الدولي وتبني دفاعات قائمة على الاستخبارات بات ضرورة ملحّة.