عبد الرحمن الرويشد... عرّاب التاريخ الوطني السعودي

الشبيلي عدّه «ظاهرة توثيقية متفردة ومؤرخًا خاصًا في اهتماماته»

الملك سلمان (عندما كان أميرًا للرياض) يسلم الراحل الرويشد جائزة الرواد لدراسات تاريخ الجزيرة العربية
الملك سلمان (عندما كان أميرًا للرياض) يسلم الراحل الرويشد جائزة الرواد لدراسات تاريخ الجزيرة العربية
TT

عبد الرحمن الرويشد... عرّاب التاريخ الوطني السعودي

الملك سلمان (عندما كان أميرًا للرياض) يسلم الراحل الرويشد جائزة الرواد لدراسات تاريخ الجزيرة العربية
الملك سلمان (عندما كان أميرًا للرياض) يسلم الراحل الرويشد جائزة الرواد لدراسات تاريخ الجزيرة العربية

ودعت السعودية أمس، عبد الرحمن بن سليمان الرويشد، أحد أبرز مؤرخيها، عن عمر يناهز الـ88 عامًا، بعد معاناة مع المرض. وبرحيله تكون البلاد قد فقدت مؤرخًا، ومؤلفًا، وباحثًا، وكاتبًا، متفردًا بأطروحاته المتعمقة والموثقة، وغير المسبوقة في الكثير منها، ويعد أحد مصادر تاريخ الوطن ومرجعًا رئيسًا فيه.
ولد الراحل في الدرعية، عاصمة الدولة السعودية الأولى، وعاش في العاصمة الرياض وشهد مراحل تحولاتها. وعايش ملوك الدولة الحديثة والتحولات التي جرت في عهودهم. كما عايش فترات ذات شأن في تاريخ السعودية والعالم العربي والإسلامي، بل والعالم، وشكلت - تلك الفترات - منهجه في مؤلفاته المتعددة، بعد أن نذر نفسه في سن مبكرة للعلم والمعرفة والإبداع والتأليف والتحقيق في موضوعات التاريخ والسير والتراث وأدبياته وأدواته. وأنشأ لهذا الغرض مكتبة ضخمة متنوعة العناوين، وأرشيفًا للصور، ومخزنًا للمعلومات المهمة. كما أنشأ الراحل مجلة «الشبل» الموجهة للأطفال. وبرز الرويشد في تصحيح بعض المعلومات في تاريخ السعودية وسيرة مؤسسيها. كما سجل حضورًا في تحكيم بعض المؤلفات، والرد على ما تزخر به بعض كتب المؤرخين من أخطاء في النقولات. وحصل الراحل على وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الأولى، كما حصل على جائزة الأمير (الملك) سلمان بن عبد العزيز لدراسات الجزيرة العربية.
وقال عنه المؤلف والباحث والمؤرخ والإعلامي السعودي، عبد الرحمن الشبيلي، إنه ظاهرة توثيقية متفرّدة، ومؤرخ خاص في اهتماماته، ساعده المحيط الذي عاش فيه في أن يتخذ من التاريخ تخصصًا، ومن الروايات الشعبية المتداولة مادة للرصد، ومن قربه لبيوت الأسرة السعودية المالكة القديمة، في الصفاة، والمربّع، ومعرفته بسلالاتها وألقابها، مجالاً للتدوين. قرأ لابن بشر، وابن غنام، وابن لعبون، وابن سلّوم، وابن خنين، وابن عيسى، والفاخري. وتفحّص كتب بوركهارت، والريحاني، وفيلبي، وغيرهم من الرحالة والمستشرقين الذين مروا بالسعودية وألفوا عنها. وقرأ كتب حافظ وهبة، وفؤاد حمزة، ورشدي ملحس، محققًا الانفراد النوعي في كتابة التاريخ الوطني والشعبي مع قلة من المؤرخين المعاصرين، فسار على نهج فريد ومنوال متخصص في العقود القليلة الماضية.
عاش الرويشد - المولود في الدرعية سنة 1928 - في حارات الرياض، وعرف أزقّتها وأسواقها وبساتينها، وعاصر التحوّلات التي شهدتها عبر ثمانين عامًا، وأدرك العهود السياسية التي مرّت بها، وجالس رجالاتها، وتعرّف على أُسرها وبيوتاتها وأعيانها، وحضر حلقات الدروس مع مشايخها، ودلف إلى صالونات المثقفين من الأمراء ومجالسهم (الأمراء سعود الكبير، وعبد الله بن عبد الرحمن، ومساعد بن عبد الرحمن... وغيرهم)، حيث كان يستمع ويشترك في المناقشات والردود ويدوّن، وكان له من دراسة الشريعة واللغة العربية ونظم القوافي، ما مكّنه من التعامل مع أدبيّات التراث وأدواته.
واطلع الرويشد على ما تضمّنه الأرشيف العثماني والبريطاني والجمعية الجغرافية الملكية البريطانية، بعد أن نُقل إلى العربية، وما يتصل فيها بتاريخ الدولة السعودية في عهودها الثلاثة. وكانت له جهود في توضيح بعض المعلومات المغلوطة في تاريخ السعودية وفي سيرة مؤسسيها، وفي تحكيم بعض المؤلفات، والردّ على ما تزخر به بعض كتب المؤرّخين من أخطاء في النقولات. ونقد مثلاً، بعض ما أورده آرمسترونغ، وليسي، وبنوا ميشان، وفاسيلييف من روايات. كما قام مع محمد بن عبد الله الحميّد عام 1998، وبتكليف من دارة الملك عبد العزيز، بمراجعة الكتاب القديم المثير للجدل، «إمتاع السامر بتكملة متعة الناظر»، وتوضيح ما عليه من شبهات، إكمالاً لملحوظات نشرها أبو عبد الرحمن بن عقيل.
واستفاد الرويشد كثيرًا من قرابته ومجالسته لابن عمه سعد بن عبد العزيز الرويشد (ت 2014)، أحد كتبة الديوان الملكي الملمّ بالتاريخ المعاصر لتوحيد السعودية، وكان قد أصدر عام 1955 ديوانًا عنوانه: «العقد الثمين في قصائد شاعر الملك عبد العزيز محمد بن عبد الله بن عثيمين». واقترب الرويشد أيضًا، من الأديب الموسوعي عبد الله بن خميس (ت 2011)، الضليع في جغرافيا إقليم اليمامة (منطقة الرياض) وتاريخه، ليستقي منه المعلومات البلدانية والاجتماعية والتراثية الخاصة بالمنطقة.
ومما انفرد به الراحل عن غيره من المنشغلين بالتاريخ المحلي، أنه بنى على أول محاولة وضع نواتها محمد أمين التميمي عام 1945، لتصميم مشجّرة الأسرة المالكة. وكان التميمي (المولود في يافا بفلسطين عام 1907)، قدم إلى الرياض في عهد الملك عبد العزيز، وعمل في البداية في وزارة الخارجية، وألّف كتاب «لماذا أحببت ابن سعود؟» عام 1946، الذي أعادت الدارة طباعته عام 1999. وبعودة التميمي ثانية إلى السعودية، عمل مستشارًا في وزارة المعارف، حيث واصل تطوير المشجّرة وإجراء التنقيحات عليها عام 1966. وبعد تقاعده، تولّى الرويشد، برغبة من الملك فهد، وضع قاعدة معلومات للمشجرة على أسس منهجية حديثة. فأضاف فهارس أبجدية بأسماء سلالاتها وفروعها وجداولها، مع إعادة رسمها كاملة، مستخدمًا الكومبيوتر لرصد فئاتها ومواليدها ووفيّاتها وأعمارها وتعدادها (الذي بلغ قرابة ستة آلاف لكل من يحمل اسم «آل سعود» فيها منذ قيام الدولة قبل نحو ثلاثة قرون). وصار عمله وفهارسه رافدًا ومرجعًا لأعضاء الأسرة نفسها، وللجهات الرسمية والخاصة المعنية بالتوثيق، وقد طُبعت الشجرة والفهارس طبعات عدة.
نشر الرويشد مقالات تاريخية معمّقة عن شخصيات أسهمت في تأسيس الدولة، لم يسبق لسيرها أن وُثقت، (مثل محمد بن شلهوب «الشهير بشلهوب»، وهاشم الرفاعي أحد كتبة الديوان الملكي الذي كان زميلاً للملك عبد العزيز في كتاتيب الكويت). كما عُني بتوثيق أسماء الرجال الستين الذين دخلوا الرياض عام 1902 مع الملك عبد العزيز، وكتب تراجم لهم. وألّف في موضوعات نادرة لم تصل إليها يد التوثيق من قبل. فأصدر كتابًا في عام 1992، عن تاريخ حصن «المصمك» في الرياض، الذي يعود بناؤه إلى نهاية القرن التاسع عشر، وانطلقت منه شعلة توحيد المملكة. وألّف عام 2007 كتابًا عن تطوّر العلَم السعودي وشكله عبر العهود الثلاثة للدولة، مفنّدًا مزاعم انفراد شخص أو أشخاص بتصميمه في عهد الملك عبد العزيز، وتضمّن الكتاب وصفًا لشعار الدولة (السيفين والنخلة) والأوسمة والنياشين والشارات والميداليات.
ومن مؤلّفاته؛ كتابه في سيرة وزير المالية في عهد الملك عبد العزيز (عبد الله السليمان الحمدان ط1/ 2001، وط2/ 2010)، وكتابه في سيرة الأمير محمد بن عبد العزيز (ط1/ 2002)، وكتابه «الجداول الأسرية للعائلة السعودية المالكة»، (ط1/ 1998، ثم ط2/ 2012)، وكتابه المتمم «الفهرس الأبجدي للعائلة المالكة»، (ط1/ 2014). وقد أسس، إلى جانب اهتماماته بالتأليف في ميداني التاريخ والسير والتراجم، «دار الشبل للنشر» ومطبعتها. وأصدر مجلة «الشبل» للطفل (1981). كما عمل مستشارًا غير متفرّغ لدارة الملك عبد العزيز، وكان ممن أسهم بفاعلية في التحضير للاحتفال العلمي بالذكرى المئوية لاستعادة الرياض (1999) التي آذنت ببدء تأسيس المملكة العربية السعودية. وكان ممن يركن المسؤولون إلى تقويمهم ما ينشر من كتب تاريخية، وممن يستأنس الباحثون والدارسون بمعلوماتهم وينقلون عنهم، حيث لا تكاد تخلو الكتب التاريخية الصادرة في العقود القليلة الماضية، من الاستشهاد بمعلومات يكون الرويشد مصدرها، وقد أسس على مدار هذه العقود أرشيفًا للصور، ومخزنًا من المعلومات، ومكتبة لا تقدّر أهميّتها بثمن، بالإضافة إلى مكتب صار مرجعًا لاستقبال الباحثين.



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.