أموال الصين تبهر أوسكار لكنها ستكبده ثمنًا باهظًا

المهاجم البرازيلي الشاب سيغامر بمسيرته إذا غادر تشيلسي وأوروبا إلى شرق آسيا

أوسكار سيغامر بمستقبله إذا انتقل للدوري الصيني (غيتي)
أوسكار سيغامر بمستقبله إذا انتقل للدوري الصيني (غيتي)
TT

أموال الصين تبهر أوسكار لكنها ستكبده ثمنًا باهظًا

أوسكار سيغامر بمستقبله إذا انتقل للدوري الصيني (غيتي)
أوسكار سيغامر بمستقبله إذا انتقل للدوري الصيني (غيتي)

اللعب في الصين قد يدر ملايين كثيرة، لكن يشير الوجه الآخر للصورة إلى أن هذه التجربة قد تكون بمثابة إهدار لمسيرة نجوم ما زال بقدرتهم اللعب على أعلى مستوى في الدوريات الأوروبية.
وقد عاد الحديث عن الصين بعد أن تردد أن المهاجم البرازيلي الشاب أوسكار، البالغ 25 عامًا، في طريقه لمغادرة فريق تشيلسي للعب هناك، وسط إغراءات مالية كبيرة من بطولة دوري تعتبر أقل من مستوى الدوري الأميركي لكرة القدم، ويرفضها بعض اللاعبين خوفًا من إهدار مسيرتهم الكروية.
في يوم من الأيام، جرى إخبار العاجي ديدييه دروغبا، نجم تشيلسي السابق، أن الصينيين يعتبرونه بمثابة الأيقونة، وقد أطلقوا عليه لقب «القاهر»، وهو دائمًا ما يتذكر رد الفعل تجاه أول جلسة تدريب يشارك بها، بعدما لحق بركاب زميله الفرنسي نيكولا أنيلكا، بالانضمام إلى نادي شنغهاي شينهوا. كان زملائهما الجدد «يكتفون بالتحديق بأعين مفتوحة عن آخرها تعبر عن دهشة عارمة حيال بعض الحركات التي نقوم بها، وما كنا نفعله عمليًا، وكيفية مشاركتنا في صفوف الفريق». كان كلا اللاعبين يقترب من خط نهاية مسيرتهما الكروية، ومع ذلك كان الفارق قي المستوى والمهارات هائلاً بينهما وبين باقي أقرانهم بالنادي الصيني.
ويبدو هذا الوضع متوقعًا، بالنظر إلى أن المشاركة الصينية الوحيدة ببطولة كأس العالم جاءت في عام 2002، عندما خسر المنتخب الصيني المباريات الثلاث التي خاضها دون تسجيل هدف واحد. كما تحتل الصين الترتيب الـ83 عالميًا في أحدث قائمة صادرة عن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لترتيب المنتخبات، لتأتي بذلك مباشرة بعد أنتيغوا وباربودا، وتسبق مباشرة جزر فارو التي ربما لا يكافئ إجمالي عدد سكانها ضاحية في شنغهاي.
ومع هذا، يبدو من السهل استنتاج الأسباب التي دفعت بعض اللاعبين إلى الانتقال إلى الصين، خصوصًا في أعقاب توقيع الإيطالي غراتسيانو بيليه، مهاجم ساوثهامبتون، عقد انضمام لنادي شاندونغ لونينغ تايشان. وقد أجرت مجلة معنية بكرة القدم مقابلة معه، أعرب خلالها عن سعادته بالانضمام إلى «ما أعتقد أنه نادي كرة قدم في الصين، أو قريبًا منها»! وجاء انضمام بيليه إلى النادي الصيني مقابل 34 مليون جنيه إسترليني خلال عامين ونصف العام، مما يعني حصوله على 260 ألف جنيه إسترليني أسبوعيًا، مما يضعه في مصاف أكثر 5 لاعبي كرة قدم من حيث الأجر عالميًا. وفي الواقع، يخلق هذا الرقم الضخم انطباعًا قويًا لدى المرء بأنه، بغض النظر عمن يتولى إدارة شاندونغ لونينغ، فإنه من الواضح أنه تم الخلط بين اللاعب الإيطالي والأسطورة البرازيلية بيليه، لتشابه الأسماء بينهما!
هل تتذكرون عندما انتقل البرازيلي جونينيو إلى ميدلزبره في تسعينات القرن الماضي، في واحدة من الصفقات التي بدا أنها تعيد صياغة المشهد العام على صعيد كرة القدم الإنجليزية؟ في ذلك الوقت، علق أحد زملائه بالفريق، جان إيدج فيورتفت، قائلاً: «سيتعين على جونينيو معرفة 3 كلمات فقط بالإنجليزية: الجنيه، وشكرًا، ووداعًا».
وينطبق القول ذاته اليوم على الصين، وقد أثار الأمر ردود أفعال ساخرة على نطاق واسع عندما أكد راميريز وهو في طريقه للانتقال من تشيلسي في وقت سابق من هذا العام، على أن الحوافز المالية الهائلة لن تكون الدافع وراء انتقاله للمشاركة في الدوري الممتاز الصيني.
وعلى ما يبدو، يود راميريز منا أن نصدق بكل سذاجة أن كل صبي صغير في ريو دي جانيرو يترعرع وبداخله حلم اللعب لصالح نادي جيانغسو سونينغ المنتمي لدولة خسر منتخبها لتوه مباراة تأهل لبطولة كأس العالم أمام سوريا، رغم أن الأخيرة بلد، كما نعلم جميعًا، تشغل اهتماماته كثير من القضايا الأهم من بناء منتخب وطني لكرة القدم.
ويعتبر أوسكار الذي أصبح واحدًا من الشخصيات الهامشية على نحو متزايد داخل تشيلسي في الفترة الأخيرة، أحدث الأسماء التي نجحت الصين في إغرائها بالانتقال إليها، وتحديدًا من النادي التابع لمجموعة شنغهاي الدولية للموانئ، مقابل 60 مليون جنيه إسترليني. ومن الصعب ألا نعترف بأنه من المؤلم أن نرى شخصًا في مثل عمره يتخلى عن أي طموح يحمل معنى حقيقيًا، وحلم بناء اسم جدير بالاحترام. إن أوسكار في الـ25 من عمره، مما يعني أنه يقترب من ما ينبغي أن يشكل أعظم سنواته داخل الملاعب على الإطلاق، حتى إن كان من الواضح أن تلك السنوات العظيمة لن تتحقق مع ناديه الحالي.
كما أن أوسكار شديد الثراء بالفعل، حسبما تفترض الغالبية، بعد أن قضى 4 سنوات ونصف السنة في صفوف تشيلسي، وبالتأكيد هو موهوب بما يكفي لأن تجتذبه أندية كبرى من أعظم بطولات الدوري الأوروبية. ومع أنني أتمنى له التوفيق بالتأكيد، فإنه بغض النظر عن الأموال الإضافية التي سيجنيها من وراء الانتقال إلى الصين، لا يسعني سوى التساؤل عن حجم الرضا المهني الذي قد يشعر به لاعب كرة قدم على هذا المستوى الرفيع من المهارة من وراء المشاركة ببطولة دوري تقل في مستواها بكثير عن الدوري الأميركي.
ورغم أن هذا قد يبدو قاسيًا بعض الشيء، يشير الواقع إلى أنه سيتعين علينا أن نعتاد رؤية اللاعبين يختارون هذا الطريق، وربما لن يمر وقت طويل قبل أن ينضم إلى قافلة الراحلين شرقًا نجوم إنجليز.
جدير بالذكر أن واين روني تلقى بالفعل عرضًا، ورغم أنه لم يوافق عليه، فإنه لم يستبعد تمامًا في الوقت ذاته فكرة الاحتراف في الصين، وذلك مع أنه بخلاف مسألة المال، لم يسمع روني بإيجابيات عن ذلك الدوري. والمعروف أن بعض من مستشاري روني سافروا بالفعل إلى الصين، الربيع الماضي، في مهمة للتعرف على حقيقة الوضع على الأرض هناك، وعادوا حاملين تقييمًا يقول إن وضع الملاعب هناك مزرٍ، وإن المستوى العام لكرة القادم سيء للغاية، بل والأسوأ منه مستوى الحكام، وكل هذا في إطار بطولة دوري تعج بقصص حول شراء المباريات والرشى.
وربما لا يزال روني يتذكر مباراة مانشستر يونايتد الودية التي خاضها قبل انطلاق الموسم الجديد للدوري الممتاز أمام فريق شينزن، في مكاو، عام 2007، وما تكشف بعد 4 سنوات لاحقة من تقاضي الحكم رشوة بقيمة 100 ألف دولار من هونغ كونغ (قرابة 8 آلاف جنيه إسترليني) للتلاعب في القرعة التي يجريها في بداية المباراة بعملة معدنية. والمؤكد أن الانتقال إلى الصين سيأتي بمثابة سقوط مروع للاعب قضى الجزء الأكبر من حياته الكروية داخل واحد من أكبر أندية الدوري الإنجليزي الممتاز. ورغم أن المال عنصر مهم في حياة أي إنسان بالطبع، لكن من المهم هنا أن نتذكر جميعًا أغنية رودريغيز القديمة التي تقول إن القرد الذي يلتف في الحرير يظل قردًا.
ويكمن الاختلاف الأبرز بين روني وأوسكار في أن أحدهما يتحرك باتجاه فصل النهاية من مسيرة تتحرك بسرعة باتجاه الهبوط، بينما الآخر تفصله 5 أو 6 أعوام عن النقطة التي ينبغي له التفكير عندها في آخر أجر سيتقاضاه عن لعب كرة القدم. وهنا تحديدًا يكمن العار وراء الأمر برمته، والسبب وراء وصف لاعب ليفربول السابق، والمعلق بقنوات سكاي الرياضية جيمي كاراغر، الصفقة بالمثيرة للحرج، وشعور كثيرين بأن ثمة موهبة ثمينة على وشك الإهدار بسبب تفضيل لاعب ثري بالفعل اللهث وراء المال، بدلاً من البقاء داخل أوروبا، والمشاركة في بطولات حقيقية.
ورغم أن يايا توريه كثيرًا ما يجري اتهامه بأنه يتحرك فقط بدافع من الغرور وحب المال، الأمر الذي ينبغي لنا الاعتراف بأنه يعود إلى وكيل أعماله المقيت، وليس له هو شخصيًا، فإن الأمر الذي يجهله كثيرون أن لاعب خط وسط مانشستر سيتي أدار ظهره لعرض من الصين، الصيف الماضي، كان سيعود عليه بعد استقطاع الضرائب بـ360 ألف جنيه إسترليني أسبوعيًا. لقد أقر توريه أنه يتمتع بالفعل بثراء بالغ، وأنه يتقاضى أجرًا جيدًا في كل الأحوال، وأنه في سن الـ33 لا يزال يرغب في المشاركة ببطولة دوري تنافسية بالمعنى الحقيقي، بدلاً عن بطولة تستقدم نجومًا من الخارج، وتخلو من أي مصدر للشعور بالرضا المهني عن الذات.
كان ريو فيردناند بالصورة نفسها عندما رحل عن مانشستر يونايتد، فقد تلقي المدافع الدولي السابق عروضًا بمبالغ كبيرة من أندية بالصين والخليج والولايات المتحدة. وفي النهاية، اختار فريق كوينز بارك رينجرز، ونأمل أن تروق الحياة في لندن لتشيلسي أليكس سانشيز، هداف آرسنال، لأنه لاعب كرة من الطراز الأول، لكن بات هدفا للأندية الصينية. وبمقدور سانشيز أن يتحصل على 400 ألف جنية إسترليني أسبوعيًا، لكن الوضع سيكون مخيبا للآمال لو اتضح في النهاية أننا أسأنا الحكم عليه، وقرر اللاعب اختيار المال، وفضله على المستوى الفني، وفضله حتى على كسب الملايين مع نادي آرسنال.
ولكي نعطى اللاعب حقه، ليس هناك ما نستطيع أن نجزم بأنه سيكون الوضع الأمثل له، فلكل شخص تفكيره المختلف. وكان بمقدور أليكسيس تيكسيرا الانتقال إلى صفوف ليفربول قبل الوصول لعتبات فريق جوانغسو الصيني، فلاعبين مثل أزكويل لافيتزي، وديمبا با، وبابسي كيسا، وجاكسون مارتينيز، وهولك، جميعهم يلعبون هناك، حيث لعب في السابق بول غاسكوين لأحد الأندية لمدة أسبوعين، على سبيل الاختبار.
وفي نموذج أوسكار، دفع باللاعب إلى الحافة بنادي تشيلسي، بعد أن تولى أنطونيو كونتي قيادة الفريق، لكن كي نفكر في العودة لمثل هذا النوع من الجدل، علينا أن نسأل أنفسنا من منا يرفض زيادة أجرة 3 أضعاف، فراتب هذا الشاب البرازيلي زاد إلى 350 ألف جنيه إسترليني أسبوعيًا. وينطبق هذا المنطق على ما قاله أرسين فينغر، مدرب آرسنال، أخيرًا عندما أشار إلى مفاوضات ناديه مع سانشيز، وقال إن الدوري الإنجليزي بات يفقد أفضل لاعبيه بسبب تضاءل الأجور، مما وضع اللاعبين أمام مأزق قد يخطئون بسببه في تحديد أولوياتهم. فبحسب فينغر: «شخصيًا، على النادي التفكير في احتياجات اللاعب، والتفكير أيضًا في قيم النادي وطموحاته، وفي طريقة احترام النادي للاعبيه. قد أكون ساذجًا، لكنني لا أوافق أبدًا على ما يحدث. فإمكانيات أوسكار أكبر من الصين، فهي ليست المكان الأنسب للاعب فريد طموح، وبالتأكيد لو أراد الرحيل عن تشيلسي، فيستطيع التوجه لنادي آخر يجعله من أصحاب الملايين، ويحقق له كل ما يريد».



طوارئ في غرف الملابس... حكايات مدربين دخلوا التاريخ من الباب الخلفي للإقالات السريعة

طوارئ في غرف الملابس... حكايات مدربين دخلوا التاريخ من الباب الخلفي للإقالات السريعة
TT

طوارئ في غرف الملابس... حكايات مدربين دخلوا التاريخ من الباب الخلفي للإقالات السريعة

طوارئ في غرف الملابس... حكايات مدربين دخلوا التاريخ من الباب الخلفي للإقالات السريعة

لا ترحم ملاعب كرة القدم الكبرى عثرات البدايات، ولا تشفع السير الذاتية لأعتى المدارس التدريبية أمام هدير الغضب الجماهيري وضغوط الإدارات، إذ تظل البطولات العالمية والقارية بمثابة حقل ألغام يعجل بنهاية مغامرات فنية لم تكد تبدأ.

إن الإقالة الفورية التي تعرض لها الفرنسي التونسي صبري لموشي مع منتخب تونس في قلب المونديال الحالي، لم تكن سوى امتداد لظاهرة كروية تاريخية تُعرف بـ«الإطاحة السريعة وسط المنافسات»، حيث تصبح التضحية برأس المدير الفني الخيار الأوحد لمحاولة إنقاذ السفينة من الغرق المبكر قبل فوات الأوان.

زلزال مونديال 2026: لموشي يدفع ضريبة «خماسية السويد» ورينارد طوق النجاة

صبري لموشي (رويترز)

وقد سطر الفرنسي من أصول تونسية، صبري لموشي، اسمه باعتباره أحدث وأسرع المدربين المبعدين في تاريخ كأس العالم الحديث خلال شهر يونيو من عام 2026. وجاء هذا القرار الحاسم والدراماتيكي من قِبل الاتحاد التونسي لكرة القدم عقب انتهاء المباراة الافتتاحية لـ«نسور قرطاج» في دور المجموعات أمام منتخب السويد، حيث فجّرت الخسارة الثقيلة والمذلة بنتيجة خمسة أهداف مقابل هدف واحد، والأداء الدفاعي الكارثي، موجة غضب عارمة عجلت بصدور قرار الإقالة، ليسارع الاتحاد بالتعاقد مع الخبير المونديالي الفرنسي هيرفي رينارد بديلاً له، ليتولى قيادة المنتخب في المباراتين المصيريتين المتبقيتين بدور المجموعات أمام اليابان وهولندا.

هيرفي رينارد (أ.ف.ب)

فرنسا 1998: بيريرا يغادر «الأخضر» بقرار في منتصف الطريق

المدرب البرازيلي كارلوس ألبرتو بيريرا (إكس)

هذا السيناريو القاسي يعيد إلى الأذهان ما حدث في يونيو من عام 1998، عندما شهد المونديال الفرنسي إقالة المدرب البرازيلي المخضرم كارلوس ألبرتو بيريرا من تدريب المنتخب السعودي. ورغم تاريخ بيريرا العريض وتتويجه باللقب العالمي مع البرازيل، فإن الصبر الإداري لم يدم طويلاً، فبعد تجرع خسارة أولى أمام الدنمارك بهدف نظيف، جاء السقوط أمام صاحب الأرض والجمهور المنتخب الفرنسي برباعية نظيفة في الجولة الثانية، ليعلن الاتحاد السعودي إقالة بيريرا فوراً وقبل خوض المباراة الثالثة والأخيرة ضد جنوب أفريقيا، معوضاً إياه بالمدرب الوطني محمد الخراشي الذي قاد المواجهة الختامية في محاولة عاجلة لترميم المعنويات المنهارة.

محمد الخراشي مدرب المنتخب السعودي في مونديال 98

مفارقة تونسية: كاسبرتشاك يذوق مرارة المقصلة مبكراً

المدرب البولندي هنري كاسبرتشاك (ويكيبيديا)

المفارقة التاريخية تكمن في أن المنتخب التونسي نفسه ذاق مرارة هذا الإجراء الاستثنائي في التوقيت ذاته وخلال مونديال فرنسا في يونيو 1998، حين أطيح بالمدرب البولندي هنري كاسبرتشاك في منتصف دور المجموعات. وجاء قرار الاستغناء عن كاسبرتشاك بعد تلقي الفريق خسارتين متتاليتين أمام إنجلترا بهدفين نظيفين ثم كولومبيا بهدف دون رد، حيث رأت الإدارة التونسية حينها أن النهج الفني للمدرب بات عقيماً ولا يلبي تطلعات الجماهير، ليتم استبعاده على الفور وتكليف مساعده المحلي علي السلمي الذي حل بديلاً عنه لتولي المهمة في المباراة الأخيرة للمجموعات أمام رومانيا.

المدرب التونسي علي السلمي (إكس)

زلزال في سيول: الإطاحة بأسطورة كوريا الجنوبية بعد خماسية الطواحين

أسطورة كرة القدم الآسيوية تشا بوم-كون (ويكيبيديا)

ولم تتوقف مقصلة مونديال 1998 عند حدود المنتخبات العربية، بل امتدت لتطيح بأسطورة كرة القدم الآسيوية تشا بوم-كون من تدريب منتخب كوريا الجنوبية. فبعد مشوار تصفيات مثالي خاضه الأخير، انهار المنتخب الكوري في النهائيات بخسارة أولى أمام المكسيك بثلاثية، ثم هزيمة كارثية بخماسية نظيفة أمام هولندا، مما دفع الاتحاد الكوري لإصدار قرار طرده فوراً في العشرين من يونيو وسط صدمة الشارع الرياضي، وتكليف مساعده كيم بيونغ-سوك بإنهاء المشوار في المباراة الختامية أمام بلجيكا.

الولايات المتحدة 1994: الصدام يطيح بهنري ميشيل من عرين الكاميرون

هنري ميشال المدرب السابق لمنتخب المغرب (أ.ف.ب)

ولم تكن القارة الأفريقية بعيدة عن هذه العواصف التدريبية في المنافسات العالمية، إذ شهدت نهائيات كأس العالم بالولايات المتحدة الأميركية في يونيو من عام 1994 نهاية مأساوية لولاية الفرنسي المخضرم هنري ميشيل مع منتخب الكاميرون. ورغم الآمال العريضة التي عُقدت على «الأسود غير المروضة»، فإن الانقسامات الداخلية الحادة بين المدرب واللاعبين حول التشكيل والمكافآت، والتي تزامنت مع تعادل مخيب أمام السويد بهدفين لمثلهما وسقوط ثقيل أمام البرازيل بثلاثية نظيفة، دفعت بمسؤولي الاتحاد الكاميروني إلى الإطاحة بميشيل من منصبه بقرار صارم في أوج معمعة البطولة، وإسناد المهمة بشكل عاجل وثنائي للمدربين المحليين جان مانغا أونغوين وجول نيونغا، اللذين قادا المواجهة الأخيرة التي انتهت بخسارة تاريخية أمام روسيا.

سويسرا 1954: أندي بيتي يستقيل في المعسكر ويترك اسكوتلندا بلا قائد

أما الجذور التاريخية لهذه الإقالات الطارئة فتعود إلى مونديال سويسرا عام 1954، عندما شهدت البطولة أقرب الحالات إلى مفهوم الانتحار التدريبي مع الاسكوتلندي أندي بيتي.

بيتي، الذي وجد نفسه مقيداً بقائمة هزيلة ومقننة من 13 لاعباً فقط أرسلها اتحاد بلاده لخوض المنافسات، لم يحتمل تبعات الخسارة الافتتاحية أمام النمسا بهدف نظيف، فتقدم باستقالته على الفور في قلب البطولة وغادر المعسكر غاضباً، تاركاً لاعبي «جيش التارتان» يواجهون مصيرهم بمفردهم ليتجرعوا بعدها هزيمة تاريخية قاسية أمام أوروغواي بسبعة أهداف دون رد.


عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: كلوزه يرتدي التاج... ومبابي يهدد إرث الأساطير

عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: كلوزه يرتدي التاج... ومبابي يهدد إرث الأساطير
TT

عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: كلوزه يرتدي التاج... ومبابي يهدد إرث الأساطير

عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: كلوزه يرتدي التاج... ومبابي يهدد إرث الأساطير

تحتفظ ذاكرة كأس العالم بصفحات خالدة سطرها جيل من المهاجمين الأفذاذ، الذين لم تكن أهدافهم مجرد أرقام في لوحات الملاعب، بل تحولت إلى صكوك دخلوا بها تاريخ الساحرة المستديرة من أوسع أبوابه. وفي صراع «الأحذية الذهبية» عبر العقود، يظل السؤال الأزلي يتردد مع كل نسخة مونديالية: من يجلس على العرش العالمي، ومن يهدد عروش السابقين؟

ميروسلاف كلوزه (المركز الأول - 16 هدفاً)

لم يكن الألماني ميروسلاف كلوزه أكثر المهاجمين موهبة في جيله، لكنه كان الأكثر فاعلية وحسماً أمام الشباك، حيث نجح عبر مشاركته في أربع نسخ متتالية (2002-2014) في اعتلاء قمة الهرم المونديالي، متوجاً مسيرته بلقب نسخة 2014 التي شهدت تحطيمه للرقم القياسي التاريخي في معقل البرازيل بالذات، مدفوعاً بذكاء تموقعه داخل منطقة الجزاء وإتقانه الأسطوري للضربات الرأسية.

مهاجم منتخب ألمانيا السابق ميروسلاف كلوزه (د.ب.أ)

رونالدو نازاريو (المركز الثاني - 15 هدفاً)

جسد البرازيلي رونالدو مفهوم «المهاجم المتكامل» أو «الظاهرة» الذي يجمع بين السرعة الخارقة والمهارة الفائقة والإنهاء القاتل، وتمكن عبر ثلاث بطولات فعلية شارك بها من كتابة التاريخ، لا سيما في مونديال 2002 عندما قاد «السامبا» لرفع الكأس الذهبية وتوج هدافاً للبطولة، ليبقى رقمه صامداً لسنوات كرمز للرعب التهديفي الذي عانت منه أعتى دفاعات العالم.

رونالدو نازاريو (أ.ف.ب)

غيرد مولر (المركز الثالث مكرر - 14 هدفاً)

عُرف الألماني غيرد مولر بلقب «المدفعجي» وكان بمثابة الثقب الأسود داخل منطقة جزاء الخصوم، إذ تميز بقدرة خارقة على التسجيل من أشباه الفرص وبمختلف أجزاء جسده، تاركاً بصمة تاريخية لا تُمحى في نسختي 1970 و1974، حيث أحرز هدف التتويج بلقب كأس العالم الأخير في شباك هولندا، ليظل نموذجاً كلاسيكياً للمهاجم القناص الذي يطوع المساحات الضيقة لخدمة الشباك.

غيرد مولر (1945-2021) هو أسطورة كرة قدم ألماني وأحد أعظم الهدافين في التاريخ (ويكيبيديا)

كيليان مبابي (المركز الثالث مكرر - 14 هدفاً)

مبابي يحمل كأس العالم بعد فوز منتخب فرنسا عام 2018 (أ.ف.ب)

يمثل الفرنسي كيليان مبابي الإعصار الحديث الذي يهدد العروش المونديالية السابقة، إذ نجح في غضون نسختين فقط (2018) و(2022) في الوصول إلى هدفه الثاني عشر وهو لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره، مستنداً إلى سرعته النفاثة وثلاثيته التاريخية «الهاتريك» في نهائي ملعب «لوسيل» بقطر، مما يجعله المرشح الأول في السنوات القادمة للانفراد بصدارة هذا السجل التاريخي.

وقد شهدت افتتاحية مباريات «الديوك» الفرنسية في مونديال (2026) حدثاً تاريخياً غير مسبوق، عندما فجر «الفتى الذهبي» طاقته التهديفية في شباك السنغال، فبعد أن هز الشباك في الدقيقة (66) ليفك الشراكة مع «الملك» بيليه ويرتقي مؤقتاً إلى المركز الرابع مكرر برصيد (13) هدفاً واضعاً نفسه على مسافة واحدة مع مواطنه الأسطوري جاست فونتين وغريمه المعاصر ليونيل ميسي، عاد مبابي ليرفض البقاء في تلك المرتبة طويلاً بتسجيله الهدف الثاني له في المباراة هدفه الـ14 تاريخياً ليتجاوز ميسي وفونتين دفعة واحدة، ويقتحم منصة التتويج التاريخية بالصعود إلى المركز الثالث مكرر ليتساوى مع «المدفعجي» مولر، ليصبح على بُعد هدفين فقط من معادلة «الظاهرة» رونالدو (15) هدفاً، وثلاثة أهداف من الجلوس وحيداً على العرش العالمي لميروسلاف كلوزه.

القفز من الثالث إلى الخامس... حجب المرتبة الرابعة

ومن عتبة المركز الثالث المشترك حالياً بين غيرد مولر وكيليان مبابي برصيد 14 هدفاً، تقفز الحسابات الرياضية التراكمية مباشرة إلى المركز الخامس لتلغي المرتبة الرابعة تماماً لعدم وجود أحد فيها، فحيث إن المركز الثالث مشغول بـ «اسمين»، فقد استهلكا الخانتين الحسابيتين (3 و4)، ليحل من يليهما في الرصيد وهما ميسي وفونتين بـ13 هدفاً في المركز الخامس.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

ليونيل ميسي (المركز الخامس مكرر - 13 هدفاً)

توج الأسطورة الأرجنتيني ليونيل ميسي مسيرته الخيالية بصعوده إلى المركز الرابع التاريخي بعد مونديال استثنائي في قطر 2022، حيث لم يكتفِ برفع الكأس الإعجازية بل سجل 7 أهداف حاسمة في تلك النسخة، ليثبت للعالم أن صانع الألعاب والعبقري الذي يتحكم في إيقاع المباريات يمكنه أيضاً أن ينافس أعتى المهاجمين الصرحاء في عقر دارهم التهديفية.

جاست فونتين نجم كرة القدم الفرنسي الراحل (ويكيبيديا)

جاست فونتين (المركز الخامس مكرر - 13 هدفاً)

حقق الفرنسي الراحل جاست فونتين إعجازاً كروياً عصياً على التكرار في تاريخ المستديرة، عندما سجل جميع أهدافه الثلاثة عشر في نسخة واحدة فقط وهي بطولة السويد 1958، ليمنح بلاده مركزاً متقدماً ويعلن عن نفسه كصاحب أعلى معدل تهديفي في بطولة منفردة، في محطة تاريخية تقف شاهداً على عبقرية هجومية سبقت عصرها بكثير.

وبذات الصرامة الحسابية، يتحرك قطار التوثيق من عتبة المركز الخامس المشترك بين ميسي وفونتين (13 هدفاً)، ليستهلك هذا الثنائي الخانتين الخامسة والسادسة، وبذلك يتجاوز الترتيب المرتبة السادسة المحجوبة تماماً ويحط الرحال عند المركز السابع حيث يبرز اسم «الملك» البرازيلي الراحل بيليه وحيداً برصيد 12 هدفاً.

بيليه (أ.ف.ب)

بيليه (المركز السابع - 12 هدفاً)

بينما يظل بيليه «الملك» واللاعب الوحيد المتوج بثلاثة ألقاب لكأس العالم، فإن أهدافه الاثني عشر كانت بمثابة اللوحات الفنية التي صاغت أمجاد البرازيل الكروية، حيث بدأ مسيرته مراهقاً مذهلاً في 1958 وختمها بعبقرية مطلقة في 1970، مسجلاً في المباريات النهائية الكبرى ومثبتاً أن النجومية ترتبط بالحضور الحاسم في المواعيد التي تصنع التاريخ.

تستمر قائمة العظماء بأسماء حفرت مكانتها بمداد من ذهب:

ساندور كوتشيس (المركز الثامن- 11 هدفاً)

يعد المجري ساندور كوتشيس صاحب الومضة الهجومية الأكثر رعباً في خمسينيات القرن الماضي، حيث سجل أهدافه الأحد عشر في نسخة واحدة فقط (سويسرا 1954) وخلال خمس مباريات، بفضل ارتقاءاته الخيالية التي منحت لقب «الرأس الذهبي»، ليدون أول ثنائية «هاتريك» في تاريخ البطولة قبل أن تنهي الظروف السياسية مسيرة جيله الذهبي مبكراً.

لاعب منتخب المجر السابق ساندور كوتشيس (ويكيبيديا)

يورغن كلينسمان (المركز الثامن مكرر - 11 هدفاً)

سطر الألماني يورغن كلينسمان قصة نجاح ممتدة على مدار عقد كامل في الملاعب المونديالية، نجح خلالها في توزيع أهدافه الأحد عشر على ثلاث نسخ متتالية بدأها في إيطاليا 1990 بثلاثة أهداف أسهمت في قيادة الماكينات لرفع الكأس العالمية، ثم بلغ ذروة توهجه في أميركا 1994 محرزاً خمسة أهداف من بينها مقصيته الشهيرة في شباك كوريا الجنوبية، قبل أن يختتم مشواره في فرنسا 1998 بثلاثة أهداف أخرى. وقد تميز كلينسمان بأدائه كمهاجم شامل يجمع بين السرعة والذكاء التكتيكي العالي والقدرة على حسم الهجمات من مختلف الوضعيات، فضلاً عن احتفاليته الأيقونية بالارتماء على العشب، ليظل واحداً من الرموز الخالدة التي صاغت أمجاد الهجوم الألماني في العصر الحديث.

الألماني يورغن كلينسمان (ويكيبيديا)

لغز الترتيب المحجوب... كيف ألغت حسابات «الفيفا» المركز التاسع؟

في عالم الأرقام والإحصاءات المونديالية، كثيراً ما تفرض «لعبة الكراسي الموسيقية» أحكاماً رقمية صارمة تُلغي مراكز بأكملها من لوائح الشرف، وهو تماماً ما يتجلى في هذا المنعطف من سباق الهدافين التاريخيين لكأس العالم، حيث يختفي «المركز التاسع» تماماً من المشهد. يعود السبب في هذا التواري الإحصائي إلى القواعد الدولية المعتمدة التي تقضي بأنه في حال تعادل لاعبين في مرتبة واحدة كما هو الحال مع كلينسمان وكوتشيس اللذين يتقاسمان المركز الثامن برصيد 11 هدفاً فإن المرتبة الرقمية التي تليها تُحجب تلقائياً لتكافؤ الفرص الشاغرة.

ومن هذا المنطلق الحسابي، يتجاوز قطار التاريخ محطة الرقم تسعة، ليقذف بنا مباشرة إلى «المركز العاشر»، وهو المركز الأكثر ازدحاماً وصخباً في الأرشيف المونديالي، حيث يتشارك في ثناياه ستة فرسان من أساطير اللعبة الذين اصطدمت طموحاتهم بجدار الـ10 أهداف، ليرسموا معاً لوحة كروية امتدت عبر مختلف الأجيال والمدارس الكروية.

غاري لينيكر (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

النجم الإنجليزي غاري لينيكر (أ.ب)

يبرز الإنجليزي غاري لينيكر كأحد أذكى قناصي منطقة الجزاء في تاريخ الكرة البريطانية، حيث نال الحذاء الذهبي في مونديال 1986 برصيد 6 أهداف وأضاف 4 أخرى في نسخة 1990، متميزاً ببرود أعصابه أمام المرمى وسجله الأخلاقي الناصع، إذ اعتزل كرة القدم دون أن يتلقى بطاقة صفراء أو حمراء واحدة طوال مسيرته الدولية والمحلية.

توماس مولر (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

الألماني توماس مولر (ويكيبيديا)

أعاد الألماني توماس مولر تعريف مركز المهاجم في العصر الحديث من خلال ابتكاره لدور «صائد المساحات»، حيث فجر طاقته بخمسة أهداف في مونديال 2010 نال بها الحذاء الذهبي، ثم كرر الرقم ذاته في مونديال 2014 ليقود بلاده لمنصة التتويج، معتمداً على تحركاته الذكية الخالية من الكرة وتوقعه المثالي لأخطاء المدافعين.

غابرييل باتيستوتا (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

الأرجنتيني غابرييل باتيستوتا (ويكيبيديا)

حمل الأرجنتيني غابرييل باتيستوتا لقب «باتي غول» لشدة وقوة تسديداته المدمرة التي لم ترحم حراس المرمى، ودخل التاريخ كونه اللاعب الوحيد في أرشيف كأس العالم الذي نجح في تسجيل ثلاثية (هاتريك) في نسختين متتاليتين من البطولة (1994 ضد اليونان و1998 ضد جامايكا)، مجسداً بقميص «التانغو» ذروة القوة البدنية والإنهاء الشرس.

تيو فيلو كوبيلاس (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

تيو فيلو كوبيلاس الجوهرة السمراء لبيرو (ويكيبيديا)

يعتبر تيو فيلو كوبيلاس الجوهرة السمراء لبيرو وأحد أعظم لاعبي خط الوسط الهجومي في تاريخ أميركا الجنوبية، حيث وزع أهدافه العشرة بالتساوي بإحرازه 5 أهداف في مونديال 1970 و5 أخرى في مونديال 1978، مبهراً العالم بمهارته الفائقة في المراوغة وتنفيذه للركلات الحرة الملتفة التي سكنت شباك كبار حراس المرمى.

غرزيغورز لاتو (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

الجناح السريع لمنتخب بولندا غرزيغورز لاتو (ويكيبيديا)

قاد الجناح السريع غرزيغورز لاتو منتخب بولندا إلى عصرها الذهبي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وتوج هدافاً لمونديال 1974 برصيد 7 أهداف ليقود بلاده للمركز الثالث، قبل أن يعزز رصيده في نسختي 1978 و1982، مستغلاً سرعته النفاثة وانطلاقاته من الأطراف لضرب الدفاعات والتسجيل بكفاءة المهاجم الصريح.

هلموت ران (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

يحتل الألماني هلموت ران مكانة أسطورية مقدسة في الذاكرة الكروية لبلاده، فهو المدفعجي الذي سجل هدف الفوز التاريخي في نهائي مونديال 1954 ضد المجر في المباراة الشهيرة بـ«معجزة بيرن»، وتابع توهجه في مونديال 1958 برصيد 6 أهداف كاملة، ليؤكد إرثه كلاعب المواعيد الكبرى الذي يظهر عندما يحتاجه الوطن في اللحظات القاتلة.

ويبقى السؤال معلقاً فوق العشب الأخضر، هل يصمد عرش كلوزه أمام طموح مبابي الجارف، أم أن مونديال 2026 سيعيد كتابة التاريخ ويغير ملامح نادي العظماء؟


مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
TT

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله

حين تدور عجلة منافسات كأس العالم 2026، لا تتجه الأنظار فقط نحو الخطط التكتيكية، بل يتسع التحليل ليشمل «الفيزياء الجسدية» التي تصنع فوارق حاسمة على العشب الأخضر. تشهد هذه النسخة الأكبر تاريخياً تبايناً حاداً بين جيل من العمالقة الذين يستغلون طول القامة لفرض الهيمنة الجوية، ومجموعة من قصار القامة الذين يتخذون من الرشاقة والسرعة وسيلة لخلخلة الدفاعات. هذا الصدام الأنثروبولوجي يضعنا أمام مقارنات رقمية مثيرة تعكس كيف يوظف كل مدرب المزايا الجسدية للاعبيه لصناعة التفوق.

ومن بين أكثر الظواهر إثارة للاهتمام هذا العام الفارق الهائل في القامات بين اللاعبين المشاركين، حيث تشهد البطولة وجود أطول لاعب بطول 205 سنتيمترات وأقصر لاعب بطول 160 سنتيمتراً، بفارق يصل إلى 45 سنتيمتراً بينهما.

هذا التباين لا يعكس فقط الاختلافات البدنية بين اللاعبين، بل يؤكد أيضاً أن كرة القدم الحديثة ما زالت لعبة تتسع لجميع المواهب، بغض النظر عن الطول أو البنية الجسدية.

ناطحات السحاب المونديالية... عندما تحكم القامة حراسة المرمى والدفاع

يتربع الحارس النمساوي الواعد فلوريان ويغله على قمة الهرم الفيزيائي في البطولة، حيث يمنحه طوله البالغ 205 سنتيمترات تفوقاً مطلقاً في الكرات العرضية لحماية شباك فريقه فيكتوريا بلزن في الدوري التشيكي، مسجلاً اسمه كأطول لاعب يشارك في المونديال بعمر الخامسة والعشرين.

فلوريان ويغله حارس منتخب النمسا (إنستغرام)

ولا يقف ويغله وحيداً في هذا الطابق العلوي، إذ يزاحمه المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن، لاعب نيوكاسل يونايتد البالغ من العمر 34 عاماً، والذي يصل طوله إلى 201 سنتيمتر، مشكلاً جداراً دفاعياً يصعب اختراقه في الصراعات الهوائية.

المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن لاعب نيوكاسل يونايتد (إكس)

وينضم إلى هذا النادي الضخم حارس المرمى الكولومبي ألفارو مونتيرو والمدافع البوسني ستيبان راديليتش، وكلاهما يبلغ طوله 201 سنتيمتر، مما يعكس توجهاً خططياً واضحاً لدى بعض المدارس الكروية للاعتماد على الكتل الجسدية الضخمة لتأمين الخطوط الخلفية وإحباط الكرات الثابتة.

سحر مركز الجاذبية المنخفض... قصار القامة يتحدون العمالقة بالرشاقة

مهاجم بنما سيزار يانيس (رويترز)

في المقابل تماماً، يبرز النجم البنمي سيزار يانيس كأقصر لاعب في المونديال الحالي بطول لا يتجاوز 160 سنتيمتراً، ورغم وصوله لسن الثلاثين، فإن نجم نادي كوب ريسال التشيلي يعوض فوارق الطول بمرونة حركية مذهلة وقدرة سريعة على تغيير الاتجاه تُربك المدافعين أصحاب القامات الفارهة.

ويسير على ذات النهج المهاجم الشاب لجزر كوراساو جيريمي أنتونيس البالغ طوله 164 سنتيمتراً، والذي يستغل قصر قامته للتسلل بين الخطوط الضيقة، شأنه شأن الموهبة الكندية مارسيلو فلوريس بنفس الطول، والمهاجم الأسترالي السريع نيستوري إرانكوندا بطول 165 سنتيمتراً. هؤلاء النجوم يثبتون تكتيكياً أن انخفاض مركز الجاذبية يمنح اللاعب توازناً استثنائياً وقدرة أعلى على المراوغة، مما يجعلهم السلاح المثالي لضرب التكتلات الدفاعية البطيئة.

جغرافيا المنتخبات تكتيكياً... صراع الاستراتيجيات بين الطول والقصر

هالاند لاعب منتخب النرويج (غيتي)

على صعيد الجماعة، تكشف أرقام «الفيفا» الرسمية أن منتخب النرويج، مدفوعاً ببنية نجمه الأول إيرلينغ هالاند البالغ طوله 195 سنتيمتراً، يتربع رفقة منتخب البوسنة والهرسك على صدارة المنتخبات الأطول في البطولة بمعدل جماعي يبلغ 187.2 سنتيمتر، وهو ما يفسر اعتمادهم على الكرات الطويلة والاندفاع البدني القوي لفرض أسلوبهم. وفي المقابل، تبرز منتخبات أميركا الوسطى والكاريبي مثل بنما وجزر كوراساو، بمعدلات أطوال جماعية منخفضة تقترب من حاجز 179 سنتيمتراً، حيث تراهن إداراتها الفنية على تقارب الخطوط، والاعتماد على التمريرات القصيرة السريعة والتحركات الديناميكية دون كرة، معوضين فوارق البنية التحتية الجسدية بتفوق مهاري وتكتيكي ملموس على أرضية الميدان.

من مارادونا وميسي إلى يانيس

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

يقدم تاريخ كرة القدم شواهد لا حصر لها على أن الطول لم يكن يوماً الشرط الأساسي لصناعة النجوم أو تحقيق الإنجازات الكبرى، فأسطورة كرة القدم الأرجنتيني الراحل دييغو مارادونا قاد بلاده إلى لقب كأس العالم عام 1986 رغم أنه لم يكن من أصحاب البنية الجسدية الضخمة، وسار على النهج ذاته مواطنه ليونيل ميسي الذي توج مسيرته بقيادة الأرجنتين إلى لقب مونديال 2022.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

كما برزت أسماء أخرى مثل الإسبانيين تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا، والفرنسي نغولو كانتي، والكرواتي لوكا مودريتش، الذين صنعوا أمجاداً كروية بفضل الرؤية والذكاء والمهارة أكثر من الاعتماد على القوة البدنية.

كرة القدم لا تعترف بالمقاييس التقليدية

بين فيغله ويانيس، تختصر بطولة كأس العالم 2026 واحدة من أجمل حقائق اللعبة. فالفارق الهائل في القامة لم يمنع كليهما من الوصول إلى أكبر حدث كروي على وجه الأرض.

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى صراع الكبار على اللقب العالمي، تبقى هذه القصص الإنسانية تذكيراً بأن كرة القدم لا تختار أبطالها وفق الطول أو الوزن، بل وفق الموهبة والقدرة على صناعة الفارق عندما تبدأ المنافسة الحقيقية فوق المستطيل الأخضر.