لورانس رايت: أنا معارض وناقد منذ الصغر

مؤلف كتاب «البروج المشيدة» يتحدث لـ {الشرق الأوسط} عن السادات و«القاعدة»

رايت وخلفه صورة لابن لادن الذي كتب عنه كثيراً
رايت وخلفه صورة لابن لادن الذي كتب عنه كثيراً
TT

لورانس رايت: أنا معارض وناقد منذ الصغر

رايت وخلفه صورة لابن لادن الذي كتب عنه كثيراً
رايت وخلفه صورة لابن لادن الذي كتب عنه كثيراً

قبل لقائي الصحافي الأميركي لورانس رايت بوقت قصير اتصلت بي الشابة كريستين، إحدى المسؤولات عن مسرحيته الجديدة «كامب ديفيد» التي ستعرض قريبا في العاصمة الأميركية واشنطن. بصوت محرج سألت: «هل يمكن تأجيل اللقاء لأيام قليلة؟ لاري مضطر الآن لإعادة كتابة بعض أجزاء المسرحية».
لم يفاجئني سبب التأجيل لمعرفتي أن المؤلف الذي يحضر البروفات ويتحدث مع أبطال العمل بشكل متواصل، يعيد باستمرار كتابة النص.. رددت عليها بعد أن ابتلعت طعم الخيبة الذي يترافق عادة مع إلغاء المواعيد المهمة: «حسنا، يمكنني تأجيلها. لكن هل صحيح أنه أعاد كتابة المسرحية أكثر من 24 مرة؟!». أجابت بصوت منشرح خلا تماما من النبرة الاعتذارية التي عبرت عنها قبل ثوانٍ: «هذا رقم قديم.. لقد أعاد كتابتها أكثر من 30 مرة حتى الآن!».
رغبة الإتقان الشديدة ليست غريبة على رايت أو «لاري»، كما يناديه المقربون منه. صحافي المجلة العريقة «النيويوركر» ومؤلف الكتاب المعروف عن تنظيم القاعدة «البروج المشيدة» اعتاد العمل الشاق الذي يمتد شهورا وحتى سنوات. في واحدة من إعادات الكتابة المتواصلة هذه، التقط رايت نسخة من المسرحية وعاد بها بعد ساعة بشكل أفضل مما كانت عليه. المخرج المندهش من الجودة والسرعة وجد ردا سريعا من الكاتب: «أنا صحافي أعيش طوال الوقت على الخطوط النهائية للنشر!».
قابلت رايت بعدها بأيام خلف كواليس المسرحية.. أشاهده يقطع الممرات القصيرة.. وقع خطواته السريعة والخفيفة لا تكاد تسمع إلى أن وقف إلى جانبي.
يضع النظارة الأنيقة المتوقعة من رجل فوق الستين مصمم على الحفاظ على وسامته ولمعان عقله. يرتدي جاكيت أسود طويلا، ويرسم ابتسامة ذكية تشي بأنه يعرف مسبقا جميع الأسئلة التي سوف أطرحها عليه. وجهه المتعب يكشف بوضوح عن أنه لم ينم جيدا منذ أيام.. «أهلا، شكرا لقدومك». لاحظت أنه ينطق اسمي بالطريقة الصائبة وليس «مادوه» أو «مامادووه» كما يتلعثم غالبية الأميركيين الذين ألتقيهم وهم يتورطون بنطق هذا الاسم الغريب عليهم.
بالطبع سينطقه بطريقة سليمة. فـ«لاري» يتحدث بعض العربية ويعرف العالم العربي منذ وقت طويل.. البداية كانت بالمصادفة البحتة. كان لاري الشاب من المعارضين بشدة لحرب فيتنام منذ البداية، ولم يكن يريد أن يرتبط بها بأي شكل من الأشكال.. «أنا معارض وناقد منذ الصغر»، هكذا يصف نفسه. ولكن الحكومة الأميركية قررت أن تجند الشباب إجباريا وتبعث بهم إلى جبهات القتال هناك، ولكن المتمرد الصغير لم يرغب أن يكون جنديا مطيعا في حرب لم يكن مؤمنا بها. للممانعين مثله خيارات قليلة، أحدها هو العمل في مؤسسات أميركية خارج الولايات المتحدة ولوقت طويل نسبيا، وبمرتب قليل.
وجد هذا الخيار مناسبا.. في نيويورك قرر أن يعبر الشارع إلى مبنى الأمم المتحدة للبحث عن عمل من هذا النوع.. لم يعثر، ولكن قيل له هناك إن الكثير من المؤسسات الأميركية في الخارج قد تقبله لديها.
قدم طلبه وجاء الرد على الفور. قال له الشخص المسؤول عن استقبال الطلبات: «هل تستطيع أن تسافر الليلة إلى القاهرة لتعلم اللغة الإنجليزية لطلاب الجامعة الأميركية؟.. «الليلة؟» تفاجأ رايت بسرعة قبول الطلب وفكرة السفر السريع لعامين لمكان لم يزره ولم يعرف عنه أي شيء قبل ذلك بما فيها اللغة التي يتكلم بها أهلها. وأكمل معترضا: «لا لا أستطيع الليلة السفر». رد عليه المسؤول: «وماذا عن الغد؟!»، «الغد؟! نعم، نعم، لا بأس بالغد؟!»، هكذا وافق سريعا.
ذهب لزيارة صديقته في مدينة بوسطن التي أصبحت فيما بعد زوجته ليخبرها برحلته الطويلة ومن مطار جي إف آي كيندي في نيويورك اتصل بوالديه ليعلن لهما أنه ذاهب للقاهرة ولن يرياه إلا بعد عامين. في صباح اليوم التالي من وصوله للقاهرة ذهب إلى عمله الجديد. يقول رايت إن أول سؤال طرحه على الطلاب المسلطة نظراتهم عليه: «أي أحد في هذا الفصل يتحدث اللغة الإنجليزية؟!» ليجاوبه أحد الطلاب الصغار: «نعم، أنت!»، يضحك رايت على هذه القصة في كل مرة يرويها. لا تزال الابتسامة على وجهه.. «لقد أحببت هؤلاء الطلاب كثيرا. ساعدوني لأدخل بسهولة للثقافة المصرية». المواقف الطريفة لا تزال، حتى بعد أكثر من ثلاثين عاما، تعيد إنتاج الذكريات الجميلة في مخيلته. كانت تلك البدايات لتعلق الكاتب بمدينة القاهرة ومصر والعالم العربي والإسلامي بشكل أوسع. هذا التعلق المبكر اتخذ منعطفا آخر بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) التي أصابته بالصدمة والاضطراب ربما أكثر من أي أحد آخر. يقول: «شعرت بالصدمة العنيفة. أحسست أن الثقافة التي أحبها هاجمت الثقافة الأخرى التي أحبها وأعيش بها». ويضيف بنبرة جادة: «تنامى لدي إحساس يقول إنني أكثر من أي أحد آخر عليه أن يكتب عن أحداث سبتمبر من أجل نفسه قبل الآخرين. شعرت بأنني أقوم بمهمة. إذا لم أقم بها أنا، فمن سيقوم بها إذن؟». هذا الإحساس الغريب بالمهمة والواجب دفعه ليكتب كتابه الشهير «البروج المشيدة» الذي حقق له الكثير من الشهرة وضمن له جائزة بولتيرز. يصمت رايت للحظات فيما يبدو أنه يغوص في الماضي البعيد. يلف يده على خلف عنقه، ويضيف: «لو لم أعبر ذلك الشارع إلى الأمم المتحدة بحثا عن عمل في الخارج. كان من المستحيل أن أكتب (البروج المشيدة)».
الشاب الناقم على حكومته بلده في ذلك الوقت وقع سريعا في حب القاهرة والناس هناك. كان ذلك في عام 1969. يتذكر: «القاهرة كانت مختلفة في ذلك الوقت. أحببت أم كلثوم وحضرت لها نصف حفلة. نصف حفلة لأنني تقاسمت التذكرة مع صديقي. اتفقنا على أن أحضر في البداية وأخرج ويأتي هو مكاني. وعبد الحليم، نعم، كم أحببت عبد الحليم».
سياسيا، كانت القاهرة تغلي بشدة. حضر رايت آخر عام من حياة الرئيس جمال عبد الناصر، وشهد الصدمة الشعبية التي أعقبت رحيله. ولكن الرئيس الذي يلعب أحد أبرز شخصيات مسرحيته الجديدة هو الرئيس الراحل أنور السادات. في هذه المسرحية يركز على المحادثات السرية التي تمت خلال محادثات «كامب ديفيد». يقول: «كنت هناك عندما أصبح السادات رئيسا. كان الجميع يعتقد أنه كان رجلا ضعيفا ولن يستمر طويلا. سيبقى لوقت قصير حتى يأتي رئيس آخر قوي مكانه. ولكن السادات قلب الموازين. أثبت أنه الرئيس القوي». يقول رايت، إن مسرحيته التي تعتمد على محادثات «كامب ديفيد» للسلام التي استمرت ثلاثة عشرة يوما بين الرئيس السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن والرئيس الأميركي جيمي كارتر تهدف إلى التأكيد أن السلام ممكن حتى من قبل شخصيات مليئة بالعيوب كالشخصيات التي أنجزت الاتفاقية التاريخية.
المسرحية لا تتطرق فقط إلى المساومات والمناقشات الصاخبة التي كادت تفشل المعاهدة في اللحظات الأخيرة، ولكنها أيضا تسعى لكسر القشرة الخارجية للشخصيات الرئيسة، ومن ثم الغوص في نوازعها الداخلية العميقة.
سألته: «لنتحدث عن كتابك البروج المشيدة».. كيف اخترت هذا العنوان المعبر؟
- استمددت العنوان من الآية القرآنية «أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة»، التي جاءت في رسالة بن لادن لمحمد عطا. «البروج المشيدة» يقصد بها الهدف، وهما برجا التجارة في نيويورك. استخدمها بن لادن كشفرة ملغزة تطلب من عطا أن يمضي في خطته المرسومة. يرسم ابتسامة على شفتيه ويكمل: «كنت سأسميه (سيدرككم الموت)»، ولكن من يقرأ العنوان سيعتقد أن الكتاب يتحدث عن فك لغز إحدى الجرائم الغامضة». كتاب رايت الشهير هذا يعد بين الكتب الأبرز التي كشفت عن الوجه الحقيقي لتنظيم القاعدة.
التقى رايت مئات الشخصيات في محاولة منه ليدخل إلى عقل التنظيم المظلم. بعد أن قرأ كتابه أحد الصحافيين الكبار، علق قائلا: «كتاب رايت هذا يجعل منا مجموعة من الهواة». في هذا الكتاب خصص الكثير من الصفحات لشخصية زعيم القاعدة بن لادن. يتمتم رايت وكأنه يتحدث لنفسه: «أحيانا أتساءل لماذا فعل بن لادن ما فعله. عاش حياة رغيدة وهانئة ولم يتعرض للسجن والتعذيب كما حدث للظواهري مثلا».
يؤكد مؤلف الكتاب أن «القاعدة» خسرت الكثير بعد مقتل بن لادن. شخصيته كانت تستقطب الكثير من الشبان المتطرفين من كل مكان. بعد مقتله ضعف الرابط الآيديولوجي الذي كان يربط الجماعات المختلفة بعضها البعض.
في عام 1998 ألف رايت فيلما بعنوان «الحصار» من بطولة بروس ويليس ودينزل واشنطن. بدا كـ«نبوؤة غريبة ومزعجة ومثيرة للاشمئزاز لأحداث 11 سبتمبر»، كما يقول في إحدى المقابلات. مشاهد الفيلم شديدة الشبه بما حدث في يوم هجمات سبتمبر. التفجيرات الانتحارية، الدخان المتصاعد، الوجوه المكسوة بالسخام، الأعين الفزعة، والإحساس بنهاية العالم، كل هذه المشاهد حدثت في الفيلم قبل أن تحدث في الواقع. هذا الفيلم كان أحد الدوافع التي جعلته يتعين بأن عليه أن يكتب «البروج المشيدة» ومن ثم فيلمه الوثائقي «رحلتي إلى القاعدة» الذي يظهر فيه متنقلا بين مدن مختلفة وهو يمسك بقلمه ودفتره الصغير، وعيناه المحتارتان تبحثان عن إجابات وتفسيرات. ولكن هناك سببا شخصيا أعمق يدفعه باستمرار للمزيد من الكشف والبحث، وهو العامل الديني الذي يغريه للتقدم أكثر وأكثر. لا يتعلق ذلك بكتاباته عن العالم الإسلامي والقاعدة فقط، ولكنه كتب الكثير عن الطوائف الدينية في الولايات المتحدة مثل الآميش والمرمون، وأخيرا طائفة الساينتولوجي. في الصغر كان رايت متدينا، ولكنه فقد إيمانه في سنوات المراهقة. يحاول رايت أن يشرح هذه النزعة: «لدي رغبة قوية للكتابة عن الدين والقضايا والشخصيات الدينية. الكثير من الصحافيين في أميركا لا يرغبون الكتابة عن الدين لاعتقادهم أنه قضية شخصية ويجب ألا تمس. ولكن الإيمان الديني أقوى بكثير من الإيمان السياسي. قد تكون للشخص عقيدة سياسية، ولكنها لن تؤثر على سلوكه وميوله، ولكن الإيمان الديني سيتدخل في كل جانب من حياة الفرد المؤمن ويتحكم فيه بشكل كامل، وبالتالي سيؤثر بقوة على المجتمع بأكمله».
في العام الماضي نشر رايت كتابه الجديد «Going Clear» عن طائفة الساينتولوجي التي بدأت بالخمسينات وأسسها كاتب القصص رون هوبارد. هذه الطائفة التي اكتسبت شهرتها بسبب قدرتها على استقطاب الكثير من نجوم هوليوود مثل توم كروز وجون ترافولتا وآخرين. يقول رايت أن الكنيسة الساينتولوجية عرفت أن الأميركيين يقدسون المشاهير لذا لا يوجد هناك وسيلة أخرى لجذبهم إليها أفضل من إقناع مشاهير السينما لاعتناق عقيدتها. بدد رايت الأوهام عن سيرة مؤسس الكنيسة رون هوبارد التي تختلط فيها الأوهام بالحقائق. في الحرب العالمية الثانية خدم هوبارد في البحرية الأميركية وزعم أنه أصيب بالعرج وبعمى بصري جزئي. يكتب هوبارد في أحد مؤلفاته عن حالته بعد تلك المرحلة: «واجهت مستقبلا معدوما. هجرت العائلة والأصدقاء. الشخص المعاق وعديم الحيلة الذي كنته». يدعي هوبارد أنه تمكن من معالجه نفسه بنفسه من دون تدخل طبي. ما قام به أصبح جوهر دينه الجديد. استخدام العقل الخلاق لتبديد أوهام الضعف والخوف التي تسكن العقل الاسترجاعي. قدم هوبارد الذي يبدو في غالبة صوره التي تلقط بعناية وهو ينظر بشموخ اكتشافاته «العلمية» للمنظمة الأميركية لعلوم النفس التي رفضت نظرياته واعتبرتها مجرد خزعبلات لا تستند إلى حقائق علمية متينة. هذا الرفض غرس الكراهية في قلب هورباد تجاه كل ما يتعلق بعلم النفس: نظرياته، أساليبه العلاجية، عقاقيره وأطباؤه. كتب مرة واصفا المعالجين النفسيين بأنهم «سيعذبون ويقتلون أي شخص لو كانت لديهم القوة لفعل ذلك». هذه الكراهية أصبحت ركيزة أساسية في عقيدة الساينتولوجي التي لا تعترف بالطب النفسي وعلاجاته وتعده شرا محضا. يضع البعض علامات النفور على وجوههم عندما يتحدثون عن الساينتولوجي. يقول رايت: «لكنني أردت أن أكشف عن أسرارها وأفهم لماذا توسع نشاطها وتزايدت كنائسها وتمكنت من اجتذاب الكثيرين لها». ليقوم بذلك قام رايت بإجراء مقابلات مطولة مع المؤلف والمخرج السينمائي بول هاغيس، مخرج الفيلم الشهير «كراش» الحائز على جائزة الأوسكار. هاغيس أعلن قبل سنوات عن انشقاقه عن الكنيسة بعد أن قضى عقودا طويلة في خدمتها أوصلته إلى المراتب العليا في تسلسلها الهرمي.
يقول رايت إنه اختار هاغيس لسبب محدد.. «إنه شخص خلاق جدا. أذكى مني وأكثر مهارة وإبداعا. لماذا إذن انضم لطائفة الساينتولوجي؟ هذا يعني أن أكثر الناس ذكاء قد ينجذبون لها. وهذا ما أردت أن أنبه القارئ له. هاغيس تمرد على الكنيسة بسبب الأسرار الغريبة التي بدأت تتسرب للعلن من بين أسوار القلعة المصمتة. من أكثر هذه الأسرار إثارة للامتعاض هي، كما كشف عنها رايت في كتابه، تعرض عدد كبير من أعضاء الكنيسة للضرب والتعنيف النفسي من قبل قائد الكنسية الحالي ديفيد ميسكافج الذي خلف هوبارد بعد رحيله في عام 1986. رفعت الكنيسة الكثير من القضايا على رايت ولكنها لم تربح أي واحد منها. يحاولون إنهاكك عاطفيا».
في مقابلات رايت مع هاغيس يكشف عن الأسباب الخفية التي جعلته ينضم لطائفة الساينتولوجي.
من خلال شخصية هاغيس استطاع رايت أن يدخل القارئ في رحلة طويلة إلى العوالم الغريبة والسرية للكنيسة. هذا هو أسلوبه الذي يفرقه عن غيره. دائم البحث عن شخصيات مثيرة يسافر معها في رحلة طويلة ينقل فيها القارئ إلى أعماق تحقيقاته وقصصه الصحافية.
يوصف رايت بأنه يعتمد على أنفه في البحث عن القصص الصحافية الفريدة.. الجري وراء الروائح المشهية يقذف الصحافي وحيدا في العراء معتمدا على نفسه فقط في المضي في طريق طويل ومضنٍ قد ينتهي إلى لا شيء. في كتابه «البروج المشيدة» التقى أكثر من 600 شخص ليضع يده على جوهر المشكلة (في كتابه عن الساينتولوجي التقى أكثر من 200 شخص). وعلى الرغم من تواضعه فإنه غير قادر على إخفاء بريق الفخر والرضا عن النفس المنعكس على عينيه المرهقتين. يقول لي: «أعاني من ذاكرة سيئة، لذا أجمع أكبر قدر ممكن المعلومات وأدونها في دفتر ملاحظات وأقوم بتصنيفها. أنا مثل الرسام الذي يريد أن يجمع أكبر قدر من الألوان حتى يرسم لوحته بأفضل صورة ممكنة».
كيف يمكن للصحافي أن يحافظ على حياده في التحقيق الصحافي حتى لو كان يتحاور مع شخصيات ارتكبت جرائم مروعة ضد آلاف الأبرياء كما فعل تنظيم القاعدة. في فيلمه الوثائقي «رحلتي إلى القاعدة» يعبر رايت عن هذه المعضلة على طريقته المفضلة وهي «رسم المشاهد التي تعلق في ذاكرة القارئ» كما يقول. كان يلتقي مجموعة من المتشددين المتعاطفين مع تنظيم القاعدة في ببرمنغهام. قبلها بأيام قبضت «القاعدة» في العراق على مواطنة أميركية مارغريت أتت لمساعدة الجرحى وهددت بقتلها. توسلت مرارا في التلفزيونات طلبا للمساعدة. اتفق المتعاطفون على أنه يجب قتلها.. «كانت جاسوسة» صاح أحدهم. هز البقية رؤوسهم بالموافقة من دون أي إحساس بوخز الضمير. شعر رايت بخطورة هذه الرؤوس المتيقنة التي تكتفي فقط بهز رؤوسها من دون أن تفكر بنفسها. ولكن في الحقيقة لم يقل كلمة واحدة لسبب واحد: كان صحافيا يبحث فقط عن المعلومة في أكثر الأماكن خطورة.
تعلق رايت بالقراءة والكتابة بدأ منذ الصغر. أمه التي كانت تدفن وجهها دائما بين دفتي كتاب كانت هي محرضه الأساسي.. «كانت هي السبب الذي جعلني أحب الكتابة. ربما كانت هذه الطريقة الوحيدة لجذب انتباهها». ينشرح وجهه: «كانت تأخذني معها للمكتبات كل الوقت. كنت تحب مجلة (النيويوركر) كثيرا. كما كنت سعيدا لأنها كانت على قيد الحياة عندما أصبحت كاتبا في المجلة».
تطرق كريستين على الباب معلنة عن نهاية الوقت. قلت في نفسي: الآن حان وقت دفع مكافأة موافقتي على تأجيل الحوار. أتت المكافأة سريعة. رد رايت: «امنحينا بعض الوقت. بادرته بالسؤال الأخير الذي قلته له بطريقة بدا جليا أنها آلية ومخطط لها. أنت محب للموسيقى وعضو في إحدى الفرق الموسيقية. هل هذا النشاط بمثابة علاج لك من الكتابة عن (القاعدة) والشرق الأوسط المضطرب دائما؟»، «لا لا، الحقيقة أنا أبحث هذه الأيام عن أورغ موسيقي عربي. أريد أن أتعلم عزف الموسيقى العربية»، قال ذلك وهو يرسم في الهواء شكل هذه الآلة الموسيقية التي يريد العزف عليها.



الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.


«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
TT

«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")

في خطوة وُصفت بأنها «ضخّ دماء جديدة» في عروق المشهد الإعلامي الفرنسي، وفي حين تعاني الصحافة المكتوبة من انحسار لافت، شهدت العاصمة باريس في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025، إطلاق النسخة الفرنسية من مجلة «تايم» الأميركية العريقة.

هذا الحدث يأتي بترخيص من المؤسسة الأم في نيويورك، ويمثل سابقة تاريخية، كونه يجعل من فرنسا الدولة الوحيدة خارج الولايات المتحدة التي تحظى بنسخة محلية مستقلة، تحمل الهوية البصرية والتحريرية لهذه العلامة التي يمتد تاريخها لأكثر من قرن.

جسر بين باريس ونيويورك

شركة «360 بيزنس ميديا» بقيادة الإعلامي دومينيك بوسو، المدير العام لمجلة «فوربس» المالية (الفرع الفرنسي) أشرفت على إطلاق العدد الأول من النسخة الفرنسية لمجلة «تايم»... «تايم فرنسا». وجاء محتوى هذا العدد، المكوّن من 200 صفحة، ليؤكد الهوية «الهجينة» للمجلة، إذ تضّمن 15 قسماً بين التحقيقات المحلية والتقارير الدولية. ولقد تصدّرت غلاف العدد الأول نجمة السينما الأميركية العالمية أنجلينا جولي، في حوار حصري وشامل، تناولت فيه مسارها الإنساني وأدوارها السينمائية الأخيرة، كما تميّز العدد بملفات تحليلية حول الذكاء الاصطناعي بمقابلة مع الفرنسي آرثر مينش، أحد رواد هذا المجال في أوروبا، وفيدجي سيمو، نائبة مدير شركة «أوبن آي». ضّم العدد أيضاً تقارير ميدانية من قلب حوض «الدونباس» الأوكراني، إضافة إلى حوارات مع شخصيات فرنسية بارزة، مثل عالم الرياضيات سيدريك فيلاني، والممثل بيير نيني. أما الفارق بين النسختين الفرنسية والإنجليزية فإنه يكمن في المحتوى، حيث تعتمد «تايم فرنسا» بنسبة 60 في المائة إلى 70 في المائة على محتوى فرنسي بحت، مع الحفاظ على «الثوابت» في الصرامة المهنية والتحقق المزدوج من صحة المعلومات (فاكت تشيكينغ). وبينما تتوحّد النسختان في اختيار «شخصية العام»، تركّز النسخة الفرنسية أكثر على القضايا الأوروبية والمحلية بتحليل أعمق، بعيداً عن مجرد الترجمة الحرفية.

جيسيكا سيبلي، الرئيسة التنفيذية لـ«تايم» الأميركية، شدّدت في تصريح صحافي على أن إطلاق النسخة الفرنسية يعكس «الالتزام بالوصول إلى جماهير جديدة وتقديم صحافة موثوقة برؤية عالمية».

ومن جانبه، صرّح دومينيك بوسو، المدير العام لـ«تايم فرنسا» بأن «الصحافة الفرنسية قد تبدو مأزومة بعض الشيء... لكن (تايم فرنسا) ستقدم نفَساً جديداً» بفضل مصداقية المجلة وتقاليدها الصارمة في تدقيق المعلومات.

وأما إليزابيث لازارو، رئيسة التحرير الفرنكو أميركية، فقد وصفت المجلة الجديدة في افتتاحيتها بأنها «كائن فضائي هجين» يقع في المنطقة الوسطى بين مجلات الأخبار ومجلات الصور، لتكون «جسراً يربط أوروبا بالعالم».

عنوان «تايم فرنسا»... بالفرنسية (مجلة «تايم»)

نموذج اقتصادي ثلاثي الأبعاد...

من جهة أخرى، في إطار نموذجها الاقتصادي، تراهن مجلة «تايم فرنسا» حقاً على مقاربة هجينة تجمع بين الصحافة الورقية، والحضور الرقمي المتنامي، إلى جانب أنشطة موازية تقوم على الفعاليات والرعاية.

ففي الشّق الورقي، تصدر المجلة 4 مرات في السنة في صيغة فصلية، مع طباعة تقارب 100 ألف نسخة لكل عدد، لا تُوزَّع في السوق الفرنسية فقط، بل تمتد إلى عدد من الدول الفرنكوفونية المجاورة، مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا وموناكو، في مسعى واضح إلى ترسيخ حضور إقليمي يتجاوز الحدود الوطنية. ولعل أسلوب التوزيع نفسه يعكس رهاناً على تعزيز القيمة الرمزية للعلامة، واستهداف جمهور نوعي. إذ يُباع نحو نصف النسخ (50 ألفاً) في أكشاك الصحف، في حين يُوجَّه النصف الآخر (50 ألفاً) إلى الفنادق الفاخرة وصالات كبار الشخصيات في المطارات، ما سيسمح للمجلة بالوصول إلى شريحة من القرّاء ذوي القدرة الشرائية المرتفعة، ويمنحها موقعاً مميزاً في سوق إعلانية شديدة التنافس.

وبالتوازي مع ذلك، تولي «تايم فرنسا» أهمية خاصة للحضور الرقمي، من خلال إطلاق موقع إلكتروني يعدّ ركيزة أساسية للنمو المستقبلي، سواء عبر الإعلانات الرقمية أو عبر توسيع قاعدة القرّاء والزوار، تمهيداً لاعتماد صيغ الاشتراك الرقمي.

أما الركيزة الثالثة في هذا النموذج الاقتصادي، فتتمثل في الفعاليات والرعاية والإصدارات الخاصة، وهي مقاربة سبق لمجموعة «بيزنس ميديا 360» المشرفة على «تايم فرنسا» أن اعتمدتها في عناوين إعلامية أخرى. وهي تعتمد على تنظيم مؤتمرات ولقاءات ونقاشات حصرية، تحمل توقيع «تايم»، وتؤدي دوراً مزدوجاً يتمثل في توليد عائدات مالية إضافية من جهة، وتعزيز حضور العلامة ومكانتها في المشهد الإعلامي والثقافي الفرنسي من جهة أخرى.

دومينيك بوسو (آ ف ب)

استقبال وسائل الإعلام

استقبلت الأوساط الإعلامية الفرنسية خبر إطلاق «تايم فرنسا» بترحيب غلب عليه التفاؤل. وكانت صحيفة «لوفيغارو» من أبرز المهلّلين لهذا المشروع، إذ أفردت مساحة واسعة للكلام عن «النجاح الريادي» للمجلة العريقة في سوق الصحافة المكتوبة، على الرغم من الوضعية المتأزمة. ولم تكتفِ الصحيفة بنقل الخبر، بل رسمت صورة تفيض بالثناء لدومينيك بوسو، العقل المدبّر وراء المشروع، واصفة إياه بـ«لوكي لوك الصحافة»، كونه الرجل الذي أطلق «فوربس فرنسا» ثم «أونيريك» والآن «تايم فرنسا». وجاء في مقتطفات من تقاريرها ما يلي: «مجلة (تايم) هي تجسيد للعصر الذهبي للصحافة الأميركية، حيث كانت تتدفق الأموال.. إن إطلاق النسخة الفرنسية في هذه السوق الصعبة يعدّ نجاحاً استثنائياً في ريادة الأعمال».

أما صحيفة «لوموند» فقد اعتمدت في تغطيتها بشكل كبير على برقيات وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب)، التي صاغت أخبار الإطلاق بنبرة غلب عليها الانبهار بـ«التميز التحريري». ونقلت الصحيفة تأكيدات حول «الصحافة الموثوقة» و«الرؤية العالمية»، مركّزة على أن وصول «تايم» إلى فرنسا هو اعتراف بأهمية القارئ الفرنكوفوني المتميز. وورد في تقرير «لوموند»، نقلاً عن وكالة الأنباء: «إنه لشرف كبير وصول عنوان أيقوني كهذا إلى فرنسا، ليكون بمثابة همزة وصل بين الامتياز الأميركي والجمهور الفرنسي المثقف».

ومن جهتها، قدّمت صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية الحدث على أنه «الخبر السار» الذي انتظرته النخبة الفرنكوفونية طويلاً. وشدّدت الصحيفة على أن «تايم فرنسا» تضع «التميز التحريري الأميركي في خدمة جمهور فرنسي منفتح على العالم». أما «ليبراسيون»، فبالرغم من مواكبتها للخبر، مالت في بعض زواياها إلى طرح تساؤلات حول «النموذج الاقتصادي» القائم على الترخيص أو (Licensing) ومدى قدرة المحتوى الفرنسي الأصلي (المقدّر بـ70 في المائة) على الحفاظ على استقلاليته وتفرده أمام هيمنة الخط التحريري الأميركي.

في خط موازٍ، أشارت بعض المنصّات الإخبارية المتخصصة، مثل «أري سور إيماج»، إلى أن إطلاق «تايم فرنسا» حظي بـ«مباركة» مبالغ فيها من كبريات الصحف، دون قراءة نقدية لمدى استدامة هذا النموذج الاقتصادي في سوق مشبعة، أو التساؤل عن مدى استقلالية هذا المشروع الجديد، ومدى مساهمته في تعزيز الصحافة النقدية والمسؤولة بدلاً من الانخراط في منطق الضجيج أو الترويج التجاري.


مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

ازدادت المخاوف أخيراً بشأن دقة المعلومات التي تظهر للمُستخدمين عبر ميزة ملخصات الذكاء الاصطناعي التي توفرها «غوغل»، وذلك بعد رصد أمثلة لمعلومات صحية وُصفت بأنها «زائفة». وبينما أكدت «غوغل» أن «الملخصات تأتي بمعلوماتها من مصادر معروفة»، شدد خبراء على أن «المرحلة الحالية تستدعي ضبطاً أكبر للمعايير»، وطالبوا بـ«ضبط» الملخّصات عبر تقوية آليات التحقق قبل عرضها.

كان تحقيق أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، قد رصد معلومات صحية تتعلق بمرض السرطان، وصفها بأنها «مضللة». وعلى الأثر رد متحدث باسم «غوغل» قائلاً إن «العديد من الأمثلة الصحية التي جرت مشاركتها معهم كانت لقطات شاشة غير مكتملة. لكن من خلال ما استطاعوا تقييمه، تبين أنها مرتبطة بمصادر معروفة وذات سمعة طيبة».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، ربط أزمة «المعلومات الزائفة» على ملخصات «غوغل» بـ«سهولة اختراق معايير الدقة الخاصة بالمنصة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «وفق ما تنشره (غوغل) رسمياً، فإنها تعتمد على المعايير ذاتها التي تستخدمها في ترتيب نتائج البحث التقليدية، كما تطبّق أنظمة لرصد وتجنّب المحتوى المضلّل، لكن على الرغم من قوة هذه المعايير نظرياً، فإنّها تبقى عرضة للتلاعب، تماماً كما يحدث في مجال تحسين محركات البحث، إذ يمكن لناشرين التلاعب بالترتيب وجعل محتوى منخفض الجودة يتصدر النتائج بخداع الخوارزمية لأغراض تسويقية أو لجذب الزيارات، مما يعني أن الملخصات التوليدية قد تتأثر هي الأخرى بهذا».

عمروش أشار إلى «أهمية إلزام الملخصات بإظهار مصادر واضحة وقابلة للتتبع»، وقال إنها «خطوة جوهرية لتعزيز الدقة وتقليل فرص التضليل»، لكنه عدّ ما تقوم به «غوغل» حالياً غير كافٍ «وهو وضع إشارة رابط في نهاية النتيجة لا ينتبه له الكثيرون ولا ينقرون عليه، لذلك لا يكفي أن يُذكر المصدر بطريقة شكلية أو ضمنية، بل يجب أن يكون واضحاً، ومباشراً، وقادراً على دفع المستخدم للنقر والتحقق». وطالب بأن «يُصمم النظام بطريقة تُشجع على التحرّي، من خلال عرض الجهة الناشرة، وتاريخ التحديث، وحتى تقييم موثوقية الموقع، إذ ليس من المنطقي تبرير عرض معلومة خاطئة لمجرد أن مصدراً ما قد كتبها».

للعلم، كانت «غوغل» قد أطلقت خدمة الملخصات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي في مايو (أيار) 2024، وكان الهدف «تقديم إجابات سريعة ومباشرة للمستخدم، عبر توليد معلومات مستخلصة من مصادر ويب متعددة وموثوقة»، حسب الوثائق الرسمية الصادرة عن المنصة.

على هذا علق عمروش قائلاً إن «(غوغل) تبحث عن إجابة مدعومة بمحتوى منشور على الإنترنت، لا مجرد نصّ مولّد من دون أساس معرفي واضح»، وأردف: «هنا تكمن أزمة السقوط في فخ المعلومات الزائفة، لأن الإشكالية الكبرى التي يغفل عنها كثيرون، هي أن المحتوى المنشور على الإنترنت ليس بالضرورة دقيقاً أو موثوقاً، إذ تطغى عليه الشعبوية والتضليل ويهدف لحصد الزيارات من المستخدمين». وتابع: «فضلاً عن أساليب التسويق واتباع طرق تحسين محركات البحث (SEO) لكي يكون في المرتبة الأولى، والتي قد تؤدي إلى تصدُّر معلومات غير صحيحة لمجرد تكرارها».

من جهته، قال محمد الكبيسي، خبير الإعلام الرقمي المقيم في فنلندا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ضمانات الدقة والشفافية تبدأ بضمان الاعتراف الدقيق بالمحتوى الأصلي». وأضاف: «بشكل عام، القلق من ظهور محتوى مضلل داخل الملخصات، طبيعي ومبرَّر، لأنه قد يدفع المستخدم إلى تصديق إجابة جاهزة من دون تدقيق». واستطرد أن «المطلوب ليس رفض التقنية، بل تشديد الضمانات، عبر تقوية آليات التحقق قبل عرض الملخصات، والاعتماد على مصادر طبية وعلمية معروفة، ومراجعة المحتوى الذي يُستند إليه دورياً، مع إظهار تنبيه واضح يدعو المستخدم إلى الرجوع إلى مختص عند المعلومات الحساسة حتى تكون النتائج أدق وأكثر موثوقية».

الكبيسي أبدى اعتقاده أن «ثمة دوراً موازياً ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الإخبارية الكبرى للمساهمة في ضبط منظومة المعلومات الموثوقة والحد من المحتوى الزائف». وذكر أنه «من المهم أن تعمل هذه المؤسسات على تطوير استراتيجيات رقمية فعالة تتناسب مع التطوّر السريع في العالم الرقمي وآلياته، والتأكد من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُبرز المصادر بوضوح».