هل هو زمن السرد بلا حكاية ؟

«الخيمة البيضاء» لليانة بدر و«حذاء فليني» لوحيد الطويلة نموذجاً

غلاف «حذاء فليني» - غلاف «الخيمة البيضاء»
غلاف «حذاء فليني» - غلاف «الخيمة البيضاء»
TT

هل هو زمن السرد بلا حكاية ؟

غلاف «حذاء فليني» - غلاف «الخيمة البيضاء»
غلاف «حذاء فليني» - غلاف «الخيمة البيضاء»

كنت أريد عنوانًا يقول «زمن الرواية بلا حكاية»، لكني لقيت هنا تناقضًا بين كلمة «رواية» ومفهومها المباشر بالعربية، مشتقة من «روى» وتعني رواية الحديث، نقله وذكره «مختار الصحاح».
منذ أيام الحكاء الأكبر والأعظم والأقدم هوميروس كانت هناك الحكاية.. وهذا هو اختلاف أساسي بين البشر الناطق بالكلام والحيوان غير الناطق.. أي حكي ما حدث بشكل ما. مثلما اخترع هوميروس إعادة «رواية» الميثولوجيا الإغريقية الشفاهية التي ظهرت قبل وجوده بكثير، وهبط بالآلهة من جبل الأوليمب وجعلهم يخادنون البشر.
ولم تتطور الحكاية كثيرًا حتى وصلت إلينا ألف ليلة وليلة، وهي كما معروف عن الجن والجنيات والجبال المسحورة والمدن النحاسية والرخ ... إلخ.
أي مزج الأسطورة بالواقع اليومي لذلك الزمان، زمن التجار والشطار.
وأسس هيكل في «زينب» للحكاية المصرية، وبنى محفوظ على تأسيسه، وقرأنا لمبدعين مثل حنا مينا وسهيل إدريس ومنيف والعجيلي كمؤسسين لفعل روائي به طزاجة وحكمة وجنس وخديعة وحب لا يخرج كثيرًا عن القواعد المطلوبة في الحكي التقليدي، وأهمها التشويق والحبكة.
وظهرت أخيرًا أعمال إبداعية غربية وعربية تتجاهل الحكي وتؤسس سردًا مختلفًا ليس به من تشويق سوى ما يتسرب منه كواقع يومي عن الحياة، مثل الاستيقاظ اليومي واحتساء القهوة والحب والجنس والموت والانتقام. لكنه أضاف ثيمة أساسية أو لعلهما ثيمتان هما التوق إلى العدل الجماعي والرغبة في العدل والانتقام الشخصي، وأضاف أسئلة الوجود الكلاسيكية البشرية المتعلقة بالقصاص المجتمعي أو الانتقام الفردي، أي المتعلقة أيضًا بتأسيس العدل على الأرض بدلاً من انتظار عدالة الآخرة.
التوق إلى العدل والرغبة في الانتقام وهاجس القصاص امتلأت بها كتابات المؤسسين كما ازدحمت بها حواديت ألف ليلة وليلة التي كانت ذريعتها رغبة الزوج المخدوع شهريار في الانتقام من كل النساء (!)
أمامي عملان إبداعيان عربيان حديثان هما «الخيمة البيضاء» للفلسطينية ليانة بدر و«حذاء فليني» للمصري وحيد الطويلة، وكلاهما له باع في كتابات إبداعية متنوعة. لكنهما في هذين العملين (كنت أقرأهما متزامنين) لاحظت بعدهما عن الحكي المألوف في الرواية التقليدية العربية واقتحامهما بجرأة (مبيتة ومختلفة في كليهما) عالمًا روائيًا «جديدًا» إلى حد ما سأطلق أنا عليه «زمن السرد بلا حكاية».
وقد سبقهما الشاعر المصري إبراهيم داود في كتابه النثري البديع «الجو العام»، وهو سرد لحكي مبتسر وناقص بالتعمد لذلك.. وحبكاته بسيطة باعتبارها بورتريهات وقد تكون هناك حبكات.
«الجو العام» ليست رواية ولا تمت إلى القصص القصيرة أيضًا.. إنها حكاوي يسردها الحكائون في قعدات خاصة لا يؤمها سوى العارفين من أهل الإبداع (!)
إنها إنجاز شفاهي فاتن استطاع أن يصل إلى زمن السرد مؤسسًا قواعده الخاصة به!
نعرف أن ليانة بدر تقصد بالخيمة البيضاء «النهار» وهي نهارات من المؤكد ومن الممكن أن تكون عادية إلا في نهارات «السلطة الفلسطينية» التي تفصلها عن إسرائيل نقاط العبور المختلفة والحائط الشهير، كما ينفصل الفلسطينيون بعضهم عن بعض بجدران من صنعهم هي: التقاليد والعشيرة والعائلة وسمعة البنات والدولارات والهجرات إلى غير عودة. تفصلهم عن بعضهم أواصر ممزقة لمن بقي في «الأرض» ومن خرج منها.. من انضم إلى المنظمات ومن لم ينضم.
من عاد خائبًا سياسيًا ومن لم يعد من الأصل!
بدر استغنت عن الكلاشنيكوف هنا وحولت النضال الفلسطيني المسلح بمواجهة إسرائيل الذي وصل إلى نقطة التجمد بعد اتفاقية أوسلو وأكده رحيل عرفات - حولته في معظمه إلى «نشاط نسوي» فلسطيني ضد العشيرة والتقاليد القاسية ضد ذكورية المخيم.
كذا.. حولته إلى «نشاط» مدني إبداعي من أغاني راب ووقوف صابر أمام حواجز التفتيش الإسرائيلية.. صامت وإصراري على استخدام حق دخول القدس ولو بذرائع بسيطة، بهدف ألا تضيع بيوت الفلسطينيين المقدسيين ويستولي عليها المستوطنون..
لا بأس فهذا حقها ولن نجرؤ على المزايدة عليها هي المقيمة بين الرمضاء والنار.
بل إن رؤيتها السياسية هذه تخصها نتيجة تجربتها الطويلة في السياسة الفلسطينية. لا أنوي أن أصادر عليها أو أرحب بها فهذا لا يعنيني هنا (!)
لكني مهتم بالسرد فيها، وهو كما قلت يؤسس اهتمام الكاتبة على اليومي المعتاد في لقطات ذكية خاصة، تلك التي تتعامل مع «العائدين والفدائيين السابقين» بمواجهة «القاعدين».
وإذا أتينا إلى «حذاء فليني» فسنجد أنها تتعامل مع شخوص لهم علاقات بفعل التعذيب الجسدي والنفسي.. وقع عليهم أو مارسوه على آخرين.
ومنذ كتب عبد الرحمن منيف «شرق المتوسط»، وتبعه أو زامنه آخرون مثل يوسف إدريس في «العسكري الأسود» ونجيب محفوظ في «الكرنك» وآخرون كثيرون كتبوا روايات وتقارير عن التعذيب، جاءت رواية الطويلة، لا لتضيف ما لا يمكن إضافته، بل لتأخذ منحى جديدًا حينما يتحول القائم بالتعذيب إلى ضحية، والضحية تجد الفرصة أن ترد الصاع صاعين..
الجديد هنا هو منولوجات طوال يسردها علينا ضحيتان لوحش بشري. فالطويلة يحاصر ضحاياه سرديًا أيضًا كما حاصرهم الوحش. ضحية أنثوية وضحية ذكورية يتماثلان أحيانًا في «خطابهما» عن التعذيب وأحيانًا يختلفان.
في الروايتين نجد شخصيات جاهزة قد تمت صياغتها بفعل ظروف لا علاقة للسرد بها. لم تتطور عبر السرد.. وهذا يجعل القارئ - مثلي - يشعر ببعض الغربة المطلوبة في التعامل مع سرد من نوع خاص لا يزال غير مألوف بعد في السرد العربي «الروائي».
لكن الإجابة المطلوبة هنا هي لسؤال سألته لنفسي عن «الإمتاع والمؤانسة» في العملين، وهل شعرت بهما أم لا؟
إجابتي كانت: «لم يعد من المطلوب على المبدع أن يمتعني أو يؤنس وحدتي ووحشتي واغترابي.. المبدعون من هذا صنف خاص يريدون أن يقولوا قولهم (هذا) ولا يعنيهم كثيرًا تصنيفهم، أكثر مما يعنيهم التعامل مع إنتاجهم هذا باعتباره إنجازًا جديدًا وعلى الأقل خاصًا بهم تحديدًا».
من المؤكد يشعر القارئ هنا بقدر كبير من التماهي في العملين.
التماهي هنا هو كشف الوهم المتعلق بالثورة - أي ثورة - وكشف الوهم المرتبط بالرغبة البشرية في الحب والعدل والقصاص. كشف الوهم بأن لا شيء بإمكانه الآن في زمننا هذا أن يروينا ويشفي عطشنا.
أخلص هنا إلى نتيجة إيجابية في العملين: أن التجريب الروائي السردي أصبح من متطلبات الإبداع العربي، لكي يعبر عن التحديات الجديدة في عالم ما بعد الربيع العربي.. عالم لا يزال يختمر ويتأهب لينفجر في الوقت المناسب له!
ثانيًا أن المبدعين العرب أمامهم اختيارات محددة، إما أن يغامروا ويجربوا، أو يتحولوا إلى «معلقات» في المكتبات الخاصة، نتعامل معهم برفق خوفًا من الكسر.
أو أنهم يكفون عن التواصل مثلما فعل الطيب صالح حينما توقف عن إتمام روايته «ضو البيت» قبل رحيله بسنوات، حينما شعر بصدق وشجاعة بضرورة التوقف لأسباب تخصه. هنا أجد أن وحيد الطويلة يتحدى ذاته الإبداعية التي أنتجت لنا روايته الفاتنة «أبواب الليل» ليدخل في تجربة إبداعية جديدة وصعبة. لكنها مشوقة!



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.