شخص يرتدي معطفا ويخفي شعره وراء كارثة «الكاتدرائية» المصرية

الطفلة سوسنة تروي لـ «الشرق الأوسط» أحداث الأحد الحزين

وزير الدفاع المصري أثناء زيارته للضحايا أمس في مجمع الجلاء الطبي التابع للقوات المسلحة المصرية  وفي الاطار ساعة في الكنيسة متهشمة بعد حادث الانفجار
وزير الدفاع المصري أثناء زيارته للضحايا أمس في مجمع الجلاء الطبي التابع للقوات المسلحة المصرية وفي الاطار ساعة في الكنيسة متهشمة بعد حادث الانفجار
TT

شخص يرتدي معطفا ويخفي شعره وراء كارثة «الكاتدرائية» المصرية

وزير الدفاع المصري أثناء زيارته للضحايا أمس في مجمع الجلاء الطبي التابع للقوات المسلحة المصرية  وفي الاطار ساعة في الكنيسة متهشمة بعد حادث الانفجار
وزير الدفاع المصري أثناء زيارته للضحايا أمس في مجمع الجلاء الطبي التابع للقوات المسلحة المصرية وفي الاطار ساعة في الكنيسة متهشمة بعد حادث الانفجار

استيقظت الطفلة سوسنة بولس (10 سنوات) مبكرا يوم الأحد الماضي، فاليوم عطلة رسمية من الدراسة، وستتمكن من الذهاب مع والدها كاهن الكنيسة البطرسية بالعباسية، وسط العاصمة المصرية القاهرة، لحضور قداس الأحد.
ارتدت سوسنة ملابسها بسرعة وهي تحث والدها على النزول بسرعة، جاذبة إياه من ملابسه نحو باب المنزل، ليصلا إلى الكنيسة في التاسعة صباحا، فالقداس يبدأ في التاسعة والنصف، ويستمر نحو الساعة.
ما إن عبرت سوسنة الباب الخارجي للكنيسة حتى أسرعت لتحتل مكانها مع والدتها في صفوف السيدات بقاعة الكنيسة الرئيسية ليبدأ والدها صلاة القداس، وتستمتع بصوته وهو يتلو آيات الإنجيل والصلوات المسيحية باللغة القبطية القديمة، وتنهمك هي في الصلاة، مرددة كيرياليسون (يا رب ارحم باللغة القبطية) حتى حانت منها التفاتة نحو الساعة الكبيرة المعلقة على الحائط لتجد أن عقاربها تشير إلى العاشرة إلا بضع دقائق، لتهبط بعينها على شخص يرتدي معطفا ثقيلا ويخفي شعره بغطاء للرأس وقبل أن تلفت نظر والدتها إلى أن الرجل دخل في المكان المخصص للسيدات، نظر الرجل شاخصا إليها ثم وضع الرجل الذي تصفه سوسنة بـ«صاحب الوجه الأسود» يديه في جيبه، ليدوي انفجار ضخم ويتحول بعدها الرجل إلى أشلاء، وتشاهده الطفلة وتسقط على الأرض.
دقائق مرت على سوسنة وهي ملقاة على الأرض تعي ما حولها لكنها عاجزة عن الحركة، حتى حملها أحدهم إلى مستشفى الدمرداش الملاصق للكنيسة، وهناك أجريت لها عدة عمليات جراحية وما زالت تخضع للعلاج في غرفة الرعاية المركزة بالمستشفى حتى الآن.
التقرير الطبي يشير إلى أن سوسنة مصابة بتهتك في الطحال جراء الموجة الانفجارية مما استدعى استئصاله، إضافة إلى بعض الجروح السطحية في الجسد.
وتعد سوسنة شاهدا رئيسيا في القضية لكونها من القلائل الذين رأوا منفذ العملية ولم تكن الطفلة الوحيدة بين ضحايا الحادث الإرهابي، فماجي مؤمن (10 سنوات) ودميانة مجدي (8 سنوات) طفلتان تصارعان الموت حاليا جراء إصابتهما بجراح خطيرة في الحادث.
ماجي مصابة بشظية في المخ وتهتك في الرئة، وتتلقى العلاج في مستشفى الجلاء للقوات المسلحة، بينما دميانة مصابة بشظايا وتهتك في البطن، وتتلقى العلاج في المستشفى نفسه.
والد ماجي ووالدتها في حالة نفسية صعبة، بسبب شائعات ترددت كثيرا عن وفاتها، ورفضا الحديث لـ«الشرق الأوسط» واكتفيا بالقول: «ربنا موجود»، مطالبين الجميع بالتوقف عن تداول خبر وفاة الطفلة حيث يتلقيان اتصالات هاتفية من الأهل والأصدقاء تعزيهما في ابنتهما التي لا تزال على قيد الحياة، فيما قال ثروت عجايبي عم الطفلة دميانة في اتصال هاتفي لـ«الشرق الأوسط»: «إنها تحتاج للدعاء، لتتجاوز ظروفها الصحية الصعبة».
ووجه الشكر لأجهزة الدولة المصرية، على اهتمامها بالمصابين، مشيرا إلى أن الفريق صدقي صبحي، القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي المصري، زارهم أمس (الأربعاء) في المستشفى، وأكد أن «أجهزة الدولة ستقوم باستئصال سرطان الإرهاب بالكامل من المجتمع المصري في القريب العاجل».
وأضاف عجايبي: «نحن لسنا أقل من أي مصري ضحى بأبنائه من أجل الوطن، ولكن المحزن تعرض الأطفال لهذا العنف ومشاهد الدماء». وقال بحماس ووطنية طاغية: «أنا مقيم بالنمسا منذ 24 عاما وسافرت لكثير من الدول الأوروبية وأعلم جيدا أن الإرهاب موجود في كل بلد». لقد فقدت دميانة وإخوتها جدتهم لأمهم لكن الأسرة في حالة تماسك وإيمان بقضاء الله.
ويقول عجايبي بثقة: «الشرطة المصرية توصلت للجناة في وقت قياسي»، مضيفا: «لا يوجد تقصير أمني وكاميرات المراقبة بالكنيسة سجلت كل شيء». وقال ساخرا: «جميعنا نعلم أن من كانوا أمام الكنيسة يحملون الأسلحة ويعتدون على الناس والإعلاميين ليسوا منا... نعلم أنهم مأجورون يريدون إشاعة الخراب والدمار». ويستنكر عجايبي ما تبثه قنوات الإعلام الغربي قائلا: «تحدثت لقناة ألمانية، أول من أمس، وفوجئت باقتطاع كلامي وتحويره ليبدو من السياق أن الحادث طائفي وليس إرهابيا».
القس أنطونيوس منير، كبير كهنة الكنيسة البطرسية، فجر مفاجأة حين أعلن أن الإرهابي الانتحاري «زار الكنيسة ليلة الحادث، وطلب من البعض هناك كتبا عن الديانة المسيحية لأنه يريد أن يعرف معلومات عنها، فأخبروه أن الكنيسة مغلقة لأن الساعة تجاوزت الحادية عشرة مساء، وطلبوا منه العودة في اليوم التالي في العاشرة صباحا لمقابلة المسؤول عن مكتبة الكنيسة، وهو ما فعله لكنه عاد مرتديا حزاما ناسفا لينسف المكان بمن فيه من أرواح بريئة».
القاعة الرئيسية في الكنيسة الأثرية التي بنيت عام 1911 تعرضت لدمار بالغ، فأماكن الجلوس كلها باتت حطاما، وزجاج النوافذ تحول إلى شظايا، الدماء في كل مكان، ووصلت الشظايا إلى مدخل القبر المدفون فيه الدكتور بطرس غالي الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة الذي بنت أسرته الكنيسة.
وعلى بعد أمتار من القاعة التي شهدت الانفجار، أقامت الكنيسة مساء الثلاثاء عزاء مجمعا لضحايا الحادث، حضره مئات من المصريين، من المسلمين والمسيحيين، وكان لافتا حضور شيخ مسلم بعمامته الأزهرية الحمراء، فهو جار لإحدى ضحايا الحادث وجاء ليعزي أسرتها الذين استقبلوه بالأحضان شاكرين حضوره. حالة من الوجوم عمت العزاء ليس حزنا على الضحايا ولكن على مصير الأسر التي فقدت الحضن الدافئ لها والأمهات اللاتي رحلن تاركات أطفالهن يواجهون مصاعب الحياة.
سرادق العزاء كان خير شاهد على حالة الحزن التي عمت البيوت المصرية، حيث وقفت السيدات المسلمات يشددن من أزر جاراتهن المسيحيات وتبدو عليهن علامات الصدمة والألم.
مارلين عماد، مدرسة في إحدى المدارس بالقاهرة، جلست في العزاء تبكي والدتها أنجيل نور، التي قضت في الحادث، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «ماذا فعلت والدتي لتموت بهذا الشكل؟»، مضيفة «هاتفتني صباح الأحد الماضي لتدعوني إلى الغداء عندها مع أسرتي باعتبار اليوم عطلة رسمية، لم أكن أدري أنها المكالمة الأخيرة».
وتضيف: «عرفت بالحادث من التلفزيون ولما كنت أعلم أنها في الكنيسة البطرسية توجهت مسرعة إلى هناك، لأجدها وقد نقلت إلى مستشفى الدمرداش، حيث أخبرني الأطباء أن حالتها صعبة وتحتاج إلى معجزة، وظلت يومين في الرعاية المركزة حتى توفيت».
مارلين تقول وهي تغالب دموعها: «أصدقائي المسلمون كانوا أول من واسوني... أعتقد أن من فعل هذا ليس بمسلم ولا إنسان أصلا، لماذا يحرموننا من أحبائنا؟».
إلى جوار مارلين كانت سيدة تتشح بالسواد تبكي دون صوت لكن نظراتها الذاهلة كانت لافتة. إنها أم فقد ابنتيها مارينا فهيم (20 عاما) وفيردينا فهيم (18 عاما) في الحادث. هول الصدمة أخرس والدة مارينا وفيردينا فلم تكن تتكلم مع أحد، لكن ميريت ناجي إحدى قريباتها قالت لـ«الشرق الأوسط»: «ما حدث كان كابوسا، لا يمكن لأحد أن يتخيل شعور أم ودعت ابنتيها الذاهبتين للصلاة في الكنيسة فعادتا إليها جثتين هامدتين».
وتضيف: «كانت مارينا وفيردينا مواظبتين على الذهاب للكنيسة، وهما من الفتيات المبتسمات دائما وكانتا دائما تتطوعان للخدمة، نحن رغم حزننا البالغ، نقول هنيئا لهما بتلك الميتة، وبدلا من أن تفرح أمهما بزفافهما، شيعت جنازتهما».



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».