ليبيا في قبضة الميليشيات

تتصارع على حكم طرابلس... وعمليات «الجيش الوطني» طردت معظمها إلى غرب البلاد

ليبيا في قبضة الميليشيات
TT

ليبيا في قبضة الميليشيات

ليبيا في قبضة الميليشيات

لا يمكن الجزم بما إذا كانت العمليات العسكرية الكبرى الجارية في ليبيا، منذ قرابة العامين حتى اليوم، تهدف إلى تقليم أظافر مئات الميليشيات المدججة بالأسلحة الثقيلة، وفقا لخطة معدة مسبقا، أو أن التطورات والتداعيات والاحتراب تسببت كلها في تغيير مواقع هذه الميليشيات مؤخرا، وانحصارها في المنطقة الغربية من البلاد، ومن ثمَّ انشطار كثير منها إلى مجاميع أكثر اختلافا وصراعا مما كانت عليه في الماضي القريب. تأتي هذه التساؤلات في وقت يحاول فيه المجلس الرئاسي، برئاسة فايز السراج المدعوم دوليا، إيجاد قوة يعتمد عليها في فرض سيطرته على البلاد وعلى العاصمة الغارقة في الفوضى. وفي حين تبدو فرص التوافق بين السراج، وقائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر، ضعيفة، تجري الآن محاولة لتأسيس قوة شبه نظامية لكي تحل محل الميليشيات التي نزح معظمها إلى طرابلس بسبب هزائمها في الشرق وفي مناطق بالجنوب أمام قوات حفتر.
ومما ينذر بمزيد من الاقتتال بين الميليشيات داخل العاصمة وجود حكومتين فيها، واحدة برئاسة السراج والثانية برئاسة خليفة الغويل. وكل من هاتين الحكومتين لديها من يساندها من المجاميع المسلحة داخل طرابلس، بما فيها تلك المجاميع التي انتصرت مؤخرا في الحرب على تنظيم داعش في مدينة سرت الواقعة في الشمال الأوسط من البلاد، على بعد نحو 400 كيلومتر إلى الشرق من طرابلس. ويجري الاحتشاد في الوقت الراهن بين الميليشيات التي أصبحت تستعد لمقاتلة بعضها بعضا بعد أن كانت حتى أشهر قليلة مضت في حلف كبير ضد حفتر.
اليوم أصبحت توجد ثلاثة أنواع من المجاميع الميليشاوية في غرب البلاد... النوع الأول جهوي. وهذا يتركز في مدينة مصراتة الثرية، مثل «كتيبة المحجوب والحلبوص» إضافة للمجلس العسكري للمدينة، وفي عدة ضواحي في طرابلس مثل ميليشيات وكتائب التاجوري وكاره والمتحركة وسوق الجمعة وفرسان جنزور، وغيرها. وفي مناطق أخرى من غرب العاصمة مثل الزنتان والزاوية وورشفانة.
وكل ميليشيا تقريبا لديها جهاز مخابرات صغير خاص بها ولديها سجن ومساجين وترتكب فظائع بعيدا عن سلطة القانون، مثل معسكر معيتيقة بالعاصمة الذي يوجد فيه نحو ألفي محتجز. ووقعت أعمال تعذيب، ضمن المنافسة على بسط النفوذ داخل العاصمة أدت إلى القتل مثلما جرى مع الشيخ نادر العمراني. وآخر الضحايا مصري متطرف اسمه حسام محمود جرى تصفيته يوم الاثنين الماضي في استراحة أحد قادة الميليشيات وذلك بعد تسرب معلومات عن تعاونه مع ميليشيا منافسة.
ويشار إلى أن أغلب المدن الليبية، وبخاصة في الغرب، ما زالت تحتفظ بمجالس عسكرية أسستها أثناء الثورة على معمر القذافي. ويحاول كل مجلس عسكري، وبخاصة في المناطق المهمة بالعاصمة وما حولها، استقطاب الميليشيات لتعزيز قوته ونفوذه، كما حدث في بلدتي صبراتة والزاوية. ويبدأ راتب عضو الميليشيا من نحو 300 دولار ويصل إلى أضعاف هذا المبلغ لمحترفي القنص وقيادة الدبابات. والقسم الأكبر من المخصصات المالية يأتي من خزينة الدولة.
والنوع الثاني ميليشيات مذهبية لديها فهم خاص ومزاعم عن تطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة دولة دينية، منها ميليشيا أبو سليم التي توجد شكوك عن تعاونها مع «داعش». وأبرز هذه الميليشيات «كتيبة الفاروق» التي لها فرع في مصراتة وفرع في مدينة الزاوية، وهي ميليشيا «داعشية» بالأساس. وبعد تعرض «داعش» لضربات في سرت بدأت عناصره في التمركز في منطقتي الخُمس ومسلاتة قرب العاصمة، وبعض البلدات الصحراوية في الجنوب.
وتحصل ميليشيات «داعش» على الأموال والدعم من جهات غامضة من وراء البحر. وهناك الميليشيات التابعة للجماعة الليبية المقاتلة الموالية لتنظيم القاعدة، ومركزها طرابلس. وميليشيات «الغرياني» وهي خليط من جماعة الإخوان ومنشقين عن الجماعة المقاتلة. وينتشرون بين طرابلس ومصراتة والجفرة (جنوب سرت). وأغلب هؤلاء تتدفق إليهم الأموال من طريقين. الأول مخصصات باسم وزارتي الجيش والداخلية أي من خزينة الدولة، والثاني أموال خاصة تأتي عبر الحدود سواء في شكل أموال سائلة أو أسلحة ومعدات حربية ومقاتلين أجانب.
أما النوع الثالث فيطلق عليه البعض هنا «ميليشيات المرتزقة» ويقودها تجار بشر وسلاح يقومون بجلب المقاتلين والأسلحة من دول أفريقية وآسيوية وتسليم «البضاعة» لمن يريد من باقي الميليشيات الجهوية والمذهبية نظير مبالغ مالية كبيرة. ويحصل السمسار على مبلغ يصل إلى نحو نصف مليون دولار في مقابل جلب خمسين مقاتلا مدربا وذا خبرة من دول الجوار. ويتقاضى المقاتل من هؤلاء مبالغ تتراوح بين ألف دولار وألفي دولار في الشهر سواء شارك في الحرب مع الميليشيا أو لم يشارك. وآخر من وصل من هذا النوع مجموعة أفارقة تمركزوا في منطقة الجفرة. وقام بجلبهم سمسار من الزنتان لصالح ميليشيات تحاول استعادة الموانئ النفطية من سيطرة حفتر. وهدد السمسار، وهو عسكري سابق، بسحبهم حين تأخرت عنهم رواتب الشهر الماضي.
وأشهر مجموعة ظهرت مؤخرا من هذا النوع من المقاتلين الأجانب الذين يغذون الميليشيات الليبية، ما أصبح يعرف بـ«كتيبة جامعي القمامة»، بسبب تهريبهم في الملابس البرتقالية لجامعي القمامة. ويبلغ عددهم نحو مائتي مقاتل من متوسطي التدريب ويبلغ راتب الواحد منهم نحو 500 دولار، وجرى جلبهم من شمال مالي إلى أحد القيادات السياسية في مدينة مصراتة. ثم حاول هذا القيادي التخلص منهم خوفا من العقوبات الدولية، وقام بمنحهم لميليشيا تدين له بالولاء في طرابلس.
ومنذ سقوط نظام القذافي في 2011 ورث المسلحون المنتفضون الذين كانوا مدعومين من حلف شمال الأطلسي «الناتو» معسكرات الجيش الليبي وأسلحته. أما الروافد الأساسية للميليشيات فكانت تتمثل، بعد القذافي، في المجالس العسكرية للمدن التي تشكلت أثناء الانتفاضة من شخصيات منشقة في الجيش والشرطة والمخابرات، مع مجاميع من المتطوعين المدنيين، لكن بمرور الوقت تمكنت قيادات جهوية وأخرى دينية متشددة من الإمساك بزمام الأمور، وطرد المخالفين لهم وحرمانهم من تقلد أي مناصب رسمية. كما جرى طرد البرلمان المنتخب إلى أقصى مدينة في الشرق الليبي.
ومن أبرز أسماء قادة الميليشيات ممن ظهروا من طرابلس على سطح الدولة عقب سقوط نظام القذافي، شخصيات من مواليد الستينات، كانت تحارب الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، من بينهم عبد الحكيم بلحاج، وخالد الشريف، وسامي الساعدي، وعبد الوهاب قايد وغيرهم. وفي مقابلة سابقة مع بلحاج قال إنه أسس حزبا سياسيا ولم تعد له علاقة بالميليشيات.
لكن تقارير أمنية رصدت في الأسابيع الأخيرة نشاطا محموما لجمع الأسلحة وتدريب المقاتلين من جانب ميليشيات موالية لبلحاج في مناطق داخل طرابلس وأخرى مجاورة لها من ناحية الغرب. وعلاقة بلحاج جيدة مع المجلس الرئاسي ومع جماعة الإخوان ومع بعض من رفاقه القدامى ممن عادوا إلى ليبيا من أفغانستان، وشكلوا ميليشيات خاصة بهم في طرابلس مثل الساعدي.
ومن جانبه، شغل الشريف موقع وكيل وزارة الدفاع في حكومات ما بعد القذافي لفترة، ويتولى في الوقت الحالي إدارة سجن الهضبة الذي يوجد فيه قادة كبار من النظام السابق، ولديه قوات كبيرة على طريق مطار طرابلس، ويمتلك إمكانية تسيير دوريات في العاصمة. ويقول إن السجن يتبع وزارة العدل الليبية. لكن مسؤولا أمنيا في العاصمة قال إن هذا أمر يجري معظمه على الورق فقط.
وحشد الشريف رجاله قبل أسبوع لمنع ميليشيات منافسة من اقتحام مبنى السجن. ويقول إنه يسعى لترسيخ الاستقرار في العاصمة والدفاع عن مبادئ الثورة. لكنه لم يعد على درجة الوفاق القديم نفسها مع رفاق الجبهة الأفغانية مثل بلحاج، والساعدي الذي يشغل حاليا موقع عضو دار الإفتاء ورئيس هيئة العلماء المسلمين في ليبيا.
وولد الساعدي في طرابلس عام 1966 في السنة نفسها التي ولد فيها بلحاج. وبدأ الرجل حياته أديبا وشاعرا، وكان محبوبا من المقاتلين الأفغان، ومن أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة. وحتى يومين ماضيين كان الساعدي يدير محاربيه انطلاقا من مصراتة، لكن تعدد الميليشيات في تلك المدينة وتربص بعضها ببعض جعل أصدقاءه من جماعة الإخوان ينصحونه بسرعة الانتقال بمقاتليه إلى طرابلس خوفا من تعرضهم للأذى. ويعد الساعدي حاليا من أكثر المقربين من مفتي البلاد المعزول من البرلمان، صادق الغرياني.
ولا توجد معلومات كثيرة عن خلفية عبد الوهاب قايد، ربما بسبب نشأته في بلدة مرزق النائية في جنوب ليبيا، وانطلاقه منها إلى أفغانستان في سن مبكرة. لكن أشهر ما هو معروف عنه أنه شقيق أبو يحيى، نائب الظواهري. وقتل أبو يحيى في غارة أميركية في باكستان عام 2012. ويعاني قايد في الوقت الحالي من أزمة صحية ويعالج في أحد المشافي خارج ليبيا. ويقول تقرير أعدته المخابرات الليبية إن توليه مسؤولية حرس الحدود والمنشآت الحيوية والاستراتيجية، عقب مقتل القذافي، سهل له جلب محاربين مرتزقة من دول أفريقية لصالح جماعته «الليبية المقاتلة».
ويرصد التقرير أن عزوف الليبيين عن الالتحاق بالميليشيات المسلحة أو الاشتراك في حروبها أدى خلال العامين الأخيرين إلى اتساع تجارة استيراد المقاتلين من دول الجوار ومن بلدان أخرى، ليس لصالح ميليشيات الجماعة المقاتلة فقط، ولكن لميليشيات منافسة أخرى بما فيها تلك التابعة لتنظيم داعش. وجرى نقل «كتيبة جامعي القمامة» في سيارات الدفع الرباعي عبر الصحراء بهذه الطريقة. ويلقب بعض رجال المخابرات المساندين للميليشيات عبد الوهاب قايد بـ«الفهد الأسود» و«رجل المهام الصعبة».
بالعودة إلى الماضي، يقول سالم أبو جديدة، القيادي السابق في ميليشيا 17 فبراير (شباط)، التي تأسست في بنغازي في 2011، إن منتمين لمدن بعينها وآخرين من جماعات متطرفة، كان لديهم حرص منذ بداية الثورة على الاستحواذ على أسلحة الجيش من معسكرات القذافي وتخزينها في مواقع خاصة بهم بعيدا عن أعين باقي الثوار. ويضيف: «لم نكن نعلم إلى أين يتجهون بها. كان من حقنا بصفتنا مجلسا عسكريا لثوار بنغازي أن نعرف لكن الأمور بدأت تتغير إلى الأسوأ... أصبحت كل جماعة تشكل ميليشيا تعمل لحسابها... فيما بعد صوبوا تلك الأسلحة إلى صدورنا وطردونا من الساحة».
ومن جانبه، يقول إسماعيل الغول الشريف، النائب في البرلمان الليبي عن بلدية الجفرة، التي كان يوجد فيها أكبر مخازن لسلاح الجيش في عهد القذافي، إن كل هذه المخازن أصبحت خاوية على عروشها ولم يعد فيها طلقة واحدة بعد أن كانت ممتلئة عن آخرها بالدبابات والمدرعات والصواريخ والقذائف والذخيرة. وانتشرت هذه الترسانة من الأسلحة في أيدي ميليشيات ليبيا. وقام اللصوص ببيع جانب منها لمن يطلبها في دول الجوار، خصوصا في أفريقيا.
وفوق ترسانة الأسلحة التي استحوذت عليها، جلبت قيادات متطرفة للميليشيات، بعد أن وضعت يدها على مؤسسات الدولة، آلاف الأطنان من الأسلحة الحديثة ومنظومات التجسس والمراقبة. ويقدر عدد قطع السلاح في أيدي الميليشيات حاليا بنحو 20 مليون قطعة.
ومما ساعد على تقوية الميليشيات لنفسها استيلاؤها أيضا على أرشيف المخابرات والأمن في طرابلس، وتقاسمها السيطرة على مطارات وموانئ بحرية ومعسكرات الجيش في المنطقة الغربية داخل العاصمة وفي محيطها مع ميليشيات أخرى، واتسع على هذا نشاط الهجرة غير الشرعية عبر المراكب في البحر المتوسط، وتحول قادة المجاميع المنفلتة إلى حكام على ضواحي طرابلس، وانتشرت أعمال القتل والنهب وسرقة المصارف ومحال المجوهرات وخطف المواطنين للحصول على فدى مالية من ذويهم.
ويقول رجب بن غزي، المحلل السياسي الليبي: «لم يعد أحد يطيق الحياة في العاصمة في ظل هذه الظروف. لا توجد خدمات. والرعب في كل مكان». ومما زاد من معاناة سكان العاصمة الذين كان عددهم يبلغ نحو مليوني نسمة، ارتفاع وتيرة الصراع على السلطة بين الميليشيات طوال السنوات الخمس الماضية. أصبح مستقبل طرابلس غامضا وأكثر تعقيدا من السابق بعد انسحاب غالبية المجاميع المسلحة من المنطقة الشرقية إلى العاصمة وضواحيها، بمن في ذلك مقاتلو الميليشيات المتطرفة ممن قدموا من بنغازي ودرنة وسرت، كما جرى قبل أيام طرد آخر بقايا الميليشيات من منطقة براك الشاطئ في الجنوب على يد عسكريين محترفين يعلمون تحت إمرة المشير حفتر.
ومما ساهم في إنهاء تواجد الميليشيات في الشرق الليبي التماسك القبلي الأكثر وضوحا مما هو عليه في طرابلس ودعم الجيش الوطني بغض النظر عن اسم من يقوده. يقول صالح بوخريس، من قيادات قبيلة العواقير في بنغازي والرئيس السابق لغرفة التجارة بالمدينة: «نريد دولة نشعر فيها بالأمان»، مشيرا إلى تمكن الجيش من فرض سيطرته على الشرق. لكنه يتطلع إلى المستقبل وهو ينظر إلى انتشار الميليشيات في غرب البلاد قائلا: «وماذا بعد؟».
وفي الجانب الآخر يشعر مارتن كوبلر، المبعوث الأممي إلى ليبيا، بالقلق من تزايد حشود الميليشيات في طرابلس، ويسعى لاستبدال حرس رئاسي بها يتولى تأمين العاصمة. ويقول إن هذا الحرس لن يكون بديلا عن «جيش ليبي موحد». وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى محاولة مماثلة كان رئيس الحكومة الليبية الأسبق، الدكتور علي زيدان، قد بادر للقيام بها وقتذاك، وهي ضم الميليشيات في جهاز اقترح أن يكون اسمه «الحرس الوطني»، إلا أن المهمة لم تكتمل بسبب مقاومة قادة الميليشيات لها. وبعد مرور أكثر من عامين على تجربة زيدان لا يبدو أن خطة كوبلر ستجد آذانا صاغية إلا إذا جدت في الأمور أمور.
* خلافات حول إعادة بناء مطار طرابلس الدولي
أحد قادة الميليشيات الكبيرة في العاصمة طرابلس يضغط على المجلس الرئاسي برئاسة فايز السراج من أجل الموافقة على صفقة يريد أن يمررها لصالح عدد من أصدقائه من رجال الأعمال الأتراك. تبلغ قمية هذه الصفقة نحو ملياري دولار وتخص إعادة بناء مطار طرابلس الدولي الذي كان قائد الميليشيا نفسها من المتسببين في إحراقه وتدميره أثناء الحرب بين ميليشيات طرابلس والزنتان في عام 2014.
وفي يوم السبت الماضي تقدمت ميليشيا منافسة اسمها «ميليشيا محفوظ» إلى محيط المطار المحترق لمنع دخول أي مستثمرين إلى المنطقة، بينما توجهت ميليشيا أخرى إلى مبنى المصرف المركزي في محاولة لمنعه من تخصيص الأموال المطلوبة لبناء المطار، وقامت ميليشيا ثالثة بالتمركز بأسلحتها وعناصرها قرب المطار للتدخل لصالح هذا الطرف أو ذاك. وقال مسؤول أمني في العاصمة: «بعض الميليشيات تؤجر نفسها لمن يدفع أكثر».
* سبائك الذهب وحظ «خشيبة» العاثر
وصلت معلومات إلى سبع ميليشيات على الأقل في طرابلس عن أهمية رجل اسمه «خشيبة». تقول المعلومات إن «خشيبة» مخزن أسرار قائد كبير في الجماعة الليبية المقاتلة ممن أصبح بعد سقوط نظام القذافي من أصحاب المليارات ويمتلك قصورا وفيلات وسيارات فخمة في عدة دول في البحر المتوسط.
وبدأ التنافس المحموم بين هذه الميليشيات للقبض على خشيبة لمعرفة باقي ثروة القائد، الذي كان حتى سنوات قليلة مضت مسجونا لدى المخابرات الدولية بتهمة الانتماء لتنظيم القاعدة. وتمكنت اثنتان من الميليشيات المتعاونة من القبض على خشيبة أخيرا في منطقة قرقارش بطرابلس، في عملية معقدة قادها رجل يدعى «طنيش» وجرى فيها استخدام جواسيس بالعاصمة ودفع أموال ضخمة. الميليشيا الأولى «داعشية» يقودها رجل يدعى المدهوني مقره في زوارة. والثانية يقودها رجل يدعى غنيوة مقرها في أبو سليم.
وبدأت عملية مشتركة من أبشع أنواع التعذيب لإجبار خشيبة على الكلام، وبعد أن شارف على الموت بدأ في الكشف عن مخابئ ما تبقى من ثروة الملياردير المشار إليه. وتقول التحقيقات في القضية إن المدهوني وغنيوة وباقي الميليشيات كان لديهم علم بأن الملياردير وضع يده أيام الفوضى في ليبيا في 2011 وما بعدها على أكثر من عشرة آلاف كيلوغرام من الذهب، إضافة لصناديق من العملات الأجنبية.
لهذا كان خشيبة صيدا ثمينا، خصوصا أن ما جرى إخراجه من ليبيا حتى ذلك اليوم لم يزد على عشر حقائب من سبائك الذهب تزن 650 كيلوغراما. وكشف خشيبة عن مكان جانب من كميات الذهب والأموال، وقال، وهو تحت سياط التعذيب وأسلاك الكهرباء، إنها مخبأة في كسارة حجارة مهجورة بمنطقة جبل قديح.
جانب آخر من الثروة كان في مقر سكني مغلق في سوق الخميس، وفي مزرعة للبطيخ والخضراوات، وفي منطقتي قرقاش وزناتة، وفي استراحة مهجورة على طريق خلة الفرجان. ودل خشيبة أيضا على من جرى نقل الأموال إليهم داخل ليبيا وخارجها من قيادات إخوانية وأخرى في الجماعة الليبية المقاتلة. وظهرت جثة خشيبة مؤخرا ملقاة على قارعة الطريق قرب ضاحية الأندلس في العاصمة.
* تعاون واحتراب وتعاون جديد
من الصعب أن ترصد تعاونا على طول الخط أو احترابا على طول الخط بين الميليشيات الليبية. وجاء اسم الميليشيات للقوى المسلحة على الأرض لأنها لا تتبع القوانين النظامية العسكرية المتعارف عليها سواء كانت ميليشيات جهوية أو مذهبية أو حتى «داعشية». فبعض ميليشيات مصراتة كانت تتعاون مع ميليشيات بنغازي رغم أن ميليشيات بنغازي كان فيها «دواعش». ثم حين بدأت مصراتة تقود الحرب ضد «داعش» ضمن عملية البنيان المرصوص، وجدت نفسها في مواجهة أصدقاء الأمس الذين انتقلوا من بنغازي للانضمام لدواعش سرت.
الحال نفسها بين الميليشيات التي يقودها زملاء سابقون في الجماعة الليبية المقاتلة؛ فبعضهم يؤيد المجلس الرئاسي وحارب مع قوات البنيان المرصوص، وبعضهم يؤيد مناوئيه وقدم دعما لدواعش سرت. وعلى سبيل المثال، يوجد تعاون وخيوط اتصال بين دواعش طرابلس وبعض عناصر مجلس أبو سليم العسكري في العاصمة، وبين ميليشيات الغرياني وميليشيات مصراتة، رغم أن ميليشيات الغرياني تقف ضد شن الحرب على «داعش» في ليبيا. وكذلك الحال بين ميليشيات جديدة لرجل يدعى الورفلي وميليشيات زميله أبو المنذر في طرابلس. وبعد أن كانا يتعاونان في تمرير صفقات الأسلحة والمقاتلين من جنسيات مختلفة، دخلا في اقتتال ضار قبل يومين بسبب خلاف على صفقة تضم سبعين شابا متطرفا جرى جلبهم من تونس.
وعموما ظهر خلال الحروب التي خاضتها الميليشيات بما فيها الحرب ضد «داعش»، عدم انضباط أو التزام بالأوامر ما تسبب في مقتل كثير من الشبان. فقد كانت بعض الميليشيات تنسحب فجأة بقرار منفرد وتترك جبهة الحرب وتترك ظهور الميليشيات التي تحارب معها مكشوفة للخصم.
* نهاية مدير السجل المدني
* في مطلع شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي قتلت ميليشيا في العاصمة الليبية، الصديق النحايسي، مدير مصلحة السجل المدني وأحد مساعديه. وتشير التحقيقات الجارية حول هذه القضية إلى أن عناصر من الجماعة الليبية المقاتلة وراء تصفية الرجل ومن كان معه، بسبب رفضه الانصياع لطلب عدة ميليشيات تسجيل مقاتلين أجانب على أنهم ليبيون. وفي دولة تعاني من الفوضى قاوم مدير المصلحة رغبات قادة ميليشيات من طرابلس ومصراتة، لمنح ما يعرف بـ«كتيبات العائلة» لهؤلاء الأجانب، وهي كتيبات تشبه بطاقة الهوية لكنها تعطي الحق لحاملها في صرف أموال شهرية من المصارف يبلغ قدرها نحو 500 دولار. كان الخلاف الذي أدى لمقتل النحايسي يدور حول تسجيل 250 من المقاتلين المصريين والتونسيين والجزائريين والسوريين على أنهم ليبيون.
* ميليشيا تبيع معدات وأجهزة مطار طرابلس
* ميليشيا كبيرة في طرابلس يديرها عسكري سابق من مصراتة، تتعرض للابتزاز من قائد ميليشيا أخرى، يديرها رجل يدعى «الشركسي»، لها تواجد في كل من طرابلس ومصراتة والجفرة. الموضوع تحقق فيه جهات أمنية ليبية، ويدور حول تسجيلات فيديو لدى كتيبة الشركسي تزعم أنها تثبت قيام الميليشيا الأولى بنزع معدات مطار طرابلس قبل حرقه وبيعها لتجار في تونس.
ووفقا للتحقيقات، فإن كميات الألمنيوم وحدها التي جرى سرقتها من المطار وصل وزنها إلى خمسين ألف طن، وجرى تهريبها في شاحنات إلى تونس عبر الحدود البرية لصالح تجار تونسيين، وبلغت قيمة الصفقة من ألمنيوم وأجهزة ومعدات أكثر من عشرة ملايين دولار، واستمرت عملية النقل عبر عشرات الشاحنات لمدة أسبوعين. وتحقق الجهات المعنية في مزاعم الشركسي عن أن المطار جرى حرقه بعد الاستيلاء على ما فيه من معدات وهياكل ثمينة، وليس قبل ذلك كما يزعم القائد العسكري، الذي شارك في قيادة الحرب على ميليشيا الزنتان، التي كانت تتحصن في ذلك الوقت في المطار. وتتضمن تحقيقات الجهات المختصة عمليات نهب أخرى جرت لمعدات تخص الحقول النفطية خلال العامين الماضيين، منها سيارات ومولدات كهرباء وحواسب آلية وأطنان من الحديد وغيرها.
* ميليشيا تتخصص في سرقة الوقود
* في يوم من أيام شهر نوفمبر (تشرين الثاني) سرقت واحدة من ميليشيات بلدة الزاوية ما يقرب من خمسة ملايين لتر من البنزين في يوم واحد من مصفاة المدينة للنفط التي تقع قرب طرابلس؛ جرت السرقة على يد ميليشيا يديرها رجلان الأول يلقب بـ«المصري» والثاني بـ«الحنيش».
وباستخدام المدافع المنصوبة على 20 من سيارات الدفع الرباعي، أجبرت الميليشيا نحو مائة شاحنة تحمل كل منها نحو 50 ألف لتر من البنزين على التوجه إلى الميناء البحري، حيث جرى إتمام صفقة البيع لصالح تاجر تونسي وآخر مالطي في البحر المتوسط.
والمثير في الأمر أن التحقيق في هذه الواقعة كشف عن تورط ميليشيا أكبر تتمركز قرب الزاوية في إدارة مثل هذه العمليات، وتعرف باسم «ميليشيا كشلاف»، عن طريق الاستعانة بميليشيات أصغر، بشكل يومي. ووفقا لتقديرات مسؤول في وزارة الداخلية الليبية، زادت الكميات المسروقة إلى نحو سبعة ملايين لتر يوميا من البنزين والديزل.
وتتجه التحقيقات الأمنية إلى فتح ملف سرقة النفط عموما على أيدي الميليشيات سواء تلك التي كانت تهيمن على موانئ التصدير في شرق أو في غرب البلاد.



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.