ليبيا في قبضة الميليشيات

تتصارع على حكم طرابلس... وعمليات «الجيش الوطني» طردت معظمها إلى غرب البلاد

ليبيا في قبضة الميليشيات
TT

ليبيا في قبضة الميليشيات

ليبيا في قبضة الميليشيات

لا يمكن الجزم بما إذا كانت العمليات العسكرية الكبرى الجارية في ليبيا، منذ قرابة العامين حتى اليوم، تهدف إلى تقليم أظافر مئات الميليشيات المدججة بالأسلحة الثقيلة، وفقا لخطة معدة مسبقا، أو أن التطورات والتداعيات والاحتراب تسببت كلها في تغيير مواقع هذه الميليشيات مؤخرا، وانحصارها في المنطقة الغربية من البلاد، ومن ثمَّ انشطار كثير منها إلى مجاميع أكثر اختلافا وصراعا مما كانت عليه في الماضي القريب. تأتي هذه التساؤلات في وقت يحاول فيه المجلس الرئاسي، برئاسة فايز السراج المدعوم دوليا، إيجاد قوة يعتمد عليها في فرض سيطرته على البلاد وعلى العاصمة الغارقة في الفوضى. وفي حين تبدو فرص التوافق بين السراج، وقائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر، ضعيفة، تجري الآن محاولة لتأسيس قوة شبه نظامية لكي تحل محل الميليشيات التي نزح معظمها إلى طرابلس بسبب هزائمها في الشرق وفي مناطق بالجنوب أمام قوات حفتر.
ومما ينذر بمزيد من الاقتتال بين الميليشيات داخل العاصمة وجود حكومتين فيها، واحدة برئاسة السراج والثانية برئاسة خليفة الغويل. وكل من هاتين الحكومتين لديها من يساندها من المجاميع المسلحة داخل طرابلس، بما فيها تلك المجاميع التي انتصرت مؤخرا في الحرب على تنظيم داعش في مدينة سرت الواقعة في الشمال الأوسط من البلاد، على بعد نحو 400 كيلومتر إلى الشرق من طرابلس. ويجري الاحتشاد في الوقت الراهن بين الميليشيات التي أصبحت تستعد لمقاتلة بعضها بعضا بعد أن كانت حتى أشهر قليلة مضت في حلف كبير ضد حفتر.
اليوم أصبحت توجد ثلاثة أنواع من المجاميع الميليشاوية في غرب البلاد... النوع الأول جهوي. وهذا يتركز في مدينة مصراتة الثرية، مثل «كتيبة المحجوب والحلبوص» إضافة للمجلس العسكري للمدينة، وفي عدة ضواحي في طرابلس مثل ميليشيات وكتائب التاجوري وكاره والمتحركة وسوق الجمعة وفرسان جنزور، وغيرها. وفي مناطق أخرى من غرب العاصمة مثل الزنتان والزاوية وورشفانة.
وكل ميليشيا تقريبا لديها جهاز مخابرات صغير خاص بها ولديها سجن ومساجين وترتكب فظائع بعيدا عن سلطة القانون، مثل معسكر معيتيقة بالعاصمة الذي يوجد فيه نحو ألفي محتجز. ووقعت أعمال تعذيب، ضمن المنافسة على بسط النفوذ داخل العاصمة أدت إلى القتل مثلما جرى مع الشيخ نادر العمراني. وآخر الضحايا مصري متطرف اسمه حسام محمود جرى تصفيته يوم الاثنين الماضي في استراحة أحد قادة الميليشيات وذلك بعد تسرب معلومات عن تعاونه مع ميليشيا منافسة.
ويشار إلى أن أغلب المدن الليبية، وبخاصة في الغرب، ما زالت تحتفظ بمجالس عسكرية أسستها أثناء الثورة على معمر القذافي. ويحاول كل مجلس عسكري، وبخاصة في المناطق المهمة بالعاصمة وما حولها، استقطاب الميليشيات لتعزيز قوته ونفوذه، كما حدث في بلدتي صبراتة والزاوية. ويبدأ راتب عضو الميليشيا من نحو 300 دولار ويصل إلى أضعاف هذا المبلغ لمحترفي القنص وقيادة الدبابات. والقسم الأكبر من المخصصات المالية يأتي من خزينة الدولة.
والنوع الثاني ميليشيات مذهبية لديها فهم خاص ومزاعم عن تطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة دولة دينية، منها ميليشيا أبو سليم التي توجد شكوك عن تعاونها مع «داعش». وأبرز هذه الميليشيات «كتيبة الفاروق» التي لها فرع في مصراتة وفرع في مدينة الزاوية، وهي ميليشيا «داعشية» بالأساس. وبعد تعرض «داعش» لضربات في سرت بدأت عناصره في التمركز في منطقتي الخُمس ومسلاتة قرب العاصمة، وبعض البلدات الصحراوية في الجنوب.
وتحصل ميليشيات «داعش» على الأموال والدعم من جهات غامضة من وراء البحر. وهناك الميليشيات التابعة للجماعة الليبية المقاتلة الموالية لتنظيم القاعدة، ومركزها طرابلس. وميليشيات «الغرياني» وهي خليط من جماعة الإخوان ومنشقين عن الجماعة المقاتلة. وينتشرون بين طرابلس ومصراتة والجفرة (جنوب سرت). وأغلب هؤلاء تتدفق إليهم الأموال من طريقين. الأول مخصصات باسم وزارتي الجيش والداخلية أي من خزينة الدولة، والثاني أموال خاصة تأتي عبر الحدود سواء في شكل أموال سائلة أو أسلحة ومعدات حربية ومقاتلين أجانب.
أما النوع الثالث فيطلق عليه البعض هنا «ميليشيات المرتزقة» ويقودها تجار بشر وسلاح يقومون بجلب المقاتلين والأسلحة من دول أفريقية وآسيوية وتسليم «البضاعة» لمن يريد من باقي الميليشيات الجهوية والمذهبية نظير مبالغ مالية كبيرة. ويحصل السمسار على مبلغ يصل إلى نحو نصف مليون دولار في مقابل جلب خمسين مقاتلا مدربا وذا خبرة من دول الجوار. ويتقاضى المقاتل من هؤلاء مبالغ تتراوح بين ألف دولار وألفي دولار في الشهر سواء شارك في الحرب مع الميليشيا أو لم يشارك. وآخر من وصل من هذا النوع مجموعة أفارقة تمركزوا في منطقة الجفرة. وقام بجلبهم سمسار من الزنتان لصالح ميليشيات تحاول استعادة الموانئ النفطية من سيطرة حفتر. وهدد السمسار، وهو عسكري سابق، بسحبهم حين تأخرت عنهم رواتب الشهر الماضي.
وأشهر مجموعة ظهرت مؤخرا من هذا النوع من المقاتلين الأجانب الذين يغذون الميليشيات الليبية، ما أصبح يعرف بـ«كتيبة جامعي القمامة»، بسبب تهريبهم في الملابس البرتقالية لجامعي القمامة. ويبلغ عددهم نحو مائتي مقاتل من متوسطي التدريب ويبلغ راتب الواحد منهم نحو 500 دولار، وجرى جلبهم من شمال مالي إلى أحد القيادات السياسية في مدينة مصراتة. ثم حاول هذا القيادي التخلص منهم خوفا من العقوبات الدولية، وقام بمنحهم لميليشيا تدين له بالولاء في طرابلس.
ومنذ سقوط نظام القذافي في 2011 ورث المسلحون المنتفضون الذين كانوا مدعومين من حلف شمال الأطلسي «الناتو» معسكرات الجيش الليبي وأسلحته. أما الروافد الأساسية للميليشيات فكانت تتمثل، بعد القذافي، في المجالس العسكرية للمدن التي تشكلت أثناء الانتفاضة من شخصيات منشقة في الجيش والشرطة والمخابرات، مع مجاميع من المتطوعين المدنيين، لكن بمرور الوقت تمكنت قيادات جهوية وأخرى دينية متشددة من الإمساك بزمام الأمور، وطرد المخالفين لهم وحرمانهم من تقلد أي مناصب رسمية. كما جرى طرد البرلمان المنتخب إلى أقصى مدينة في الشرق الليبي.
ومن أبرز أسماء قادة الميليشيات ممن ظهروا من طرابلس على سطح الدولة عقب سقوط نظام القذافي، شخصيات من مواليد الستينات، كانت تحارب الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، من بينهم عبد الحكيم بلحاج، وخالد الشريف، وسامي الساعدي، وعبد الوهاب قايد وغيرهم. وفي مقابلة سابقة مع بلحاج قال إنه أسس حزبا سياسيا ولم تعد له علاقة بالميليشيات.
لكن تقارير أمنية رصدت في الأسابيع الأخيرة نشاطا محموما لجمع الأسلحة وتدريب المقاتلين من جانب ميليشيات موالية لبلحاج في مناطق داخل طرابلس وأخرى مجاورة لها من ناحية الغرب. وعلاقة بلحاج جيدة مع المجلس الرئاسي ومع جماعة الإخوان ومع بعض من رفاقه القدامى ممن عادوا إلى ليبيا من أفغانستان، وشكلوا ميليشيات خاصة بهم في طرابلس مثل الساعدي.
ومن جانبه، شغل الشريف موقع وكيل وزارة الدفاع في حكومات ما بعد القذافي لفترة، ويتولى في الوقت الحالي إدارة سجن الهضبة الذي يوجد فيه قادة كبار من النظام السابق، ولديه قوات كبيرة على طريق مطار طرابلس، ويمتلك إمكانية تسيير دوريات في العاصمة. ويقول إن السجن يتبع وزارة العدل الليبية. لكن مسؤولا أمنيا في العاصمة قال إن هذا أمر يجري معظمه على الورق فقط.
وحشد الشريف رجاله قبل أسبوع لمنع ميليشيات منافسة من اقتحام مبنى السجن. ويقول إنه يسعى لترسيخ الاستقرار في العاصمة والدفاع عن مبادئ الثورة. لكنه لم يعد على درجة الوفاق القديم نفسها مع رفاق الجبهة الأفغانية مثل بلحاج، والساعدي الذي يشغل حاليا موقع عضو دار الإفتاء ورئيس هيئة العلماء المسلمين في ليبيا.
وولد الساعدي في طرابلس عام 1966 في السنة نفسها التي ولد فيها بلحاج. وبدأ الرجل حياته أديبا وشاعرا، وكان محبوبا من المقاتلين الأفغان، ومن أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة. وحتى يومين ماضيين كان الساعدي يدير محاربيه انطلاقا من مصراتة، لكن تعدد الميليشيات في تلك المدينة وتربص بعضها ببعض جعل أصدقاءه من جماعة الإخوان ينصحونه بسرعة الانتقال بمقاتليه إلى طرابلس خوفا من تعرضهم للأذى. ويعد الساعدي حاليا من أكثر المقربين من مفتي البلاد المعزول من البرلمان، صادق الغرياني.
ولا توجد معلومات كثيرة عن خلفية عبد الوهاب قايد، ربما بسبب نشأته في بلدة مرزق النائية في جنوب ليبيا، وانطلاقه منها إلى أفغانستان في سن مبكرة. لكن أشهر ما هو معروف عنه أنه شقيق أبو يحيى، نائب الظواهري. وقتل أبو يحيى في غارة أميركية في باكستان عام 2012. ويعاني قايد في الوقت الحالي من أزمة صحية ويعالج في أحد المشافي خارج ليبيا. ويقول تقرير أعدته المخابرات الليبية إن توليه مسؤولية حرس الحدود والمنشآت الحيوية والاستراتيجية، عقب مقتل القذافي، سهل له جلب محاربين مرتزقة من دول أفريقية لصالح جماعته «الليبية المقاتلة».
ويرصد التقرير أن عزوف الليبيين عن الالتحاق بالميليشيات المسلحة أو الاشتراك في حروبها أدى خلال العامين الأخيرين إلى اتساع تجارة استيراد المقاتلين من دول الجوار ومن بلدان أخرى، ليس لصالح ميليشيات الجماعة المقاتلة فقط، ولكن لميليشيات منافسة أخرى بما فيها تلك التابعة لتنظيم داعش. وجرى نقل «كتيبة جامعي القمامة» في سيارات الدفع الرباعي عبر الصحراء بهذه الطريقة. ويلقب بعض رجال المخابرات المساندين للميليشيات عبد الوهاب قايد بـ«الفهد الأسود» و«رجل المهام الصعبة».
بالعودة إلى الماضي، يقول سالم أبو جديدة، القيادي السابق في ميليشيا 17 فبراير (شباط)، التي تأسست في بنغازي في 2011، إن منتمين لمدن بعينها وآخرين من جماعات متطرفة، كان لديهم حرص منذ بداية الثورة على الاستحواذ على أسلحة الجيش من معسكرات القذافي وتخزينها في مواقع خاصة بهم بعيدا عن أعين باقي الثوار. ويضيف: «لم نكن نعلم إلى أين يتجهون بها. كان من حقنا بصفتنا مجلسا عسكريا لثوار بنغازي أن نعرف لكن الأمور بدأت تتغير إلى الأسوأ... أصبحت كل جماعة تشكل ميليشيا تعمل لحسابها... فيما بعد صوبوا تلك الأسلحة إلى صدورنا وطردونا من الساحة».
ومن جانبه، يقول إسماعيل الغول الشريف، النائب في البرلمان الليبي عن بلدية الجفرة، التي كان يوجد فيها أكبر مخازن لسلاح الجيش في عهد القذافي، إن كل هذه المخازن أصبحت خاوية على عروشها ولم يعد فيها طلقة واحدة بعد أن كانت ممتلئة عن آخرها بالدبابات والمدرعات والصواريخ والقذائف والذخيرة. وانتشرت هذه الترسانة من الأسلحة في أيدي ميليشيات ليبيا. وقام اللصوص ببيع جانب منها لمن يطلبها في دول الجوار، خصوصا في أفريقيا.
وفوق ترسانة الأسلحة التي استحوذت عليها، جلبت قيادات متطرفة للميليشيات، بعد أن وضعت يدها على مؤسسات الدولة، آلاف الأطنان من الأسلحة الحديثة ومنظومات التجسس والمراقبة. ويقدر عدد قطع السلاح في أيدي الميليشيات حاليا بنحو 20 مليون قطعة.
ومما ساعد على تقوية الميليشيات لنفسها استيلاؤها أيضا على أرشيف المخابرات والأمن في طرابلس، وتقاسمها السيطرة على مطارات وموانئ بحرية ومعسكرات الجيش في المنطقة الغربية داخل العاصمة وفي محيطها مع ميليشيات أخرى، واتسع على هذا نشاط الهجرة غير الشرعية عبر المراكب في البحر المتوسط، وتحول قادة المجاميع المنفلتة إلى حكام على ضواحي طرابلس، وانتشرت أعمال القتل والنهب وسرقة المصارف ومحال المجوهرات وخطف المواطنين للحصول على فدى مالية من ذويهم.
ويقول رجب بن غزي، المحلل السياسي الليبي: «لم يعد أحد يطيق الحياة في العاصمة في ظل هذه الظروف. لا توجد خدمات. والرعب في كل مكان». ومما زاد من معاناة سكان العاصمة الذين كان عددهم يبلغ نحو مليوني نسمة، ارتفاع وتيرة الصراع على السلطة بين الميليشيات طوال السنوات الخمس الماضية. أصبح مستقبل طرابلس غامضا وأكثر تعقيدا من السابق بعد انسحاب غالبية المجاميع المسلحة من المنطقة الشرقية إلى العاصمة وضواحيها، بمن في ذلك مقاتلو الميليشيات المتطرفة ممن قدموا من بنغازي ودرنة وسرت، كما جرى قبل أيام طرد آخر بقايا الميليشيات من منطقة براك الشاطئ في الجنوب على يد عسكريين محترفين يعلمون تحت إمرة المشير حفتر.
ومما ساهم في إنهاء تواجد الميليشيات في الشرق الليبي التماسك القبلي الأكثر وضوحا مما هو عليه في طرابلس ودعم الجيش الوطني بغض النظر عن اسم من يقوده. يقول صالح بوخريس، من قيادات قبيلة العواقير في بنغازي والرئيس السابق لغرفة التجارة بالمدينة: «نريد دولة نشعر فيها بالأمان»، مشيرا إلى تمكن الجيش من فرض سيطرته على الشرق. لكنه يتطلع إلى المستقبل وهو ينظر إلى انتشار الميليشيات في غرب البلاد قائلا: «وماذا بعد؟».
وفي الجانب الآخر يشعر مارتن كوبلر، المبعوث الأممي إلى ليبيا، بالقلق من تزايد حشود الميليشيات في طرابلس، ويسعى لاستبدال حرس رئاسي بها يتولى تأمين العاصمة. ويقول إن هذا الحرس لن يكون بديلا عن «جيش ليبي موحد». وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى محاولة مماثلة كان رئيس الحكومة الليبية الأسبق، الدكتور علي زيدان، قد بادر للقيام بها وقتذاك، وهي ضم الميليشيات في جهاز اقترح أن يكون اسمه «الحرس الوطني»، إلا أن المهمة لم تكتمل بسبب مقاومة قادة الميليشيات لها. وبعد مرور أكثر من عامين على تجربة زيدان لا يبدو أن خطة كوبلر ستجد آذانا صاغية إلا إذا جدت في الأمور أمور.
* خلافات حول إعادة بناء مطار طرابلس الدولي
أحد قادة الميليشيات الكبيرة في العاصمة طرابلس يضغط على المجلس الرئاسي برئاسة فايز السراج من أجل الموافقة على صفقة يريد أن يمررها لصالح عدد من أصدقائه من رجال الأعمال الأتراك. تبلغ قمية هذه الصفقة نحو ملياري دولار وتخص إعادة بناء مطار طرابلس الدولي الذي كان قائد الميليشيا نفسها من المتسببين في إحراقه وتدميره أثناء الحرب بين ميليشيات طرابلس والزنتان في عام 2014.
وفي يوم السبت الماضي تقدمت ميليشيا منافسة اسمها «ميليشيا محفوظ» إلى محيط المطار المحترق لمنع دخول أي مستثمرين إلى المنطقة، بينما توجهت ميليشيا أخرى إلى مبنى المصرف المركزي في محاولة لمنعه من تخصيص الأموال المطلوبة لبناء المطار، وقامت ميليشيا ثالثة بالتمركز بأسلحتها وعناصرها قرب المطار للتدخل لصالح هذا الطرف أو ذاك. وقال مسؤول أمني في العاصمة: «بعض الميليشيات تؤجر نفسها لمن يدفع أكثر».
* سبائك الذهب وحظ «خشيبة» العاثر
وصلت معلومات إلى سبع ميليشيات على الأقل في طرابلس عن أهمية رجل اسمه «خشيبة». تقول المعلومات إن «خشيبة» مخزن أسرار قائد كبير في الجماعة الليبية المقاتلة ممن أصبح بعد سقوط نظام القذافي من أصحاب المليارات ويمتلك قصورا وفيلات وسيارات فخمة في عدة دول في البحر المتوسط.
وبدأ التنافس المحموم بين هذه الميليشيات للقبض على خشيبة لمعرفة باقي ثروة القائد، الذي كان حتى سنوات قليلة مضت مسجونا لدى المخابرات الدولية بتهمة الانتماء لتنظيم القاعدة. وتمكنت اثنتان من الميليشيات المتعاونة من القبض على خشيبة أخيرا في منطقة قرقارش بطرابلس، في عملية معقدة قادها رجل يدعى «طنيش» وجرى فيها استخدام جواسيس بالعاصمة ودفع أموال ضخمة. الميليشيا الأولى «داعشية» يقودها رجل يدعى المدهوني مقره في زوارة. والثانية يقودها رجل يدعى غنيوة مقرها في أبو سليم.
وبدأت عملية مشتركة من أبشع أنواع التعذيب لإجبار خشيبة على الكلام، وبعد أن شارف على الموت بدأ في الكشف عن مخابئ ما تبقى من ثروة الملياردير المشار إليه. وتقول التحقيقات في القضية إن المدهوني وغنيوة وباقي الميليشيات كان لديهم علم بأن الملياردير وضع يده أيام الفوضى في ليبيا في 2011 وما بعدها على أكثر من عشرة آلاف كيلوغرام من الذهب، إضافة لصناديق من العملات الأجنبية.
لهذا كان خشيبة صيدا ثمينا، خصوصا أن ما جرى إخراجه من ليبيا حتى ذلك اليوم لم يزد على عشر حقائب من سبائك الذهب تزن 650 كيلوغراما. وكشف خشيبة عن مكان جانب من كميات الذهب والأموال، وقال، وهو تحت سياط التعذيب وأسلاك الكهرباء، إنها مخبأة في كسارة حجارة مهجورة بمنطقة جبل قديح.
جانب آخر من الثروة كان في مقر سكني مغلق في سوق الخميس، وفي مزرعة للبطيخ والخضراوات، وفي منطقتي قرقاش وزناتة، وفي استراحة مهجورة على طريق خلة الفرجان. ودل خشيبة أيضا على من جرى نقل الأموال إليهم داخل ليبيا وخارجها من قيادات إخوانية وأخرى في الجماعة الليبية المقاتلة. وظهرت جثة خشيبة مؤخرا ملقاة على قارعة الطريق قرب ضاحية الأندلس في العاصمة.
* تعاون واحتراب وتعاون جديد
من الصعب أن ترصد تعاونا على طول الخط أو احترابا على طول الخط بين الميليشيات الليبية. وجاء اسم الميليشيات للقوى المسلحة على الأرض لأنها لا تتبع القوانين النظامية العسكرية المتعارف عليها سواء كانت ميليشيات جهوية أو مذهبية أو حتى «داعشية». فبعض ميليشيات مصراتة كانت تتعاون مع ميليشيات بنغازي رغم أن ميليشيات بنغازي كان فيها «دواعش». ثم حين بدأت مصراتة تقود الحرب ضد «داعش» ضمن عملية البنيان المرصوص، وجدت نفسها في مواجهة أصدقاء الأمس الذين انتقلوا من بنغازي للانضمام لدواعش سرت.
الحال نفسها بين الميليشيات التي يقودها زملاء سابقون في الجماعة الليبية المقاتلة؛ فبعضهم يؤيد المجلس الرئاسي وحارب مع قوات البنيان المرصوص، وبعضهم يؤيد مناوئيه وقدم دعما لدواعش سرت. وعلى سبيل المثال، يوجد تعاون وخيوط اتصال بين دواعش طرابلس وبعض عناصر مجلس أبو سليم العسكري في العاصمة، وبين ميليشيات الغرياني وميليشيات مصراتة، رغم أن ميليشيات الغرياني تقف ضد شن الحرب على «داعش» في ليبيا. وكذلك الحال بين ميليشيات جديدة لرجل يدعى الورفلي وميليشيات زميله أبو المنذر في طرابلس. وبعد أن كانا يتعاونان في تمرير صفقات الأسلحة والمقاتلين من جنسيات مختلفة، دخلا في اقتتال ضار قبل يومين بسبب خلاف على صفقة تضم سبعين شابا متطرفا جرى جلبهم من تونس.
وعموما ظهر خلال الحروب التي خاضتها الميليشيات بما فيها الحرب ضد «داعش»، عدم انضباط أو التزام بالأوامر ما تسبب في مقتل كثير من الشبان. فقد كانت بعض الميليشيات تنسحب فجأة بقرار منفرد وتترك جبهة الحرب وتترك ظهور الميليشيات التي تحارب معها مكشوفة للخصم.
* نهاية مدير السجل المدني
* في مطلع شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي قتلت ميليشيا في العاصمة الليبية، الصديق النحايسي، مدير مصلحة السجل المدني وأحد مساعديه. وتشير التحقيقات الجارية حول هذه القضية إلى أن عناصر من الجماعة الليبية المقاتلة وراء تصفية الرجل ومن كان معه، بسبب رفضه الانصياع لطلب عدة ميليشيات تسجيل مقاتلين أجانب على أنهم ليبيون. وفي دولة تعاني من الفوضى قاوم مدير المصلحة رغبات قادة ميليشيات من طرابلس ومصراتة، لمنح ما يعرف بـ«كتيبات العائلة» لهؤلاء الأجانب، وهي كتيبات تشبه بطاقة الهوية لكنها تعطي الحق لحاملها في صرف أموال شهرية من المصارف يبلغ قدرها نحو 500 دولار. كان الخلاف الذي أدى لمقتل النحايسي يدور حول تسجيل 250 من المقاتلين المصريين والتونسيين والجزائريين والسوريين على أنهم ليبيون.
* ميليشيا تبيع معدات وأجهزة مطار طرابلس
* ميليشيا كبيرة في طرابلس يديرها عسكري سابق من مصراتة، تتعرض للابتزاز من قائد ميليشيا أخرى، يديرها رجل يدعى «الشركسي»، لها تواجد في كل من طرابلس ومصراتة والجفرة. الموضوع تحقق فيه جهات أمنية ليبية، ويدور حول تسجيلات فيديو لدى كتيبة الشركسي تزعم أنها تثبت قيام الميليشيا الأولى بنزع معدات مطار طرابلس قبل حرقه وبيعها لتجار في تونس.
ووفقا للتحقيقات، فإن كميات الألمنيوم وحدها التي جرى سرقتها من المطار وصل وزنها إلى خمسين ألف طن، وجرى تهريبها في شاحنات إلى تونس عبر الحدود البرية لصالح تجار تونسيين، وبلغت قيمة الصفقة من ألمنيوم وأجهزة ومعدات أكثر من عشرة ملايين دولار، واستمرت عملية النقل عبر عشرات الشاحنات لمدة أسبوعين. وتحقق الجهات المعنية في مزاعم الشركسي عن أن المطار جرى حرقه بعد الاستيلاء على ما فيه من معدات وهياكل ثمينة، وليس قبل ذلك كما يزعم القائد العسكري، الذي شارك في قيادة الحرب على ميليشيا الزنتان، التي كانت تتحصن في ذلك الوقت في المطار. وتتضمن تحقيقات الجهات المختصة عمليات نهب أخرى جرت لمعدات تخص الحقول النفطية خلال العامين الماضيين، منها سيارات ومولدات كهرباء وحواسب آلية وأطنان من الحديد وغيرها.
* ميليشيا تتخصص في سرقة الوقود
* في يوم من أيام شهر نوفمبر (تشرين الثاني) سرقت واحدة من ميليشيات بلدة الزاوية ما يقرب من خمسة ملايين لتر من البنزين في يوم واحد من مصفاة المدينة للنفط التي تقع قرب طرابلس؛ جرت السرقة على يد ميليشيا يديرها رجلان الأول يلقب بـ«المصري» والثاني بـ«الحنيش».
وباستخدام المدافع المنصوبة على 20 من سيارات الدفع الرباعي، أجبرت الميليشيا نحو مائة شاحنة تحمل كل منها نحو 50 ألف لتر من البنزين على التوجه إلى الميناء البحري، حيث جرى إتمام صفقة البيع لصالح تاجر تونسي وآخر مالطي في البحر المتوسط.
والمثير في الأمر أن التحقيق في هذه الواقعة كشف عن تورط ميليشيا أكبر تتمركز قرب الزاوية في إدارة مثل هذه العمليات، وتعرف باسم «ميليشيا كشلاف»، عن طريق الاستعانة بميليشيات أصغر، بشكل يومي. ووفقا لتقديرات مسؤول في وزارة الداخلية الليبية، زادت الكميات المسروقة إلى نحو سبعة ملايين لتر يوميا من البنزين والديزل.
وتتجه التحقيقات الأمنية إلى فتح ملف سرقة النفط عموما على أيدي الميليشيات سواء تلك التي كانت تهيمن على موانئ التصدير في شرق أو في غرب البلاد.



مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
TT

مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)

منذ صعودها عام 2014 في اليمن، عمدت جماعة الحوثي «أنصار الله» إلى ترسيخ أقدامها في البنية التعليمية وإحداث تغيير واسع شمل المناهج الدراسية وأسماء المدارس واعتماد أنشطة موجهة واستحداث نظم تعليمية خاصة، بحيث تحوّل التعليم ساحة صراع على الهوية وتشكيل للوعي، ومكاناً لاستقطاب الناشئة لتجنيدهم.

وبينما عمدت الجماعة إلى إهمال المدارس الحكومية ومحاربتها بكل ما أوتيت من قوة، شرعت في إنشاء نظام يعتمد على فكرة تحويل المدرسة أو المؤسسة التعليمية إلى معسكرات، واعتماد مؤسسات جديدة تحمل اسم «مدارس شهيد القرآن»، منظومةً بديلة.

سطو وتمدد

ترافق ذلك بالسطو على الكثير من أبنية المدارس الحكومية وتحويل أسمائها إلى الاسم الجديد، كمدرسة كمران في إب مثلاً التي تحولت إلى مدرسة «شهيد القرآن»، إلى جانب استبدال بأسماء مدارس أخرى أسماء قيادات ورموز مرتبطة بالجماعة، في خطوة عدّها تربويون محاولة لإحلال هوية تعليمية جديدة محل التعليم الرسمي.

ولم يقتصر الأمر على المدارس الحكومية، بل امتد أيضاً إلى عدد من المساجد المهمة كالجامع الكبير في ذمار وما يعرف بالمدرسة الشمسية، وكذلك جامع الفردوس في حي سعوان بالعاصمة صنعاء، وغيرها من الجوامع التي تحولت إلى مراكز حوثية تحت الاسم نفسه: «مدرسة شهيد القرآن».

تلاميذ في باحة مدرسة مدمرة في صنعاء وكانت الأمم المتحدة حذرت من أن أكثر من مليوني طفل يمني وأكثر من 170 ألف أستاذ باتوا خارج التعليم (غيتي)

في ظرف ثلاث سنوات فقط، أصبحت هناك وفرة من المدارس تحت هذا العنوان على امتداد المحافظات والمديريات الخاضعة لسيطرة الجماعة. تلك المدارس هي من الانتشار والتوسع بحيث لم تعد مقتصرة على المدن وعواصم المحافظات فحسب، خصوصاً أنها تعتمد مشروعاً تعبوياً مغلقاً. فيعيش الطلاب في بيئة داخلية توفر لهم السكن والمعيشة والمستلزمات، وفي الوقت نفسه تغرس فيهم هوية فكرية مرتبطة بالجماعة، وهو ما يتجلى في انتقاء هذا المصطلح «شهيد القرآن» المرتبط بمؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي.

من خبر عابر إلى ظاهرة مقلقة

في 3 مارس (آذار) 2024، أعلنت سلطات الحوثيين عن تخرج ثلاثة آلاف طالب من شبكة مدارس «شهيد القرآن» الداخلية.

قد يبدو الخبر للوهلة الأولى عادياً، لكن إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار مسألة أن هذا العدد (ثلاثة آلاف طالب) هو نتاج سنتين فقط من العمل المغلق للجماعة داخل تلك المدارس، فإنه سيبدو كبيراً جداً مقارنة بالمدة الوجيزة التي لا تتعدى ثلاث سنوات من مشروع تأسيس المدارس الذي بدأت ملامحه تتضح في عام 2022.

وتتحدث وسائل إعلام الجماعة عن أن تأسيس هذه المدارس بدأ عام 2022، بمدرسة واحدة في العاصمة، ثم مدرسة في كل محافظة، قبل أن تنتشر بوقت قياسي خصوصاً في العاصمة صنعاء.

وبحسب بعض المعطيات، فإن التجربة استلهمت من «حزب الله» اللبناني ومنظومته التعليمية في لبنان، وإن كانت جماعة الحوثي لا ينقصها هذه الأفكار لتأسيس مدارسها الخاصة كسلطة مطلقة تعمل على عقول الناشئة. ويمكن العثور في خطابات مؤسسها حسين الحوثي على أفكار تتضمن مشروعاً تعليمياً، كما أن تصريحات عدد من مسؤولي الجماعة تؤكد أن هذه المدارس «تُعد جزءاً من مشروع الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، وتهدف إلى تخريج أجيال واعية بالقرآن وقادرة على مواجهة التحديات الثقافية».

هياكل إدارية غير معلنة

اتخذت الجماعة الاسم الرسمي لمدارسها (مدارس شهيد القرآن الثانوية للعلوم الشرعية)، دون الإفصاح عن المزيد من المعلومات حول قرار الإنشاء والجهة الناظمة. ورغم الغموض المتعمد في عدم ذكر أي تفاصيل، يمكن للمتابع أن يستشف قدراً لا بأس به من المعلومات المغلوطة التي تمنح تصوراً واضحاً عن تلك المنشآت.

فعلى سبيل المثال، يشير أحد الإعلانات الذي ورد في صفحة الإدارة التعليمية لمديرية السبعين على «فيسبوك» عن «قرار جمهوري» بإنشاء تلك المدارس. ولكن عند مقاطعة المعلومة مع مصادر أخرى وما إذا كان هناك قرار جمهوري فعلاً، يتبين أن لا معلومات دقيقة.

أيضاً هناك أخبار أن لهذه المدارس مجالس إدارة، وورد ذلك في الخبر الذي تداولته وسائل إعلام الجماعة عن تدشين مدارس شهيد القرآن بمحافظة حجة من قبل وزير التربية والتعليم حينها يحيى بدر الدين الحوثي وعضو مجلس إدارة مدارس شهيد القرآن ثائر الرازحي.

طفل يمني يعبر الشارع قرب آلية عسكرية (إ.ب.أ)

وبالمثل يمكن العثور على معلومات تتعلق بتلك المدارس في الإعلان الذي أوردته ثانوية العلوم الشرعية التابعة لجامعة دار العلوم الشرعية عن فتح باب التسجيل لطلاب المرحلة الأساسية. فثانوية العلوم الشرعية هذه هي نفسها مدرسة شهيد القرآن.

أيضاً هناك «الإدارة العامة للمدارس الثانوية للعلوم الشرعية»، التي يبدو أنها إدارة مستجدة في وزارة التربية ويديرها القيادي في الجماعة محمد الطوقي ولها علاقة بتلك المدارس، حيث ستكون هذه الإدارة حاضرة في عدد من الفعاليات الخاصة بمدارس شهيد القرآن. ومع ذلك لا يمكن الجزم بأنها فعلاً تتبع تلك الإدارة، حيث قد يبدو الأمر شكلياً هنا وهناك.

وفوق كل ذلك يأتي اسم «التعبئة العامة»، وهي جهاز استحدثته الجماعة، وظيفته الأساسية تعبئة المجتمع واستقطاب الشباب والموظفين، وتنظيم دورات عسكرية وآيديولوجية، ويتبع مباشرة قيادة الجماعة، ويعمل بالتنسيق مع وزارة الأوقاف والجهات الدينية. هذا الجهاز حاضر بقوة أيضاً في المدارس، حيث عادة ما تتم الإشارة إلى حضور مسؤول التعبئة في هذه الفعالية أو ذلك التدشين. وذلك نمط معتمد لدى كل من «حزب الله» اللبناني والفصائل الموالية لإيران في العراق كما أنه نموذج عملت عليه إيران نفسها داخلياً لسنوات طويلة.

لا رقابة رسمية

يقول أحد أعضاء الهيئة التدريسية، ويعمل في إحدى مديريات محافظة صنعاء، وتحدث لـ«الشرق الأوسط» مفضلاً عدم الكشف عن اسمه، إن مدارس شهيد القرآن لا تخضع لأي رقابة تربوية أو إشراف مؤسسي رسمي، كما لا تُنشر مناهجها أو برامجها التعليمية للعلن، ما يجعل طبيعة المحتوى محاطة بالغموض وغير قابلة للتقييم.

وبحسبه، فإن إدارة هذه المدارس مرتبطة بمكاتب أنصار الله الثقافية والتربوية، وليست خاضعة للرقابة التعليمية التقليدية.

كذلك تتلقى مدارس «شهيد القرآن» دعماً مباشراً من جماعة الحوثيين «أنصار الله» عبر مكاتبها الثقافية والتربوية. أما المصادر المحتملة لذلك الدعم فهو موارد الجماعة (جبايات، دعم داخلي)، ومساهمات إجبارية من شخصيات أو مؤسسات مرتبطة بها.

وبينما لا توجد بيانات شفافة عن حجم التمويل أو مصادره، يشير الخطاب الإعلامي إلى أن تمويل هذه المدارس يأتي من صندوق الزكاة ومن الهيئة العامة للتعبئة، ما يعكس طبيعة ارتباطها المباشر بالمؤسسات العقائدية والمالية للجماعة.

طفلان يبيعان الحلوى خلال تظاهرة مؤيدة لإيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

شروط القبول والاستقطاب

مع بداية كل عام دراسي، وتحديداً من بداية السنة الهجرية التي اعتمدتها الجماعة موسماً دراسياً ضاربة عرض الحائط بشيء اسمه الموسم الدراسي الشتوي المعتمد عالمياً، يتم الإعلان عن فتح باب الالتحاق للطلاب الذين أنهوا المرحلة الأساسية، بشرط أن تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عاماً، وأن يجتازوا مقابلات شخصية واختبارات قبول دقيقة تتضمن معايير تتعلق بالالتزام العقائدي، والاستعداد للتفرغ الكامل لعامين كاملين دون انقطاع.

وتعدّ المميزات المعروضة للطلاب إحدى أهم أدوات الاستقطاب: تكفّل كامل بالمعيشة، سكن داخلي، وجبات، ملابس، رسوم دراسية مجانية، إلى جانب برامج وأنشطة يومية مكثفة تُعرّف بأنها «عقائدية وإيمانية». وتضم مرافق سكن طلابي متكامل، مطابخ، فصولاً دراسية، جامعاً، وقاعات مخصّصة للمحاضرات والبرامج الدينية المكثّفة.

في الوقت الحالي تعمل مدارس «شهيد القرآن» أساساً على مستوى التعليم الثانوي (ثلاث سنوات)، وليس على مرحلتي الابتدائي أو الإعدادي، لكنها مشروع يتوسع تدريجياً وقد أعلنت الجماعة نيتها أن يشمل لاحقاً مراحل دراسية أخرى.

ويمنح الطلاب المتخرجون في تلك المدارس شهادات اعتراف مباشر من «الأكاديمية العليا للقرآن الكريم وعلومه» (وهي مؤسسة تابعة أيضاً للجماعة) ويمكن أن يلتحقوا في تخصّصات تشمل: الإعلام، الإدارة، الدراسات الإسلامية، الشريعة والقانون، إضافة إلى قبول خريجيها في الجامعات الحكومية والأهلية، وفي الكليات العسكرية والأمنية التابعة للجماعة.

أطفال يمنيون في صنعاء (غيتي)

برنامج صارم وترغيب للأساتذة

على الرغم من غياب المعلومات التفصيلية وعدم وجود برنامج مُعلن يوضح آلية التعليم داخل مدارس شهيد القرآن، فإن تصريحات مديري بعض الفروع تكشف ملامح يومٍ دراسي مُنهك يمتد من ساعات الفجر الأولى وحتى المساء.

يقول أحمد الكرشمي، المشرف الثقافي في مدرسة شهيد القرآن في بني الحارث – صنعاء، إن اليوم يبدأ عند الساعة الرابعة فجراً، حيث يتجمع الطلاب لأداء طقوس الاستغفار وصلاة الفجر جماعة، ثم يجلسون في حلقات لقراءة القرآن الكريم حتى السادسة صباحاً. بعدها يتناولون الإفطار ويصطفّون لحضور الإذاعة المدرسية قبل بدء الحصص الدراسية الروتينية حتى الساعة الواحدة والنصف ظهراً.

وبعد فترة راحة قصيرة حتى الثالثة عصراً، يبدأ البرنامج العقائدي المكثّف الذي يشمل دراسة «الملزمة الأسبوعية» لملازم حسين بدر الدين الحوثي، وحضور المحاضرات الدينية اليومية، إضافة إلى مشاهدة أفلام وبرامج وثائقية تُنتجها الجماعة كجزء من عملية «التثقيف الإيماني» المستمر. ويمتد هذا الإيقاع الصارم لسنتين كاملتين داخل بيئة مغلقة ومعزولة عن الأسر، باستثناء الإجازات الطويلة، في إطار منظومة تعليمية تهدف إلى إعادة تشكيل وعي الطلاب وترسيخ الولاء العقائدي.

لا يتوقف الاستقطاب عند الطلاب؛ ففي وقت يفقد فيه المعلمون الحكوميون رواتبهم وفرص عملهم، يلجأ العديد منهم إلى العمل في مدارس شهيد القرآن بعدّها الجهة الوحيدة التي تلتزم بصرف الرواتب. وبعد قبولهم، يخضع المعلمون لبرامج تثقيفية عقائدية تشمل دورات في «التنشئة التعبوية» لضمان توافقهم مع توجهات الجماعة قبل السماح لهم بالتدريس.

أنشطة وبرامج غير صفية

تكشف الأنشطة التي تُنفَّذ داخل مدارس شهيد القرآن عن منظومة تعبئة طقسية ورمزية متكاملة، تتجاوز التعليم الديني التقليدي إلى بناء ارتباط مباشر بين الطلاب وقيادات الجماعة ورموزها العقائدية. إذ تُنظّم المدارس رحلات دورية لزيارة قبر حسين بدر الدين الحوثي في مران، وضريح صالح الصماد في الحديدة، ومواقع أخرى مرتبطة بقيادات قُتلت في الحرب، وتُقدَّم هذه الزيارات للطلاب بوصفها «محطات إيمانية» تُعزز الولاء وتربطهم بتاريخ الجماعة.

كما تحيي المدارس سنوياً مناسبات عقائدية مثل «يوم الشهيد» وذكرى مقتل حسين بدر الدين الحوثي، عبر فعاليات خطابية ومسيرات وعروض مسرحية يجسّد فيها الطلاب مشاهد قتالية باستخدام أسلحة غير حقيقية، في محاكاة درامية لمعركة الجماعة، وبهدف ترسيخ فكرة «الجهاد» والولاية في وعي الطلاب.

بحسب مدير مدرسة «شهيد القرآن» في أمانة العاصمة عبد الله سمينة، فَإنَّ «هذه المدرسة تطبق نموذجَ المدرسة الداخلية؛ وإلى جانب تعليمِها للمواد الدراسية المعتمدة من قبل وزارة التربية والتعليم كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء واللغة الإنجليزية واللغة العربية تهتم أَيْـضاً بجوانبِ التنمية الروحية والإيمَـانية للطلاب».

ويقول أحد المعلمين السابقين الذين خرجوا من المدرسة، مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن الأنشطة في المدارس ليست عشوائية، بل جزء من برنامج تعبوي متكامل.

وقال: «يتدرب الطلاب على الخطابة، والظهور أمام الكاميرا، ويشاركون في تمثيل مشاهد قتالية، ويخضعون لأنشطة أمنية مثل لعبة (كشف الجاسوس)... كل شيء في المدرسة كان يهدف لتشكيل الولاء قبل التعليم».

عناصر من الحوثيين يستعرضون في مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر (أرشيفية - رويترز)

من الفصل إلى العرض العسكري

للتدريبات العسكرية حصة وازنة إذ يتم من خلالها تعريف الطلاب على أنواع الأسلحة، كما يحدث أن تنظم مدرسة ما عرضاً عسكرياً لطلابها، كما فعلت مدرسة شهيد القرآن للعلوم الشرعية بمحافظة ريمة بتاريخ 12 فبراير (شباط) 2025.

وتمتد التعبئة إلى الفضاء البصري للمدرسة نفسها، حيث تمتلئ الفصول والساحات بصور قيادات الجماعة وشعاراتها وعبارات طائفية مرتبطة بالهوية الإيمانية، ما يجعل الطالب محاطاً بشكل دائم بالرموز والرسائل التي تسعى الجماعة إلى غرسها في وعيه. ويشير المعلم ذاته إلى أن «المدرسة ليست مؤسسة تعليمية، بل مكان لتشكيل الطالب فكرياً وروحياً».

طلاب ينسحبون تحت الضغط

صادق (اسم مستعار)، أحد طلاب تلك المدارس في محافظة صنعاء، اضطر لترك الدراسة بطلب من والده المغترب بعد معرفته بأن التعليم في منطقته أصبح «عقائدياً بالكامل». تحدّث إلينا صادق عبر تسجيلات خاصة عن بعض ما يجري داخل مدرسته، موضحاً أن اليوم الدراسي لم يعد قائماً على ست حصص كما يفترض، بل لا تُدرّس سوى ثلاث حصص، بينما تُخصَّص الساعات المتبقية لبرامج تتضمن «محاضرات تثقيفية» داخل مسجد مستحدث في المدرسة، تستمر بين ساعة وثلاث ساعات يومياً.

يقول صادق: «بعد المحاضرة يسألنا المشرف عن مضمونها، وإذا لم يعرف أحد الطلاب الإجابة يضربه ضرباً شديداً... كثير من الطلاب توقفوا عن الحضور».

ويضيف أن أغلب الدروس التي تُقدّم للطلاب تتمحور حول «الهوية الإيمانية، الصبر، الجهاد، الولاية»، مؤكداً وجود تسرّب كبير للطلاب بسبب الضغط النفسي والبرامج المفروضة.

تظاهرة شبيبة تابعة للحوثيين تأييداً لإيران وحزب الله في العاصمة صنعاء (أ ف ب)

أجيال برؤى متناقضة

وجود هذه المدارس يخلق ازدواجية بين التعليم الرسمي (المعترف به وطنياً ودولياً) والتعليم الموازي، ما يضع الطلاب في موقع هش إذا تغيرت الظروف السياسية.

ينقل الإعلام الرسمي التابع للجماعة تصريحات ملقنة لطلاب منخرطين في تلك المدارس، وهي تصريحات تكشف مدى التعبئة التي تجعل من المدارس الأخرى متهمة في نظرهم بأنها لا تقدم علماً ولا وعياً حقيقيين. هذه التعبئة مقصودة وتأتي في سياق القضاء تماماً على التعليم الرسمي.

كأن يقول أحدهم مثلاً إن «المدارس الأخرى تبني جيلاً غير متماسك وغير واعٍ ومعرض للخطر والاستهداف».

هذا التكوين العقائدي يجعل الطلاب الخريجين أقرب إلى كوادر آيديولوجية، لا مجرد طلاب علم، وهو ما يثير جدلاً حول مستقبلهم الأكاديمي والمهني، وهو ثمن طويل الأمد سيترتب على اليمن كله.

فالتعليم الذي يفترض أن يكون فضاءً للتفكير والنقد وبناء المستقبل، جرى اختزاله بمنصة تعبئة، تُقصي الآخر وتعيد هندسة وعي الأجيال على مقاس مشروع عقائدي، ستكون كلفته باهظة على البلد ومستقبله.


«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.


كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.