بكين ارتاحت لفوز ترامب لتبتعد عن «توازن» كلينتون

شهر العسل تعكر بمكالمة.. وتهدد بـ«الصين الواحدة» أساس «الاستقرار»

صورة أرشيفية لمجلة صينية تحت عنوان «كيف فاز ترامب؟».. ووسائل الإعلام الصينية حذرت أمس من التراجع عن سياسة «الصين واحدة» (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لمجلة صينية تحت عنوان «كيف فاز ترامب؟».. ووسائل الإعلام الصينية حذرت أمس من التراجع عن سياسة «الصين واحدة» (أ.ف.ب)
TT

بكين ارتاحت لفوز ترامب لتبتعد عن «توازن» كلينتون

صورة أرشيفية لمجلة صينية تحت عنوان «كيف فاز ترامب؟».. ووسائل الإعلام الصينية حذرت أمس من التراجع عن سياسة «الصين واحدة» (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لمجلة صينية تحت عنوان «كيف فاز ترامب؟».. ووسائل الإعلام الصينية حذرت أمس من التراجع عن سياسة «الصين واحدة» (أ.ف.ب)

كان فوز مرشح الحزب الجمهوري، دونالد ترامب، في الانتخابات الأميركية لعام 2016، ليصبح بذلك الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأميركية، بمثابة صدمة على الصعيدين الأميركي والدولي، لكن اعتبره البعض انتصارا لبكين، التي لم تعد تواجه احتمال سياسات هيلاري كلينتون التخويفية واستراتيجيتها القائمة على إعادة التوازن في منطقة المحيط الهادئ، ودعمها دولا آسيوية مجاورة لإثارة القلق في الداخل الصيني، خصوصا فيما يخص نزاع السيادة القائم في بحر الصين الجنوبي.
لكن تصريحات ترامب خلال الأيام الأخيرة تجاه الصين قلبت الموازين، وخلقت توترا بين بكين وواشنطن لم يكن متوقعا. إذ أعربت بكين أمس الاثنين عن «قلقها البالغ» عقب تصريحات ترامب بأن أميركا ليست مضطرة إلى الالتزام بسياستها القائمة منذ فترة طويلة الخاصة بالاحتفاظ بالعلاقات الدبلوماسية الرسمية لبكين. ويشار إلى أن سياسة «الصين واحدة»، تعني أن الحزب الشيوعي الحاكم في الصين يطلب من الدول الأخرى تجنب أي اعتراف دبلوماسي رسمي بتايوان، رغم أن الولايات المتحدة تحتفظ بكثير من القنوات غير الرسمية معها. وقال المتحدث باسم الخارجية الصينية جينج شوانج، للصحافيين في بكين أمس الاثنين: «سياسة (الصين الواحدة) أساس مهم للعلاقات الصينية - الأميركية».
وأضاف جينج شوانج، كما جاء في تقرير الوكالة الألمانية من واشنطن: «إذا تم تدمير هذا الأساس، فلن تكون هناك علاقة سليمة ومستقرة بين الصين والولايات المتحدة». وأوضح أن «الصين تحث الإدارة الجديدة بتفهم أهمية قضية تايوان، والتعامل مع هذه المشكلة بحرص».
ورفضت رئيسة تايوان تساي إنج وين التعليق أمس على تصريحات ترامب. وقال المتحدث الرئاسي أليكس هوانج: «ليس لدينا تعليق على هذا الأمر».
اعتمد المعلقون في تحليلاتهم حول العلاقة بين البلدين على تلقي بكين إعلان فوز ترامب بارتياح، وقامت بإرسال برقية، رغم أن هذا تصرف بروتوكولي معتاد، إلا أنها أشارت إلى أن الصين والولايات المتحدة تتحملان مسؤولية حفظ السلام العالمي وتعزيز التنمية والازدهار والاستقرار بوصفهما تحتلان أكبر اقتصادات في العالم، وأن ترامب سيكون مشغولا، على عكس هيلاري كلينتون، بالقضايا المحلية، نائيا بنفسه عن التدخلات والتكتلات الإقليمية والتجارية مثل عزمه الانسحاب من منظمة دول المحيط الهادي، وهذا ما أثلج قلب بكين.
وأشادت صحف رسمية صينية بالرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، ووصفته بالزعيم الأقدر على رسم العلاقات بين القوى العظمى. واعتبرت هذه الصحف أن اتصال ترامب الهاتفي بالرئيس الصيني شي جين بينغ أظهر تفاؤلا حيال علاقات البلدين خلال السنوات الأربع المقبلة. ومن جانبه، قال ترامب إنه موافق مع الرئيس الصيني في رأيه حول العلاقات الأميركية الصينية، معربا عن ثقته بأن العلاقات بين البلدين ستحقق تطورا أفضل في المستقبل.
وأعربت بكين عن تطلعها إلى العمل مع الإدارة الأميركية الجديد دون صراع ودون مواجهة، لتوسيع التعاون على المستوى الثنائي والإقليمي والعالمي وفي شتى المجالات على أساس الاحترام المتبادل، واحتواء الخلافات بطريقة بناءة لتحقيق الفائدة للشعبين.
السفير الصيني لدى واشنطن، تسوي تيان كاي، عكس هذا التوجه في تصريح لشبكة «سي إن إن»، قائلا إن الصين لا تريد أي حرب، سواء كانت تجارية أو غيرها من الحروب مع أي دولة، مضيفا أن الصين مستعدة، وتعتزم العمل مع أي شركاء آخرين من أجل استمرار الاستقرار والرخاء في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وترى بالتأكيد الولايات المتحدة شريكا مهما.
لكن الواقع يأتي بغير المتوقع، حيث فتح ترامب، قبل أسابيع من تنصيبه في 20 يناير (كانون الثاني) النار على الصين من خلال تصريحاته على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي «توتير»، طارحا السؤال حول ما إذا كانت الصين قد سألت أميركا إذا ما كان تخفيضها قيمة عملتها خطوة جيدة، أو أنها تشاورت مع أميركا حول موضوع إقامة مجمع عسكري ضخم في بحر الصين الجنوبي. وجاءت محادثة ترامب هاتفيا مع تساي إنج وين رئيسة تايوان غير المعترف بها دوليا، القشة التي قصمت ظهر البعير. الصين تعتبر الجزيرة جزءا لا يتجزأ من أراضيها، وأن أي محاولات من قبل واشنطن لإنهاء التفاهم القائم بين البلدين على «صين واحدة» منذ 1979 انقلاب في العلاقات.
الحزب الشيوعي الحاكم يعتبر تايوان إقليما مارقا، تجب «إعادة توحيده» مع البر الرئيسي. وعلى الرغم من أن كثيرين في تايوان يفضلون الاستقلال الرسمي عن الصين، فإن معظم المواطنين يفضل الوضع الحالي القائم.
قال جينج شوانج، المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، إن الصين قدمت شكوى إلى الولايات المتحدة، وحثتها على الالتزام بتعهدها فيما يتعلق بسياسة «صين واحدة»، مضيفا: «يجب توضيح أن هناك صينا واحدة، وأن تايوان جزءا لا يتجزأ من الأراضي الصينية، وأن حكومة جمهورية الصين الشعبية هي الحكومة الشرعية الوحيدة التي تمثل الصين، وأن كل هذه الحقائق معترف بها دوليا». وأوضح: «نحث الجانب الأميركي على الالتزام بسياسة صين واحدة، وكذا البيانات المشتركة الصينية - الأميركية، والتعامل بحذر وبشكل مناسب مع القضايا المتعلقة بتايوان، لتجنب أي تشويش غير ضروري للصورة الأكبر للعلاقات الصينية - الأميركية».
وتعتبر الصين بلسان وزير خارجية الصيني وانغ يي، أن المكالمة الهاتفية حيلة صغيرة من جانب تايوان لن يغير من التوافق الدولي والأميركي حول القضية.
المتحدث باسم مجلس الأمن الوطني بالبيت الأبيض، ند برايس، صرح للإعلام المحلي، وهذا ما أبرزته وكالة الأنباء الصينية الرسمية، قائلا: «سنظل ملتزمين بقوة بسياسة صين واحدة بناء على البيانات المشتركة الثلاثة الصينية - الأميركية»، مضيفا: «من مصلحتنا الأساسية علاقات سلمية ومستقرة عبر المضيق». كما انتقدت الدوائر المتنفذة وأصحاب القرار في المؤسسة السياسية الأميركية هذا التغيير المفاجئ في السياسة تجاه «صين واحدة».
الغريب أن الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب قرر ترشيح حاكم ولاية آيوا تيري برانستاد سفيرا للولايات المتحدة لدى الصين، وهذا ما أبرزته «بي بي سي» في تغطيتها للخلاف، معتبرة أن اختيار برانستاد، الذي ينظر إليه الصينيون على أنه «صديق قديم للصين» مفاجأة، خصوصا عقب الخطوة التي أقدم عليها ترامب بالتحدث إلى رئيسة تايوان التي أغضبت بكين.
وردا على هذا الاختيار، قال لو كانغ، المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، إنه أيا كان من سيصبح السفير الأميركي في بكين، فإن الصين مستعدة للعمل من أجل تحقيق علاقات سليمة ومستقرة بين الصين والولايات المتحدة، مضيفا أن «السفير الأميركي لدى الصين سيكون بمثابة جسر بين حكومتي البلدين». واستطرد المتحدث أن برانستاد، صديق قديم للشعب الصيني، وأسهم كثيرا في التبادلات الصينية الأميركية.
وقال وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كسنجر، الذي قام عام 1971 بزيارة سرية إلى الصين مهدت الطريق نحو إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين في 1979، خلال لقائه الرئيس الصيني شي جين بينغ هذا الشهر، إنه يأمل أن تستمر الإدارة الأميركية الجديدة بعلاقات جيدة وقائمة بين البلدين.
وقال ترامب، في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز» أمس الأول (الأحد)، إنه يتفهم تماما سياسة الولايات المتحدة في الاعتراف بصين واحدة فقط، وعدم التعامل بصورة منفصلة مع دول مثل تايوان. وأضاف: «لكنني لا أعرف لماذا يتوجب علينا الالتزام بسياسة الصين الواحدة، إلا إذا أبرمنا اتفاقا مع الصين له علاقة بقضايا أخرى، من بينها التجارة».
تعتبر العلاقات الصينية الأميركية من أعقد العلاقات الدولية، ويصعب التنبؤ بالتغيرات التي ستطرأ عليها مستقبلا. الصين لا تريد الدخول في صراع مباشر مع الولايات المتحدة، وتفضل أن ينحصر التعاون بين البلدين في الدائرة الاقتصادية المربحة للجانبين، خصوصا في ظل وعود ترامب خلال الحملة الانتخابية لتعزيز البنية التحتية للولايات المتحدة.
وتظهر أحدث الأرقام الصادرة من الحكومة الأميركية، أن عجز الميزان التجاري مع الصين بلغ مستوى غير مسبوق العام الماضي، ووصل العجز التجاري في نهاية فبراير (شباط) هذا العام إلى 57 مليار دولار.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».