اللفت صاحب سمعة سيئة لكنه غيّر العالم

مهد الطريق للثورة الصناعية في القرن التاسع عشر

اللفت صاحب سمعة سيئة لكنه غيّر العالم
TT

اللفت صاحب سمعة سيئة لكنه غيّر العالم

اللفت صاحب سمعة سيئة لكنه غيّر العالم

يقال إن اللفت لعب دورا رئيسيا في تاريخ البشرية الحديث؛ إذ كان جزءا لا يتجزأ من نظام الزراعة الجديد الذي تم تطويره في القرن الرابع عشر في بعض البلدان الأوروبية، أو ما تعرف بالبلدان المنخفضة (بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ وغرب ألمانيا وجزء من شمال فرنسا). ويقول بعض المؤرخين إن تطوير هذا النظام ساعد لاحقا على حصول تغييرات اجتماعية كبيرة في أوروبا مهدت الطريق للثورة الصناعية في القرن التاسع عشر.
قبل البدء باستغلال اللفت كان الفلاحون يذبحون ماشيتهم في بداية فصل الشتاء، لأنهم عاجزون عن زراعة ما يكفي لإطعامها خلال الفصل البارد، كما كان الفلاحون يزرعون حقلين ويتركون حقلا غير مستصلح (بور)، (ليرتاح ويستعيد خصوبته، وعرقلة دورة حياة الآفات والأمراض التي تصيب المحاصيل)، ولكن مع زراعة الهولنديين للفت في الحقل الثالث البور، بدأت خصوبة التربة في التحسن، وصار بإمكان الفلاحين تأمين الطعام لماشيتهم خلال فصل الشتاء. ومن هناك انتقلت هذه الطريقة إلى إنجلترا عبر رجل يعرف باسم روبرتن ترنب تاونساند، الذي لعب دورا كبيرا لاحقا في تطوير النظام الزراعي. ومع تمكن الفلاحين من استغلال الأرض بأقصى حد ممكن، ومع بدء التربية العلمية والانتقائية لقطعان الماشية لاحقا في القرن الثامن عشر، أصبحت الماشية أكبر حجما، وزادت كمية اللحم المتوفرة، وبالتالي، كمية الصوف والحليب.
تاونساند أدخل في بريطانيا نظام التدوير الرباعي في الزراعة مع دخول اللفت على الخط، مما يعني أن الفلاحين يبدأون بزراعة القمح في فصل الشتاء وحصاده في فصل الصيف، وبعد حصاد القمح يبدأ الفلاحون بزراعة اللفت، وهو محصول سريع النمو، ومتسامح مع البرد، وقادر على إطعام الماشية خلال الشتاء. وفي الربيع التالي كان تتم زراعة الشعير، وبعد الشعير وفي المرحلة الأخيرة من الدورة الزراعية، كان تتم زراعة خليط من الأعشاب والبرسيم ليستخدم للرعي، ويترك القش حتى حرث الأرض من جديد. ومع النظام الجديد تضاعفت المحاصيل الزراعية لإطعام العدد المتزايد للسكان، وتحسنت أحوال التربة، وتم الحفاظ على قطعان الماشية والاستفادة القصوى منها طيلة عام كامل. بأي حال، كان من شأن إدخال اللفت على النظام الزراعي في بعض البلدان الأوروبية، إحداث ثورة زراعية شاملة، وبالتالي تغيير هائل على حياة هذه البلدان واقتصاداتها التي ساهم بعضها في الثورة الصناعية.
وقد عرف الرومان أهمية اللفت، كما يبدو، قبل ذلك بقرون طويلة؛ إذ كان كايوس بيلينوس سيكوندوس المعروف بـ«بليني الأكبر» وبكتاباته في التاريخ الطبيعي في القرن الميلادي الأول، يعد اللفت أهم الخضراوات أو المحاصيل الزراعية في ذلك الزمن، وكان يضع ترتيبه بعد الحبوب وبعد الفاصولياء في جميع المناسبات، لأن فائدته تفوق فائدة أي نبات آخر، على حد قوله. وقد أشاد بليني باللفت، لأنه مصدر غذائي للماشية وحيوانات المزارع، وأكد أنه يمنع آثار المجاعة بالنسبة للبشر، لأن بإمكانه أن ينمو في أي تربة ويترك في الأرض حتى موسم الحصاد المقبل.
يتألف اسم اللفت الإنجليزي «ترنب» – Turnip من كلمتين؛ الأولى «ترن» – turn التي تدل على الاستدارة أو الشكل المستدير، و«نيب» - nepe الإنجليزية القديمة، أو «نابوس» اللاتينية أحيانا، التي تعني اللفت نفسه، في إشارة إلى اللفت السويدي.
أما أصل اللفت الذي يطلق عليه علميا اسم «Brassica rapa»، فتشير المعلومات المتوفرة، على الرغم من عدم توفر أدلة أثرية، إلى أن تاريخه يعود إلى 4 آلاف سنة، وأنه كان متوفرا ومستحصلا بكثرة في اليونان القديمة وأيام الإمبراطورية الرومانية، حيث كان البعض يخلطه بالعسل والكمون لتحسين طعمه.
من هنا جاء ذكر اللفت في كتاب الطبخ الروماني القديم المعروف «أبيشيوس»، Apicius في وصفات طبخ الطبقات العليا من الناس، مثل أطباق اللفت ولحم البط، واللفت والتوت، واللفت المسلوق والمقدم مع العسل والكمون والخل.
كما كان اللفت يزرع في الهند قديما على نطاق واسع للاستفادة من زيت بذوره.
لطالما اعتبر اللفت ومنذ أيام الرومان من الخضراوات أو الأطعمة غير المستحبة أو المكروهة لدى البعض لأنه كان يستخدم دائما علفا للحيوانات، ولأنه اعتبر دائما طعاما للفقراء والفلاحين، وارتبط اسمه بهم رغم أن الفرنسيين استخدموه في أحد أطباقهم الكلاسيكية المعروفة مع لحم الغنم. ويشير المؤرخون إلى أنه بعد انتقال اللفت من أوروبا إلى العالم الجديد في أميركا، بدأ العبيد من أصول أفريقية في الولايات الجنوبية استخدامه وطبخه مع العظام أو قطع اللحم الرخيصة لضروراته الغذائية ولطعمه الطيب؛ من هؤلاء العبيد انتقل استخدام اللفت إلى مطابخ الموظفين الأغنياء وأصبح أكثر شهرة وانتشارا بعدها.
ولا يزال الناس في البرازيل يكرهون اللفت منذ القرون الوسطى حتى يومنا هذا، ولهذا لا يزال رخيص التكلفة. ولا يختلف حال اللفت في شبه الجزيرة الآيبيرية حيث يرتبط اسمه بالفقر ويتحاشاه الأغنياء.
ولأنه كان مكروها، يقال إن الناس كانوا يقذفون باللفت على المتهمين والمجرمين في الساحات العامة أثناء مناسبات الإعدام والعقاب العام.
في لبنان وفلسطين وسوريا، يتم تخليل اللفت وصبغه بلون الشمندر الأحمر، ويتم تناوله على أنه من المقبلات، مثل بقية المخللات، إلى جانب الحمص والمتبل، وفي ساندويتشات الفلافل.. وغيرها. وفي تركيا وفي المناطق القريبة من أضنة يتم استخدامه لتحسين طعم عصير الجزر الأسود.
وفي العراق يؤكل اللفت أو الشلغم في اللغة المحلية مسلوقًا، ويتم بيعه على العربات من قبل الباعة المتجولين في الأسواق الشعبية في فصل الشتاء. وكذلك الحال في بلاد الشام، يحضرون المخللات أو الطرشي وأحد أنواع الشوربة المرغوبة في فصل الشتاء.
وفي الدول الاسكندينافية مثل السويد والدنمارك والنرويج إلى جانب هولندا، تم استبدال استخدام اللفت بالبطاطا بعد القرن الثامن عشر، وتم إدخال نوع جديد من اللفت السويدي أو ما يطلق عليه اسم الروتاباغا أو اللفتوت، وهو نوع هجين بين الملفوف واللفت، يمكن استغلاله للاستخدام البشري والحيواني، على حد سواء.
وفي اليابان يستخدم الناس اللفت مخللا وأحيانا مقليا ويتناولونه مع صلصة الصويا، ويعتبر جزءا لا يتجزأ من مواد مهرجان العشبات السبع.
وفي شمال شرقي إيطاليا يتناول الناس طبق البروفادو، وهو طبق يحضر من شرائح اللفت الناعمة مع تفل (جفت) العنب الأحمر.
وفي إيران، يستخدم الناس اللفت المسلوق والمملح للحماية من نزلات البرد وعلاجها، والسعال، والسبب في ذلك أن اللفت، خصوصا أوراقه، يحتوي على كمية كبيرة من فيتامين «سي». كما يستخدم اللفت في كثير من الأطباق البنجابية والكشميرية العادية واليومية.
وحول استخداماته الأخرى؛ أي الاستخدامات الطبية والتجميلية، درج الناس ومنذ قديم الزمان على استخدام اللفت لمعالجة نزلات البرد والسعال وبرد القدمين ووجع المفاصل وعلاج الحصبة والتخلص من تجاعيد الوجه. وجاءت تعليمات بعض هذه الاستخدامات في الكتب الرومانية القديمة.
أما حديثا، فيقال إن اللفت، خصوصا أوراقه، يحارب أو يحمي من مرض السرطان، وأمراض القلب، ويقوي المعدة، والجهاز الهضمي، أضف إلى ذلك الحماية من الالتهابات والأكسدة ودعم جهاز المناعة.



مطاعم لندن تستوحي أطباقها من العروض الفنية

من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
TT

مطاعم لندن تستوحي أطباقها من العروض الفنية

من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)

تُعدّ لندن واحدة من أبرز العواصم الثقافية في العالم، ويحتل المسرح مكانة مركزية في هويتها الفنية والتاريخية. فمنذ قرون، شكّلت المدينة مسرحاً حياً للإبداع، احتضنت أعمال كبار الكتّاب مثل ويليام شكسبير، وأسهمت في تطور الفنون الأدائية لتصبح مقصداً عالمياً لعشاق المسرح من مختلف أنحاء العالم.

طبق «غوتي فانكايا» (الشرق الأوسط)

وتبرز منطقة كوفنت غاردن بوصفها قلباً نابضاً لهذا المشهد المسرحي، حيث تمتزج العراقة بالحداثة في فضاء يعجّ بالمسارح التاريخية والعروض المتنوعة.

شهرة لندن في مجال المسرح لا تقتصر على عدد مسارحها أو تنوع عروضها فحسب، بل تمتد لتشمل تأثيرها العالمي ودورها في دعم الإبداع وصناعة النجوم، لتبقى واحدة من أهم المراكز المسرحية التي ترسم ملامح الفن الحي على مستوى العالم.

ولم يعد المسرح في لندن تجربة فنية بحتة فحسب، بل أصبح جزءاً من أسلوب حياة متكامل يمزج بين الثقافة والترفيه والطعام، حيث برز في السنوات الأخيرة توجه لدمج تجربة الأكل مع العروض المسرحية.

حلوى أناناس جاليبي (الشرق الأوسط)

باتت الكثير من المطاعم والمقاهي تتعاون مع المسارح لتقديم عروض مشتركة، تشمل وجبات قبل العرض أو بعده، أو حتى تجارب طعام مستوحاة من موضوع المسرحية نفسها.

هذا التداخل بين فنون الطهي والمسرح يمنح الجمهور تجربة حسّية متكاملة، تعزز من جاذبية المشهد الثقافي في لندن، وتكرّس مكانتها بوصفها مدينة لا تكتفي بتقديم الفن، بل تعيشه بكل تفاصيله.َ

ومن الأمثلة اللافتة على هذا التقارب بين الفن والطعام، يقوم حالياً مطعم «كولونيل صعب» Colonel Saab بتقديم تجربة طعام هندية في فرعه في «ترافالغر سكوير» من خلال ابتكار لائحة طعام استوحى أسماءها من شخصيات بارزة في مسرحية «كينكي بوتس» البريطانية العالمية، ويتعاون المطعم مع العرض المسرحي الذي يُعرَض في مسرح «لندن كوليسيوم» في شارع سانت مارتنز لاين مع اهتمام خاص باستقبال رواد المسرح في أجواء مناسبة لما قبل العروض.

دجاج بالكاري (الشرق الأوسط)

ويقدم المطعم هذه التجربة فترة النهار والليل، اخترنا مشاهدة العرض المسرحي الليلي عند الساعة السابعة والنصف مساءً، فتم حجز العشاء الباكر عند الساعة الخامسة بعد الظهر.

لـ«كولونيل صعب» فرعان الأول في «هولبورن» والآخر في «ترافالغر سكوير» وكلاهما يتميز بالديكورات الرائعة والتحف الفنية التي جاء بها صاحب المطعم رجل الأعمال روب بارتاب شوداري من منزل أهله في الهند.

عند وصولك إلى المطعم ستكون لائحة الطعام الخاصة بالعرض المسرحي بانتظارك، رُسم عليها من الخارج صورة الحذاء الأحمر الذي تدور أحداث المسرحية حوله، واللافت أن أسماء جميع الأطباق لها علاقة بأسماء أبطال العرض المسرحي أو مستوحاة من أغانيه.

لحم بقري مشوي على الطريقة الهندية (الشرق الأوسط)

تتألف القائمة من أربعة أطباق بسعر 75 جنيهاً إسترلينياً، تبدأ بمشروب لذيذ يحمل اسم «كينكي بوتس» بممزوج بأزهار البيلسان والرمان والتوت ومقبل صغير بطعم الجوافة على شكل كعب، وصلصة التوت الأحمر، وصلصة التمر الهندي، وكريمة متبلة، ونودلز مقرمشة.

يمكنك اختيار أحد المقبلات من بين طبقين، مثل «لاند أوف لولا» وطبقين رئيسيين مثل Everybody Say Yeah (لحم بقري مقلي بالفلفل)، وHold Me In Your Heart، وهو كاري الباذنجان الصغير بطعم حامض.

وتُختتم هذه التجربة بلمسة حلوة تحمل اسم Raise You Up، وتتكون من كريمة، وجيلي الأناناس (جليابّي)، والفستق.

لقطة من مسرحية كينكي بوتس (الشرق الأوسط)

المعروف عن المطعم أن هدفه هو تعريف ذواقة لندن بالنكهات الأصلية والمتنوعة في الهند وتقديم ما يأكله الهنود في منازلهم والشوارع ، بالإضافة إلى الأكل الذي يقدم في القصور أيضاً.

وبعد تناول ألذ الأطباق ستفصلك دقيقة واحدة مشياً على الأقدام عن المسرح لتبدأ بالاستمتاع بقصة العرض المبهجة احتفالاً بالإنتاج الجديد لهذا العمل الموسيقي الفائز بجوائز «توني» و«غرامي» و«أوليفييه» الذي يجمع نجم برنامج «Strictly Come Dancing» يوهانس راديبي والمغني مات كاردل، وتدور أحداث القصة حول مالك معمل للأحذية يكوّن شراكة غير متوقعة مع شخصية مثيرة للجدل تدعى «لولا» لإنقاذ المصنع الذي ورثه عن أبيه من الإفلاس والإقفال.


ماذا تأكل في زيارتك الأولى لأذربيجان؟

أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)
أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)
TT

ماذا تأكل في زيارتك الأولى لأذربيجان؟

أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)
أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعماً)

إذا كان هناك بلد يستحق لقب «أرض التناقضات»، فهو أذربيجان؛ إذ يجمع بين استضافة مؤتمرات الذكاء الاصطناعي الحديثة وقمم المناخ العالمية من جهة، والحفاظ على تقاليد الرعي البدوية من جهة أخرى، لتبدو كمساحة يلتقي فيها طموح المستقبل مع جذور الماضي في تفاعل يومي مستمر.

أما ثقافة الطهي الأذربيجانية، فلا تزال ترتكز على عادات متوارثة ومكونات محلية أصيلة؛ مع انتشار اللحوم المشوية على الأسياخ، وأطباق الأرز الغنية بالتوابل، والخبز المسطّح المحشو بالأعشاب، إلى جانب التين والرمان، والزعفران. وقد تأثرت هذه الأطباق تاريخياً بطرق التجارة التي عبرت «طريق الحرير». ويعكس هذا التنوع شغفاً واضحاً لدى المزارعين والطهاة، ما برز خلال رحلة «أفضل 50 مطعماً» مع الشيف فيليم هيليه، صاحب المطعم الذي يحمل اسمه في أوستند البلجيكية، والمصنف في المرتبة 62 ضمن القائمة الموسعة لأفضل 50 مطعماً في العالم لعام 2025، وذلك في أثناء تصوير فيلم وثائقي عن المشهد الطهوي في البلاد.

الشيف فيليم هيليه يتعرف على المطبخ الأذربيجانية (أفضل 50 مطعما)

هذا الشغف، إلى جانب الإرث الطهوي العريق وتنوع النكهات، يشكّلان مصدر إلهام لافت، ولا سيما لدى الطهاة العالميين. وفي هذا السياق، يقول هيليه: «أذربيجان تجسّد الضيافة في أبهى صورها. ثمة قوة كامنة في أهلها، وطريقة فريدة في تواصل بعضهم مع بعض. إن ما تختزنه من تقاليد وحِرفية يستحق أن يكتشفه العالم».

ومن العاصمة باكو إلى قرية باسغال التاريخية، وصولاً إلى لانكاران في أقصى الجنوب، تبرز مجموعة من الأطباق، التي تختصر هوية المطبخ الأذربيجاني الغني بالنكهات، والعميق في أساليب الطهي البطيئة.

يدخل لحم الضأن في الكثير من الأطباق (أفضل 50 مطعما)

غوتاب

على طول أزقة «إتشري شهر» (المدينة القديمة في باكو)، تنتشر أكشاك تقدّم خبز الغوتاب الساخن المُحضّر في الحال. وتجري العملية بسرعة لافتة؛ إذ يُفرد العجين ويُحشى بالأعشاب المفرومة أو اليقطين أو الجبن أو اللحم، ثم يُطوى على هيئة نصف دائرة ويُخبز على صاج محدّب يُعرف بـ«الساج». ويقول هيليه، بينما كان يعجن داخل أحد الأكشاك: «من اللافت كم الوصفات، التي يمكن ابتكارها من مكونات بسيطة مثل الدقيق والملح والماء». ويضيف: «مذاقه يجمع بين الملوحة والطزاجة، والحموضة والحلاوة في وقت واحد». ويُفضَّل تناول الغوتاب ساخناً، إما مع قليل من الزبادي أو مرشوشاً بالسماق كوجبة خفيفة بين الوجبات.

أطباق تقليدية مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعما)

حلوى باسغال

تُشبه هذه الحلوى لوح طاقة كثيفاً بلون أخضر لافت، وتُعد من الأطعمة التقليدية الراسخة في منطقة باسغال منذ قرون. تُحضَّر بصورة أساسية من القمح المُنبت، الذي يُحمَّص لنحو ثماني ساعات، قبل أن يُطحن إلى مسحوق ناعم. ثم تُضاف إليه حبات الجوز، إلى جانب الشمر والقرنفل والكركم المطحون، لتتكوّن عجينة غنية ومفتتة، تُربط بالعسل أو الدبس. ويؤكد السكان المحليون أن قطعة واحدة منها تكفي لإمداد الجسم بالطاقة طوال اليوم.

يأتي هذا الطبق بمثابة تمهيد للأطباق الدسمة، على المائدة الأذربيجانية التقليدية، ويُقدّم في مرق عظام خفيف. وتتكون دوشبارا من قطع صغيرة جداً من العجين المحشو بلحم الضأن، تشبه «الوانتون» أو «التورتيليني». ولا يتجاوز حجم القطعة فص ثوم، وتكفي ست أو سبع قطع لفتح الشهية.

دولما

أحد أشكال ورق العنب المحشي، وقد أدرجتها «اليونيسكو» ضمن التراث الثقافي غير المادي. ويعود اسمها إلى الكلمة الأذربيجانية «دولدورماك»، وتعني «محشو». تُحشى أوراق العنب أو شجر الزان أو الكرنب بلحم الضأن المفروم والأرز والأعشاب، ثم تُطهى ببطء حتى تنضج، مع اختلاف النكهات بحسب كل منطقة.

الشيف فيليم هيليه أثناء تصويره برنامجه في أذربيجان (أفضل 50 مطعما )

كباب

يُعد الكباب مألوفاً لدى كثيرين: أسياخ من لحم الضأن أو البقر أو الدجاج تُشوى على الفحم. وفي أذربيجان، غالباً ما يُكتفى بالملح والفلفل، دون تتبيل إضافي. وعن ذلك، يقول هيليه: «الأمر يتعلق بنقاء نكهة اللحم»، مشيراً إلى سلالة خراف كاراباخ ذات الذيل الدهني المحلية. ويُلف اللحم في خبز «لافاش» الرقيق، لإبراز طعمه الطبيعي.

الشيف فيليم هيليه (أفضل 50 مطعما)

بلوف

ربما يعد هذا الطبق الأهم في أذربيجان. وتختلف أنواعه بحسب المناطق، لكن مكوناته الأساسية تشمل أرز «سادري» المطهو على البخار والمُعطر بالزعفران، مع طبقات من المشمش المجفف والخوخ والكستناء، ولحم الضأن أو البقر أو السمك المطهو ببطء. وفي بعض المناطق، يُلف الأرز بحواف من الخبز ليشكّل قشرة مقرمشة بعد الخَبز، بينما تُضاف في مناطق أخرى الزبادي والزبدة والبيض لتكوين طبقة تشبه البودينغ. في هذا السياق، يقول هيليه في أثناء تذوق «شاه بلوف»: «هناك توازن رائع بين حلاوة الزبيب وملوحة الأرز، إلى جانب نكهة العجين المحمص ـ إنه طعام الروح بحق».

أطباق مليئة بالنكهات (أفضل 50 مطعما)

شكي بيتي

يُعد هذا الطبق المطهو ببطء من لحم الضأن، أحد أعمدة المطبخ الأذربيجاني. يُحضّر «شكي بيتي» في أوانٍ فخارية صغيرة أسطوانية، تُعرف باسم «دوبو»، حيث تُرص طبقات من اللحم والحمص والكستناء والخوخ، وتُغطى بالبصل المفروم ومرق الزعفران، ثم تُخبز في فرن حجري لمدة تصل إلى ست ساعات. ويُؤكل على مرحلتين: يُسكب المرق أولاً ويُؤكل مع الخبز، ثم يجري تناول بقية المكونات الطرية، أحياناً مع السماق. ويقول هيليه: «تكمن قوته في بساطته، إذ يمكنك تذوق جودة اللحم، ومع القليل من المكونات الإضافية تتحول بفضل الطهي البطيء إلى طبق رائع».

سمك مشوي على الطريقة الأذربيجانية (أفضل 50 مطعما)

خبز التندير

نادراً ما تخلو مائدة في أذربيجان من الخبز. وقد أدرجت «اليونيسكو» خبز التندير ضمن التراث غير المادي. تُلصق أقراص العجين بجدران فرن طيني عميق، يُعرف باسم «تندير»، حيث تلتصق وتنتفخ قبل أن تُسحب قبل الاحتراق. والنتيجة خبز مقرمش من الخارج وطري من الداخل، يُؤكل مع كل شيء، من مختلف أنواع الجبن والمربى أو مع الكباب واليخنات. يُمزّق خبز التندر وهو ساخن، ويُستخدم لامتصاص المرق أو لف قطع اللحم الطرية.

لافانغي

يُعد هذا الطبق من أبرز أطباق جنوب أذربيجان، حيث يُحشى الدجاج أو السمك أو الباذنجان، بخليط من الجوز المطحون ومعجون البرقوق والبصل والملح والفلفل، ثم يُخبز ببطء في فرن «تندير» لعدة ساعات. يتميز الطبق بتنوع كبير في النكهات والقوام، من القشرة المدخنة والمكسرات المحمصة إلى الحشوة الحلوة الحامضة، ويبرز بشكل خاص عند تحضيره مع السمك. ويقول هيليه: «كانت النكهة غنية جداً، مع قشرة مقرمشة واضحة. والحشوة كانت مبتكرة في رأيي، بمزيج الجوز وحموضة البرقوق، ما منح الطبق حيوية مميزة».


الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
TT

الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)

في كل مرة تُعرض فيها صورة طبق على الشاشة، تمرّ سريعاً... تُرى، تُعجب، ثمَّ تُنسى. لكن ما يقدّمه الشيف عمر السيف لا يمرّ بهذه السرعة؛ لأن ما يضعه أمامك ليس طعاماً فقط، بل تجربة كاملة محمّلة بالشعور.

يقول السيف لـ«الشرق الأوسط»: «لا أريد للناس أن يكتفوا بالمشاهدة... أريدهم أن يشعروا». بهذه الفكرة تبدأ حكايته.

لم يدخل السيف هذا العالم من بوابة الطهي التقليدي، ولا عبر وصفات محفوظة أو مسار واضح، بل كانت البداية فضولاً، وتجربة، ورغبة في الابتكار. ثم جاءت اللحظة التي أعادت تعريف كل شيء: «اكتشفت أن الطبخ ليس مجرد أكل... بل هو لغة وثقافة وهوية». من هنا تغيّر الاتجاه، وبدأ البحث في مساحة أقرب إليه... الثقافة السعودية. ويضيف: «لدينا كنز ثقافي كبير، لكنه لم يُستثمر بالشكل الذي يستحقه».

محاكاة صندوق أفندي كامل بكيك الأفندي (إنستغرام)

حين تصبح المبخرة قطعة تُؤكل في إحدى تجاربه، لم يقدّم طبقاً تقليدياً، بل صنع مشهداً كاملاً من الذاكرة: مبخرة سعودية مصنوعة من الشوكولاته، وطفل يحمل الحلوى... أيضاً من الشوكولاته. المشهد بسيط في ظاهره، لكنه مشبع بالدلالات: رائحة البيوت، وتفاصيل الضيافة، وصورة «ولد الحارة» بكل ما تحمله من دفء وعفوية. يقول: «لم تكن مجرد تصاميم... كانت تحكي قصة: من نحن؟ وما قيمنا؟ وكيف كنا نعيش؟».

هندسة الطبق... أو كيف يُبنى الإحساس

يعتمد في عمله على ما يسميه «هندسة الطبق»: تفكير دقيق في الشكل، وتوزيع العناصر، وتوازن الألوان، واستخدام الفراغ. كل ذلك لا يأتي لإبهار العين فقط، بل لتهيئة تجربة تبدأ بصرياً وتستمر شعورياً.

فالطبق، في هذه الحالة، يتحول إلى مساحة تعبير، لا إلى مجرد وجبة.

مبخرة بالشوكولاته (إنستغرام)

الصحراء... حيث يصبح الطبق صادقاً

لا يقدّم أعماله داخل استوديوهات مغلقة، بل يخرج بها إلى الصحراء، وإلى الخيام، وإلى البيوت القديمة.

هناك، حيث التفاصيل حقيقية، يتكوّن المشهد. يقول: «لا أختار المكان لأنه جميل فقط بل لأنه يحمل شعوراً». ويضيف: «إذا أردت أن تنقل إحساساً حقيقياً، فلا بد أن تضعه في بيئة صادقة». في هذه المساحات، لا يكون الطبق عنصراً منفصلاً، بل يصبح امتداداً للمكان.

ضد السرعة... وضد «الترند»

في عالم اعتاد على استهلاك الطعام بوصفه محتوى سريعاً، يطرح رؤية مختلفة تماماً: «الناس اعتادت أن ترى الطبخ كشيء سريع وعابر... بينما أراه قصة وهوية». هذا الطرح خلق تحدياً واضحاً: كيف يمكن إبطاء عين اعتادت السرعة؟ الحل جاء عبر التوازن: محتوى بصري جذاب يحمل في داخله رسالة أعمق.

مُجسَّم ولد الحارة بالشوكولاتة (إنستغرام)

ما بعد المشاهدة... اللحظة الأهم

بالنسبة له، لا يُقاس النجاح بعدد المشاهدات، بل بما يبقى بعد انتهاء المشهد؛ في اللحظة التي يدرك فيها المتلقي أن التراث ليس ماضياً جامداً، بل مادة يمكن تطويرها وتحويلها إلى مشاريع معاصرة. يقول: «يمكن أن تنسى كلمات كثيرة، لكن من الصعب أن تنسى طعماً أو شعوراً». هنا تكمن قوة الطعام.

فهو يدخل إلى الذاكرة مباشرة، ومن خلاله تنتقل القيم: الكرم، والعادات، وتفاصيل الحياة اليومية، دون حاجة إلى شرح.

ولا يفصل بين الإبداع والاستدامة: «الإبداع يجذب، والاستمرار يحتاج إلى فكر اقتصادي». لهذا يعمل على تطوير محتوى يمكن أن يتحول إلى تجربة أو منتج، يضمن بقاء الفكرة وانتشارها.

ما يخطط له يتجاوز حدود الشاشة. يسعى إلى تقديم تجربة متكاملة يعيشها المتلقي بكل حواسه؛ فلا يرى القصة فقط، بل يكون جزءاً منها. «أبغى الشخص يعيش القصة، مو بس يشوفها».

في النهاية، ما يقدّمه عمر السيف لا يتوقف عند حدود الطبخ، بل يفتح سؤالاً أعمق: ماذا يحدث عندما تُقدَّم الهوية على طبق؟