قوات الجيش الليبي تتصدى لهجوم مسلح على الهلال النفطي

كوبلر يحذر من خطورة «داعش» بعد الإعلان عن هزيمته في سرت

جنود ليبيون في أثناء تطهير منطقة الجيزة البحرية في مدينة سرت بعد طرد فلول «داعش» منها أول من أمس (رويترز)
جنود ليبيون في أثناء تطهير منطقة الجيزة البحرية في مدينة سرت بعد طرد فلول «داعش» منها أول من أمس (رويترز)
TT

قوات الجيش الليبي تتصدى لهجوم مسلح على الهلال النفطي

جنود ليبيون في أثناء تطهير منطقة الجيزة البحرية في مدينة سرت بعد طرد فلول «داعش» منها أول من أمس (رويترز)
جنود ليبيون في أثناء تطهير منطقة الجيزة البحرية في مدينة سرت بعد طرد فلول «داعش» منها أول من أمس (رويترز)

كشف الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر، أنه تصدى، أمس، لهجوم مفاجئ شنته ميليشيات مسلحة متحالفة مع ميليشيات أخرى يعتقد أنها موالية لحكومة الوفاق الوطني المدعومة من بعثة الأمم المتحدة، برئاسة فائز السراج.
وقال العقيد أحمد المسماري، الناطق باسم الجيش الوطني في ليبيا، لـ«الشرق الأوسط»، إن قوات الجيش تمكنت من دحر ما وصفها بالجماعات الإرهابية التي حاولت الهجوم على الهلال النفطي، واعتقال أبرز قادتها وغنم أسلحة وذخائر.
وأوضح المسماري أن قوات الجيش بدأت في المقابل مرحلة مطاردة العدو خارج منطقة بن جواد، بعدما تصدت قوات الجيش لمحاولة هجوم على بعض الموانئ النفطية الرئيسية في البلاد، موضحًا أن المقاتلين المنافسين انسحبوا من مدينة قريبة.
من جهته، أكد العميد سالم الحاسي، آمر غرفة عمليات الجيش، أن كل مواقع الجيش في الموانئ النفطية أصبحت تحت السيطرة حاليًا، بما فيها بن جواد التي تقع على مسافة 150 كيلومترًا جنوب شرقي سرت، حيث قامت قوات تقودها كتائب مصراتة بتأمين آخر مبان كان يسيطر عليها تنظيم داعش، وذلك بعد حملة عسكرية ضد التنظيم المتشدد استمرت نحو سبعة أشهر.
وقبل إعلان الجيش عن صده للهجوم، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط الليبية أنها أجلت بعض الموظفين غير الأساسيين من ميناء السدر، بعد تقارير عن وقوع اشتباكات مسلحة في مناطق قريبة، لكنها لم توقف أي عمليات لتحميل الخام. وقالت المؤسسة، في بيان لها، إنها عقدت اجتماعات طارئة مع وحدات تابعة، وبدأت في تنفيذ إجراءات طوارئ بالقرب من مناطق القتال، موضحة أنه لم يتم إعلان حالة القوة القاهرة في تحميل النفط، انتظارًا لمزيد من المعلومات، حيث يجري مراقبة الموقف عن كثب.
ونجحت جماعات مسلحة مناوئة للجيش في السيطرة لفترة محدودة على بلدة بن جواد القريبة من موانئ النفط الشرقية الرئيسية، لكن قوات الجيش الليبي سرعان ما تصدت للهجوم، وشنت غارات جوية، ثم بدأت لاحقًا عملية برية لمطاردة المهاجمين.
وقال مفتاح المقريف، قائد حرس المنشآت النفطية في المنطقة، إن جماعات إرهابية شنت هجمات صاروخية، في حين تقدمت قوات برية، لكن حقول النفط لم تتأثر.
وقال مسؤول أمني من الشرق إن الجماعات التي كانت تتقدم صوب الموانئ النفطية مرتبطة بسرايا الدفاع عن بنغازي التي حاولت هذا العام شن هجوم مضاد على قوات الجيش.
وطبقا لما صرح به مسؤول عسكري لـ«الشرق الأوسط»، فإن قوات الجيش الوطني تمكنت من أسر عسكريين من القوة التابعة للمهدي البرغثي، وزير الدفاع في حكومة الوفاق، التي هاجمت الهلال النفطي، فيما ترددت معلومات، أمس، عن مقتل الناطق باسم تنظيم «سرايا الدفاع عن بنغازي» المتطرف، جراء إصابته في الهجوم على الهلال النفطي، بالإضافة إلى اعتقال خمسة ضباط على الأقل كانوا في صفوف هذه القوات، من بينهم العميد عبد السلام العبدلي، القيادي في سرايا الدفاع في منطقة بن جواد، حسبما أكد فرج عثمان، آمر سيطرة العمليات.
وقالت مصادر أمنية إن بعض مركبات الجماعات المسلحة دمرت في غارات جوية جنوب ميناء السدر النفطي، علمًا بأن بن جواد تقع على مسافة 30 كيلومترًا غرب الميناء. في حين قال رجب الزوي، وهو مهندس بميناء السدر، إنه تم إجلاء بعض عمال النفط، وسمع أزيز طائرات مقاتلة في سماء المنطقة، فيما لا يزال ميناء السدر مغلقًا لإصلاح أضرار لحقت به من قتال سابق.
وانتزعت قوات الجيش، بقيادة المشير حفتر، السيطرة على أربعة موانئ نفطية من فصيل منافس قبل ثلاثة أشهر، مما مكن المؤسسة الوطنية للنفط الليبية من إنهاء وقف العمل في ثلاثة موانئ، وزيادة إنتاج النفط إلى مثليه، ليبلغ نحو 600 ألف برميل يوميًا.
لكن رغم ذلك، ظل إنتاج النفط أقل كثيرًا من مستوى 1.6 مليون برميل يوميًا، الذي كانت تنتجه ليبيا العضو في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) قبل الانتفاضة التي أطاحت بحكم العقيد الراحل معمر القذافي، قبل خمس سنوات.
وترددت شائعات في الأسابيع القليلة الماضية عن هجوم مضاد محتمل على الموانئ النفطية من جانب قوات، منها الفصيل الذي أخرج منها في سبتمبر (أيلول) الماضي، وكتائب إسلامية مدعومة من مصراتة، بالإضافة إلى منافس لحفتر عين وزيرًا للدفاع في حكومة تدعمها الأمم المتحدة في طرابلس.
من جهة أخرى، اعتبر وزير الدفاع الفرنسي ونائب رئيس الحكومة الليبية أن استعادة مدينة سرت من تنظيم «داعش» تعد خطوة مهمة، إلا أنها لا تعني أن النزاع مع التنظيم المتطرف قد انتهى.
وقال وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان، في دكار، أول من أمس، خلال مشاركته في منتدى حول السلام والأمن في أفريقيا: «إن هزيمة (داعش) في سرت خطوة مهمة جدًا، إلا أنها ليست سوى مرحلة، والأمر لم ينته بعد، لأن هناك مجموعات توزعت على أراض شاسعة، كما أن هناك من ينتمي إلى تنظيم القاعدة».
وأوضح لودريان أن فرنسا «أبلغت باستعدادها لتقديم المساعدة للسراج وحكومته، حتى في إطار تشكيل الحرس الوطني»، لكنه استدرك، قائلا: «إن العمل السياسي يجب أن يبقى أساسيًا، ومن المهم أن يتكلم كل الفاعلين في الملف الليبي بصوت واحد للوصول إلى هذه النتيجة»، في إشارة خصوصًا إلى السلطات الموازية التي تتمركز في شرق البلاد، والمدعومة من المشير خليفة حفتر، مشددًا على أن «انتصار سرت قد يكون عنصرًا محفزًا للوصول إلى الاندماج السياسي».
من جهته، قال موسى الكوني، نائب رئيس الحكومة الليبية المشارك أيضًا في المنتدى نفسه، إن هناك معلومات تفيد بأن قوات تنظيم داعش «على اتصال بالقاعدة في شمال وجنوب البلاد. ونحن نعلم أن مجموعات تمكنت من الفرار من سرت»، مرجحا أن يكون عناصرها قد هربوا إلى الصحراء.
كانت حكومة السراج التي تتخذ من طرابلس مقرًا لها، قد أعلنت استعادة السيطرة الكاملة على مدينة سرت. كما أعلن المركز الإعلامي لعملية «البنيان المرصوص» أن قواتها التي تحارب منذ بضعة شهور في المدينة، نجحت في توجيه ما وصفه بالضربة الأخيرة لفلول «داعش» في منطقة الجيزة البحرية. كما نشر المركز، عبر صحفته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، لقطات فيديو وصورًا فوتوغرافية تظهر احتفالات القوات بتحرير سرت، خصوصًا في «جزيرة الزعفران» التي كان يصلب فيها الدواعش شباب ليبيا، على حد تعبير المركز.
ورغم ذلك، حذر مارتن كوبلر، رئيس بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، أمام مجلس الأمن من أن تنظيم داعش يبقى خطرًا، رغم طرده من سرت، داعيًا إلى إنشاء وحدة من «الحرس الرئاسي» بشكل عاجل لحماية الهيئات الحكومية التابعة لحكومة السراج، وقال إنه يدعم كليًا «إنشاء وحدة من الحرس الرئاسي لتأمين حماية مؤسسات الدولة والسفارات.. ويجب ألا تؤمن ميليشيات مسلحة حماية المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني الليبية»، مبرزًا أنه سيتم بحث هذه الخطوة خلال «اجتماع على مستوى رفيع» دعت إليه بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، خلال الأسبوع المقبل.
ومتى يتم تشكيلها، يمكن لوحدة الحرس الرئاسي أن تطلب إعفاءات للحظر على الأسلحة المفروض على ليبيا للتسلح.
وبحسب كوبلر، فإن الحظر الذي تطالب حكومة الوفاق بتخفيفه يجب أن يبقى «إلى أن يصبح لليبيا أجهزة أمن متماسكة يمكن الوثوق بها».
وبين التدابير الأخرى التي أوصى بها كوبلر للعام المقبل في ليبيا، العودة التدريجية لبعثة الأمم المتحدة إلى طرابلس، وتحسين الوضع الاقتصادي، وقال إنه بعد استعادة سرت من قبل قوات حكومة الوفاق، يجب أن يصبح النهوض الاقتصادي في سرت وبنغازي «أولوية»، معتبرًا أن تنظيم داعش الذي طرد من سرت «لا يزال يطرح تهديدًا»، مؤكدًا أن «مكافحة الإرهاب أتت بنتائج، لكن هذا التقدم ليس مضمونًا».
إلى ذلك، أعلن الجيش الليبي أنه يواصل تحقيق تقدم على الأرض، في مواجهة الميلشيات المسلحة في مدينة بنغازي، شرق البلاد، إذ قال سالم غفير، المتحدث باسم الكتيبة الثانية (الصاعقة)، إن أربعة من عناصر الجماعات الإرهابية لقوا مصرعهم في محور قنفودة، غرب بنغازي.
ونقلت وكالة الأنباء الليبية عنه القول إن القتلى يتبعون تنظيم داعش، كما اتهم الجماعات الإرهابية بحرق منازل المواطنين في منطقة قنفودة بعد تضييق الخناق عليهم من قبل قوات الجيش. وأوضح أن هذه القوات غنمت مجموعة كبيرة من السيارات والآليات المسلحة والذخائر التي تركها المتطرفون بعد فرارهم من تمركزاتهم.



السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.