حراك دولي لاستيعاب التصعيد في حلب.. والمعارضة تنفي تقديم عروض مالية

دي ميستورا للأسد: اتصل بنا وقل أنا مستعد لحكم انتقالي ولمفاوضات فعلية

سوري يحمل ابنته هاربا من شرق حلب (أ.ب)
سوري يحمل ابنته هاربا من شرق حلب (أ.ب)
TT

حراك دولي لاستيعاب التصعيد في حلب.. والمعارضة تنفي تقديم عروض مالية

سوري يحمل ابنته هاربا من شرق حلب (أ.ب)
سوري يحمل ابنته هاربا من شرق حلب (أ.ب)

ارتأت القوى الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي أن هدف المسارعة لاستيعاب التصعيد العسكري الذي تنتهجه موسكو والنظام السوري في مدينة حلب، عاصمة الشمال السوري، فرض موسكو ودمشق شروطهما في أي مفاوضات مقبلة لحل سياسي للأزمة المتمادية منذ عام 2011. وفي حين جددت كل من تركيا وألمانيا تمسكهما برحيل رئيس النظام السوري بشار الأسد كـ«بوابة للحل»، لفت ما أوردته صحيفة «التايمز» البريطانية عن أن الاتحاد الأوروبي اقترح خلال لقاء مع قادة المعارضة قبل أسبوعين تقديم مساعدات مالية لكل الأطراف في سوريا بما فيها النظام في إطار الحل السياسي للصراع، وهو أمر نفته المعارضة نفيًا قاطعًا، متحدثة عن عدم امتلاك أوروبا رؤية واضحة للحل بعد.
الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة حذرا أمس السبت من «وهم» تحقيق انتصار عسكري في مدينة حلب، مشددين على ضرورة إجراء مفاوضات تكفل مستقبلاً آمنًا لسوريا. وقالت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، خلال مؤتمر حول المتوسط في العاصمة الإيطالية روما مخاطبة رئيس النظام السوري بشار الأسد: «تستطيع أن تكسب حربًا لكنك قد تخسر السلام». وتساءلت موغيريني: «مَن لديه مصلحة في كسب حرب والحصول على جائزة تتمثل في بلد منقسم ومسلح ويضيق بالإرهابيين.. ومعزول على الساحة الدولية؟».
من جهته، قال موفد الأمم المتحدة إلى سوريا ستافان دي ميستورا خلال المؤتمر نفسه: «حان الوقت الآن للبدء بمفاوضات فعلية». وتوجه للأسد قائلاً: «اتصل بالأمم المتحدة لتقول: أنا مستعد لحكم انتقالي، ولمفاوضات فعلية».
ونبّه دي ميستورا من أن «الانتصار العسكري الذي ترتسم ملامحه في حلب قد يدفع الحكومة السورية إلى القول: لقد كسبنا الحرب ولم نعد نحتاج بالتالي إلى مفاوضات»، مضيفًا: «آمل ألا يحصل ذلك لأنه لن يحل شيئًا». وإذ جدد الموفد الدولي دعوة روسيا وإيران إلى استخدام «نفوذهما لإقناع دمشق بالتفاوض جديًا»، فإنه أشار إلى أن «البديل يمكن أن يكون نهاية الحرب، ولكن بداية حرب عصابات رهيبة من دون أي إعادة إعمار». وأكد دي ميستورا أن هذه المفاوضات ينبغي أن تشمل «تقاسمًا للسلطة»، ومحذرًا من أي تقسيم لسوريا.
وتطرق الموفد الدولي إلى سوريا لوعد الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب بإلحاق «الهزيمة» بتنظيم داعش، وقال: «إذا كنتم تتحدثون عن إلحاق الهزيمة بـ(داعش) وليس التصدي له، فستحتاجون إلى حل سياسي شامل»، لافتًا إلى تجربتي العراق وليبيا، حيث لا يزال السلام بعيد المنال.
هذا، وتزامنت تصريحات موغيريني ودي ميستورا مع ما نشرته صحيفة «التايمز» البريطانية عمّا قالت إنّه عرض قدّمه الاتحاد الأوروبي يقضي بـ«تقديم مال لنظام الأسد مقابل صفقة سلام في سوريا». وأوضحت الصحيفة أن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، قدمت مقترحات جديدة لقادة المعارضة السورية في اجتماع قبل أسبوعين، مع عرض بتقديم مساعدات واستثمارات كمقدمة لإرضاء جميع الأطراف. وبحسب التقرير الذي نشرته الصحيفة فإن تلك المقترحات تنسجم مع قرارات الأمم المتحدة الداعية إلى «تحوّل سياسي» في سوريا، «خاصة وأن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا دعمت دائمًا إصرار المعارضة السورية على أن مصطلح (الانتقال السياسي) يعني إزالة الأسد من السلطة، إلا أن مناقشة التحديد الدقيق للانتقال تركت الآن إلى المستقبل».
وأشار التقرير إلى أن مقترحات الاتحاد الأوروبي تتضمن نقل السلطات إلى المحافظات السورية، الأمر الذي سيسمح لقوى «المعارضة المعتدلة» بالاندماج بالقوات الأمنية المحلية، مع الحفاظ على المؤسسات المركزية للدولة، ولكن تحت تنظيم أكثر ديمقراطية. ولم تذكر المقترحات شيئًا بشأن مستقبل الأسد.
وفي حين نفت مصادر في «هيئة التنسيق الوطني» السورية نفيًا قاطعًا أن تكون موغيريني قد قدّمت طرحًا مماثلاً لوفد الهيئة الذي التقاها أخيرًا، أوضحت المصادر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن المسؤولة بالاتحاد الأوروبي التقت 3 وفود من المعارضة هي إلى جانب وفد الهيئة، وفد من «الائتلاف الوطني»، ووفد الهيئة العليا للمفاوضات في اجتماع موحد، مؤكدة أنّه لم يُطرح خلاله تقديم أي أموال للتوصل لحل سياسي، بل جرى الحديث عن وجوب التأهب لعملية إعادة إعمار سوريا. وأضافت مصادر الهيئة: «تاريخنا يشهد بأننا لا نُشترى ولا نُباع ولا نقبض ثمنًا لقراراتنا ومواقفنا. لا نعلم إذا تم طرح شيء مماثل من تحت الطاولة على الوفدين الآخرين..».
من جهته، أشار هادي البحرة، الأمين السابق لـ«الائتلاف الوطني» المعارض، إلى أن الورقة التي قدمتها موغيريني «لا تتضمن رؤية للحل بل مجموعة من الآراء التي تم تجميعها، تقوم على إقامة نظام برلماني في سوريا مع تحديد صلاحياته»، نافيًا نفيًا قاطعا أن تكون تطرقت لأي عروض مالية. وقال البحرة لـ«الشرق الأوسط» في حوار معه: «نحن كنا ولا نزال نتمسك ببيان جنيف لحل الأزمة، الذي يقول بعملية انتقالية لا يكون الأسد ولا الدائرة الضيقة حوله ولا الأطراف التي ارتكبت جرائم في سوريا جزءًا منها». واستبعد أصلا أن تكون الأرضية الحالية مهيأة لانطلاق مفاوضات جديدة «خاصة وأن كل الأطراف وخصوصًا موسكو والنظام يستفيدان من الفراغ الحاصل على صعيد السياسة الأميركية ومن مرحلة انتقال السلطة في واشنطن لتغيير الواقع الميداني في سوريا، وفرض شروطهما في مرحلة لاحقة».
على صعيد متصل، لفت يوم أمس تقاطع موقف وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان مع المواقف التي أطلقها أول من أمس كل من وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو ووزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير لجهة وجوب رحيل الأسد لحل الأزمة السورية. وفي هذا السياق، قال ليبرمان أثناء مشاركته في «منتدى سابان» المنعقد في العاصمة الأميركية واشنطن، إن تسوية الأزمة في سوريا تتطلب ترك الأسد منصبه وانسحاب الفصائل الإيرانية من الأراضي السورية، معتبرًا أن الأسد لم يعد شخصية مقبولة على الصعيد الدولي. ثم قال: «يجب علينا وضع الأسد والإيرانيين في مكانهم». وإذ حث ليبرمان الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب على عدم النأي بالنفس عما يجري في الشرق الأوسط، تحدث عن وجود «حوار شفاف وتنسيق» بين موسكو وتل أبيب في الكثير من المسائل، لا سيما حول سوريا، «وذلك أمر مفيد للغاية»، على حد قول الوزير الإسرائيلي.
وحول التطورات الأخيرة رأى المحلل الاستراتيجي اللبناني الدكتور خطّار بو دياب في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «التصريحات الأوروبية وحتى التركية عن مسألة رحيل الأسد، لا تبدو فاعلة، لأن هذه الدول غير قادرة على التأثير في تغيير مجرى الأحداث في سوريا»، معتبرًا أن اللافت في المواقف كلام أفيغدور ليبرمان، لكونه مقربًا جدًا من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ومعروف بعلاقاته الوثيقة مع الروس، عدا عن أنه أول موقف إسرائيلي بهذا الوضوح». وأوضح أن «مثل هذا التصريح يترجم خططًا روسية غير سريعة، لكنها على المدى المتوسط».
وشدد بو دياب، وهو أستاذ العلوم السياسية في جامعة باريس، على أن مصير الأسد «يتوقف كثيرًا على نوع التسوية التي قد يتوصل إليها فلاديمير بوتين مع دونالد ترامب... وأعتقد أن الأسد استنزف، ولولا الميليشيات الطائفية والقوة الروسية لما بقي في السلطة منذ عام 2013». وتابع: «من الواضح أن الأسد سيستخدم لوقت إضافي من قبل الروس، لكنهم يعرفون أنه لم يعد حصانًا رابحًا يراهنون عليه لحكم سوريا».
من ناحية ثانية، لم يجد بو دياب في كلام وزير خارجية تركيا ووزير خارجية ألمانيا، وقبلهما الموقف الفرنسي عن ضرورة رحيل الأسد، سوى «محاولة تجميل قباحة العجز والتخلي الدولي عن سوريا». وأشار إلى أنه «منذ إعلان (الرئيس الأميركي) باراك أوباما في أغسطس (آب) من عام 2011 عن أن أيام الأسد باتت معدودة، تبين أنه كان يبيع للشعب السوري أوهامًا، لأن كلامه لم يترجم إلى أفعال عن دعم الجيش الحرّ». ورأى الأكاديمي اللبناني أن «هناك دولا كثيرة في العالم قدمت دعمًا للنظام، إلى أن ظهر في عام 2014 تنظيم داعش، وبدأ العالم يركز على أولوية محاربة الإرهاب»، مشيرًا إلى أن «مصير منظومة الأسد تحدد في مؤتمر جنيف 1، لكن الدور الروسي عطل هذا القرار، وترافق ذلك مع السعي لحسم عسكري على الأرض، وتأكيده بأنه لا مناص من التعاون مع الأسد على الحل السياسي في سوريا».



الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

تبنّى الحوثيون هجوماً باتجاه إسرائيل، الأربعاء، هو الثالث منذ إعلان انخراطهم في الحرب إلى جانب إيران، في تطور يعكس تزايد التنسيق بين أطراف ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران، ويشمل إلى جانب «حزب الله» اللبناني فصائل عراقية مسلحة بالإضافة إلى الحوثيين في اليمن.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي تصدّت، فجر الأربعاء، لصاروخ أُطلق من اليمن باتجاه الأراضي الإسرائيلية، مؤكداً أنه جرى اعتراضه دون تسجيل إصابات أو أضرار. وأوضح، في بيان، أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد، قبل أن يُسمح لاحقاً للسكان بمغادرة المناطق المحمية.

وتزامن ذلك مع إعلان الحوثيين تنفيذ عملية صاروخية جديدة، قالوا إنها استهدفت «أهدافاً حساسة» في جنوب إسرائيل، ضمن ما وصفوه بـ«معركة الجهاد المقدس»، مؤكدين أن الهجوم جاء بالتنسيق مع إيران و«حزب الله» اللبناني.

مسيرة حوثية أُطلقت من مكان مجهول باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

الهجوم الأخير يأتي عقب هجومَين السبت الماضي، تبنّت الجماعة خلالهما إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، في أول انخراط مباشر لها في مسار الحرب، في حين تحدثت إسرائيل عن اعتراض صاروخَين وطائرتَين مسيرتَين فقط.

وعلى الرغم من هذا التصعيد، يرى مراقبون أن التأثير العسكري لهذه الهجمات سيظل محدوداً، بالنظر إلى عدم قدرة الجماعة على إطلاق أعداد كبيرة ومتزامنة من الصواريخ.

وتشير تقديرات المراقبين إلى أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه العمليات هو استنزاف جزئي لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة التعامل مع هجمات متعددة المصادر، بما في ذلك الصواريخ الإيرانية وهجمات «حزب الله».

تنسيق مشترك

إعلان الحوثيين أن عملياتهم نُفّذت «بالاشتراك» مع إيران و«حزب الله» يعكس مستوى متقدماً من التنسيق داخل المحور الداعم لطهران، وهو ما عزّزته تصريحات قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، إسماعيل قاآني، الذي أشاد بما وصفه «الحضور في الوقت المناسب» لليمن في هذه المواجهة.

وفي رسالة موجّهة إلى الحوثيين، عدّ قاآني هذا الانخراط يعكس «تشخيصاً صائباً لتحولات المنطقة»، ويرتبط بمسار أوسع لما سمّاه «جبهة المقاومة الإسلامية» في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. كما أشار إلى أن الدعم الإيراني سيستمر في مختلف ساحات المواجهة، في تأكيد إضافي على وحدة الموقف بين أطراف هذا المحور.

عناصر من الحوثيين يستعرضون في مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر (أرشيفية - رويترز)

هذه التصريحات، التي حملت نبرة تصعيدية واضحة، تعكس سعي طهران إلى إظهار تماسك حلفائها، وإرسال رسائل ردع في مواجهة التحركات العسكرية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.

في المقابل، قدّمت الجماعة الحوثية مبررات لتدخلها العسكري، عبر رسائل بعث بها نائب وزير خارجيتها في حكومة الانقلاب، عبد الواحد أبو راس، إلى الأمم المتحدة، وعدد من الهيئات الدولية، أكد فيها أن هذا التدخل يأتي رداً على ما وصفه بـ«العدوان الأميركي-الإسرائيلي» على إيران ودول المنطقة.

وأشار المسؤول الحوثي إلى أن قرار التدخل، الذي دخل حيز التنفيذ في 28 مارس (آذار) الماضي، يستند -حسب وصفه- إلى «المسؤولية الدينية والأخلاقية»، وإلى قواعد القانون الدولي، لافتاً إلى أن الهدف منه هو الضغط لوقف العمليات العسكرية في المنطقة، وليس توسيع نطاق التصعيد.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


القوات اليمنية ترفع جاهزيتها القتالية في باب المندب

جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)
جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)
TT

القوات اليمنية ترفع جاهزيتها القتالية في باب المندب

جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)
جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)

رفعت القوات الحكومية اليمنية مستوى الجاهزية القتالية في جزيرة ميون الاستراتيجية التي تقسم مضيق باب المندب إلى جزأين، في خطوة تعكس تصاعد المخاوف من تهديدات محتملة لحركة الملاحة الدولية في أحد أهم الممرات البحرية بالعالم، بالتزامن مع إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمراقبة وقف إطلاق النار في ميناء الحديدة مهامها بشكل نهائي بعد سنوات من العمل دون تحقيق اختراقات ملموسة.

ويأتي هذا التطور في وقت تتسع فيه رقعة المواجهة بالمنطقة، مع انخراط جماعة الحوثيين في الصراع إلى جانب إيران، وتبنيها إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل؛ مما يثير مخاوف متصاعدة من انعكاسات ذلك على أمن البحر الأحمر وباب المندب، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.

وأكدت مصادر عسكرية يمنية لـ«الشرق الأوسط» أن القوات المرابطة في جزيرة ميون تلقت توجيهات برفع الجاهزية القتالية إلى أعلى مستوياتها، ضمن إجراءات احترازية لمواجهة أي تهديدات محتملة قد تستهدف المضيق الحيوي. وأوضحت المصادر أن هذه التوجيهات جاءت عقب رصد تحركات مريبة، من بينها محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة في مدرج الجزيرة.

فنار إرشاد السفن في جزيرة ميون اليمنية وسط باب المندب (إعلام محلي)

ووفق هذه المصادر، فإن الطائرة، التي يُرجح أنها من طراز نقل عسكري، حاولت تنفيذ عملية هبوط مفاجئة، غير أن القوات الحكومية تصدت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب. ولم تُعرف هوية الطائرة حتى الآن، إلا إن التقديرات تشير إلى احتمال أنها كانت تقل عناصر بهدف تنفيذ عملية إنزال؛ مما يعكس حساسية الموقع الاستراتيجي للجزيرة.

وتحظى جزيرة ميون بأهمية استثنائية؛ نظراً إلى إشرافها المباشر على مضيق باب المندب؛ مما يجعل أي محاولة للسيطرة عليها أو اختراقها تهديداً مباشراً لأمن الملاحة الدولية، ويمنح الطرف المسيطر عليها قدرة على التأثير في حركة السفن العابرة.

مخاوف متصاعدة

تزامناً مع هذه التطورات، تتصاعد التحذيرات من احتمال استهداف الحوثيين حركة الملاحة في البحر الأحمر، خصوصاً في ظل سجلهم السابق في مهاجمة السفن خلال العامين الماضيين، في أثناء الحرب على قطاع غزة، عندما تعرضت سفن تجارية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

ويُعدّ مضيق باب المندب أحد أهم الشرايين البحرية في العالم؛ إذ يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن، وتمر عبره يومياً كميات ضخمة من النفط والبضائع. وأي اضطراب في هذا الممر الحيوي ينعكس بشكل مباشر على سلاسل الإمداد العالمية، ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري، فضلاً عن تهديد أمن الطاقة العالمي.

حشد في صنعاء دعا إليه زعيم الحوثيين لمساندة إيران (إ.ب.أ)

وتشير تقديرات ملاحية إلى أن استمرار التهديدات في هذه المنطقة قد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها نحو طرق أطول وأعلى تكلفة، مثل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح؛ مما يزيد من الضغوط الاقتصادية على الأسواق العالمية.

إنهاء «بعثة الحديدة»

في موازاة ذلك، أعلنت بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة، المعروفة باسم «أونمها»، إنهاء عملياتها رسمياً، بعد استكمال نقل مهامها إلى مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، بموجب قرار مجلس الأمن الدولي.

وأوضحت البعثة أن فريقاً مشتركاً منها ومن مكتب المبعوث الأممي، برئاسة القائمة بأعمال رئيسها ماري ياماشيتا، عقد مشاورات مع ممثلي الحكومة اليمنية، ركزت على استعراض ما جرى تحقيقه من مهام، وترتيبات المرحلة الانتقالية؛ لضمان استمرار التنسيق بين الأطراف المعنية.

مغادرة بعثة الأمم المتحدة الحديدة بعد إنهاء مهمتها المتعثرة (إعلام محلي)

وكانت البعثة قد أُنشئت عقب الهجوم الذي شنته القوات الحكومية في عام 2018، ووصولها إلى مشارف مدينة الحديدة؛ بهدف مراقبة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وإعادة الانتشار في المدينة وموانئها، غير أن أداءها ظل محل انتقادات واسعة.

وتنظر الحكومة اليمنية إلى إنهاء مهمة البعثة بوصفه نتيجة طبيعية لفشلها في تنفيذ بنود الاتفاق، مشيرة إلى أن البعثة خضعت لقيود فرضتها جماعة الحوثيين؛ مما حدّ من قدرتها على التحرك والمراقبة الميدانية.

وكانت الحكومة قد سحبت ممثليها من لجان المراقبة في أبريل (نيسان) 2020، عقب مقتل أحد ضباطها المشاركين في فرق التنسيق برصاص الحوثيين داخل مدينة الحديدة، في حادثة زادت من تعقيد مهمة البعثة وأضعفت ثقة الحكومة بجدواها.

كما طالبت السلطات اليمنية مراراً بنقل مقر البعثة إلى خارج مناطق سيطرة الحوثيين؛ لضمان حرية حركتها، إلا إن الأمم المتحدة لم تستجب لهذه المطالب؛ مما أدى، وفقاً للمصادر الحكومية، إلى تقليص فاعلية البعثة وتحويلها إطاراً شكلياً أكثر منه عملياً.


كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.