«العدناني» رجل «داعش» الثاني اختبأ في سوريا لشهور قبل ان تصطاده «سي آي إيه»

كان أكثر اهتمامًا بأمنه وسلامته الشخصية.. وعمليات متواصلة لتعقب البغدادي

البغدادي زعيم «داعش».. (واشنطن بوست) - أبو محمد العدناني الرجل الثاني في تنظيم داعش الإرهابي
البغدادي زعيم «داعش».. (واشنطن بوست) - أبو محمد العدناني الرجل الثاني في تنظيم داعش الإرهابي
TT

«العدناني» رجل «داعش» الثاني اختبأ في سوريا لشهور قبل ان تصطاده «سي آي إيه»

البغدادي زعيم «داعش».. (واشنطن بوست) - أبو محمد العدناني الرجل الثاني في تنظيم داعش الإرهابي
البغدادي زعيم «داعش».. (واشنطن بوست) - أبو محمد العدناني الرجل الثاني في تنظيم داعش الإرهابي

ظل أبو محمد العدناني، كبير المتحدثين باسم تنظيم داعش الإرهابي هادئا، على غير عادته، خلال موسم الصيف الماضي، بالنسبة للرجل الذي اشتهر بالخطب الطويلة والمواعظ النارية.
وبدا السوري، الذي حث الآلاف من الشبان المسلمين على ارتداء الأحزمة الانتحارية الناسفة، أكثر اهتماما بأمنه وسلامته الشخصية، على حد وصف المسؤولين الأميركيين. فلقد كان أكثر ابتعادا عن استخدام الهواتف الجوالة، وعازفا عن حضور اجتماعات التنظيم الكبيرة، ومتجنبا الظهور والخروج من المنزل في وضح النهار أغلب الأوقات. وشرع في الإقامة والنوم في المساكن المزدحمة بالمواطنين في بلدة «الباب» الشمالية السورية، مراهنا على وجود الأطفال الصغار لحمايته من هجمات الطائرات من دون طيار (درون) التي تجوب سماء المنطقة بحثا عن الأهداف المحتملة. ولكن في أواخر أغسطس (آب) الماضي، وبعد سلسلة الهزائم العسكرية الكبيرة التي مُني بها التنظيم الإرهابي، اضطر العدناني غير مختار إلى مغادرة مخبئه لفترة وجيزة، حيث كانت القوات الأميركية وعيون «سي آي إيه» في انتظاره. من خلال عملية مشتركة للمراقبة، والرصد، أشرفت عليها وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الدفاع الأميركية، تم رصد وتتبع القيادي البارز البالغ من العمر 39 عاما أثناء مغادرته لملاذه المختار في بلدة «الباب» واستقلاله إحدى السيارات بصحبة أحد الرجال المرافقين له. وكانا يتجهان إلى الشمال سالكين الطريق السريع الذي يخترق المناطق الريفية هناك على بعد بضعة أميال قليلة من البلدة عندما أصاب صاروخ «هيلفاير» السيارة، أسفر عن مصرع الرجلين في الحال.
وجاءت الهجمة الصاروخية التي وقعت في 30 أغسطس الماضي تتويجا لجهود المهمة التي استغرقت عدة أشهر وكانت تستهدف أحد أبرز قيادات تنظيم داعش الإرهابي، وربما أخطرهم، حسب وصف المسؤولين الأميركيين للعملية. ولم تصرح إدارة الرئيس باراك أوباما بالكثير حول تلك الهجمة بأكثر من دحض المزاعم الروسية التي أشاعت أن إحدى طائراتها المقاتلة قد ألقت بالقذيفة التي أودت بحياة العدناني ورفيقه ذلك اليوم. ولكن، وحيث إن التفاصيل العملياتية الرئيسية الخاصة بمهمة اغتيال العدناني لا تزال قيد السرية والكتمان، تحدث المسؤولون الأميركيون بصراحة أكبر حول ما وصفوها بأنها «الحملة الناجحة للغاية» لرصد وتعقب وقتل كبار القادة في التنظيم الإرهابي الدولي، ومن بينهم أبو محمد العدناني، الرجل الثاني في التنظيم، وأكبر الأهداف التي تمت تصفيتها حتى الآن. ولقد تمكنت الغارات الجوية الأميركية خلال الأشهر الأربعة الماضية من حصد أرواح 6 شخصيات كبيرة، على أدنى تقدير، من كبار رجالات التنظيم الإرهابي، إلى جانب العشرات من النواب وقادة الصف الثاني، إضافة إلى محو أفرع بأكملها من التخطيط التنظيمي لقيادات الجماعة.
وأدت تصفية تلك القيادات، على حد وصف المسؤولين الأميركيين، إلى ازدياد حالة العزلة التي يعاني منها أبو بكر البغدادي زعيم التنظيم الإرهابي، وحرمانه من أقرب وأقدر مساعديه، وتقليص قدراته على التواصل مع أتباعه المحاصرين. ولم يطل البغدادي برأسه مخاطبا أتباعه أو يثبت له ظهور علني منذ أكثر من عامين كاملين باستثناء شريط صوتي وحيد؛ مما يفيد بأن زعيم التنظيم الكبير يبذل قصارى جهده للاختباء والاختفاء عن الأنظار، على حد قول بريت ماكغورك، المبعوث الخاص لإدارة الرئيس أوباما للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب الذي يسعى إلى تدمير «خلافة» البغدادي المزعومة والموهومة.
وأردف السيد ماكغورك يقول خلال اجتماع لشركاء التحالف عُقد في برلين خلال الشهر الحالي: «إنه يحاول الاختباء بعيدا، بعدما نجحنا في القضاء على كل نوابه ومساعديه تقريبا. إننا نضع أيدينا على مواطن القوة والضعف من شبكتهم الإرهابية. وإذا ما نظرت إلى كل نوابه ومساعديه وما تبقى منهم للاعتماد عليه، تجد أنهم كلهم قد رحلوا».
ولا تعني تصفية كبار قادة التنظيم قرب انهيار «داعش» وزواله. حيث يحذر المسؤولون الأميركيون إلى جانب خبراء مكافحة الإرهاب من أن هيكل التنظيم اللامركزي وشبكته المنتشرة ومترامية الأطراف التي تضم كثيرا من الفروع والأذرع الإقليمية، قد تضمن للتنظيم قدرا ما من المرونة والاستمرار حتى مع فقدان البغدادي نفسه من على رأس التنظيم. ولكنهم، رغم ذلك، يقولون إن عمليات التصفية الأخيرة تشير إلى التطور، وربما التعقيد، المتزايد الذي تشهده حملة الاستهداف والتعقب والاغتيال التي تشرف عليها كل من وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الدفاع الأميركية، عبر العامين المنقضيين بغرض إزاحة كبار قادة التنظيم ورجالاته المؤثرين، الذين يبذلون الجهود المضنية للاختفاء والاختباء، عن مشهد الأحداث الحالية.
ويقول المسؤولون الأميركيون إن هناك مساعدات مقدمة للحملة الحالية من قبل التكنولوجيات الجديدة إلى جانب الحلفاء الجدد، بمن في ذلك الفارون والمنشقون عن التنظيم، الذين يسلطون كثيرا من الأضواء المهمة على كيفية انتقال وتواصل العناصر الإرهابية في التنظيم. وفي الأثناء ذاتها، تمارس الخسائر الإقليمية والهزائم العسكرية مزيدا من الضغوط الهائلة على ما تبقى من قيادات التنظيم لأجل الخوض في المخاطر الشديدة، والسفر بالسيارات، والتواصل بواسطة الهواتف الجوالة والكومبيوترات بدلا من المراسلين، على حد وصف المسؤولين والمحللين.
ويقول أحد المسؤولين الأميركيين المخضرمين في مجال مكافحة الإرهاب الذي عمل بشكل وثيق مع القوات الأميركية وغيرها من القوات العسكرية في الشرق الأوسط، والذي، على غرار الآخرين ممن شملتهم هذه المقابلة الشخصية، فضلوا عدم ذكر هويتهم لأجل مناقشة العمليات العسكرية الحساسة: «يضطر الإرهابيون إلى التواصل بالوسائل الإلكترونية بسبب أنهم فقدوا السيطرة على الطرق. وفي الأثناء ذاتها، فإن قدراتنا على اختراق اتصالاتهم هي في أفضل أوضاعها نظرا لأن موقف التنظيم يزداد سوءا بمرور الوقت، وأنهم لم يعودوا يلقون بالا للتحقق من هويات المجندين الجدد لديهم. لدينا الآن صورة أفضل بكثير عن التنظيم من الداخل مما كان عليه الأمر في مواجهتنا مع تنظيم (القاعدة في العراق)».
* بوق «الخلافة»
كان أول من قضى نحبه هو أبو عمر الشيشاني، المتشدد الجورجي ذو اللحية الحمراء، الذي عُرف عنه اشتراكه في الحرب بين روسيا وجورجيا في عام 2008، وكان قد تلقى التدريب الراقي على أيدي القوات الخاصة الأميركية عندما كان لا يزال من عناصر الجيش الجورجي من قبل. ولقد ارتقى سلالم التنظيم الإرهابي سريعا ليشغل منصب «وزير حرب (داعش)»، ونقلت التقارير الإخبارية أنباء مقتله لما لا يقل عن 6 مرات في مختلف المناسبات منذ عام 2014، ليعاود الظهور من جديد، ومن دون إصابات أو أذى على ما يبدو، من أجل قيادة الحملات العسكرية في العراق وسوريا. ولقد نفد نصيب الشيشاني من الحظ والتوفيق في 10 يوليو (تموز) الماضي عندما أصاب صاروخ أميركي تجمعا لقادة التنظيم الإرهابي في مدينة الموصل العراقية. وكانت تلك الهجمة باكورة سلسلة من العمليات الناجحة من استهداف كبار قادة الأجنحة العسكرية والدعائية وفرق العمليات الخارجية، على حد وصف المسؤولين الأميركيين.
وفي 6 سبتمبر (أيلول) الماضي، تمكنت غارة جوية لقوات التحالف من اغتيال «وائل عادل حسن سلمان الفياض»، وزير الإعلام في التنظيم الإرهابي، على مقربة من مدينة الرقة السورية. وفي 30 سبتمبر أيضا، تمكنت القوات الأميركية من اغتيال «أبو جنات» نائب القائد العسكري في التنظيم، وكبير الضباط المسؤولين عن دفاعات مدينة الموصل، إلى جانب 31 من كبار مسؤولي التنظيم في المدينة، الذين لقوا مصرعهم في وقت مبكر من الهجوم على المدينة، بمساعدة من القوات الأميركية، لاستعادة السيطرة عليها.
وفي 21 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، استهدفت غارة جوية أميركية «عبد الباسط العراقي»، وهو المواطن العراقي المعروف بأنه مسؤول عن شبكة العمليات الخارجية في منطقة الشرق الأوسط بالتنظيم، والمسؤول أيضا عن تنفيذ كثير من الهجمات ضد الأهداف الغربية.
ولكن جاء مقتل العدناني بمثابة كبرى الضربات المفردة التي تلقاها التنظيم حتى الآن، كما يقول المحللون؛ حيث عدّ خبراء مكافحة الإرهاب أن المتشدد ذا الأصول السورية أكثر من مجرد متحدث باسم التنظيم؛ حيث كان العدناني عضوا، ولفترة طويلة، في الدائرة المغلقة والمقربة داخل التنظيم، ولقد كان من الدعاة الموهوبين، ومن المفكرين الاستراتيجيين الذين لعبوا دورا مهما ومحوريا في كثير من النجاحات الكبيرة التي حققها التنظيم فيما مضى؛ من سيطرتهم على كثير من منافذ التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت، إلى أكثر الهجمات الإرهابية ترويعا ودموية في الخارج، بما في ذلك هجمات باريس وبروكسل.
وظلت أهميته داخل أروقة التنظيم تزداد وتتفشى. وفي العام الماضي، وبعد أن بدأ التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في استعادة السيطرة على كثير من المدن في العراق وسوريا، كان العدناني هو من حل محل «بوق التنظيم» المسؤول، حيث كان يواظب على نشر الرسائل والخطب الحماسية بغية رفع الروح المعنوية لأعضاء التنظيم، في الوقت الذي كان يستصرخ المسلمين المتعاطفين معهم من كل أرجاء العالم لتنفيذ الهجمات الإرهابية باستخدام كل الوسائل المتاحة لديهم.
إلى ذلك، يقول ويل ماكانتس، الخبير في شؤون التطرف المسلح لدى «معهد بروكينغز»، ومؤلف كتاب في عام 2015 بعنوان «نبوءات داعش»: «لقد كان العدناني هو صوت الخلافة الصادح، في الوقت الذي لا يسمع فيه أحد صوت الخليفة المزعوم. ولقد كان أحد الذين دعوا إلى شن الحرب المفتوحة على الغرب».
هذا؛ وقد رفضت كل من وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الدفاع الأميركية التعليق على الأدوار المحددة التي قاموا بها في عملية اغتيال العدناني. ولكن هناك مسؤولين آخرين مطلعين إلى الجهود الجارية قالوا إن عملية العثور على الرجل الثاني في تنظيم داعش صارت من الأولويات التي تقارب أهمية العثور على البغدادي ذاته وقتله. ولكن على غرار خليفته، فإن العدناني، وهو أحد الناجين من الحروب السابقة بين القوات الأميركية والمسلحين السنة في العراق، أثبت قدرات ومهارات خاصة في البقاء بعيدا عن مسار الصواريخ الأميركية الموجهة.
يقول الخبير الأميركي في مكافحة الإرهاب والمشارك في تنسيق الجهود العسكرية الأميركية - الشرق أوسطية: «كانت حمايته الشخصية جيدة بصورة خاصة. ولكنها صارت أفضل وأفضل مع مرور الوقت».
ولكن نوعية الاستخبارات الآتية من المنطقة كانت آخذة في التحسن هي الأخرى. ولقد وصف أحد المسؤولين الأميركيين من المطلعين على سير الحملة وجود عملية تعلم من مرحلتين: في الشهور الأولى، ركزت حملة القصف على الأهداف الأكثر وضوحا، مثل مستودعات الأسلحة والمنشآت النفطية. ولكن بحلول منتصف العام الماضي، كان المحللون يعكفون على فرز سيول من البيانات الخاصة بتحركات القادة والأفراد في التنظيم.
وكانت المعلومات مستمدة من شبكة متنامية من العناصر البشرية إلى جانب الابتكارات التكنولوجية المعاونة، بما في ذلك طائرات الاستطلاع من دون طيار، وطائرات المراقبة المجهزة بنظام المراقبة والاستطلاع متوسط الارتفاع المحسن والمطور لدى وزارة الدفاع الأميركية، والمصمم بالأساس لتحديد وتعقب الأهداف البشرية على الأرض.
يقول المسؤول الأميركي المطلع على شؤون الحملة الجوية: «خلال العام الأول، كانت أغلب الغارات الجوية تستهدف المباني والمنشآت. ولكن خلال العام الماضي، أصبحت الغارات أكثر تركيزا وتحديدا عن ذي قبل، مما عاد بمزيد من النجاحات».
* الترقب والانتظار
وحتى الآن، ظلت المعلومات الخاصة بأماكن وجود اثنين من كبار القادة – البغدادي والعدناني – مبعثرة ومتفرقة. وبعد الجائزة التي وضعتها إدارة الرئيس أوباما، بقيمة 5 ملايين دولار، على رأس أبو محمد العدناني، أصبح أكثر حذرا على نحو متزايد، كما يقول المسؤولون الأميركيون، حيث لم يتجنب استخدام الهواتف الجوالة فحسب، بل المكوث في المباني التي تحمل أطباق استقبال الأقمار الصناعية كذلك. وكان يستخدم المراسلين الخاصين به في نقل الرسائل المهمة ليبقى بعيدا قدر الإمكان عن التجمعات الكبيرة.
وفي نهاية المطاف، تحول دوره إلى تنسيق الدفاع عن مجموعة من البلدات والقرى القريبة من الحدود التركية. وكانت إحدى هذه البلدات هي «منبج»، البلدة المركزية ونقطة العبور المهمة لأفراد التنظيم الإرهابي حال انتقالهم من وإلى تركيا. ومن البلدات المهمة الأخرى كانت بلدة «دابق»، وهي البلدة الصغيرة المذكور اسمها في أدبيات النصوص الدينية بأنها محل المعركة المستقبلية في نهاية الزمان بين جموع قوى الخير والشر.
تخير العدناني أن يكون مقر قيادته في بلدة «الباب» الصغيرة، التي تبعد مسافة 30 ميلا تقريبا إلى الشمال الشرقي من حلب. ولقد اختبأ هناك وسط المواطنين السوريين العاديين على مشهد من الجميع، حيث كان يعقد الاجتماعات في المبنى السكني المزدحم نفسه الذي كان يعيش فيه. وكما كانت عادته، كان يستخدم المقربين منه في البعث بالرسائل، حتى، وعلى نحو مفاجئ، صار من المحال تقريبا مواصلة القيام بذلك.
في يوم 13 أغسطس الماضي، تمكنت قوات المعارضة السورية المدعومة من الولايات المتحدة من السيطرة على بلدة «منبج»، وكانت الأولى في سلسلة الهزائم القاسية التي مُني بها التنظيم الإرهابي على طول الحدود التركية. واحتشد الآلاف من القوات لشن الهجمات على بلدة «جرابلس» الحدودية الرئيسية، إلى جانب بلدة «دابق»، التي تبعد 20 ميلا فقط من قاعدة العدناني.
ومع إغلاق كثير من الطرق من جانب القوات المعادية، أصبح التواصل مع المقاتلين في الصفوف الأمامية غاية في الصعوبة. واضطر العدناني إلى مغادرة مخبئه لعقد الاجتماعات، وعندما شرع في ذلك يوم 30 أغسطس، تمكنت فرق المراقبة التابعة للاستخبارات الأميركية، أخيرا، من استهدافه بكل وضوح بعد انتظار وترقب استمر أسابيع طويلة.
تظهر السجلات التي تمت بواسطة رادار تتبع الطائرات التجارية وجود طائرة صغيرة تحلق على ارتفاعات متعددة أعلى أحد الطرق الريفية إلى الشمال الغربي من بلدة «الباب». ولم يصدر عن الطائرة أي علامة للنداء، مما يعد مؤشرا عاما على أنها طائرة عسكرية في مهمة سرية. وكان نمط الطيران يشبه أنماط الطيران التي سُجلت في الماضي لطائرات تابعة لوزارة الدفاع الأميركية ومجهزة بتكنولوجيا حديثة من التي تستخدم في مراقبة الأهداف على الأرض.
وكان الطريق الريفي هو نفسه الذي كان يسافر العدناني عبره عندما أصاب صاروخ «هيلفاير» سيارته، مما أسفر عن مصرعه هو ورفيقه.
ولقد أعلن تنظيم داعش عن مقتل العدناني في اليوم نفسه، عبر نشرة إخبارية تنعى مقتل القائد الذي «قتل أثناء تفقد عمليات القتال لصد الحملات العسكرية ضد حلب». ولكن في واشنطن، ظل خبر مصرعه حبيس الأدراج لمدة أسبوعين، حيث كان المسؤولون الأميركيون في انتظار الأدلة على مقتل العدناني وأن الجثة التي انتشلت من حطام السيارة هي بالفعل جثته.
وجاء التأكيد أخيرا في 12 سبتمبر الماضي، عبر بيان صادر عن وزارة الدفاع الأميركية يؤكد أن «غارة دقيقة للولايات المتحدة كانت قد استهدفت وقضت على رئيس جناح الدعاية في التنظيم الإرهابي، ومسؤول التجنيد الأول، ومهندس العمليات الإرهابية الخارجية». واستمر الجانب الروسي على مزاعمه، في استفزاز واضح للمحللين الأميركيين الذين يعرفون صعوبة ومشقة عمليات البحث. وفي الأثناء ذاتها، لا يزال التأثير النهائي لمقتل العدناني قيد التقييم.
يقول الخبراء المخضرمون في مكافحة الإرهاب إن الشبكة الإرهابية الواسعة، والمنتشرة، مثل تنظيم داعش تميل إلى سرعة استعادة التوازن بعد فقدان زعيم كبير، حتى وإن كان زعيما مؤثرا للغاية كمثل العدناني. يقول بروس هوفمان، مدير مركز الدراسات الأمنية التابع لجامعة جورج تاون، ومؤلف مجموعة من الكتب حول شؤون الإرهاب: «إن قطع الرؤوس من أذرع الاستراتيجية الكبيرة، ولكن لا يمكنك هزيمة تنظيم إرهابي بمجرد قطع رؤوس زعمائه فحسب»، مشيرا إلى أن القوة العسكرية لتنظيم داعش مستمدة من «الضباط السابقين المجهولين في جيش صدام حسين الراحل»، الذين يشكلون في مجموعهم النواة الاحترافية الأكثر خطورة ضمن هيكل التنظيم، وفقدان زعيم الجناح الدعائي في التنظيم بالنسبة لهم ليس أكثر من مجرد «خروج مؤقت عن المسار».
ومع ذلك، ومع كثير من الصواريخ التي تنتظر أهدافها، فإن تنظيم داعش، ومن دون شك، بات يفقد قدرته على القيادة والتأثير على قواته المحاصرة، كما يقول خبراء آخرون معنيون بشؤون الإرهاب. يقول بروس رايدل، الخبير الأسبق لمدة 30 عاما في شؤون الإرهاب لدى وكالة الاستخبارات المركزية ولدى «معهد بروكينغز»: «التدمير المستمر لقيادة (داعش)، إلى جانب فقدان الأراضي، يسببان تآكلاً مهمًا في جاذبية التنظيم وقوته. إن (داعش) يواجه أزمة ومعضلة حقيقية وخطيرة».

* خدمة «واشنطن بوست» خاص بـ«الشرق الأوسط»



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.