وزير الاستثمار التونسي: نطمح من «مؤتمر 2020» إلى عقود وشراكات لا مساعدات

عبد الكافي أكد لـ «الشرق الأوسط» تفاؤله بدخول بلاده مرحلة الازدهار الاقتصادي بعد 2017

وزير الاستثمار التونسي فاضل عبد الكافي
وزير الاستثمار التونسي فاضل عبد الكافي
TT

وزير الاستثمار التونسي: نطمح من «مؤتمر 2020» إلى عقود وشراكات لا مساعدات

وزير الاستثمار التونسي فاضل عبد الكافي
وزير الاستثمار التونسي فاضل عبد الكافي

قال فاضل عبد الكافي وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي في الحكومة التونسية إن بلاده لا تريد من المشاركين في «مؤتمر تونس الدولي للاستثمار» مساعدات أو هبات؛ بل تريد عقود شراكة واستثمارات وعقودا لتمويل مشاريع ضخمة يبلغ عددها 145 مشروعا.
وأوضح عبد الكافي في حوار خاص لـ«الشرق الأوسط» قبيل انطلاق «مؤتمر تونس 2020»، الذي بدأ أمس ويستمر على مدار يومين، أنه يأمل في مشاركة أكثر من ألف رجل أعمال وممثل عن شركات عالمية وبنوك دولية ورؤساء دول وحكومات ووزراء في المؤتمر، وأن المشاركين سيطلعون على مناخ الاستثمار في تونس وما توفره من تشريعات وقوانين وبنية أساسية وحوافز وتشجيعات للراغبين في الاستثمار في بلاده.
وقال وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي في تونس إن ميزانية بلاده قد أنهكتها عمليات شراء المعدات لتسليح الجيش والأمن للتصدي للإرهاب، وإنه يجب على العالم مساعدة تونس عبر دعم الاستثمار والتنمية فيها، مؤكدا أنّ تونس ستدخل مرحلة الازدهار الاقتصادي الحقيقي بعد سنة 2017، وستعزز بذلك الانتقال السياسي والديمقراطي الذي تلا ثورة 2011 بانتقال اقتصادي.
وإلى نص الحوار..
* تحتضن بلادكم هذه الأيام مؤتمر تونس الدولي للاستثمار، لماذا هذا المؤتمر؟ وما مدى أهميته بالنسبة إلى تونس؟
- هذا المؤتمر ينعقد على مدى يومي الثلاثاء والأربعاء 29 و30 نوفمبر (تشرين الثاني) وسيكون على مرحلتين، المرحلة الأولى ستكون في جلسة يترأسها رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي بحضور كبار المسؤولين والشخصيات السياسية العالمية، ومنهم رؤساء وزراء كل من فرنسا والجزائر وصربيا والرؤساء السابقون لألمانيا وسويسرا، وكذلك رئيس البنك الأوروبي ونائب رئيس البنك العالمي وعدد من وزراء خارجية العديد من الدول.
وبعد هذه الجلسة الأولى يتم افتتاح المنتدى الاقتصادي وهي المرحلة الثانية والهامة، وسنسعى خلالها إلى إبراز إمكانيات الاستثمار في تونس وإرجاع بلادنا إلى موقعها الطبيعي في خارطة الاستثمار في منطقة البحر الأبيض المتوسط كأفضل موقع تنافسي قوي، بحكم قرب تونس من الدول الأوروبية، وتوفر الكفاءات العالية والبنية الأساسية القادرة على تسهيل عمل المستثمرين، بالإضافة إلى اتفاقيات التبادل الحر والتشريعات الهامة.
ولذلك سنعرّف بكل هذه الإمكانيات التي تسمح بالاستثمار في كل القطاعات، وسنعرض على المشاركين 145 مشروعا، منها 62 مشروعا عموميا تابعا للدولة وينتظر التمويل، 15 من بينها وافقت جهات مختلفة حتى الآن على تمويلها. إلى جانب أكثر من 40 مشروعا مشتركا بين القطاعين العام والخاص ونحو 40 مشروعا خاصا، وكل هذه المشاريع سنبحث لها عن تمويلات أو شراكة مع مستثمرين أجانب.
وعليه، فإن هذا المؤتمر يكتسي أهمية بالغة بالنسبة لتونس، وقد دعونا له كبار المسؤولين السياسيين وأصحاب القرار الاقتصادي في عدة دول للاطلاع على مناخ الأعمال الجديد في تونس، والقوانين الجديدة المساعدة على الاستثمار وإنجاز مشاريع اقتصادية كبرى.
* ما شروط نجاح المؤتمر؟
- أهم شرط هو حضور الضيوف الذين اتصلنا بهم ودعوناهم، ويهمنا مستوى التمثيل في الحضور، ونأمل أن يشارك رؤساء مؤسسات التمويل العالمية وصناديق الاستثمار الأجنبية وممثلون عن شركات ضخمة. أما الشرط الثاني، فهو إبرام عقود تمويل أو شراكة لدفع الاستثمار في تونس.. أما الأهم، فيتمثل في متابعة تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
* ما طبيعة المشاريع التي ستقدم في المؤتمر ويتوقع أن يتبناها المستثمرون الأجانب أو المؤسسات المالية العالمية المشاركة؟
- المشاريع الحكومية تتمثل في مشاريع البنية الأساسية؛ مثل الجسور والطرقات السريعة والمستشفيات، بالإضافة إلى مناطق صناعية ومشاريع لإنتاج الطاقة. أما المشاريع المشتركة بين القطاعين العام والخاص فتتمثل في مشاريع في ميادين عدة، مثل تكنولوجيا المعلومات والطاقة واللوجستيات وصناعة السيارات والصناعات الغذائية والسياحة، وغيرها..
* ما الحوافز والتشجيعات التي توفرها القوانين الجديدة للاستثمار؟ وماذا أعددتم من تسهيلات لهؤلاء المستثمرين؟
- نحن نريد أن نبرز في هذا المؤتمر فرص وإمكانيات الاستثمار في تونس، وهي إمكانيات ضخمة وذات قدرة تنافسية عالية. فمثلا الاستثمار في تونس أفضل مما هو في الصين في بعض الجوانب، ومما هو في بعض الدول القريبة من تونس، وخاصة في بعض المجالات، مثل صناعة السيارات والسفن وصناعة النسيج وقطع الغيار.. وسنبرز للمشاركين كل نقاط القوة التي تجعل الاستثمار في تونس أفضل بكثير من الذهاب إلى دول أخرى أبعد ومناخ الاستثمار فيها أكثر تعقيدا.
كما سنحدثهم عن مجلة «الضوابط القانونية» الاستثمارية الجديدة وما تتيحه من تسهيلات كبيرة، فمثلا المجلة القديمة كان عدد فصولها القانونية 75 فصلا، بينما المجلة الجديدة بها 25 فصلا فقط، وعدد الأوامر الحكومية صار 3 أوامر فقط بعد أن كان 33 أمرا. كما أن تونس ستوفر شباكا موحدا وهيئة وحيدة تهتم بتسهيل عمل المستثمرين وتوفير كل التراخيص الإدارية والقانونية بأسرع وقت وتوفير الأراضي والمرافق الأساسية الضرورية التي يحتاجونها دون تعطيل، بالإضافة إلى تمتيعهم بكل الحوافز والتشجيعات المتاحة.
* كيف ستوزع المشاريع على الجهات الداخلية والمحافظات التي تعاني مشاكل التنمية والتشغيل؟
- أشير هنا إلى أن المشاريع العمومية التي ستعرض على المؤتمر مستمدة كلها من مخطط التنمية 2016-2021، الذي يشمل كل جهات الجمهورية وكل المحافظات. وفي هذا الإطار، هناك مثلا مشاريع مستشفيات في باجة وجندوبة وقفصة وطرقات في محافظات كثيرة وتجهيز ميناء جرجيس (جنوب البلاد) وميناء المياه العميقة بالنفيضة (محافظة سوسة)، وكل هذه مشاريع عمومية. أما المستثمرون الخواص، فإن لهم تشجيعات إضافية لتركيز مشاريعهم في المناطق ذات الأولوية؛ ولكن هذا يتطلب إعداد البنية الأساسية الضرورية أولا.
* خلال زيارتكم إلى كثير من الدول للترويج للمؤتمر ودعوة المشاركين، كيف بدت لكم ملامح صورة تونس في عيون الخارج ومدى الاستعداد لمساعدتها على تحقيق الانتقال الاقتصادي؟
- لمسنا لدى الجميع انبهارا بالتجربة الديمقراطية في تونس وتثمينا لها، وقد فسرنا لهم أنّ ميزانية تونس قد أنهكها شراء المعدات الضرورية للجيش والأمن الوطني لحماية البلاد من الإرهاب، وأنّ قرب تونس من دول الاتحاد الأوروبي يجعل منها حصنا منيعا لهذه الدول من الإرهاب.. وقمنا بتوصيل الرسالة إلى هذه الأطراف بضرورة المساهمة في تحقيق نجاح تونس اقتصاديا؛ ولم نطلب منهم هبات أو مساعدات، بل طلبنا استثمارات وتمويل مشاريع تنموية ضخمة.
وقد وجدنا منهم كل التجاوب، وسيحضر إلى المؤتمر نحو 1200 ضيف ومشارك من جميع أنحاء العالم، من أوروبا والصين واليابان وكوريا، وكذلك بلدان الخليج العربي.. وخاصة البلدان الأوروبية حيث سيشارك ممثلون عن 100 شركة فرنسية تقريبا وشركات كبرى من أميركا وألمانيا. وننتظر أن تعود تونس بعد هذا المؤتمر إلى خريطة الاستثمار العالمية.
* ماذا عن مشاركة المملكة العربية السعودية في هذا المؤتمر؟
- سيحضر من السعودية ممثل سامٍ لخادم الحرمين الشريفين، وتأكد حضور وزير عن القطاع الاقتصادي وعدد من كبار المستثمرين السعوديين ورجال الأعمال.
* هناك بنوك وصناديق دولية ستشارك في المؤتمر، هل معنى هذا أنّ تونس ستلجأ إلى مزيد من التداين؟ خاصة أنّ نسبة تداينها حاليا بلغت 60 في المائة تقريبا وتعاني من صعوبات في تسديد ديونها؟
- تداين تونس أمر لا مفر منه لعدم وجود حلول أخرى.. وعجز ميزانية الدولة اليوم يبلغ 8 مليارات دينار تونسي (نحو 3.5 مليار دولار)، ومضطرون لتغطية هذا العجز عبر التداين ولكن بشكل مقبول، حيث سيكون على مدى 40 سنة، مع 10 سنوات إمهال ونسبة فائدة قدرها واحد في المائة، وبعد سنوات سيتحسن الوضع الاقتصادي وقدرة تونس على سداد ديونها.
ونحن مقتنعون أنّ سنة 2017 هي الأخيرة، وبعدها سيتحسن النمو وتبدأ سنوات الازدهار الاقتصادي، لذلك فإن هذا المؤتمر هو موضوع اهتمام الحكومة الآن، ونحن حريصون على إنجاحه وتعزيز الانتقال السياسي بانتقال اقتصادي وإعادة تونس إلى موقعها الاقتصادي كأول بلد مصدر في أفريقيا وكأكثر بلد يتمتع بطاقات بشرية وكفاءات عالية في محيطه وبأسعار لا تقبل المنافسة.
* هل أنت متفائل بنتائج المؤتمر وفرص نجاحه؟ وهل يمكن أن يسهم في تجاوز تونس لأزمتها الاقتصادية؟
- نعم أنا متفائل، ونأمل أنّ يحضر أكثر من ألف مشارك وممثل عن شركات عالمية ورجال أعمال ومستثمرون من أنحاء العالم كافة، وتوقيع عدد هام من الاتفاقيات لإنجاز مشاريع ضخمة ستؤثر إيجابيا على التنمية والحياة الاقتصادية.. وستدخل بعض هذه المشاريع في طور العمل والاستغلال بعد أشهر؛ وليس بعد سنوات.



التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

TT

التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

رسائل كثيرة بعثها مؤتمر العلا في نسخته الثانية، لكنَّ أبرزها أنَّ «زمن الانتظار» خلف الاقتصادات المتقدمة قد انتهى؛ فاليوم تقف الأسواق الناشئة لا كأنها قوة مكملة، بل بوصفها محركاً سيادياً يقود أكثر من 70 في المائة من النمو العالمي. هذه الرسائل لم تكن مجرد استعراض للأرقام، بل كانت «بيان ثقة» يرتكز على ثلاثة دروس جوهرية قدمها وزير المالية السعودي محمد الجدعان من واقع التجربة السعودية، لتكون بمثابة بوصلة للاقتصادات الناشئة.

لقد وضع الجدعان العالم أمام حقيقة اقتصادية صلبة أنَّ مصداقية السياسات لا تُقاس ببراعة الخطط، بل بجسارة التنفيذ. وتجسد ذلك في دروسه الثلاثة؛ أولها أن استقرار الاقتصاد الكلي والانضباط المالي هما حجر الزاوية لأي نهوض، وثانيها أن الإصلاحات الهيكلية لا قيمة لها دون مؤسسات قادرة على تنفيذها، إذ تنبع المصداقية من الحوكمة والشفافية لا من الوعود. أما الدرس الثالث، فهو أن التعاون الدولي متعدد الأطراف بات ضرورة وجودية لحماية هذه الأسواق من الصدمات المتكررة.

هذه «الثلاثية» (الاستقرار، وكفاءة المؤسسات، والتعاون) هي التي تلخص فلسفة التحول الجديدة؛ حيث لم تعد الأسواق الناشئة مجرد ساحة للتجارب، بل أصبحت هي المنصة التي تُصاغ منها الحلول لمواجهة تحديات الدين وتباطؤ التجارة. غير أنَّ هذه الرسائل لم تغفل الجانب التنبيهي؛ إذ إنَّ هذه الأسواق - ورغم تفوقها النموذجي على الاقتصادات المتقدمة - لا تزال تتحرك فوق أرضية ملغومة بالديون المرتفعة، مما يجعل من دعوة الجدعان لتحويل المؤسسات إلى «أدوات تنفيذية مرنة» المرتكز الذي لا يقبل المساومة لضمان استدامة النمو.

وكانت انطلقت أعمال النسخة الثانية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026، الأحد، الذي تحتضنه محافظة العلا الواقعة (غرب السعودية) بالشراكة بين وزارة المالية وصندوق النقد الدولي، وبمشاركة رفيعة المستوى من صُنّاع القرار الاقتصادي، ووزراء مالية، ومحافظي بنوك مركزية، وقادة مؤسسات مالية دولية، ونخبة من الخبراء والمختصين من مختلف دول العالم.

«مجموعة العشرين»

وفي كلمته الافتتاحية، أوضح الجدعان أن هذه الاقتصادات أصبحت المُحرِّك الرئيسي للنشاط الاقتصادي الدولي بعد أن تضاعفت حصتها في الاقتصاد العالمي بأكثر من مرتين منذ عام 2000، لافتاً إلى أن أكبر 10 اقتصادات ناشئة في «مجموعة العشرين» تمثل وحدها الآن أكثر من نصف نمو العالم.

وتابع أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بلحظة تحول عميق، تقودها الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، التي باتت تُشكِّل اليوم نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حيث القوة الشرائية، وتسهم بأكثر من 70 في المائة من النمو العالمي.

جانب من حضور وزراء ومسؤولين في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أنه رغم هذا الدور المحوري، فإن هذه الاقتصادات تواجه بيئةً دوليةً تزداد تعقيداً وتشرذماً، مع ارتفاع مستويات الديون، وتباطؤ نمو التجارة العالمية، وزيادة التعرُّض للصدمات الجيوسياسية.

وحذَّر الجدعان من أن أكثر من نصف البلدان منخفضة الدخل تعاني حالياً من ضائقة ديون، أو تقع تحت خطرها، في وقت تراجعت فيه معدلات نمو التجارة إلى نحو نصف ما كانت عليه قبل الجائحة، مما يفرض ضرورة تبني استجابة سياسية منسقة ونابعة من الملكية الوطنية للدول؛ لضمان فاعلية مواجهة هذه التحولات الهيكلية.

الإصلاحات الهيكلية

وشدَّد على أن التجربة السعودية خلال العقد الماضي عزَّزت دروساً أساسية، في مقدمتها؛ الاستقرار الاقتصادي الكلي هو الأساس المتين للنمو وليس عائقاً له، وأن مصداقية السياسات تأتي من كفاءة التنفيذ والقدرة على ترجمة الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة، وليس من مجرد الخطط.

وفي هذا السياق، أكد أن الإصلاحات الهيكلية جاءت ثانياً، وهي لا يمكن أن تحقق نتائجها المرجوة ما لم تدعمها مؤسسات قوية وقادرة على الإنجاز، مشيراً إلى أن الحوكمة والشفافية تظلان الضمانة الأساسية لتحويل الرؤى إلى أثر ملموس على أرض الواقع.

ولفت الجدعان إلى أن تعزيز التعاون الدولي، وتفعيل دور المؤسسات متعددة الأطراف يأتي ثالثاً، مثل صندوق النقد والبنك الدوليَّين، ليس فقط بوصفها جهات إقراض، بل بوصفها بمثابة مستشارين موثوقين لدعم الاقتصادات الناشئة في رحلتها وسط الصدمات المتكررة.

النمو دون المستويات

من جهتها، ذكرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، أن النمو العالمي لا يزال دون مستويات ما قبل الجائحة، محذرة من أن ذلك يثير القلق في ظل توقع التعرض لمزيد من الصدمات، مع تآكل الهوامش المالية في كثير من الدول، وارتفاع ضغوط الإنفاق ومستويات الدين.

وحدَّدت غورغييفا أولويَّتين للسياسات؛ الأولى إطلاق نمو يقوده القطاع الخاص عبر تقليص البيروقراطية، وتعميق الأسواق المالية، وتعزيز المؤسسات وتحسين الحوكمة، إلى جانب تمكين الشباب من اكتساب مهارات وظائف المستقبل وتشجيعهم على ريادة الأعمال.

أما الثانية، فتعزيز التكامل في عالم يشهد تبدل التحالفات وأنماط التجارة، عبر اغتنام فرص التعاون الإقليمي وعبر الأقاليم، وخفض الحواجز بما يحافظ على التجارة بوصفها محركاً للنمو.

وأبانت غورغييفا أن إطلاق المؤتمر، العام الماضي، جاء اعترافاً بالدور المتنامي للاقتصادات الناشئة في عالم يشهد تحولات واسعة في الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا والتجارة.

وطبقاً لمديرة صندوق النقد الدولي، فإن السياسات الجيدة تؤتي ثمارها، وإن معدلات النمو في الاقتصادات الناشئة تبلغ نحو 4 في المائة هذا العام، متجاوزة بفارق كبير نظيرتها في الاقتصادات المتقدمة، البالغة قرابة 1.5 في المائة، بينما تزيد حصة الاقتصادات الناشئة من الاقتصاد العالمي على 56 في المائة.

غورغييفا تتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

التجارة والاستثمار

من ناحيته، أكد وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، على ضرورة السرعة والمرونة في صنع السياسات لاقتصادات الأسواق الناشئة، قائلاً: «الوقت ليس محايداً، فالتأخير يحمل تكلفة اقتصادية كلية تتراكم بمرور الوقت، لذلك تمكنت الدول التي استطاعت ضغط دورات اتخاذ القرار مع الحفاظ على الثقة والمصداقية من تحويل تلك السرعة إلى ميزة استراتيجية».

وزاد الإبراهيم، أن السعودية «ستظل منارة للبراغماتية في شراكاتها»، وستعمل كأنها حلقة وصل تخلق منصة للفرص من جميع أنحاء العال، مفيداً أن التجارة والاستثمار لا يزالان محركين أساسيين للنمو والمرونة لاقتصادات الأسواق الناشئة.

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

وأردف وزير الاقتصاد والتخطيط: «أمامنا اليوم فرصة لبحث آليات المواكبة مع نظام التجارة المتطور، واستكشاف كيف يمكننا تحقيق قيمة أكبر من خلال ذلك»؛ مؤكداً على الدور الاستراتيجي للمؤسسات في ضمان المواءمة مع نظام التجارة العالمي.

المخاطر الجيوسياسية

من جانبه، صرّح وزير المالية الصيني لان فوان آن، بأن الاقتصادات الناشئة والنامية تواجه 3 تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية، وازدياد أوجه القصور في منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية.

وتابع أن الاقتصاد العالمي سجَّل نمواً بنحو 3.3 في المائة خلال عام 2025، وهو أقل من متوسط ما قبل الجائحة، مؤكداً أن ذلك يعود إلى تصاعد الحمائية وازدياد عدم اليقين الجيوسياسي، وما نتج عن ذلك من تباطؤ في التجارة العالمية، وتجزؤ الاقتصاد الدولي.

وزير المالية الصيني في كلمته الخاصة خلال مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأكمل أن هذه التطورات أسهمت في تعطيل تخصيص الموارد عالمياً وتعميق الفجوة التكنولوجية، لا سيما في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، في وقت لا تزال فيه الدول النامية متأخرة في حجم الاستثمارات التقنية. وحسب لان فوان آن، فإن أوضاع الديون في الدول منخفضة الدخل واصلت التدهور، ما يقيّد نمو الاستهلاك والاستثمار، ويؤثر سلباً على جهود التنمية، مشيراً إلى أن دول الجنوب العالمي تمثل نحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتسهم بنحو 75 في المائة من النمو العالمي.

السياسات النقدية

من جهة أخرى، أفاد محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، بأن حالة عدم اليقين الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية - لا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتنامي للوساطة المالية غير المصرفية.

وأبان السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات، مثل طلبات تغطية الهوامش، وخصومات الضمانات، وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

محافظ البنك السعودي المركزي في جلسة حوارية (الشرق الأوسط)

وزاد أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات.

وتحدث السياري عن تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وشرح أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

التضخم

أما محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، فيرى أن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات، مشيراً إلى أن مستوى النشاط الاقتصادي تأثر بهذه الضبابية مع تفاوت الزخم بين الدول والقطاعات والمناطق، غير أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرة واضحة على التكيف مع مشهد سريع التغير.

وأردف، أن التضخم لم يرتفع بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، رغم استمرار ضغوط تكاليف المعيشة في كثير من الدول، مضيفاً أن الأوضاع المالية العالمية كانت داعمة إلى حد كبير على الرغم من فترات التقلب وارتفاع عوائد السندات السيادية.

وفيما يتعلق بالنظام المالي، شرح أن الإصلاحات التي أعقبت الأزمة المالية جعلته أكثر متانة وقدرة على امتصاص الصدمات الكبيرة رغم انتقال جزء من الوساطة المالية من البنوك إلى المؤسسات غير المصرفية، مؤكداً أن البنوك لا تزال مصدراً أساسياً للائتمان والسيولة.

إصلاحات السعودية

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر العلا، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما سماه «التكامل المجزأ».

ولفت أنتراس إلى أن «رؤية السعودية» وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد البروفيسور بول أنتراس خلال حديثه إلى الحضور في المؤتمر (الشرق الأوسط)

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، أجاب أنتراس: «تحد أسعار الفائدة المرتفعة، مضافة إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ووفق أنتراس، فإن هذا النمو هو المخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».


السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
TT

السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)

أكد سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية»، على جاهزية المواني السعودية وقناة السويس لاستقبال عودة الخطوط الملاحية الكبرى للعبور مرة أخرى من المنطقة بعد استقرار الأوضاع.

وعبر المزروع، خلال لقائه الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس المصرية، على هامش فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) بالقاهرة، عن تقديره لجهود هيئة قناة السويس في تعزيز الاستدامة والاستقرار لحركة الملاحة العالمية المارة بمنطقة البحر الأحمر وباب المندب.

تجدر الإشارة إلى أن منطقة البحر الأحمر كانت تشهد فترة من الاضطرابات الملاحية، بسبب الهجوم على السفن التجارية، من قبل جماعة الحوثيين اليمنية، غير أن التوصل لوقف إطلاق النار في غزة، ساهم في توقف الحوثي بنسبة كبيرة عن تلك الهجمات، وعودة خطوط الملاحة الدولية الكبرى للمرور من قناة السويس، التي يمر بها نحو 12 في المائة من التجارة العالمية.

وأبدى المزروع رغبته في التعاون مع قناة السويس في مجال بناء المعديات، فضلاً عن التعاون مع شركات الهيئة العاملة في مجالات التكريك وأعمال الأرصفة، لا سيما مع اتجاه المملكة لتطوير ميناء جدة والقيام بالعديد من مشروعات البنية التحتية.

وشدَّد رئيس «الهيئة العامة للموانئ» بالمملكة العربية السعودية على أن التعاون مع هيئة قناة السويس يعكس قوة العلاقات الثنائية بين البلدين ووحدة الأهداف، متوقعاً أن تشهد الفترة المُقبلة مزيداً من التعاون البنَّاء بين الجانبين.

من جانبه، صرَّح الفريق أسامة ربيع، أنه بحث مع المزروع، سبل التعاون المستقبلي، والتباحث حول آليات التعاون في مجالات تقديم الخدمات اللوجيستية، وبناء الوحدات البحرية، وأعمال المواني والتكريك.

وأعرب ربيع، وفقاً لبيان صحافي صادر عن هيئة قناة السويس، عن تطلعه «لتعزيز علاقات الشراكة والصداقة ومد جسور التعاون لتشمل مجالات عمل جديدة بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الراهنة في ضوء تطور مفهوم الخدمات البحرية واللوجيستية بهيئة قناة السويس وزيادة متطلبات المواني البحرية السعودية».

وأكد الفريق ربيع أن «هيئة قناة السويس تمتلك تجربة تعاون ناجحة مع (هيئة الموانئ السعودية) حيث قامت أكاديمية المحاكاة والتدريب البحري التابعة للهيئة بعملية نمذجة ناجحة لميناء رأس الخير في السعودية تمهيداً لتنفيذ عملية ازدواج لقناة الاقتراب في الميناء، وهو التعاون الذي شهد إشادة كبيرة من جانب وفد (هيئة الموانئ السعودية)».

واستعرض ربيع جهود توطين الصناعة البحرية في الترسانات والشركات التابعة لهيئة قناة السويس والتي شهدت طفرة كبيرة خلال العامين الماضيين تحت شعار «صنع في مصر» بجودة عالمية وأسعار تنافسية.

بدأت فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) في نسخته الخامسة عشر، والذي تنظمه الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري تحت رعاية جامعة الدول العربية وبالتعاون مع وزارة النقل المصرية بالقاهرة، خلال الفترة من 8 - 10 فبراير (شباط) الحالي.

وأشار رئيس الهيئة إلى أن إحصائيات الملاحة بالقناة خلال النصف الأول من العام المالي (2025/ 2026) شهدت تحسناً نسبياً مُسجلة نمواً في أعداد السفن العابرة بنسبة 5.8 في المائة، وارتفاعاً في الحمولات الصافية بنسبة 16 في المائة، بما انعكس إيجاباً على زيادة الإيرادات بنسبة 18.5 في المائة، وذلك مقارنة بالفترة ذاتها من العام المالي 2024/ 2025.

وأضاف أن حركة الملاحة بالقناة منذ بداية العام الحالي 2026 سجلت عبور 1315 سفينة بإجمالي حمولات صافية 56 مليون طن محققة إيرادات قدرها 449 مليون دولار مقابل عبور 1243 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 47 مليون طن، محققة إيرادات قدرها 368 مليون دولار، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.


«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
TT

«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)

وقّع «صندوق النقد الدولي» مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي»، على هامش «مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»؛ بهدف تعزيز التعاون المشترك بين الجانبين، وقد وقّعتها المديرة العامة لـ«صندوق النقد الدولي» الدكتورة كريستالينا غورغييفا، والمدير العام لـ«صندوق النقد العربي» الدكتور فهد التركي.

تهدف مذكرة التفاهم إلى «تعزيز التنسيق في مجالات السياسات الاقتصادية والمالية، بما يشمل التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض، وتبادل البيانات والأعمال التحليلية، وبناء القدرات، وتقديم المساندة الفنية، دعماً للاستقرار المالي والاقتصادي في المنطقة».

وأكد الجانبان أن هذه المذكرة تمثل خطوة مهمة نحو «تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين المؤسستين، والإسهام في دعم شبكة الأمان المالي الإقليمي؛ بما يخدم الدول الأعضاء، ويعزز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية».