سياسة فرنسوا فيون الخارجية: التعاون مع موسكو والانفتاح على دمشق

حدد أولوياته في محاربة «داعش» والإرهاب دوليا وداخليا

سياسة فرنسوا فيون الخارجية: التعاون مع موسكو والانفتاح على دمشق
TT

سياسة فرنسوا فيون الخارجية: التعاون مع موسكو والانفتاح على دمشق

سياسة فرنسوا فيون الخارجية: التعاون مع موسكو والانفتاح على دمشق

مع فوزه الساحق على منافسه آلان جوبيه في الجولة الثانية من الانتخابات التمهيدية لليمين ويمين الوسط الفرنسي، أصبح رئيس الوزراء السابق فرنسوا فيون مرشح حزب «الجمهوريون» وحلفائه لخوض الانتخابات الرئاسية ربيع العام القادم.
واقترب فيون بذلك من أن يصبح ثامن رئيس للجمهورية الفرنسية، بسبب حالة الانقسام العميقة التي يعاني منها اليسار الفرنسي والحزب الاشتراكي، والتي قد تقطع عليهما طريق الإليزيه. والمرجح، وفق استطلاعات الرأي، ألا يكون المرشح الاشتراكي، سواء كان الرئيس فرنسوا هولاند أو رئيس حكومته مانويل فالس، قادرا على اجتياز الجولة الانتخابية الأولى، بحيث سينحصر التنافس بين فيون ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان. وبما أن المزاج الفرنسي لا يتقبل حتى الآن وصول اليمين المتطرف إلى الرئاسة، فإن الطريق سيكون معبدا لوصول فيون إلى الإليزيه، وفقا للمراقبين. وبحسب آخر استطلاع للرأي أجري يوم الأحد الماضي، فإن الفائز بانتخابات اليمين التمهيدية بنسبة 66.5 في المائة، سيكون قادرا على سحق مارين لوبان بحيث يرجح أن يحصل على ما يزيد على 65 في المائة من أصوات الناخبين الفرنسيين.
إذا سارت الأمور كما هو متوقع، فإن اليمين الفرنسي سيعود للإمساك بكافة المؤسسات: رئاسة الجمهورية، الحكومة، مجلس النواب، مجلس الشيوخ الذي تغلب عليه حاليا أكثرية يمينية، ناهيك عن الإدارة المركزية والأكثرية الساحقة من مجالس المناطق. وبما أن فيون يعتبر أن ناخبي اليمين ويمين الوسط قد اقترعوا لصالح برنامجه الانتخابي الراديكالي، فقد أكد أنه سيعمد إلى وضعه موضع التنفيذ من غير تأخير أو مساومة.
السؤال الذي يطرح نفسه يتناول التغيرات المنتظرة في السياسات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، ولكن أيضا على سياسة فرنسا الخارجية خصوصا إزاء البؤر الساخنة في الشرق الأوسط والعالم العربي. فما هو الثابت وما هو المتحول في رؤية فيون لدور بلاده على المسرح الخارجي؟
الظاهر حتى الآن، من خلال برنامجه الانتخابي ومن خلال المناقشات العامة التي حصلت بمناسبة الانتخابات التمهيدية، أن فيون عازم على إحداث تغييرات في سياسة فرنسا الخارجية وفي حربها على الإرهاب وتعاطيها مع الملف الأمني الداخلي بما له من أبعاد خارجية. بيد أن مصادر دبلوماسية تحدثت إليها «الشرق الأوسط» أشارت إلى نقطتين مهمتين: الأولى تتمثل بـ«استمرارية» السياسة الخارجية التي لا يمكن أن تتبدل جذريا بسبب التزامات الدولة الفرنسية، ما يعني عمليا أن الرئيس الجديد قادر على أن يعيد «توجيه» سياسة بلاده الخارجية، لكنه «لا يستطيع أن يقلب الطاولة وما عليها». أما النقطة الثانية، فقوامها أن لفرنسا مصالح استراتيجية واقتصادية وثقافية ولا بد أن تكون سياستها الخارجية مرسومة لخدمة هذه المصالح التي لا تتغير بين ليلة وضحاها. لكن يبقى أن رئيس الدولة، بموجب دستور الجمهورية الخامسة، هو من يرسم السياسة الخارجية والدفاعية، كما أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة والممسك بمفتاح القوة النووية، وبالتالي فإن كلمته حاسمة فيما يخص السياسة الخارجية والدفاعية.
حينما سئل فيون، خلال مقابلة تلفزيونية، عما إذا كان يدين «جرائم الحرب» و«الجرائم ضد الإنسانية» التي ترتكب ضد المواطنين السوريين في أحياء حلب الشرقية، تهرب من الإجابة مباشرة واكتفى بالقول: «لا أعلم. لم أكن موجودا هناك». الجواب لم يكن مفاجئا لأحد. فموقف فيون من الحرب السورية بات معروفا، وهو يبتعد عن الموقف الرسمي الفرنسي الذي سارت عليه باريس منذ اندلاع الثورة السورية وعندما كان فيون رئيسا للحكومة في عهد الرئيس ساركوزي وآلان جوبيه وزيرا للخارجية. ويقول فيون إن مبدأ «الواقعية» يجب أن يتحكم بسياسة فرنسا الخارجية، وأن أولى أولوياتها في الشرق الأوسط هي محاربة إرهاب «داعش» وبالتالي عليها أن تلتزم السياسة التي تتماشى مع هذا المبدأ.
في الأسابيع التي تلت مجزرة مدينة نيس الساحلية في شهر يوليو (تموز) الماضي، والتي قضى فيها 80 شخصا وجرح المئات، أصدر فيون كتابا بعنوان «الانتصار على التوتاليتارية الإسلامية». وفي معرض تقديمه للكتاب، في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي لموقع «أتلانتيكو» اليميني الإخباري، عرض فيون «فلسفته» كالتالي: «نحن (أي الغرب) لا نواجه تهديدا عابرا بل حركة جامحة تهدف إلى السيطرة على قسم من العالم باللجوء إلى آيديولوجيا وطرق توتاليتارية، بل إنها تلجأ إلى ارتكاب عمليات إبادة ضد مسيحيي الشرق واليهود الذين تريد طردهم من إسرائيل». وذهب فيون إلى التحذير من حصول «حرب عالمية ثالثة».
بنا ء على هذا التشخيص، يعتبر فيون أنه يتعين على فرنسا أن تنفتح على النظام السوري وأن تتعاون معه في الحرب على «داعش» والإرهاب. وهو يعرض الوضع كالتالي: «ليس في سوريا سوى معسكرين يتقاتلان، وليس هناك ما يزعم أنه معسكر ثالث (المعارضة المعتدلة): فمن جهة، هناك من يسعى إلى إقامة نظام توتاليتاري وهناك الآخرون (أي النظام) وأنا أختار هؤلاء الآخرين». ويذهب فيون إلى حد الدعوة لإقامة قناة اتصال دبلوماسية مع النظام السوري، متّهما الحكومة بسلوك طريق «لا يفضي إلى شيء» من خلال دعمها للمعارضة ومطالبتها برحيل الأسد. كما حذر من أنه طالما بقيت على هذه السياسة، فإنها «لن تحصل على أي نتيجة». إلى ذلك، اعتبر فيون بمناسبة المناظرة الثالثة بين مرشحي اليمين أنه «إذا كان الأسد ما زال في موقعه، فإنه يتمتع بدعم شعبي»، وأنه إذا سقط نظامه فإن ذلك سيشكل خطرا على الأقليات المسيحية في سوريا. وخلال المراحل التمهيدية لحملته، زار فيون العراق وذهب إلى أربيل وإلى لبنان والتقى الكثير من المسؤولين عن الطوائف المسيحية. وسبق لنواب قريبين منه أن زاروا دمشق، والتقوا رئيس النظام السوري الأسد مرتين، ما أثار حفيظة الحكومة الفرنسية وخصوصا وزارة الخارجية.
حقيقة الأمر أن فيون ليس وحده من دعاة الانفتاح على الأسد، بل إن الكثير من أصوات اليمين الكلاسيكي واليمين المتطرف تدفع في هذا الاتجاه، بمن فيهم الرئيس الأسبق ساركوزي، بينما بقي المرشح الخاسر جوبيه أقرب إلى خط الدبلوماسية الفرنسية الراهن.
انطلاقا من مبدأ «الواقعية السياسية»، فإن مرشح اليمين يدعو لتعاون أكبر مع روسيا التي تشكل الداعم الأكبر للنظام السوري باعتبار أن موسكو «حليف» في محاربة الإرهاب وأنها «حققت في ستة أشهر ما لم يحققه التحالف الدولي بقيادة واشنطن خلال سنتين». وفيما يدافع فيون عن مبدأ رفع العقوبات التي فرضت على روسيا بسبب ضمها لشبه جزيرة القرم، فإنه يدعو الأوروبيين والغربيين بشكل عام إلى التفاهم والحوار مع موسكو من أجل منعها من «التوجه شرقا» أي التحالف مع الصين وإبقائها أقرب إلى أوروبا. ومن الواضح أن فيون يسعى لموازنة السياسة الفرنسية بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية، ما يذكر بالسياسة التي سار عليها الجنرال ديغول الذي سحب بلاده من القيادة الموحدة للحلف الأطلسي وطلب منها مغادرة فرنسا.
إلى ذلك، يسعى فيون إلى إعادة توجيه سياسة بلاده إزاء منطقة الخليج عن طريق التقارب مع إيران. وفي المقابل، فإنه عازم على «إعادة النظر» في علاقات فرنسا مع بلدان الخليج العربي الأمر الذي يشكل تحولا جذريا في سياسة باريس التي سارت عليها إزاء هذه المنطقة منذ السبعينات، وتحديدا منذ الزيارة الشهيرة التي قام بها الملك فيصل إلى باريس في العام 1970، وتقوم اليوم بين باريس والرياض «علاقة استراتيجية متميزة» وفق الوصف الفرنسي الرسمي كما تقوم بين باريس وغالبية العواصم الخليجية علاقات وثيقة سياسية واقتصادية ودفاعية. وترتبط باريس باتفاقيات دفاعية مع الكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر. ولذا، فإن مصادر دبلوماسية عربية في باريس تعتبر أن عملية «إعادة النظر» في سياسة فرنسا في منطقة الشرق الأوسط، إذا ما حصلت فعلا وإذا ما كانت لصالح إيران «ستنعكس سلبا على موقع ومصالح فرنسا» في هذه المنطقة من العالم.
أما فيما يتعلق بالسياسات الداخلية، فإن فيون الساعي إلى «إعادة هيبة الدولة» ومنع عودة الإرهابيين الذين ذهبوا للمحاربة في صفوف التنظيمات الإرهابية إلى فرنسا عن طريق نزع الجنسية عنهم، كما يخطط لطرد الأجانب الذين يثبت انتماؤهم لحركات متطرفة. أما في الداخل، فيريد فيون مواجهة الفكر المتطرف و«الإخوان المسلمين» وفق ما شدد عليه في آخر نقاشه التلفزيوني مع جوبيه بين الدورتين الانتخابيتين.
إلى ذلك، فإن مرشح اليمين عازم على اتباع سياسة أكثر تشددا في موضوع الهجرة عن طريق فرض «كوتا» «أي حصصا» محددة كل عام لما يمكن فرنسا أن تستقبله من مهاجرين، وفقا لحاجاتها الاقتصادية. كما يرمي إلى تشديد شروط الحصول على الجنسية الفرنسية، وخصوصا شروط «جمع شمل العائلات» التي تتيح لعشرات الآلاف من الأجانب الدخول إلى فرنسا بطريقة شرعية. ومن التدابير التي ينوي اتخاذها، الحد من حصول الأجانب على التقديمات الاجتماعية وخصوصا الطبية منها.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».