سياسة فرنسوا فيون الخارجية: التعاون مع موسكو والانفتاح على دمشق

حدد أولوياته في محاربة «داعش» والإرهاب دوليا وداخليا

سياسة فرنسوا فيون الخارجية: التعاون مع موسكو والانفتاح على دمشق
TT

سياسة فرنسوا فيون الخارجية: التعاون مع موسكو والانفتاح على دمشق

سياسة فرنسوا فيون الخارجية: التعاون مع موسكو والانفتاح على دمشق

مع فوزه الساحق على منافسه آلان جوبيه في الجولة الثانية من الانتخابات التمهيدية لليمين ويمين الوسط الفرنسي، أصبح رئيس الوزراء السابق فرنسوا فيون مرشح حزب «الجمهوريون» وحلفائه لخوض الانتخابات الرئاسية ربيع العام القادم.
واقترب فيون بذلك من أن يصبح ثامن رئيس للجمهورية الفرنسية، بسبب حالة الانقسام العميقة التي يعاني منها اليسار الفرنسي والحزب الاشتراكي، والتي قد تقطع عليهما طريق الإليزيه. والمرجح، وفق استطلاعات الرأي، ألا يكون المرشح الاشتراكي، سواء كان الرئيس فرنسوا هولاند أو رئيس حكومته مانويل فالس، قادرا على اجتياز الجولة الانتخابية الأولى، بحيث سينحصر التنافس بين فيون ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان. وبما أن المزاج الفرنسي لا يتقبل حتى الآن وصول اليمين المتطرف إلى الرئاسة، فإن الطريق سيكون معبدا لوصول فيون إلى الإليزيه، وفقا للمراقبين. وبحسب آخر استطلاع للرأي أجري يوم الأحد الماضي، فإن الفائز بانتخابات اليمين التمهيدية بنسبة 66.5 في المائة، سيكون قادرا على سحق مارين لوبان بحيث يرجح أن يحصل على ما يزيد على 65 في المائة من أصوات الناخبين الفرنسيين.
إذا سارت الأمور كما هو متوقع، فإن اليمين الفرنسي سيعود للإمساك بكافة المؤسسات: رئاسة الجمهورية، الحكومة، مجلس النواب، مجلس الشيوخ الذي تغلب عليه حاليا أكثرية يمينية، ناهيك عن الإدارة المركزية والأكثرية الساحقة من مجالس المناطق. وبما أن فيون يعتبر أن ناخبي اليمين ويمين الوسط قد اقترعوا لصالح برنامجه الانتخابي الراديكالي، فقد أكد أنه سيعمد إلى وضعه موضع التنفيذ من غير تأخير أو مساومة.
السؤال الذي يطرح نفسه يتناول التغيرات المنتظرة في السياسات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، ولكن أيضا على سياسة فرنسا الخارجية خصوصا إزاء البؤر الساخنة في الشرق الأوسط والعالم العربي. فما هو الثابت وما هو المتحول في رؤية فيون لدور بلاده على المسرح الخارجي؟
الظاهر حتى الآن، من خلال برنامجه الانتخابي ومن خلال المناقشات العامة التي حصلت بمناسبة الانتخابات التمهيدية، أن فيون عازم على إحداث تغييرات في سياسة فرنسا الخارجية وفي حربها على الإرهاب وتعاطيها مع الملف الأمني الداخلي بما له من أبعاد خارجية. بيد أن مصادر دبلوماسية تحدثت إليها «الشرق الأوسط» أشارت إلى نقطتين مهمتين: الأولى تتمثل بـ«استمرارية» السياسة الخارجية التي لا يمكن أن تتبدل جذريا بسبب التزامات الدولة الفرنسية، ما يعني عمليا أن الرئيس الجديد قادر على أن يعيد «توجيه» سياسة بلاده الخارجية، لكنه «لا يستطيع أن يقلب الطاولة وما عليها». أما النقطة الثانية، فقوامها أن لفرنسا مصالح استراتيجية واقتصادية وثقافية ولا بد أن تكون سياستها الخارجية مرسومة لخدمة هذه المصالح التي لا تتغير بين ليلة وضحاها. لكن يبقى أن رئيس الدولة، بموجب دستور الجمهورية الخامسة، هو من يرسم السياسة الخارجية والدفاعية، كما أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة والممسك بمفتاح القوة النووية، وبالتالي فإن كلمته حاسمة فيما يخص السياسة الخارجية والدفاعية.
حينما سئل فيون، خلال مقابلة تلفزيونية، عما إذا كان يدين «جرائم الحرب» و«الجرائم ضد الإنسانية» التي ترتكب ضد المواطنين السوريين في أحياء حلب الشرقية، تهرب من الإجابة مباشرة واكتفى بالقول: «لا أعلم. لم أكن موجودا هناك». الجواب لم يكن مفاجئا لأحد. فموقف فيون من الحرب السورية بات معروفا، وهو يبتعد عن الموقف الرسمي الفرنسي الذي سارت عليه باريس منذ اندلاع الثورة السورية وعندما كان فيون رئيسا للحكومة في عهد الرئيس ساركوزي وآلان جوبيه وزيرا للخارجية. ويقول فيون إن مبدأ «الواقعية» يجب أن يتحكم بسياسة فرنسا الخارجية، وأن أولى أولوياتها في الشرق الأوسط هي محاربة إرهاب «داعش» وبالتالي عليها أن تلتزم السياسة التي تتماشى مع هذا المبدأ.
في الأسابيع التي تلت مجزرة مدينة نيس الساحلية في شهر يوليو (تموز) الماضي، والتي قضى فيها 80 شخصا وجرح المئات، أصدر فيون كتابا بعنوان «الانتصار على التوتاليتارية الإسلامية». وفي معرض تقديمه للكتاب، في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي لموقع «أتلانتيكو» اليميني الإخباري، عرض فيون «فلسفته» كالتالي: «نحن (أي الغرب) لا نواجه تهديدا عابرا بل حركة جامحة تهدف إلى السيطرة على قسم من العالم باللجوء إلى آيديولوجيا وطرق توتاليتارية، بل إنها تلجأ إلى ارتكاب عمليات إبادة ضد مسيحيي الشرق واليهود الذين تريد طردهم من إسرائيل». وذهب فيون إلى التحذير من حصول «حرب عالمية ثالثة».
بنا ء على هذا التشخيص، يعتبر فيون أنه يتعين على فرنسا أن تنفتح على النظام السوري وأن تتعاون معه في الحرب على «داعش» والإرهاب. وهو يعرض الوضع كالتالي: «ليس في سوريا سوى معسكرين يتقاتلان، وليس هناك ما يزعم أنه معسكر ثالث (المعارضة المعتدلة): فمن جهة، هناك من يسعى إلى إقامة نظام توتاليتاري وهناك الآخرون (أي النظام) وأنا أختار هؤلاء الآخرين». ويذهب فيون إلى حد الدعوة لإقامة قناة اتصال دبلوماسية مع النظام السوري، متّهما الحكومة بسلوك طريق «لا يفضي إلى شيء» من خلال دعمها للمعارضة ومطالبتها برحيل الأسد. كما حذر من أنه طالما بقيت على هذه السياسة، فإنها «لن تحصل على أي نتيجة». إلى ذلك، اعتبر فيون بمناسبة المناظرة الثالثة بين مرشحي اليمين أنه «إذا كان الأسد ما زال في موقعه، فإنه يتمتع بدعم شعبي»، وأنه إذا سقط نظامه فإن ذلك سيشكل خطرا على الأقليات المسيحية في سوريا. وخلال المراحل التمهيدية لحملته، زار فيون العراق وذهب إلى أربيل وإلى لبنان والتقى الكثير من المسؤولين عن الطوائف المسيحية. وسبق لنواب قريبين منه أن زاروا دمشق، والتقوا رئيس النظام السوري الأسد مرتين، ما أثار حفيظة الحكومة الفرنسية وخصوصا وزارة الخارجية.
حقيقة الأمر أن فيون ليس وحده من دعاة الانفتاح على الأسد، بل إن الكثير من أصوات اليمين الكلاسيكي واليمين المتطرف تدفع في هذا الاتجاه، بمن فيهم الرئيس الأسبق ساركوزي، بينما بقي المرشح الخاسر جوبيه أقرب إلى خط الدبلوماسية الفرنسية الراهن.
انطلاقا من مبدأ «الواقعية السياسية»، فإن مرشح اليمين يدعو لتعاون أكبر مع روسيا التي تشكل الداعم الأكبر للنظام السوري باعتبار أن موسكو «حليف» في محاربة الإرهاب وأنها «حققت في ستة أشهر ما لم يحققه التحالف الدولي بقيادة واشنطن خلال سنتين». وفيما يدافع فيون عن مبدأ رفع العقوبات التي فرضت على روسيا بسبب ضمها لشبه جزيرة القرم، فإنه يدعو الأوروبيين والغربيين بشكل عام إلى التفاهم والحوار مع موسكو من أجل منعها من «التوجه شرقا» أي التحالف مع الصين وإبقائها أقرب إلى أوروبا. ومن الواضح أن فيون يسعى لموازنة السياسة الفرنسية بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية، ما يذكر بالسياسة التي سار عليها الجنرال ديغول الذي سحب بلاده من القيادة الموحدة للحلف الأطلسي وطلب منها مغادرة فرنسا.
إلى ذلك، يسعى فيون إلى إعادة توجيه سياسة بلاده إزاء منطقة الخليج عن طريق التقارب مع إيران. وفي المقابل، فإنه عازم على «إعادة النظر» في علاقات فرنسا مع بلدان الخليج العربي الأمر الذي يشكل تحولا جذريا في سياسة باريس التي سارت عليها إزاء هذه المنطقة منذ السبعينات، وتحديدا منذ الزيارة الشهيرة التي قام بها الملك فيصل إلى باريس في العام 1970، وتقوم اليوم بين باريس والرياض «علاقة استراتيجية متميزة» وفق الوصف الفرنسي الرسمي كما تقوم بين باريس وغالبية العواصم الخليجية علاقات وثيقة سياسية واقتصادية ودفاعية. وترتبط باريس باتفاقيات دفاعية مع الكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر. ولذا، فإن مصادر دبلوماسية عربية في باريس تعتبر أن عملية «إعادة النظر» في سياسة فرنسا في منطقة الشرق الأوسط، إذا ما حصلت فعلا وإذا ما كانت لصالح إيران «ستنعكس سلبا على موقع ومصالح فرنسا» في هذه المنطقة من العالم.
أما فيما يتعلق بالسياسات الداخلية، فإن فيون الساعي إلى «إعادة هيبة الدولة» ومنع عودة الإرهابيين الذين ذهبوا للمحاربة في صفوف التنظيمات الإرهابية إلى فرنسا عن طريق نزع الجنسية عنهم، كما يخطط لطرد الأجانب الذين يثبت انتماؤهم لحركات متطرفة. أما في الداخل، فيريد فيون مواجهة الفكر المتطرف و«الإخوان المسلمين» وفق ما شدد عليه في آخر نقاشه التلفزيوني مع جوبيه بين الدورتين الانتخابيتين.
إلى ذلك، فإن مرشح اليمين عازم على اتباع سياسة أكثر تشددا في موضوع الهجرة عن طريق فرض «كوتا» «أي حصصا» محددة كل عام لما يمكن فرنسا أن تستقبله من مهاجرين، وفقا لحاجاتها الاقتصادية. كما يرمي إلى تشديد شروط الحصول على الجنسية الفرنسية، وخصوصا شروط «جمع شمل العائلات» التي تتيح لعشرات الآلاف من الأجانب الدخول إلى فرنسا بطريقة شرعية. ومن التدابير التي ينوي اتخاذها، الحد من حصول الأجانب على التقديمات الاجتماعية وخصوصا الطبية منها.



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟