من وقت لآخر نحتاج لرحلة نغير بها الروتين اليومي وحتى روتين الرحلات التقليدية، للتخلص من الضغوط والأعباء وتجديد النشاط والحيوية وأيضًا ممارسة نوع مختلف من الأنشطة بعيدا عن أجواء العمل والمنزل والأماكن المغلقة، لذا لن يكون هناك أنسب من رحلة في فضاء الصحراء الرحب وفي واحدة من أجمل الصحارى في العالم هي الصحراء البيضاء في مصر، التي تنفرد بجبال وصخور الكريستال البلورية الساحرة.
هذه الرحلة ملائمة لعشاق المغامرة وسياحة السفاري أو السياحة البيئية وعشاق التصوير الفوتوغرافي أو الباحثين عن رحلة للتأمل والعلاج الروحاني. تقع هذه الصحراء التي تشبه عالم سحر خياليًا على بعد نحو 500 كيلومتر من القاهرة، وتنتمي إداريًا لمحافظة الوادي الجديد الواقعة في صحراء مصر الغربية الشاسعة، وهي تعد من أهم المحميات الطبيعية المصرية بما تحويه من كنوز لا توجد في أي مكان بالعالم. وتم إعلانها محمية طبيعية بقرار من مجلس الوزراء عام 2002، ولعل ما يضفي سحرا وغموضا عليها هو أنك ستعرف من المرشد السياحي أن تلك المنطقة كانت قبل 40 مليون سنة جزءا من بحر شاسع، وربما كان متصلا بالبحر الأبيض المتوسط ثم انحسرت المياه، وبفعل الرياح والرمال وعوامل التعرية نُحِتت أجمل مجسمات يمكن أن تراها.
لذا ليس غريبا أن تختارها وكالة ناسا للفضاء لإجراء أبحاثها الخاصة بالرحلات المزمع إرسالها إلى كوكب المريخ، فقد وجد علماء ناسا أن سطح الأرض في تلك المنطقة هو الأقرب لسطح المريخ.
عادة ما تستغرق تلك الرحلة ما بين 3 و5 أيام وفقًا لمنظمي الرحلة، تبدأ الرحلة بالتحرك من القاهرة فجرا بأتوبيس سياحي مجهز، يتوقف بك في عدة محطات للاستراحة. ولن تشعر بالملل من الطريق الصحراوي حيث يمكنك الاستماع للموسيقى المحببة إليك مع إراحة عينيك بالنظر إلى تموجات الكثبان الرملية طوال الطريق، وننصح بالاستمتاع بتلك المشاهد الطبيعية مع الاستماع لأغاني كوكب الشرق أم كلثوم إذا كنت من عشاق الطرب العربي، كما تصنع أغاني «الراي» حالة خاصة تتناغم مع سحر الصحراء، حيث يتناغم إيقاعها مع إيقاع الصحراء وأيضًا موسيقى الفلامنكو والجيبسي.
وأفضل وقت للقيام بهذه الرحلة في فصل الخريف حيث تقل العواصف الرملية وتكون درجات الحرارة معتدلة، مما يساعد على الاستمتاع بالرحلة، ولكن لا مانع من حزم بعض الملابس الثقيلة في حال حدوث انخفاض في درجات الحرارة ليلا، كما ننصح بجلب شال قطني للاحتماء به في حال وجود بعض الرياح المثيرة للأتربة بلفه على الطريقة البدوية لحماية الوجه من الأتربة وأشعة الشمس، وبالطبع الأحذية المريحة والنظارة الشمسية والكريم المرطب وقناني حافظة للحرارة لحفظ المياه والمرطبات، ويمكنك جلب منظار مكبر للاستمتاع بمراقبة النجوم.
* اليوم الأول
يبدأ اليوم بوصولك إلى الواحات البحرية (350 كيلومترًا) حيث تضع أغراضك في الفندق وعادة ما يقبل الزوار على فندق «هوت سبرنج إنترناشيونال» Hot spring International Hotel وهو من فئة الثلاثة نجوم، لكنه مناسب تمامًا لطبيعة الرحلة حيث البساطة والجمال في كل أرجائه، فضلاً عن أنه يطل على الينابيع الساخنة، وبعد استراحة قصيرة سوف تجتمع مع أصدقاء الرحلة للغذاء، يفضل البعض الانطلاق لجولة حرة استكشافية في الواحات البحرية، وزيارة البحيرة المالحة، وبلدة القصر القديمة، ببيوتها الجبلية المنحوتة وذات الطابع المعماري المميز، بعدها يمكنك الاسترخاء بالنزول إلى ينابيع المياه الحارة، والاستمتاع بمشاهدة الغروب وسط الكثبان الرملية، وينتهي اليوم بالعودة للفندق للمبيت، والاستعداد لليوم التالي.
* اليوم الثاني
يتضمن برنامج الجولة هذا اليوم سفاري في منطقة الصحراء السوداء، وهي تقع على بعد 50 كلم تقريبًا جنوب الواحات البحرية، وهي اكتسبت هذا اللون بسبب تلاشي الصخور الداكنة بالمنطقة وما تبقى منها من ذرات الرمال السوداء فرض عليها هذا الاسم. وبعد زيارة الينابيع الساخنة والباردة بواحة الحايز، تتوقف المجموعة لتناول وجبة الغداء، ثم الانطلاق إلى الصحراء البيضاء من خلال منطقة «العجبات» الرائعة، وقد أطلق عليها البدو هذا الاسم لروعة المناظر الطبيعية التي تشبه العجائب الأسطورية. هنا يمكن لمن يفضلون ركوب الجمال الاستعانة بمرشد بدوي ليصحبهم في جولة بين الرمال البيضاء، أو القيام بالجولة بسيارات الدفع الرباعي. ويساعدك المرشد في التخييم تحت النجوم حيث متعة مراقبتها بوضوح. وتناول الوجبات المطهية على الحطب حيث يشعل دليل السفر البدوي النيران، ويقوم بطهي الطعام بطريقة الإنسان الأول. وليس هناك أروع من كوب الشاي المغلي على الحطب في تلك الصحراء، وسوف تسمع رفقاء رحلتك يرددون «أحلى كوب شاي تذوقته».
وهنا سوف تستطيع التأمل في حياتك المرفهة في المدينة؛ فلديك كل شيء متاح وبلمسة زر، بينما هناك أناس يعيشون في الصحارى، أو مشردون، عندها سيراودك شعور بالامتنان والعرفان لكل النعم التي لديك وبالتالي راحة النفس والشعور بالرضا، وربما هذه هي إحدى الفوائد التي تعود علينا من رحلات السفاري. إنها حقا متعة التخييم والسمر مع الأصدقاء والعيش على الطريقة البدائية.
* اليوم الثالث
زيارة العين السحرية ثم الانتقال إلى نقاط جديدة لالتقاط الصور في الصحراء البيضاء بما تحتويه من منحوتات طبيعية رائعة والاستمتاع بمنظر الغروب ثم المبيت بمنطقة الخيام. قد يظن البعض أن الرحلة تتخللها أوقات مملة، ولكن على العكس فكل لحظة تقضيها في الصحراء ستساعدك على التأمل في شتى أمورك الحياتية بروية وتأنٍّ وستجد أيضًا حلولاً لمشكلاتك التي كنت تنظر إليها أنها كبيرة ومعقدة، فلا شيء معقَّدًا في فضاء الصحراء الممتدة.
ومن تجليات التأمل ستطرأ عليك تساؤلات كالتي طرأت على ذهني أثناء تجول المرشد البدوي بنا في الصحراء، هل يسيطر عليه الملل في أحد الأيام من معيشة الصحراء؟ وهل فكر يوما في العيش بإحدى المدن والعمل كموظف مثلا؟ رد مرشدنا السياحي عبد الله بأنه ما فكر في هذا الأمر قط، بل إنه لا يعرف كيف نعيش نحن في المدن الصاخبة وفي كل هذا التلوث والزحام.
* اليوم الرابع
وكما في أفلام الخيال العلمي الهوليوودية ستجد نفسك كما لو كنت على سطح أحد الكواكب ما بين سكون بهيم تحيط بك تكوينات صخرية بيضاء ورمال ناصعة البياض أشبه بالمناطق الجليدية، سوف تقابل ذئب الفنك وتستمتع بإطعامه، هو كائن لطيف وله فراء ناعم كالحرير، ولا تقلق، فسوف يقنعك رفقاء الرحلة باللهو واللعب معه أو «الرقص مع الذئاب»، فهو غير ضار بالإنسان ويعيش على اصطياد القوارض والعقارب والحشرات.
* اليوم الخامس
سوف تتمكن من رؤية جبل الكريستال بأحجاره البلورية، التي تتلألأ مع انعكاس أشعة الشمس عليها مما يبهر الناظر. وهنا سيحين موعد الرحيل عن كل هذا الجمال البديع، وفور تناول طعام الغداء سيكون عليك حزم الأمتعة للعودة إلى القاهرة لكن سيظل سحر وتأثير سكون الصحراء معك بإدخاله السكينة على قلبك، ثم يبدأ في التلاشي والتبخر، حينما تجد نفسك على بوابات العاصمة بصخبها.
الصحراء البيضاء المصرية.. تأمل في أفق كوني لا محدود
رحلة سفاري مميزة بين الصخور الكريستالية والمنحوتات الجبلية
الصحراء البيضاء المصرية.. تأمل في أفق كوني لا محدود
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة







