«الديكتاتور.. كلمة لطيفة»، هكذا يقول الرئيس التركي طيب رجب إردوغان. والحق يقال: إنها شجاعة نادرة منه. تماه مع الحقيقة يستحق عليه التحية. إنه يفكر بصوت عال، ويعلن ما نضمره نحن، بل يعبر عنا جميعا. نعم، الديكتاتورية صفة حميدة. اكتشاف تأخرنا عنه كثيرا. أكان علينا أن نتجرع كل هذا العذاب المخيف، ويثقلنا الذل، ونؤم السجون الضائعة في الصحراء، ويغطينا التراب في قبور بلا شواهد، وتضيق بنا المنافي على سعتها، ويقص الجلادون رقابنا قبل أن تينع، حتى نكتشف أن الديكتاتور جميل، وأننا كنا عميانا لا نرى. آه، لو كنا نرى. كم خدعونا بالكلمات! قال لنا الشعراء إن الحرية كلمة حلوة، وصوّر لنا الفلاسفة مدنا فاضلة، ووعدنا الشهداء بعالم أسمى مطرز بآيات من نور. حتى الشهداء كذبوا علينا. لكننا الآن كبرنا وتعلمنا الحكمة: المدن الفاضلة ليست سوى كذبة كبرى اخترعها الفلاسفة في غرفهم الكئيبة الموحشة المليئة بالأشباح، والحرية ابنة خيالات جانحة لأناس مجانين في كل واد يهيمون. إنها كلمة قبيحة. الديكتاتورية هي الكلمة الجميلة حقا. هي الكلمة الواقعية الوحيدة، وكل واقعي هو معقول، كما يقول فريدريك أنجلز. كبرنا وتعلمنا. الواقعي الآن، أو قل الحقيقي، أن الكثيرين منا يحنون للديكتاتور، يحنون لصدام حسين ومعمر القذافي، ويباركون الآن ديكتاتور سوريا، التلميذ الذي فاق أساتذته في فن القتل.. هم لا يخفون ذلك. وتكاد تسمع التبرير نفسه في الربوع العربية كلها على شكل أسئلة تفضيل وهمية، باطلة، تضعك أمام معادلة مقلوبة، لكنها تتضمن أجوبتها المحسومة سلفا: أيهما أفضل: الفوضى أم الديكتاتورية؟ الفاشية المدنية أم الدينية؟ الأمان أم الانفلات الأعمى؟ أسئلة مضللة ينتجها وعي شقي، بلغة هيغل، يقطع التاريخ أوصالا، وبالتالي يلغيه، وكأنه ليس حلقات متصلة واحدة تولد الأخرى، وكأن الحاضر نبتة شقت الأرض فجأة، وليس ابنا يكاد يكون بارا تماما للماضي، ويحتاج إلى عقود طويلة ليكبر ويصل سن النضج، وكأن المراحل لا تتداخل وتحمل من بعضها البعض، قيما وعادات وسمات قد يغربها الزمن، وقد لا يفعل بغياب تأثير البشر الفاعل، بل يعيد إنتاجها بأشكال جديدة، قد تكون كاريكاتيرية.
أسئلة قد تبدو بريئة فكريا وسياسيا، لكنها لا تهدف في جوهرها إلا إلى تأبيد الديكتاتورية، والفاشية في مقارنتهما بما هو قائم الآن.. وعليك أن تختار بين جحيم وجحيم، بين فاشية وفاشية، وأمان كاذب بحكم السوط، وفوضى منفلتة أنتجها حكم السوط الطويل نفسه.
يقال لنا نحن شعوب لا يليق بها سوى ديكتاتور.. شياه ضالة في حاجة إلى راع قوي.. إلى مستبد عادل. والأخطر، أننا صدقنا ذلك، حتى لم نعد نعرف ماذا نفعل بالحرية.. حتى لم نعد نجيد العيش من دون برابرة. نعم، نحن نحنّ للديكتاتور. ولماذا لا نحنّ إليه، فنحن لم نعرف غيره طوال حياتنا. تعودنا عليه كما تعدونا على آبائنا وأمهاتنا. وحشة هي الدنيا من دونه. إنه يسكننا ليل نهار. استوطن في دواخلنا.. حتى تماهينا معه تمامًا، فلم نعد نعرف أيا منا الديكتاتور. لا شيء معيبا في ذلك.
الديكتاتورية كلمة حلوة!
10:45 دقيقه
الديكتاتورية.. يا لها من كلمة حلوة
https://aawsat.com/home/article/793931/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%AA%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%8A%D8%A7-%D9%84%D9%87%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D9%83%D9%84%D9%85%D8%A9-%D8%AD%D9%84%D9%88%D8%A9
الديكتاتورية.. يا لها من كلمة حلوة
الديكتاتورية.. يا لها من كلمة حلوة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

