احتجاجات الأورومو والأمهرا في إثيوبيا إلى أين..؟

بعد صيف معكّر المزاج.. أديس أبابا تنتظر شتاء ثقيلاً

احتجاجات الأورومو والأمهرا في إثيوبيا إلى أين..؟
TT

احتجاجات الأورومو والأمهرا في إثيوبيا إلى أين..؟

احتجاجات الأورومو والأمهرا في إثيوبيا إلى أين..؟

لا يستطيع أحد التكهن بما سيحدث في إثيوبيا في مقبل الأيام، فالحكومة تقول إنها سيطرت على الأوضاع بعدما أعلنت حالة الطوارئ، والمعارضة صعّدت من لهجتها ومطالبها من التهميش إلى تغيير نظام الحكم. الحكومة تمسك بزمام الحكم بقوة، وتجد تأييدًا دوليًا وإقليميًا قويًا، وقوميتا الأورومو والأمهرا اللتان تقودان الاحتجاجات تستندان إلى ثقل سكاني كبير، لذا فإن صيف «الهضبة» المعتدل الذي رفعت درجة حرارته الاحتجاجات، قد لا يتطور قريبًا إلى شتاء ثقيل يعقبه ربيع على غرار ثورات «الربيع العربي». بل ما يحدث هنا في الدولة الأكثر نموًا في أفريقيا، والأكثر تأثيرًا ونفوذًا، يشبه لعبة «شد العضل»، قد تنتهي بارتخاء زند المعارضة أو زند الحكومة.. ومن يرتخي زنده أولاً هو الخاسر. ولكن لحسابات إقليمية ودولية كثيرة، فإن تطور الأوضاع فيها وبلوغها مرحلة الاضطراب غير مرغوب فيه، إذ الحكومة باعترافها بـ«مشروعية» المطالب وتعجيلها بتكوين مجلس وزراء جديد، تكون عمدًا قد أرخت قبضتها قليلاً.. لعل الطرف الآخر يدرك أصول اللعبة ويقبل بـ«التعادل الإيجابي» حيث الكل كاسب. أما إذا أصرّ المحتجون على مواصلة الضغط فإن الإقليم كله مهدد باضطراب كبير.
لقد اعترفت الحكومة الإثيوبية بالأخطاء التي أدت لاحتجاجات الأورومو والأمهرا الأخيرة، وأعلنت عن تشكيل وزاري أخيرًا أشركت فيه عددا كبيرا من المنتمين للقوميتين المحتجتين، بعدما حمّلت «جهات خارجية» في بادئ الأمر مسؤولية حدوث تلك الاحتجاجات، وخففت من لهجتها التجريمية للمحتجين.
وزير الشؤون الفيدرالية كاسا تكلي برهان قال في تصريحات نقلتها «الشرق الأوسط» من العاصمة السودانية الخرطوم، إن التشكيل الوزاري الجديد محاولة لـ«جعل الحكومة تشبه الشعب الإثيوبي»، وإن مطالب المجموعة المحتجة عادلة، وإنها تعبير عن اتساع تطلعات الشعب التي نتجت عن التنمية، وأضاف: «مطالبهم مشروعة لكن تحقيقها دفعة واحدة يعد امتحانًا للدولة، ولتقصير منّا نحن في الحكومة».
وتعد تصريحات المسؤول الإثيوبي البارز، الأولى من نوعها التي تعترف بشرعية الاحتجاجات، وتبين أن الحكومة في أديس أبابا راجعت موقفها من الاحتجاجات التي اعتبرتها «أعمالاً تخريبية» في بادئ الأمر، ومن ثم قمعتها بشدة. وأعلنت في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي حالة الطوارئ في البلاد لمدة ستة أشهر، اعتقلت خلالها وفقًا لتقارير صحافية غربية 1600 نقلاً عن مسؤول حكومي إثيوبي.
ونقلت مجموعات حقوقية مقتل زهاء 500 شخص على الأقل خلال تلك الاحتجاجات، وهو الرقم الذي لم ينفه رئيس الوزراء هيلا مريام ديسالين بقوله وفقًا لـهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) «هذه التقديرات قد تكون دقيقة»، قبل أن ينحى باللائمة على ما يسميه «قوى معادية لحالة السلم».
وعلى الرغم من تجديد الوزير للاتهامات لكل من مصر وإريتريا بتأجيج الأوضاع في بلاده، فإن اعترافه بجذور الأزمة وشرعية المطالب، عبر قوله «التقصير منّا نحن في الحكومة»، يمكن أن يعتبر توجهًا جديدًا في التعامل مع القضايا الداخلية، والتخلي عن توجيه الأنظار إلى قوى خارجية مثلما تفعل أنظمة المنطقة عادة.
من ناحية ثانية، يؤكد اعتراف أديس أبابا أن الاحتجاجات والمظاهرات التي اشتعلت ضدها، ليست وليدة سخط شعبي طارئ، أو تعبيرًا عن مطالب سياسية أو مظالم اقتصادية فحسب، بل إنها مرتبطة عميقًا بتاريخ وجغرافيا وثقافة إثيوبيا الدولة التي قارب عدد سكانها المائة مليون نسمة، بعدما كان في حدود 79 مليونا وفقًا لتعداد عام 2008، ثار منهم أكثر من 60 في المائة نظموا الاحتجاجات التي اندلعت في البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي.
ولا يمكن النظر إلى التعديل الوزاري الذي أعلنه رئيس الوزراء هيلا ماريام ديسالين بمعزل عن هذه الأوضاع، ذلك أن التعديل منح القوميتين المحتجتين أكثر من ثلث الحقائب الوزارية بينها وزارة الخارجية، في حين احتفظت قومية التيغراي التي توجه إليها أصابع الاتهام بتهميش الأورومو والأمهرا بأربع وزارات فقط.
ووفقًا للمحلل السياسي عبد القادر محمد علي في مقال نشر على موقع «عدوليس» الإريتري المعارض، فإن خطوة أديس أبابا يمكن أن تُفهم على أنها محاولة لتهدئة غضب الحركة الاحتجاجية، رغم النفي الرسمي لربطها بما يجري في البلاد، لكن المعارضة الأورومية كانت قد رفعت سقف مطالبها لإسقاط النظام. وبالتالي، اعتبرت التغيير «مجرد مناورة ومحاولة لذر الرماد في العيون»، ونقل عن زعيمها مرار غودنا نفيه وجود علاقة بين التعديلات الوزارية والمطالب الشعبية نهائيًا.

خلفية ديموغرافية
جدير بالذكر، أنه تسكن إثيوبيا أكثر من 80 قومية ومجموعة عرقية وثقافية، تمثل الأورومو منهم 34.5 في المائة، والأمهرا 26.91 في المائة، وتبلغ نسبة قومية التيغراي - التي يتهمها الثوار الغاضبون بتهميشهم - 6.07 في المائة فقط من جملة عدد السكان، لكنها اليوم تملك السلطة والثروة.
ولقد بدأت الاحتجاجات القومية منذ عام 2001، ثم تصاعدت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، وشارك فيها بداية طلاب المدارس والجامعات. ثم التحق بهم بقية السكان في إقليم أوروميا، ما تسبب في اضطرابات في أكثر من مائة مدينة وقرية، ويومذاك جرى التعامل بقسوة لافتة، ما أدى إلى مقتل أكثر من مائة قتيل، واعتقال الآلاف. وللعلم، يرفض الأورومو خططًا حكومية لتوسيع الحدود الإدارية للعاصمة أديس أبابا التي تقع في إقليمهم، واقتطاع أراضيهم وإضافتها لإقليم العاصمة، وتوزيعها على الاستثمارات الأجنبية. ويرون في هذه الخطط أنها أتت على حساب مزارعهم وأراضيهم وحياتهم الاجتماعية والثقافية التي تقوم على الأرض، وأنها تعد اعتداء على قوتهم وخصوصيتهم الثقافية.
ولكن مع مشاركة قومية الأمهرا – أكثر من 26 في المائة من نسبة السكان، التي كان ينسب إليها الإمبراطور السابق الراحل هيلاسيلاسي - في الاحتجاجات الأعنف التي اندلعت أغسطس الماضي، واتهامها الحكومة الفيدرالية بالتدخل في شؤون إقليمهم وعاصمته مدينة غوندر، اكتسب العمل المعارض شكلاً جديدًا. إذ ما زالت قومية الأمهرا تحتفظ بموقف سياسي سلبي من حكم الرئيس الراحل ملس زناوي - وهو من التيغراي -، وبالتالي حزبه وجبهته. وتتهمه بالتفريط في وحدة إثيوبيا والاعتراف باستقلال دولة إريتريا. كذلك لا تخفي موقعها المعارض هذا، على الرغم من تمثيلها في التحالف الحاكم والبرلمان.
الاحتجاجات ذات الطابع القومي، استعرت في الواقع لعشر سنوات، بيد أن تصاعدها في الأسابيع الأخيرة الماضية أعطاها زخمًا جديدًا، ودفع منظمات دولية للحديث عن قمع السلطات الإثيوبية للمعارضين وتقييدها للحريات العامة. بل وجعلها تنتقد صراحة «قمع الحريات الصحافية»، خاصة، أن إثيوبيا تحتل اليوم المركز الثاني في أفريقيا من حيث سوء أوضاع الصحافة. وهذا ناهيك من اتهام تدخل أديس أبابا في شؤون المسلمين، وعجز الائتلاف الحاكم عن تمثيل شعوب إثيوبيا، أو قومياتها المختلفة.

اتهامات.. ونفي
منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في تقريرها الصادر في يونيو (حزيران) الماضي، ذكرت أن قرابة 400 إثيوبي لقوا حتفهم خلال الاحتجاجات الأخيرة، واعتقل أكثر من 20 ألف سياسي أورومي منذ مارس (آذار) 2014. واتهم التقرير الذي تنفي صحته حكومة أديس أبابا وتصفه بـ«الكاذب والملفق» الحكومة الإثيوبية بشن «حملة قمع وحشي ضد متظاهرين سلميين بشكلٍ عام».
ومن جانبه، يرجع فيصل محمد صالح، الصحافي والخبير في شؤون القرن الأفريقي، جذور الاحتجاجات الحالية إلى أيام حكم الرئيس الأسبق منغيستو هيلا ماريام ذي الطابع الماركسي. إذ استفز منغيستو قوى سياسية إثيوبية كثيرة. وفي الوقت ذاته، كانت قوى قومية تنظر إليه باعتباره امتدادًا لحكم قومية الأمهرا المسيطرة منذ عهد الإمبراطور هيلاسيلاسي.
ووفقا لصالح، فإن اعتبار الحكم في إثيوبيا امتدادًا لحكم جماعة عرقية أو قومية، تسبب في قيام معارضة قومية وعرقية، فنشأت عدة جبهات مناوئة ذات طابع مثل جبهة تحرير التيغراي وجبهة تحرير الأورومو وجبهة تحرير أوغادن (الممثلة للقومية الصومالية في جنوب شرقي البلاد). وفي تطور لافت دعمت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا (حيث الثقل السكاني للتيغرينيا أولاد عمومة التيغراي الإثيوبيين) التي كانت تحارب حكومات أديس أبابا مطالبة بالاستقلال، جبهات المعارضة الإثيوبية ودربتها.
يقول صالح إن الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا التي كان يقودها الرئيس آسياس أفورقي في ذلك الوقت، أسهمت في تمكين الزعيم الإثيوبي الراحل ملس زناوي، لأن مصالحهما الاستراتيجية تكمن في قيام حركات معارضة داخلية ضد النظام الذي يقاتلونه من أجل تحرير بلادهم. وتبعًا لهذا الحلف نشأت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا (EPLF) والجبهة الشعبية لتحرير التيغراي (TPLF)، كحليفين استراتيجيين.
ولأن الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا كانت لها اليد العليا في التحالف، فقد كانت تدعم جبهة تحرير التيغراي بأفراد الجيش الإثيوبي الذين يقعون تحت أسرها، فيعيدون تجنيدهم لصالحهم، ثم تمدها بالسلاح وغيره «وكانت رؤية بعيدة صائبة». وأثمر التحالف بين الحركتين المسلحتين في إبراز وتقديم الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي، في الوقت الذي وجدا فيه الدعم من الحكومة السودانية، لأنها هي الأخرى كانت تريد إسقاط نظام منغيستو لأنه يدعم حركة التمرد الجنوبية (الحركة الشعبية لتحرير السودانية) ضدها.

تغيّر الظروف
ويوضح صالح أن الظروف والمتغيرات الدولية أضعفت نظام حكم منغيستو، صاحب التوجه الاشتراكي، فاضطر للدخول في حوارات مع الجبهات المعارضة الداخلية والجبهة الشعبية لتحرير إريتريا في أوروبا. وبفشل هذه الحوارات صعدت الجبهتان المسلحتان العمل العسكري، وشنتا هجومًا متزامنًا على العاصمتين الإثيوبية أديس أبابا والإريترية أسمرا، لإسقاط منغيستو واستعادة أسمرا من السيطرة الإثيوبية.
ولكن وقبل دخول الثوار أديس أبابا شكّل قادة التيغراي تحالفًا مع عدد من الجبهات القومية ضم حتى جبهة تحرير الأورومو، وبعد سقوط حكومة أديس أبابا كونوا «حكومة تنوع» برئاسة ملس زناوي (من التيغراي)، ترأس مجلس وزرائها تامريت لاين (من الأمهرا)، بجانب ممثلين عن القوميات الأخرى، وأطلقوا عليه مسمى «الجبهة الثورية الديمقراطية للشعب الإثيوبي».
واستفادت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا من الاتفاق الاستراتيجي مع جبهة تحرير التيغراي، وحصلت بموجبه على حق تقرير المصير. ثم سيطرت في مايو (أيار) 1991 على إريتريا، وبعدها وافقت الجبهتان الإريترية والإثيوبية في يوليو (تموز) من ذلك العام على إجراء استفتاء بإشراف دولي. وبالفعل، أجري الاستفتاء في أبريل (نيسان) 1993 وفيه صوّت فيه الإريتريون بغالبية ساحقة تجاوزت الـ90 في المائة لصالح استقلال بلادهم، ووافقت إثيوبيا على نتيجة الاستفتاء، معترفة بإريتريا دولة مستقلة، ورفعت راياتها دولة مستقلة في 24 مايو 1993.

سيطرة التيغراي
لاحقًا، بدأ الحديث يتردد في إثيوبيا عن سيطرة قومية التيغراي على مقاليد الأمور. وأبدى بعض شركاء الحكم تململهم من هذه السيطرة وعلى رأسهم قادة الأورومو، ثم انضم إليهم آخرون ما كانوا مشاركين في التحالف الحاكم. ووفقًا لفيصل محمد صالح فـ«إن الأورومو الغاضبين انتقدوا بعنف ما سموه سيطرة التيغراي على قلب الدولة رغم تمسكهم الظاهري بالتحالف القديم، وسيطرتهم على حركة الاقتصاد والأعمال، واتجاه قادة كبار منهم نحو الأعمال، أشهرهم سبحت نقا، الذي يصنف بأنه الزعيم التاريخي والأب الروحي لجبهة تحرير التيغراي».
وكان التحالف الحاكم قد تبنى بادئ الأمر دستورًا فيدراليًا (اتحاديا) أعطى حتى حق تقرير المصير للقوميات الإثيوبية، ما جعله دستورًا نموذجيًا وقتها. غير أن الاتهامات توالت بأن حكومة أديس أبابا مارست قمعًا وحشيًا ضد القوميات، وأنها لم تلتزم بنظام الحكم الفيدرالي الذي يعطي كل إقليم الحق في حكم نفسه، ما جعله لا يبدو في نظر كثيرين نظامًا فيدراليًا حقيقيًا.
ولم تتوقف المعارضة ضد نظام الحكم. وبينما كان البعض يعارض من داخل البرلمان، صنع آخرون معارضة خارج البرلمان، بل إن بعضها كانت مسلحة تقوى وتضعف حسب تطور الأوضاع الإثيوبية. وحسب الخبير صالح «من الواضح أنها (أي المعارضة) في الآونة الأخيرة أصبحت كبيرة خاصة بين أفراد قومية الأورومو، التي مع أنها الأكبر من حيث الحجم، فهي الأقل حظوظًا في السلطة والثروة والتعليم، وبينها نسبة كبيرة من المسلمين».
ثم تزامن الغضب العرقي ضد الحكومة مع شكاوى من المسلمين (من الأورومو وغيرهم) الذين يزعمون أنهم يعانون من التهميش، والإبعاد عن مركز صناعة القرار، رغم اقتناعهم بأنهم أكثر عددًا من المسيحيين، وهنا نشير إلى أن الدولة الإثيوبية كانت تعد تاريخيًا دولة مسيحية مرتبطة بالكنيسة الأرثوذكسية.
ويذهب المسلمون إلى أكثر من ذلك بالقول إن الحكومة في نزاعها معهم فتحت الباب أمام مجموعات إسلامية أخرى، مثل مجموعة «الأحباش» - الذين يختلف مذهبهم عن المذاهب الأخرى - بسبب خوفها من تقدم «حركة الشباب الإسلامي» المتشددة في الصومال وكذلك «القاعدة» ومجموعات أخرى، فحاولت تغليب مذهب «الأحباش» لأنه مذهب سلمي لا يتبنى التطرف والعمل المسلح.

فشل بتلبية المطالب
ويقطع صالح أن الإطار الدستوري الإثيوبي لم يفلح في معالجة مطالب الاحتجاجات المتكررة، والمتمثلة في كيفية توزيع الأرضي واقتسام السلطة، والمشاركة السياسية والتهميش والتنمية غير المتوازنة. وهذا، بالإضافة إلى تفشي موجات قمع الصحافة والمدوّنين على الإنترنت، إذ يفيد «لا توجد حرية صحافة يقال عليها في إثيوبيا، مع أن الدستور يعطي حريات واسعة تبلغ حد تقرير المصير للمجموعات المختلفة، وكانت الممارسة العملية سلطوية وقمعية أدت لمزيد من الاحتقان أفرز الاحتجاجات الأخيرة». ويضيف أن «النجاح الاقتصادي الإثيوبي غطى في مرحلة ما على هذه التناقضات، وجعل العالم يتغاضى عن السياسات السلطوية والقمع الذي كان يمارسه النظام الحاكم». وبسبب النجاح الاقتصادي كانت إثيوبيا تقدم في المؤسسات الدولية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي كـ«قصة نجاح» من العالم الثالث، فضلا عن كونها توصف بأنها الأقل فسادًا بين الدول الأفريقية.
وحقًا، شجعت قصة النجاح الاقتصادي بمعدل نمو سنوي قدره 10 في المائة على التغاضي عن القصور السياسي في التجربة، و«لكن - حسب الصحافي والخبير السوداني - الواضح أن النموذج ما عاد يستطيع السير أكثر، فالاضطرابات السياسية تهدد الاقتصاد والاستقرار والتنمية». وفي إشارة للتعديل الوزاري الأخير قال صالح «لا أعلم ما إذا كانت إعادة تشكيل الحكومة وتركيبها من جديد، يعكس فعلاً تغييرًا في النظرة السياسية لجبهة تحرير التيغراي، أم أنها مجرد تغيير شكلي يهدئ الأمور لفترة قليلة لتنفجر مرة أخرى». وهو يرى أن المجتمع الدولي «راهن على الاستقرار الإثيوبي، وعلى اعتباره نموذجًا تنمويًا يمكن أن يعطي إشارات إيجابية في الجوار المضطرب وغير المستقر اقتصاديا... والاقتصاد المتنامي والاستقرار السياسي أعطى إثيوبيا نفوذًا سياسيا كبيرًا في الإقليم، لكن هذه الاضطرابات إذا أثرت على الاقتصاد ستؤثر حتمًا على النفوذ الإثيوبي في المنطقة، وسيفقد الإقليم فرصة وجود دولة مركزية، لأن الفكرة الغربية مبنية على وجود دولة مركزية في الإقليم مستقرة ونامية اقتصاديا وتؤثر في الآخرين ليوكل لها بعض المهام».
وفيما يتعلق باتهامات إثيوبيا لكل من مصر وإريتريا بالضلوع في الاحتجاجات، يرى صالح أن إريتريا «أصلا لا تستطيع الاستثمار في النزاعات الإثيوبية بسبب ضعف إيراداتها ونفوذها وتأثيرها المحدودين، بل على العكس فإن إثيوبيا هي التي تؤوي المعارضة الإريترية... لكنها حتمًا تسعد بأي ململة ونزاعات في إثيوبيا». وهنا يشير أن هناك حساسية شعبية تاريخية بين البلدين ترفض فكرة انطلاق معارضة إحداهما من أراضي الأخرى: «فالمعارضة التي تعمل من إثيوبيا ترفضها جماهير إريترية كبيرة لأنها ترى أن خلافها وصراعها مع حكومة الرئيس آسياس أفورقي يختلفان عن خلافها مع إثيوبيا، وبالمقابل، توجد نفس النظرة عن الإثيوبيين».
وبعد مجيء ملس زناوي للحكم 1991 عبر جبهة تحرير التيغراي، ذات العلاقة القوية مع السودان، تحسنت علاقات إثيوبيا مع جوارها، عدا إريتريا تحت حكم آسياس أفورقي، قائد الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا، بسبب النزاعات المتكررة بين الدولتين، والتي تفاقمت رغم العلاقة القديمة بين الزعيمين اللذين كانت علاقاتهما شديدة القرب عرقيًا وسياسيا خلال سنوات الثورة، كما أنهما ينتميان لقومية واحدة.
أما عن العلاقات المصرية الإثيوبية فإنها تعيش اليوم أسوأ فتراتها، وفاقمت منها مخاوف مصرية بسبب بناء إثيوبيا «سد النهضة»، الذي ترى فيه مصر تهديدًا لمصالحها المائية، في حين تعزز إسرائيل علاقاتها مع أديس أبابا، التي ارتفعت صادراتها إلى إثيوبيا بنسب كبيرة، وزار عدد من رجال الأعمال الإسرائيليين إثيوبيا مرات كثيرة.



حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
TT

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)

معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الإعلام، لم تعد خلافاً على سؤال مستفز أو تقرير سلبي. فمع منع الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض، وتعليق الشبكات الكبرى التغطية التلفزيونية المشتركة لأنشطته، انتقل النزاع إلى اختبار حدود السلطة على المعلومات، وقدرة الصحافة على الدفاع عن استقلاليتها أمام جمهور تتراجع ثقته بها. وتجمع المواجهة بين أسئلة يصعب فصلها: أين تنتهي صلاحية الإدارة في تنظيم الوصول إلى المؤسّسات الحكومية؟ وأين تبدأ معاقبة التوجه التحريري؟ وهل أضعفت بعض وسائل الإعلام موقعها حين غلَّبت الخصومة السياسية على تفسيرها للوقائع؟ ثم هل يفسر أسلوب ترمب وحده هذا التصعيد، أم أنه يكشف عن أزمة أوسع في العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والصحافة والمواطنين؟ وبين رئيس يرى في التغطية «المعادية» تشويهاً لسياساته، ومؤسسات تعد استبعادها اعتداء على حرية الصحافة، يدور صراع يتجاوز الطرفين: من يحدد المعلومات التي تصل للأميركيين عن حكومتهم، وبأي شروط؟

بدأ الفصل الأخير، الأسبوع الماضي، حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حظر الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو»، متهماً إياها بنشر أخبار كاذبة. وبعد ذلك منع صحافيوها من الدخول وسحبت تصاريحهم. ودخل القضاء على خط المواجهة بعدما لجأت المؤسسات إليه يوم الاثنين. ويوم الأربعاء أمر القاضي تيموثي كيلي، الذي عيّنه ترمب عام 2017، بإعادة اعتمادات صحافيي المؤسسات الثلاث فوراً، ووقف تنفيذ الحظر لمدة 14 يوماً. ورجح القرار مخالفة الحظر للضمانات الدستورية، واعتبر أن مبررات الأمن القومي تفتقر إلى سند واقعي كاف. وهو تدخّل مؤقت يضع إجراءات الإدارة تحت الرقابة القضائية، فيما يستمر النزاع بشأن حدود سلطتها على وصول الصحافة.

جذور في ولاية ترمب الأولى

للخلاف جذور في ولاية ترمب الأولى، حين ألغى اعتماد مراسل الـ«سي إن إن» جيم أكوستا عام 2018، قبل أن يأمر كيلي بإعادته لغياب الضمانات الإجرائية اللازمة. لكن الانتقال من إجراء ضد مراسل إلى استبعاد مؤسسات كاملة يوسع نطاق السؤال: هل ينظم عمل الصحافة وفق قواعد معلنة، أم يصبح استمرار وجودها رهناً بتقييم الرئيس لتغطيتها؟

وامتد النزاع في ولايته الثانية إلى مواقع أخرى. ففي فبراير (شباط) 2025، أخرج البنتاغون مؤسسات من مساحات عملها ضمن برنامج قال إنه يوسع فرص الوصول لمؤسسات أخرى. ثم أثارت شروط الاعتماد اللاحقة نزاعاً قضائياً، وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاض بعدم دستورية السياسة المطعون فيها، قبل أن تعلن الوزارة تعديلات ومواصلة الاستئناف.

وتكشف هذه الوقائع عن أن القضية تتصل بقواعد مؤسسية قابلة للاستمرار بعد مغادرة ترمب منصبه. وفي المقابل، فإن اختزال خيارات اليمين، من الهجرة إلى التجارة والسياسة الخارجية، في شخصية الرئيس، يحجب النقاش حول أسباب تأييدها. فالإعلام يستطيع مساءلة الخيارات ونتائجها، لكن تفسير كل منها بوصفه نزوة شخصية قد يضعف قدرته على فهم المجتمع الذي يمنحها التأييد. كما أن «شخصنة» الصراع تؤدي أيضاً خدمة سياسية للرئيس: فحين تتحوّل المناقشة إلى محاكمة طباعه، يسهل تقديم الاعتراض على قراراته، باعتباره خصومة معه ومع ناخبيه. وعندئذ تتراجع الأسئلة القابلة للتحقق، مثل كلفة السياسة ونتائجها والبدائل المتاحة، لمصلحة سجال حول النيات والولاءات. وتلك مشكلة تحريرية حتى حين تكون الانتقادات الأصلية مبرّرة.

الصحافة تحت الاختبار

تمنح أزمة الثقة هذا الخطاب أرضية أوسع؛ ففي استطلاع «غالوب»، نشر في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قال 28 في المائة من الأميركيين إن لديهم ثقة كبيرة أو معقولة بقدرة الصحف والتلفزيون والإذاعة على تقديم الأخبار بدقة وإنصاف وشمول. وبلغت النسبة 8 في المائة بين الجمهوريين، و27 في المائة بين المستقلين، و51 في المائة بين الديمقراطيين.

وحقاً، لا تثبت هذه الأرقام أن الأخبار خاطئة، لكنها تظهر أن المؤسسات الإعلامية لا تخاطب جمهوراً يتفق على أهليتها للحكم على الوقائع. كما أن ضعف الثقة بين المستقلين، وتراجعها حتى عند الديمقراطيين، يمنعان تفسير المشكلة كنتيجة لخطاب ترمب وحده.

ومع ذلك، يحتاج اتهام الإعلام بالتحول إلى معارضة سياسية إلى أدلة تتجاوز عدد الأخبار السلبية: هل تُمنح المعلومات المخالفة للرواية الغالبة مكانها؟ هل يظهر التصحيح بوضوح؟ وهل يستطيع القارئ تمييز الخبر من التحليل والرأي؟ وهي معايير يمكن تطبيقها على المؤسسات الليبرالية والمحافظة معاً.

في تغطية حرب إيران، على سبيل المثال، يتهم وزير الخارجية ماركو روبيو وسائل الإعلام بأنها بدت وكأنها تدافع عن طهران. هنا يختلف نقد قرار الحرب أو مساءلة الرواية الرسمية عن تفاصيل عملياتية قد تعرّض أفراداً للخطر. كما يختلف التحقيق في خسائر أو إخفاقات عن افتراض سوء نيات الإدارة سلفاً. وحين تصف السلطة النقد بالخيانة أو بتشويه الحقائق، وحين تتعامل التغطية مع كل تفسير رسمي بوصفه تضليلاً محسوماً، تضيع هذه الفروق.

بيد أن مشكلة المصالح تظهر في ملفات أخرى، كالجدل الدائر حول «أخطار» الذكاء الاصطناعي. ففي مقال رأي في الـ«وول ستريت جورنال»، جادل غابرييلي مازيني الذي يشغل منصب زميل في مبادرة «إم آي تي كونيكشن ساينس»، وقاد الفريق الذي صاغ مقترح قانون الذكاء الاصطناعي الخاص بالمفوضية الأوروبية، بأن تضخيم شركات الذكاء الاصطناعي أخطار تقنياتها، قد يخدم مصالح تنظيمية وتجارية واحتكارية. وهذه حجة تستدعي اختبار روايات الشركات ومصادرها، من دون أن تثبت أن الأخطار مختلقة أو أن الصحافة تتبنى أجندة موحدة ضد الرئيس.

والاختبار هنا عملي: هل تُعامل ادعاءات شركة نافذة بالمقدار نفسه من التدقيق الذي يواجه به تصريح سياسي؟ وهل يوضح التقرير ما ثبت بالتجربة وما بقي متوقعاً؟ هذه الأسئلة تصلح أيضاً للتعريفات الجمركية والهجرة والحروب، حيث تتنافس مصادر رسمية وتجارية وحزبية على توجيه التغطية. ومن نافلة القول إن مهنية الصحافة تقاس بقدرتها على كشف هذه المصالح، بما فيها مصالح المصادر التي تتفق معها.

في دفاعها أمام المحكمة،

قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض

«امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات

المستبعدة بمخالفة معايير المهنية

الأمن القومي وحدود السلطة

في دفاعها أمام المحكمة، قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض «امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات المستبعدة بمخالفة معايير المهنية ونشر معلومات حساسة وسرية. وبحسب «نيويورك تايمز»، استشهدت الرسائل الموجهة إليها بتقارير عن منشآت البيت الأبيض وترتيبات أمنية، وأخرى عن تقديرات ترمب للحرب مع إيران.

هذه حجج للسلطة التنفيذية في دعوى جارية، وليست أحكاماً تثبت وقوع مخالفات. وتقول المؤسسات الإعلامية إن العقوبة استهدفت توجهها التحريري ونُفذت من دون إنذار أو فرصة مسبقة للاعتراض، بينما تتمسك الإدارة بأن الإجراءات التي وفرتها بعد المنع كانت كافية. والتمييز القانوني أساسي: ليست الصحافة صاحبة حق مطلق في دخول كل مكان أو حضور كل لقاء رئاسي. لكن سابقة «شيريل ضد نايت» عام 1977 قررت أن إدارة نظام التصاريح الصحافية تخضع لضمانات دستورية، تشمل معايير واضحة وإخطاراً بأسباب الرفض وفرصة الرد.

ومن هنا، لا يكفي وصف الدخول بالامتياز لإعفاء قرارات الاستبعاد من المراجعة. وتزداد حساسية المساءلة عندما يتسع مفهوم الأمن القومي ليشمل نشر تقدير سياسي لا يعجب الرئيس. ونقلت الـ«نيويورك تايمز» عن أستاذة القانون باربرا ماكويد قولها، إن المحاكم تمنح السلطة التنفيذية هامشاً في المسائل الأمنية، لكنها حذرت من أن الاستخدام غير الجدي لهذه الذريعة قد يضعفها حين تكون ضرورية بالفعل.

ويشمل النزاع توقيت تقديم أسباب المنع والضمانات المتاحة للاعتراض عليه. وتقول المؤسسات الثلاث إن الإدارة سحبت اعتمادات صحافييها من دون إخطار مسبق أو فرصة للطعن، بينما يتمسك البيت الأبيض بكفاية الإجراءات التي أتاحها بعد تنفيذ القرار. ونقلت الصحيفة عن غيب روتمان، نائب رئيس السياسات في لجنة المراسلين لحرية الصحافة، اعتراضه على تعليق الاعتماد ثم تقديم مبررات لاحقة. وبذلك، يمتد الخلاف إلى الإجراءات التي اتبعتها الإدارة، إلى جانب النزاع بشأن مضمون التغطية الصحافية.

السوابق ومعيار المقارنة

يدافع نائب الرئيس جي دي فانس عن القرار بعدّه حجباً لوصول مميز عن مؤسسات تمارس، وفق وصفه، الدعاية، ويستشهد بمعاملة وسائل محافظة في عهدي أوباما وبايدن. وتقول الإدارة إن المؤسسات المستبعدة ما زالت قادرة على النشر، بينما ترى تلك المؤسسات أن استمرار البث لا يعوض حرمانها من جمع الأخبار داخل المقر الرئاسي.

وتوجد بالفعل سوابق لضغوط اتخذتها إدارات ديمقراطية، أبرزها تحقيقات التسريبات في عهد أوباما التي شملت سجلات الـ«أسوشييتد برس» ومراسل «فوكس نيوز» جيمس روزن. غير أن هذه السوابق لا تنتج تبريراً تلقائياً للإجراء الحالي، ولا تسمح بنسبة حسابية تختزل المقارنة بين الحزبين.

إذ إن ملاحقة مصدر، والحصول على سجل اتصالات، والاستبعاد من مقابلة، وسحب اعتماد مؤسسة، إجراءات تختلف في طبيعتها وآثارها. وقد يكون إجراء محدود العدد بالغ التأثير إذا أخاف المصادر وعطل التحقيقات. المعيار الأكثر جدية يجمع بين نطاق الإجراء ومدته، وضمانات الاعتراض عليه، ومدى ارتباطه بمخالفة محددة أو بموقف تحريري.

وتعقّد مشاركة «فوكس نيوز»، المحسوبة على الجمهوريين، في موقف الشبكات اختزال المواجهة بأنه صراع مع الإعلام الليبرالي. ففي بيان مشترك نشرته الشبكة مع الـ«إيه بي سي» والـ«سي بي إس» والـ«سي إن إن» والـ«إن بي سي»، أكّدت المؤسسات «مصلحة الجمهور في معلومات مستقلة»، ورفضت تقييد مؤسسة بسبب الاعتراض على تقاريرها. غير أن هذا «التضامن» وإن كان لا يلغي المنافسة أو الانحيازات بين الشبكات، لكنه يوضح وجود مصلحة مهنية مشتركة في منع السلطة من اختيار من يراقبها. وأيضاً يضع سؤالاً أمام الإعلام نفسه عن كيفية الدفاع عن حق الوصول مع استمرار تزويد الجمهور بالمعلومات، حتى في أثناء الاحتجاج على القيود.

الديمقراطية وأزمة الثقة

قابل البيت الأبيض تراجع التغطية المشتركة بإطلاق بث «ترمب تي في»، الذي يقدم محتوى تختاره الإدارة. وبدأ بخطابات الرئيس ومشاهد عسكرية، من دون برامج أصلية. وهو ما يبرز إمكانية تجاوز الوسيط الصحافي والوصول مباشرة إلى الجمهور، مع غياب الأسئلة المستقلة عن الشاشة الرسمية. غير أن أزمة الوساطة ليست أميركية حصراً، فقد وجد تقرير «معهد رويترز لدراسة الصحافة» لعام 2026 أن الثقة بالأخبار انخفضت في 29 من أصل 48 سوقاً شملها، وبلغ متوسطها 37 في المائة. ويربط التقرير هذا التراجع بتحولات استهلاك الأخبار والقلق الأوسع من المؤسسات، مع بقاء الثقة بعلامات إعلامية محددة أكثر تماسكاً من الثقة بالإعلام عموماً.

وتدعم النتائج بحث أزمة أوسع في الديمقراطيات الغربية، لكنها لا تكفي لإعلان انهيار نموذج واحد. فالفروق بين الدول، وأنظمة الإعلام، واستقلال المحاكم، وملكية المؤسسات، تؤثر في قدرة كل مجتمع على مواجهة الضغط. كما أن تراجع الثقة قد يطال الحكومة والصحافة معاً، فلا تستفيد منه السلطة بالضرورة على المدى الطويل.

وفي الولايات المتحدة يختبر اللجوء إلى القضاء والتضامن بين شبكات متنافسة قدرة المؤسسات على فرض حدود للصراع. ومع أن القضاء تدخل لإعادة الاعتمادات مؤقتاً، فإن قراره لا يعالج وحده شكوك جمهور يرى الصحافة خصماً، ولا يعفي غرف الأخبار من مراجعة أخطائها.

والواقع أن المواجهة الجارية بين ترمب ووسائل الإعلام تكشف عن تاريخ أوسع من استخدام السلطة التنفيذية أدواتها للضغط على الصحافة؛ إذ شهد عهد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما إجراءات طالت اتصالات الصحافيين ومصادرهم، وأثارت اعتراضات حادة على إدارة تعهدت بالشفافية، ثم وسعت ملاحقة تسريبات المعلومات الحكومية.

في مايو (أيار) 2013، كشفت وكالة الـ«أسوشييتدبرس» أن وزارة العدل حصلت سراً على سجلات 21 خطاً هاتفياً استخدمها صحافيوها ومكاتبها خلال فترة شهرين. واعترض رئيس الوكالة آنذاك، غاري برويت، على اتساع الإجراء وتنفيذه من دون إخطار مسبق يتيح الطعن فيه، محذراً من أثره في قدرة الصحافة على جمع الأخبار.

وطالت التحقيقات جيمس روزن، مراسل «فوكس نيوز»؛ إذ حصل المحققون على سجلات اتصالاته وبريده الإلكتروني في قضية تسريب معلومات عن كوريا الشمالية. ولقد وصفته وثائق التحقيق بأنه شريك محتمل في مخالفة قانون التجسس، بما أثار مخاوف من التعامل مع العمل الصحافي نفسه بوصفه نشاطاً جنائياً. ولم توجّه إليه اتهامات، لكن الإجراء وضع سرية علاقته بمصادره تحت ضغط مباشر.

وبحسب تقرير «لجنة حماية الصحافيين» في أكتوبر 2013، شملت الملاحقات بموجب قانون التجسّس منذ 2009 ستة موظفين حكوميين ومتعاقدَين اثنين، مقارنة بثلاث ملاحقات مماثلة في الإدارات السابقة مجتمعة. وتتعلق هذه الأرقام بقضايا التسريب، لكنها تكشف عن حجم التصعيد الذي رافق خطاب الإدارة عن الانفتاح.

وتبرز هذه الوقائع وجهاً للضغط لا يظهر بالضرورة في منع كاميرا أو سحب اعتماد: حين يخشى المصدر كشف اتصالاته، قد تتوقّف المعلومة قبل وصولها إلى الصحافي. ولذلك، لا يكفي استمرار مؤسسة إعلامية في النشر للقول إن حريتها لم تتأثر. وتمنح هذه السوابق أساساً للاعتراض على انتقائية الدفاع عن الصحافة وفق هوية الرئيس أو المؤسسة المستهدفة. فالمعيار هو ما تفعله السلطة بأدواتها، ومدى خضوعها للمساءلة. ومن مراقبة الاتصالات في عهد أوباما إلى سحب الاعتمادات في عهد ترمب، يبقى السؤال: كيف تُحمىَ قدرة الصحافة على كشف ما تُفضِّل الإدارة حجبه عن الجمهور؟


أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
TT

أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني

عبر مكبر الصوت في أحد التجمعات الانتخابية في ولاية سكسونيا-أنهالت في شرق ألمانيا، يخرج هتاف «زيغ»، الذي في الألمانية يعني «النصر». دلالات الهتاف التاريخية لا تخفى على أحد في ألمانيا ولا خارجها؛ ذلك أن «زيغ هايل»، ومعناه «يعيش النصر»، كان شعار النازيين الذي تردد لسنوات، وأصبح محظوراً في ألمانيا بعد هزيمة النازيين من ضمن مساعي البلاد للابتعاد عن إرثها الداكن. ومع ذلك، يلعب مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» الفائر بالانتخابات في ولاية سكسونيا-أنهالت، أولريش (أولي) زيغموند، على الكلمات، ويحمّس مؤيديه على الرد لدى سماع كلمة «زيغ» في تجمّعاته، بكلمة «موند»، وهي تعني بالألمانية «فم»، ثم يمازح قائلاً إن اسمه «زيغ موند»، وإن الهتاف هو هتاف لاسمه، ضاحكاً ومتسائلاً: «ما المشكلة في اسمي؟!». لعل هذه القصة تلخّص الكثير عن الرجل الذي تحوّل إلى نجم من دون منافس لدى الحزب اليميني المتطرف، والذي سيصبح قريباً أول رئيس حكومة محلية في ألمانيا ينتمي إلى حزب يميني متطرف منذ هزيمة النازيين. فهو يستخدم خليطاً من الفكاهة و«الكاريزما» ليرى إلى أي مدى يمكنه تخطي الخطوط الحمراء. وكما حول الشعار المحظور إلى دعابة، يسعى الشاب البالغ من العمر 35 سنة إلى فرض واقع جديد في ألمانيا. ويسعى حزبه إلى أن يختبر عبره إلى أي مدى يمكن الذهاب في ولاية صغيرة، على أمل نقل التجربة على الصعيد الوطني قريباً.

في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وقف أولريش زيغموند أمام قرابة 20 شخصاً، بينهم نازيون جدد ومتطرفون يمينيون، داخل فندق فخم ناءٍ في مدينة بوتسدام القريبة من برلين، يتكلم أمام مشاركين في اجتماع سرّي دُعي إليه برسائل ورقية.

كان حينذاك رئيس الكتلة النيابية لحزبه «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت. ووقف داعياً المشاركين إلى تقديم تبرعات لحملته الانتخابية التي كان بدأ يعد لها منذ ذلك الوقت، وعارضاً أفكاره لـ«تغيير صورة الشوارع في ألمانيا».

في ذلك التجمع قال إنه في حال فوزه، فإن «المطاعم الأجنبية» في ولايته «ستصبح تحت ضغوط كبيرة»، وإنه سيجعل العيش في سكسونيا-أنهالت «غير جذاب بأكبر قدر ممكن لهذه الفئة»، قاصداً بذلك المهاجرين ومَن هم من أصول مهاجرة، الذين كانوا حقاً موضوع نقاش الاجتماع السرّي. وتابع يقول إن تحقيق ذلك «سيكون سهلاً جداً جداً».

فضح الاجتماع السرّي

الاجتماع السرّي فضحه لاحقاً صحافيون ألمان من موقع «كوريكتيف» الاستقصائي الذي كشف أن إحدى الرسائل سُربت إليه، وأنه أرسل صحافياً إلى الفندق لكي يراقب الاجتماع ويكتب عنه.

وكان هدف الاجتماع الذي دعا إليه اثنان من كبار رجال الأعمال والمموّلين الألمان، مناقشة خطة لترحيل ملايين المهاجرين والألمان من أصول مهاجرة، بحسب الموقع الاستقصائي.

أثار الكشف عن الاجتماع آنذاك غضباً كبيراً في ألمانيا وإدانات سياسية واسعة؛ خاصة لأنه حمل أصداء تاريخية، مذكّراً باجتماع النازيين لمناقشة وإقرار «الحل النهائي» الذي شكّل بداية المحرقة (الهولوكوست). وللعلم، أيضاً عُقد اجتماع النازيين في مدينة بوتسدام في مكان قريب من موقع الاجتماع الحديث الذي شارك فيه زيغموند.

اللافت أن زيغموند كان واحداً من 3 سياسيين في حزب «البديل من أجل ألمانيا» شاركوا في الاجتماع، والثلاثة يعتبرون من المتطرفين داخل الحزب؛ ولذا حاول الحزب إبعاد نفسه عنهم، مدّعياً أنهم حضروا «بصفة شخصية»، وأن ما نوقش ليس سياسة يتبناها الحزب. غير أن الحزب لم يتمكن من إنكار ما نوقش بسبب وجود تسجيلات تثبت ذلك.

لا ذكر للاجتماع في الإعلام

أيضاً، كان لافتاً أنه رغم الصدمة والنقمة التي تسبب فيها الكشف عن الاجتماع في ذلك الحين، لم تُذكر القصة في الإعلام الألماني خلال حملة زيغموند الانتخابية وتغطية الانتخابات التي سبقت فوزه، وكأن الجميع نسي أنه شارك في ذاك الاجتماع، علماً بأنه في ذاك الوقت لم يكن معروفاً خارج ولايته، على عكس الوضع اليوم؛ فهو الآن بات معروفاً ليس فقط في كامل ألمانيا، بل في العالم بأسره؛ ذلك أن فوزه جذب الإعلام العالمي وترددت أصداء فوزه في كل مكان. وقد تكون مجلة «دير شبيغل» قد ساهمت عن غير قصد في تحويله إلى «نجم» بعدما وضعته على غلافها قبل الانتخابات، في صورة تثني عليه مع عنوان «أخطر رجل في ألمانيا»، ولكن من دون مضمون يعكس العنوان. زيغموند، نفسه، استغل ذلك لينشر صوراً له مع المجلة مبتسماً، والحزب اشترى كل الأعداد ليوزّعها على مؤيديه الذين بدأوا يصطفون في تجمّعاته حاملين المجلة للحصول على توقيعه.

وعندما سئل زيغموند أخيراً عن مشاركته في اللقاء قبل سنتين في سؤال عابر ضمن مقابلة مع مجلة «بوليتيكو» أخيراً، قلّل القيادي اليميني المتطرف من أهمية اللقاء، منتقداً في المقابل الصحافة التي زعم أنها «ضخّمت القصة!». أيضاً رفض زيغموند وصفه بـ«رجل متطرّف خطير»، مدّعياً أنه «شخص عادي يقلق على بلده، ويريد بلداً أفضل له ولعائلته وأولاده». وأردف: «ببساطة لا أستطيع أن أقف على الحياد في حين أشاهد بلدي يتطوّر بهذا الشكل السلبي وبسرعة». ولكن رغم إنكار الحزب تبنّي السياسات التي ناقشها الاجتماع السرّي، فإن الحملة الانتخابية في سكسونيا-أنهالت، التي قادها زيغموند وأوصلته إلى الفوز، أثبتت أن «البديل من أجل ألمانيا» تبنّى الكثير منها، ثم إن تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني؛ فزعيمته أليس فايدل، التي تحظى بإعجاب «أغنى رجل في العالم» إيلون ماسك، تكرّر أنه يجب إعادة كل السوريين إلى بلدهم. والحزب أيضاً استخدم التعبير مراراً في بيانه الانتخابي في ولاية سكسونيا-أنهالت الذي امتد على أكثر من 140 صفحة. وفيه يتعهد الحزب بإلغاء المشاريع المموّلة من الحكومة والمخصّصة لدمج المهاجرين، وإلغاء مسؤولي ومفوّضي الدمج وإبدال «مفوضي إعادة الهجرة» بهم.

نشأة زيغموند وتدرّجه

وُلد أولريش زيغموند عام 1990 في بلدة هافلبرغ بولاية سكسونيا-أنهالت لعائلة كاثوليكية. وهو متزوّج من يوليا، التي تعمل مدرّسة، ولديهما ابنة، ويعيشان في بلدة تانغرمونده القريبة من مكان ولادته في هافلبرغ.

في بدايات حياته المهنية، تلقى زيغموند تدريباً في تجارة الجملة والتجارة الخارجية، وأسّس شركة عطور عام 2014. وتخرّج لاحقاً عام 2016 في جامعة هامبورغ ببكالوريوس في العلوم الإدارية وعلم النفس الاقتصادي.

وعام 2017 هجر زيغموند الكنيسة الكاثوليكية بسبب «دورها السياسي المشين» بحسب زعمه. وللعلم، تدافع الكنيسة الكاثوليكية عن اللاجئين بشكل مستمر، وتفتح أبوابها للذين تصدر بحقهم طلبات ترحيل.

وقبل الانتخابات التي فاز بها حزب «البديل من أجل ألمانيا» في سكسونيا-أنهالت، حذّرت الكنيسة الكاثوليكية في ماغدبورغ، عاصمة الولاية، من التصويت للحزب. وعلّقت لافتات ضخمة على الكاتدرائية وسط المدينة تذكّر فيها بالأخلاق المسيحية، وتدعو إلى التصويت «بضمير»، ومما كتبت: «أَحِب جارك، الحوار، الكرامة الإنسانية، التضامن، صوّت بضمير!». وبعد فوز الحزب المتطرف، أعرب مطران الكاتدرائية، إلى جانب الكنيسة البروتستانتية، عن صدمته وقلقه الكبير من زيادة الانقسام في المجتمع.

العداء للهجرة واللاجئين

من ناحية أخرى، مع أن زيغموند وُلد وكبر في ريف سكسونيا-أنهالت، حيث أعداد اللاجئين ضئيلة، فهو بنى شعبيته في الولاية على مهاجمة اللاجئين وسياسات الحكومة الفيدرالية «وسخائها» في المعونات المقدّمة لهم، مدّعياً أنه يعبر عن مشاعر أبناء الولاية. وهو دائماً يكرّر في مقابلاته أن الشوارع في ألمانيا «لم تعُد آمنة»، ويزعم أن طفولته في المقابل كانت «مليئة بالحرية... وكان بإمكانك اللعب بأمان في الشوارع ليلاً». ومن ثم، يقول إن هذه ألمانيا التي يريد إعادتها. بالطبع، هو يلمِّح إلى مسؤولية اللاجئين والمهاجرين عن جعل الشوارع أقل أماناً.

في المقابل، رغم تسخيف حزب «البديل من أجل ألمانيا» التهم الموجّهة إليه بأن بعض أفكاره تحمل صدى النازية، فإن زيغموند نفسه تكلّم عن «استخدام القوة» لتنفيذ خطط «إعادة المهاجرين».

وعندما سئل عن موقفه من خطط فتح مصنع سلاح في الولاية، قال إنه لا يعارض الفكرة، مضيفاً: «سنحتاج بطبيعة الحال إلى الموارد اللازمة لحملة إعادة الهجرة والترحيل اللاحقة، وهذا يصب في مصلحة الأمن الداخلي واستقرارنا الذاتي والدفاع الوطني»، ثم عاد ليوضح لاحقاً أن «المصنع سيصنع أيضاً المعدات والآليات ووسائل تكنولوجية وغيرها لتستخدمها القوات المسلحة الألمانية والشرطة والسلطات الأمنية». ولكن الشركة التي يتكلم عنها شركة تصنيع أسلحة إسرائيلية متخصصة فقط في تصنيع تكنولوجيا عسكرية وأنظمة دفاع وآليات مدرعة، ولا علاقة لها بتصنيع معدات للشرطة.

على خطى أبيه

في الحقيقة، لا يحمل «أولي» زيغموند أفكاراً بعيدة عن أفكار عائلته؛ فوالده يعمل لدى أحد نواب حزب «البديل من أجل ألمانيا»، وهو ما دفع كثيرين لاتهامه وأعضاء في الحزب بالمحسوبية. ومثل معظم المنتمين إلى اليمين المتطرف، يتشكك زيغموند من الإعلام، ويتكلم عن خطط لـ«إصلاحه»، وإقفال القناة الرسمية المموّلة من أموال دافعي الضرائب في الولاية. وعوضاً عن ذلك، يترافق بشكل شبه عام مع «مؤثرين» على «يوتيوب» يحملون أفكاراً يمينية متطرفة، يروّجون له وينتقدون الإعلام المهني.

ويدعو برنامج الحزب إلى وقف توظيف الأجانب حتى في الوظائف المتخصصة، في مقابل إعداد خطط لإعادة جذب الألمان الذين هاجروا لملء تلك الوظائف.

وعن طلاب المدارس من أبناء المهاجرين أو المتحدّرين من أصول مهاجرة، يقول إنه يريد فصلهم في صفوف خاصة، والإحجام عن دمجهم مع الطلاب الألمان، وبدلاً من ذلك تعليمهم بمناهج بلدهم الأصلي، وبواسطة أساتذة مهاجرين، إذا أمكن، وذلك «تمهيداً لترحيلهم إلى بلدانهم» عندما تسمح الظروف بذلك.


ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
TT

ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)

يدخل أولريش زيغموند زعيم التنظيم المحلي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت الألمانية مفاوضات مع حزب «تحالف زارا فاغنكنيشت» الشعبوي اليساري المتطرف لتشكيل حكومة جديدة للولاية، وذلك بعدما تبين أن هذا الحزب كان الوحيد الذي وافق على التفاوض مع الحزب اليميني لتشكيل حكومة.

تلاقى الحزبان المتطرفان - يميناً ويساراً - بأفكارهما حول تشديد الهجرة وإعادة العلاقات مع روسيا. وبالتالي، يأمل زيغموند أن يصبح قريباً أول رئيس حكومة ولاية ينتمي لحزب متطرف في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

خطط الحزب تمتد إلى المناهج التعليمية التي يريد تعديلها لكي تخفّف التركيز على الشعور بالذنب الذي يلاحق الألمان بسبب ما ارتكبوه أيام النازيين، وإعادة توجيهها بحيث تركز على «الوطنية والجوانب الإيجابية».

ولا يتردد زيغموند نفسه في الكلام عن ذلك؛ إذ ينتقد فكرة أن النازيين ارتكبوا «أعظم جريمة ضد الإنسانية في التاريخ»، ويقول إن ما يبدو إنكاراً للمحرقة النازية، وهي جريمة يعاقب عليها القانون الألماني، «لا أدعي القدرة على الحكم على ذلك؛ لأنني لا أستطيع تقييم البشرية جمعاء». ويضيف: «أرى أن هذا التفسير مبالغ فيه للغاية ومنفصل تماماً عن الواقع، فبالنسبة لي من المهم التطلع إلى المستقبل لا النظر إلى الماضي. وبالطبع يجب علينا دائماً أن نتعلم من التاريخ، ليس فقط من جوانب محددة منه، بل من التاريخ ككل».

أفكار زيغموند هذه نجح في إيصالها إلى أعداد كبيرة من مؤيديه من خلال متابعيه على شبكات التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بشكل كبير، خاصة على منصتَي «تيك توك» و«إنستغرام» اللتين يتابعه عليهما أكثر من 600 ألف شخص، ما يجعله من ثم السياسي الألماني الأكبر شعبية على المنصتين، ثم إنه غالباً ما ينشر صوراً له تظهره «واحداً من الشعب»، في نقيض للسياسيين المنتمين للأحزاب الأخرى.

بداية مشوار زيغموند مع التطرف غير واضحة، ولكن على الأرجح أنه كان دائماً يحمل أفكاراً متطرفة تطوّرت مع الوقت لتطول اللاجئين والمهاجرين. بداياته السياسية تظهر أنه بدأ مشواره عندما كان يبلغ 19 سنة مع أكثر الأحزاب محافظةً آنذاك، وهو حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، الذي يتزعمه اليوم المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

في حينه، لم يكن حزب «البديل من أجل ألمانيا» قد أُسس بعد، ولم تكن هناك أحزاب على يمين الديمقراطيين المسيحيين، ولكن بعد تأسيس «البديل من أجل ألمانيا» عام 2013، انضم زيغموند للحزب عام 2015.