تسلح روسيا والجوار مصدر قلق على الجبهتين الشرقية والغربية

صواريخها تقلق طوكيو.. وأوروبا تريد معاهدة جديدة للأسلحة التقليدية

برج مراقبة روسي على جزيرة كونرشيل إحدى جزر الكوريل المتنازع عليها مع اليابان (أ.ب)
برج مراقبة روسي على جزيرة كونرشيل إحدى جزر الكوريل المتنازع عليها مع اليابان (أ.ب)
TT

تسلح روسيا والجوار مصدر قلق على الجبهتين الشرقية والغربية

برج مراقبة روسي على جزيرة كونرشيل إحدى جزر الكوريل المتنازع عليها مع اليابان (أ.ب)
برج مراقبة روسي على جزيرة كونرشيل إحدى جزر الكوريل المتنازع عليها مع اليابان (أ.ب)

كشفت روسيا عن نشرها مؤخرًا منظومات صاروخية مضادة للقطع البحرية على جزر الكوريل المتنازع عليها مع اليابان، الأمر الذي أثار حفيظة طوكيو في وقت تجري فيه التحضيرات لزيارة سيجريها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى هناك منتصف ديسمبر (كانون الأول) القادم. ويأتي هذا التعقيد في العلاقات بين روسيا وجارتها من جهة أقصى الشرق، في وقت يخيم فيه التوتر على علاقاتها مع جوارها غربا، أي دول الاتحاد الأوروبي، على خلفية تعزيز روسيا لتواجدها العسكري في الأجزاء الغربية من البلاد ردا على نشر الناتو وحدات عسكرية إضافية في جمهوريات البلطيق وبعض دول أوروبا الشرقية.
وقد دفع هذا الأمر وزير الخارجية الألمانية فرانك فالتير شتينماير إلى طرح مبادرة حول ضرورة التوصل لمعاهدة جديدة مع روسيا في مجال الأسلحة التقليدية، لضبط الأمور والحيلولة دون سباق تسلح جديد في العالم.
وكانت الصحيفة الرسمية لأسطول المحيط الهادئ في القوات الروسية قد نشرت مطلع الأسبوع خبرا قالت فيه إن وزارة الدفاع الروسية قامت بنشر منظومات صواريخ «بال» و«باستيون» المضادة للأهداف العائمة على جزيرتي كوناشير وإتروب من جزر الكوريل المتنازع عليها مع اليابان. وفي توضيحها لتلك الخطوة، قالت ماريا زاخاروفا المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الروسية، إن الهدف من نشر تلك المنظومات هو «العمل بشكل متواصل على تعزيز الأمن القومي»، مؤكدة أن الخطوة «جاءت بصورة حصرية ضمن هذا النهج».
من جانبه قال ديمتري بيسكوف المتحدث الصحافي باسم الكرملين إن نشر تلك المنظومات خطوة مبررة، مشددًا على ضرورة ألا يؤثر هذا الأمر «على المساعي الحالية في العلاقات الثنائية مع طوكيو فيما يخص التحضير الدقيق للزيارة التي سيجريها الرئيس بوتين إلى اليابان منتصف ديسمبر (كانون الأول)، واستمرار الاتصالات الثنائية في مجال تطوير العلاقات الثنائية لا سيما الاقتصادية، والتوصل إلى اتفاقية سلام» حسب قول بيسكوف.
إلا أن تلك التصريحات لم تخفف من مصادر قلق الجانب الياباني، إذ أكد رئيس الوزراء شينزو آبي أن بلاده «نقلت للجانب الروسي عبر القنوات الدبلوماسية أسفها، (ووجهة نظرها) بأن نشر تلك المنظومات لا يناسب الموقف الياباني». ويوم أمس قال وزير الخارجية الياباني فوميو كوشيدو إن بلاده احتجت لدى روسيا على نشر تلك الصواريخ في جزر الكوريل. أما وزيرة الدفاع توميمي إينادا، فقد رأت أن روسيا نشرت تلك المنظومات بهدف ضمان نشاط غواصاتها النووية في المنطقة، لافتة إلا أن تلك الصواريخ تغطي المنطقة من بحر آخوتسك الممتدة حتى الأجزاء الشمالية من جزيرة هوكويدو اليابانية. إلا أنه ورغم استياء القيادات في طوكيو من تلك الخطوة الروسية فإن الجانب الياباني يرى أنها لن تؤثر على برنامج الاتصالات الثنائية وزيارة بوتين المرتقبة إلى طوكيو.
وكان الرئيس بوتين قد أجرى جولة محادثات مع رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي يوم التاسع عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) على هامش قمة مجموعة آسيا - المحيط الهادئ في البيرو، تناولا خلالها مسألة النزاع حول جزر الكوريل وتوقيع اتفاقية سلام بين البلدين. وتجدر الإشارة إلى أن موسكو وطوكيو تجريان منذ منتصف القرن الماضي محادثات حول توقيع اتفاقية سلام، علما بأن الاتحاد السوفياتي واليابان كانا قد وقعا بعد الحرب العالمية بيانا حول إنهاء حالة الحرب بين البلدين وذلك عام 1956، إلا أنهما لم توقعا اتفاقية سلام، والسبب في ذلك الخلاف بينهما حول جزر الكوريل التي تم ضمها في ختام الحرب العالمية الثانية إلى الاتحاد السوفياتي، وما زالت اليابان تعلن حقها على الجزء الجنوبي من تلك الجزر. وفي الوقت الراهن تستمر المحادثات بين الجانبين بهذا الخصوص، مع إظهار حرص بمواصلة العمل سياسيا ودبلوماسيا على التوصل لمخرج من الأزمة. إلا أن نشر روسيا لمزيد من أسلحتها على مقربة من اليابان قد يؤدي إلى خطوات مماثلة على الطرف الآخر، وربما يؤدي إلى انطلاق سباق تسلح جديد في منطقة الشرق الأقصى.
في شأن متصل لكن على الجهة المقابلة من الحدود الروسية، أي غربا، أعلن وزير الخارجية الألماني فرانك فالتير شتاينماير أن 15 دولة عضوًا في منظمة الأمن والتعاون الأوروبي أعربت عن دعمها لمبادرة برلين بخصوص استئناف المحادثات مع روسيا حول اتفاقية الأسلحة التقليدية في أوروبا. وفي تصريحات لصحيفة «داي فيلت» الألمانية شدد شتاينماير على ضرورة التوصل لتلك الاتفاقية، موضحا أن «أوروبا تواجه التهديد حاليا»، واصفا بعد ذلك ما قامت به روسيا من ضم لشبه جزيرة القرم وسياستها في جنوب شرقي أوكرانيا بأنها عوامل عدم استقرار في المنطقة. وعليه يرى الوزير الألماني أن الرقابة المشتركة على التسلح يمكن أن تشكل «وسيلة لتقليص المخاطر وإعادة الثقة بين الأطراف»، محذرا من أن سباق التسلح الذي قد يبدأ على خلفية الوضع في أوكرانيا، قد يخلق المزيد من التهديدات ويقوض نهائيا الثقة بين موسكو والغرب، داعيا إلى ضرورة الحوار مع موسكو حول هذه القضايا على أن يجري النقاش بشأن معاهدة جديدة للأسلحة التقليدية في إطار منظمة الأمن والتعاون وعلى مستوى لقاء وزراء خارجية الدول الأعضاء في المنظمة.
وتجدر الإشارة إلى أن انتشار القوات العسكرية على طرفي الحدود داخل روسيا وفي دول الاتحاد الأوروبي الأعضاء في حلف الناتو لا يخضع اليوم لأي ضوابط قانونية، ذلك أن معاهدة الأسلحة التقليدية المبرمة عام 1990 بين دول الناتو ودول حلف وارسو، باتا بحكم المنتهية صلاحياتها بعد انضمام عدد من دول حلف وارسو إلى حلف الناتو، وهو ما أدى إلى خلل بموازين القوى التقليدية في المنطقة. وقد جرى تعديل المعاهدة عام 1999، إلا أن العمل بها لم يبدأ فعليا، حيث تصر روسيا على تنفيذ جميع الأطراف للنص المعدل للاتفاقية، بينما تواصل بعض الدول رفضها توقيع ذلك النص إلى أن تنسحب روسيا من جورجيا (أبخازيا التي انفصلت عن جورجيا) وبريدنيستروفيا في مولدوفا. وكانت روسيا قد جمدت التزامها بنص الاتفاقية عام 2007 إلا أنها بقيت عضوا موقعا عليها، وفي عام 2015 أعلنت تعليق مشاركتها في المجموعة الاستشارية لمراقبة تلك الاتفاقية، احتجاجا على عدم تحقيق أي تقدم بشأن صياغة معاهدة جديدة تتناسب مع الواقع السياسي - والعسكري لما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وعلى استمرار الناتو بنشر المزيد من وحداته العسكرية على مقربة من الحدود الروسية.



أوسيتيا الجنوبية المدعومة من روسيا تنتخب زعيماً مقرباً من موسكو

مارات كامبولوف (وكالة «تاس»)
مارات كامبولوف (وكالة «تاس»)
TT

أوسيتيا الجنوبية المدعومة من روسيا تنتخب زعيماً مقرباً من موسكو

مارات كامبولوف (وكالة «تاس»)
مارات كامبولوف (وكالة «تاس»)

فاز مارات كامبولوف، وهو مسؤول اتحادي روسي سابق، برئاسة أوسيتيا الجنوبية، الإقليم المنفصل عن جورجيا والمدعوم من روسيا، في انتخابات رحبت بها موسكو، اليوم (السبت)، باعتبارها دليلاً على رغبة الإقليم في توثيق علاقاته معها.

ويأتي الرئيس الجديد كامبولوف من أوسيتيا الشمالية، وهي جمهورية روسية تقع على الجانب الآخر من جبال القوقاز. وليس لكامبولوف أي صلات سابقة بأوسيتيا الجنوبية، التي انفصلت عن جورجيا خلال انهيار الاتحاد السوفياتي في أوائل التسعينيات، وحصلت لاحقاً على استقلال فعلي بدعم روسي. وأدت حرب قصيرة بين روسيا وجورجيا في عام 2008 إلى طرد القوات الجورجية من أجزاء من الإقليم كانت تسيطر عليها سابقاً.

تعميق التعاون

ورحبت موسكو بفوز كامبولوف. وقالت وزارة الخارجية: «تظهر النتائج الرغبة الواسعة النطاق لدى مجتمع أوسيتيا الجنوبية في الاستقرار السياسي الداخلي، والتقدم، والتطوير الشامل للعلاقات مع الاتحاد الروسي».

ووقّعت أوسيتيا الجنوبية وروسيا معاهدة في مايو (أيار) عمّقت التعاون في مجالات الدفاع والسياسة الخارجية والأمنية، ووضعت خططاً لدمج شبكات الطاقة وشبكات النقل، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ونددت جورجيا بالمعاهدة باعتبارها محاولة من روسيا لترسيخ «ضمها الفعلي» لأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وهي منطقة جورجية منشقة أخرى مدعومة من روسيا.

وانتقدت تفليس أيضاً قرار روسيا فتح مراكز اقتراع في المنطقتين لانتخابات مجلس النواب (مجلس الدوما) الروسي التي تجري من 18 إلى 20 سبتمبر (أيلول) الحالي.

تهنئة من بوتين

شغل كامبولوف (61 عاماً) في السابق مناصب رفيعة في هيئات حكومية اتحادية روسية، من بينها وزارة التعليم. وعُين رئيساً لوزراء أوسيتيا الجنوبية في يونيو (حزيران) بعد تنحي آلان جاجلويف عن الرئاسة ليصبح مستشاراً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وهنّأ بوتين كامبولوف، اليوم (السبت)، في برقية نُشرت على الموقع الإلكتروني للكرملين. وتعهد كامبولوف، في خطاب الفوز الذي ألقاه في تسخينفالي عاصمة أوسيتيا الجنوبية، بتحسين مستويات المعيشة في الإقليم. وقال: «أمامنا قدر كبير من العمل. وبالتكاتف وحده يمكننا تغيير جمهوريتنا، تسخينفالي مدينتنا!».

وتعتمد أوسيتيا الجنوبية، التي يبلغ عدد سكانها نحو 50 ألف نسمة، بدرجة كبيرة على روسيا في واردات الغذاء والمعدات والطاقة، ولديها قطاع صناعي محدود خاص بها.

وتمول موسكو أجور العاملين في القطاع العام والمعاشات ومشروعات البنية التحتية الرئيسية، وتدير قاعدة عسكرية في الإقليم.

وقالت وسائل إعلام روسية رسمية إن كامبولوف حصل على 85 في المائة من الأصوات في الانتخابات التي جرت أمس (الجمعة)، في حين نال منافسوه نسباً في خانة الآحاد. وبلغت نسبة الإقبال 73 في المائة.


نائب رئيس الوزراء الصيني يزور الولايات المتحدة قبل قمة شي وترمب

نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)
نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)
TT

نائب رئيس الوزراء الصيني يزور الولايات المتحدة قبل قمة شي وترمب

نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)
نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)

يزور نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ، الولايات المتحدة، قبل القمة المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ، بحسب ما أفادت به وسائل إعلام صينية رسمية اليوم (السبت).

ويجري رئيسا أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم محادثات بالبيت الأبيض في 24 سبتمبر (أيلول)، في لقاء يهدف إلى الحد من التوترات حول التجارة والتكنولوجيا ومسائل استراتيجية بصورة عامة.

وفي حين لا تزال الهدنة التجارية التي توصل إليها الطرفان قبل نحو عام صامدة، فإنهما لم ينجحا بعد في التوصل إلى اتفاق دائم.

ويترأس هي وفداً صينياً سيزور الولايات المتحدة من 19 إلى 23 سبتمبر، لإجراء محادثات حول «القضايا الاقتصادية والتجارية محلّ الاهتمام المشترك»، بحسب ما نقلته وكالة «شينخوا» الصينية للأنباء عن وزارة التجارة.

وأوضحت الوزارة أن المحادثات ستستند إلى «التوافق المهم» الذي توصل إليه شي وترمب في وقت سابق.

وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد أعلن هذا الأسبوع، أنه سيلتقي هي خلال عطلة نهاية الأسبوع. وأشار إلى أن المناقشات قد تتطرق أيضاً إلى ملف إيران، فيما تثير العلاقات الاقتصادية الوثيقة بين بكين وطهران استياء واشنطن، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتسري منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2025، هدنة هشة في حرب الرسوم الجمركية التي أطلقها ترمب بعد عودته إلى البيت الأبيض.


لماذا تندلع الحروب؟... وكيف تتحول إلى كوابيس بلا نهاية؟

دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

لماذا تندلع الحروب؟... وكيف تتحول إلى كوابيس بلا نهاية؟

دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)

نادراً ما تدخل دولة حرباً وهي تتوقع الهزيمة، أو تتخيل أن الصراع الذي بدأته سيتحول إلى كابوس طويل ونفق لا نهاية له. ومع ذلك، يبدو أن أحداً لا يستخلص العبر بل يكرر التاريخ - أو بالأحرى الإنسان - نفسه: قرارات تبدو في لحظتها محسوبة ومدروسة قد تقود إلى حروب استنزاف، وأهداف تتغير مع الوقت، وقادة يجدون أنفسهم عاجزين عن التراجع من دون دفع أثمان سياسية واستراتيجية باهظة.

يقول أستاذ العلاقات الدولية الأميركي ستيفن إم. والت، أحد أبرز منظّري المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، إن الحروب الكارثية لا تأتي عادة من فراغ، ولا تكون مفاجآت بالمعنى الكامل. فهي غالباً نتيجة أخطاء متكررة في الحسابات الاستراتيجية، تبدأ بسوء فهم الخصم وقدراته، ثم تتفاقم بسبب نصائح مُغرضة، وأهداف خفيّة، وضغوط سياسية تجعل التراجع أكثر صعوبة من الاستمرار.

حفرة أحدثها صاروخ روسي سقط في كييف عاصمة أوكرانيا (أ.ب)

* علامات الخطر

أولى علامات الخطر هي الجهل؛ فالقوة العسكرية لا تعني بالضرورة فهماً للمجتمع الذي تتدخل فيه. وقد تملك دولة متفوقة عسكرياً معلومات دقيقة عن جيش خصمها، لكنها تجهل تاريخ هذا الخصم، وتركيبته السياسية والاجتماعية، وقدرته على المقاومة، أو طبيعة ردود فعل القوى المحيطة به جغرافياً. ومن هنا تبدأ المفارقة: الانتصار في المعركة قد يكون متاحاً، لكن توقع نتائجها والسيطرة عليها قد يكونان مستحيلَين...

في الطريق إلى الحرب، لا تتحدث كل الجهات التي تقدم المشورة إلى صانع القرار من الموقع نفسه. هناك من تكون له مصالح آيديولوجية أو اقتصادية أو جيوسياسية تدفعه إلى تضخيم فرص النجاح وخفض حجم الأخطار. وفي أحيان كثيرة، يميل القادة إلى تصديق التقييمات المتفائلة التي تؤكد ما يودّون سماعه، بدلاً من الإصغاء إلى التحذيرات الأكثر عقلانية.

طائرات على متن حاملة الطائرات الأميركية «جورج واشنطن» (أ.ف.ب)

ثم تأتي مشكلة الأهداف الهشة والمتغيرة؛ فقد تبدأ الحرب بهدف محدود، أو باعتقاد أن تحقيقه سيكون سريعاً وقليل التكلفة. لكن عندما يتعثر المسار، تتغير المهمة. الهدف الذي كان إسقاط نظام يصبح بناء نظام جديد، وما كان عملية عسكرية قصيرة يتحول إلى مشروع سياسي طويل. وهكذا تستمر الحرب حتى بعد أن يفقد الهدف الأصلي وضوحه.

* دوّامة التصعيد

الأخطر يحدث عندما تدخل الحرب دوامة التصعيد؛ فمع تزايد الخسائر، يصبح الاعتراف بالفشل مكلفاً سياسياً. ويبدأ القادة رفع الرهان بدلاً من تقليصه، أملاً في أن تحقق الجولة التالية ما لم تحققه الجولة السابقة. ويتداخل الضغط الداخلي مع التوتر الخارجي، إلى أن يصبح التراجع نفسه أسوأ من مواصلة القتال.

لكن هذه الديناميكية لا تفسر وحدها لماذا يندفع العالم نحو مزيد من الصراعات؛ فهناك عوامل أعمق: الخوف وعدم اليقين، وسوء تقدير نوايا الخصم وقدرته على الرد؛ وصراعات القوة التي ترافق انتقال النظام الدولي من قوة مهيمنة إلى أخرى صاعدة، وهو ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»؛ فضلاً عن القادة الذين لا يواجهون قيوداً سياسية كافية، فيصبح المجد الشخصي أو الآيديولوجيا أو الرغبة في الانتقام، جزءاً من حسابات الحرب.

ويزداد الخطر عندما تبدأ قواعد النظام الدولي نفسها في التآكل؛ فالقواعد والمؤسسات التي يفترض أن تساعد القوى الكبرى في إدارة خلافاتها تصبح أقل فاعلية عندما تتجاهلها الدول القوية، أو تستخدمها بصورة انتقائية. وعندما تتراجع الثقة بالقواعد والمؤسسات، يصبح سوء التقدير أكثر احتمالاً، والانتقال من أزمة إلى أخرى أسرع.

* نهايات الحروب

تكشف نهاية الحروب الكبرى أن الانتصار ليس دائماً الطريق الذي تنتهي به الصراعات؛ فقد تنتهي الحرب بهزيمة عسكرية كاملة وانهيار أحد أطرافها، كما حدث في الحرب العالمية الثانية. وقد تنتهي بالاستنزاف والانهيار العسكري والسياسي، كما حدث في الحرب العالمية الأولى. وقد تتوقف عبر تسوية تفاوضية لا تحل جذور النزاع، كما حدث في شبه الجزيرة الكورية عام 1953. أما الصراعات الطويلة بين القوى الكبرى، فيُحتمل أن تنتهي بانهيار أحد أطرافها من الداخل، كما حدث مع الاتحاد السوفياتي عام 1991.

مروحية ودبابات في تدريب للجيش البولندي (أ.ف.ب)

والواقع أن الطريقة التي تنتهي بها الحرب تكون أحياناً أهم من نهايتها نفسها؛ فالتسويات القاسية أو غير المتوازنة سوف تزرع بذور الصراع التالي. ومن هنا فإن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة إنهاء أسبابها.

* السؤال الملحّ

السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو: هل يتجه العالم نحو حرب عالمية ثالثة؟

لا توجد إجابة حاسمة، لكن المؤشرات التي تجعل السؤال مشروعاً أصبحت أكثر وضوحاً؛ فالحدود بين الصراعات أصبحت أكثر ضبابية من أي وقت مضى. لذا نرى أن الحرب في أوكرانيا، والتنافس الأميركي - الصيني، والتوتر في الشرق الأوسط، والصراع على النفوذ والطاقة والتكنولوجيا، كلها تتحرك داخل بيئة دولية واحدة، وتتزايد نقاط التماس بينها.

ومع ذلك، هناك مفارقة تستحق التوقف عندها؛ ففي العقود الأخيرة، بدت الصين، مقارنة بالولايات المتحدة وروسيا، أكثر حذراً في الانخراط المباشر في حروب برية واسعة النطاق. وهذا لا يعني أنها بعيدة عن الصراع أو ترفض استخدام القوة، بل يشير إلى اعتمادها بدرجة أكبر على أدوات أخرى: الاقتصاد، والتجارة، والتكنولوجيا، والنفوذ السياسي، والضغط الاستراتيجي على المدى الطويل.

وفي عالم تتزايد فيه الأزمات وتتقاطع فيه المصالح، قد لا يكون الخطر الأكبر أن يقرر زعيم ما إشعال حرب عالمية عمداً، بل أن تبدأ سلسلة من القرارات الصغيرة، المبنية على معلومات ناقصة وتقديرات خاطئة وضغوط سياسية، ثم يصبح التراجع في كل مرحلة أصعب من المرحلة التي سبقتها.

فالحروب الكبرى لا تبدأ دائماً بقرار كبير. أحياناً تبدأ بخطأ صغير (أو بحادث مدبّر بحيث يبدو كأن خطأ وقع) لا يعرف أحد، لحظة وقوعه، إلى أين سيقود.

مقاتلتان صينيتان (أرشيفية - رويترز)

* قالوا في الحرب

- عرّف كارل فون كلاوزفيتس - من بروسيا «سلف» ألمانيا الموحّدة - (1780 - 1831) الحرب من منظور فلسفي بوصفها أداةً عقلانية لسياسة الدولة، مشيراً إلى أنها ببساطة «استمرار للسياسة بوسائل أخرى».

- قال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724 - 1804): «يمكن تحقيق السلام الدائم من خلال تنمية التجارة الدولية، والجمهوريات الدستورية، واتحادات الدول الحرة التي تجعل القادة حذرين حيال تكاليف خوض الحروب». وفي كتابه «السلام الدائم»، أكد أن الحرب هي دورة عبثية لا طائل منها لأنها تعتمد على القوة بدلاً من الحق.

- قال الفيلسوف الهولندي إيراسموس (1466 - 1536): «السلام المجحف خيرٌ من أعدل الحروب».

- في الفلسفة الطاوية، يذكر كتاب «تاو تي جينغ» أن الانتصارات العسكرية هي مآسٍ وليست منجزات، مشيراً إلى أن «من يبتهج بالنصر، يبتهج بمذبحة للبشر». وتنظر الطاوية إلى الحرب على أنها اختلال في النظام الطبيعي لا ينتج عنه إلا مزيد من العنف.

- سخر الفرنسيّ المتنوّر فولتير في كتابه «المعجم الفلسفي» من الحرب، واصفاً إياها بأنها «مجزرة بطولية» لا تجلب سوى البؤس. كذلك، سخر من فكرة أن قتل الآلاف من الجيران الأبرياء بناءً على أوامر السلطة يمكن أن يُعدّ يوماً ما أمراً مفيداً أو مجيداً.

- أكد رائد الفلسفة الوجودية، الفرنسي جان بول سارتر، عبثية الحرب، وكتب مقولته الشهيرة: «عندما يحارب الأثرياء، يموت الفقراء». فقد كان يرى الحرب ممارسةً عديمة الفائدة، يجري فيها التلاعب بالمواطنين العاديين ليركضوا نحو حتفهم ويضحوا بأرواحهم من أجل مفاهيم مجردة لا تخدم في النهاية سوى السلطة.