أحداث اليمن الدرامية في رواية «جوهرة التَّعْكَر»

همدان مطيع دماج ينطلق من عام 1450 وصولاً إلى الحاضر

جانب من وسط صنعاء القديمة - غلاف الرواية
جانب من وسط صنعاء القديمة - غلاف الرواية
TT

أحداث اليمن الدرامية في رواية «جوهرة التَّعْكَر»

جانب من وسط صنعاء القديمة - غلاف الرواية
جانب من وسط صنعاء القديمة - غلاف الرواية

لم يكن فوز الروائي اليمني همدان مطيع دمّاج بالمركز الثاني لجائزة الشارقة للإبداع العربي عام 2015 مفاجئًا للنقّاد والقرّاء المتابعين لهذا الكاتب الواعد الذي عرفناه من قبْل في حقلي القصة والشعر، ومنْ يقرأ «جوهرة التَّعْكَر»، وهي باكورة أعماله الروائية، فسيعرف من دون عناء أنه يقف في حضرة كاتب ناضج يمتلك تجربة روائية جديرة بالدراسة والاهتمام.
لا بد للقارئ أن يتساءل عن نوع هذه التجربة الروائية التي لفتت الانتباه ودفعت كثيرًا من النقّاد لتمثّلها والكتابة عنها بغية الإمساك بأسرار الصنعة أو ملامسة بعض جوانبها في الأقل. وعلى الرغم من النتائج المختلفة التي توصل إليها النقّاد والدارسون، فإنهم لم يلامسوا الشكل الفني للرواية، فقد انصبّ التركيز على اللغة الشعرية تارة، وعلى التلاقح ما بين الماضي والحاضر تارة أخرى، وعلى المزج ما بين الواقعي والتاريخي حينًا، وعلى الواقعي والمتخيَّل حينًا آخر. كل النتائج التي وردت أعلاه صحيحة لكن مفاتيحها جميعًا لن تفتح باب الرواية الذي ظل مغلقًا، ولن تنفرج بوابته دون معرفة «كلمة السرّ» التي تكمن في البناء المعماري للرواية أو بكلمات آخر، في شكلها الفني الذي يتداخل فيه المبنى بالمعنى، فالبناء هو الذي يأتي أولاً ثم تليه الثيمة، والأحداث، والشخصيات، والزمكان الروائي.
بنى همدان نصّه الروائي بثلاثة مستويات واقعية وتاريخية وأسطورية مُطعّمة بالخيال المجنّح للكاتب الذي استهل روايته بتنويه صريح مفاده أن «كل الشخصيات الحقيقية والأحداث الواقعية في هذه الرواية من نسج الخيال» دون أن ينسى الذاكرة ودورها الكبير في تفعيل أحداث هذه الرواية الدرامية النابضة بالحياة. وعلى الرغم من جنوح الخيال في هذه الرواية، فإن المتلقي يشعر بصدقها الفني، وخلوِّها من الافتعال، فالمعطى الأسطوري موظّف بأمانة، والحدث التاريخي يبدو منطقيًا ولا يطعن في الذاكرتين الشفهية والتدوينية، ولكنه يعزز الأنساق السردية ويمنحها فرصة التماهي بالأحداث الواقعية التي تسيّدت فيها شخصيات مثل العُمدة، وكريم، وريحانة، والشيخ راجح العارض، وكُرامة، و«زينب» وثُلّة مُحببة من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين منحوا الفضاء الروائي نكهة كوميدية خاصة كسرت في كثير من الأحيان جديّة المُعطى السردي وما تخلله من مواقف مأساوية كثيرة حصدت أرواح بعض الشخصيات الرئيسية والثانوية.
قد تبدو شخصية العُمدة بسيطة، ساذجة، لكنها في واقع الحال فَطِنة، مُحنّكة، وكثيرة التبصّر بالماضي والحاضر، وهي العصب الرئيس الذي يشدُّ الرواية منذ جملتها الاستهلالية حتى نهاية النص تقريبًا ولكنها ليست الشخصية المحورية الوحيدة، فهناك كريم، الإنسان المثقف الذي ينطوي على شخصية غامضة تجمع بين العاشق المتيّم، والسياسي الجسور الذي يعمل بصمت مطبق، ولا يوازيه في السحر والجاذبية والغموض سوى شخصية «زينب» التي حضرت موته وصوّرت الأشكال الهندسية الغريبة التي طبعتها يداه المخضبتان بالدماء على جدران الغرفة. هذا الحضور الخاطف قد تكرر سابقًا في موت زوجته وحبيبته «ريحانة» التي وافتها المنيّة بعد خمسة أشهر وثمانية أيام من الزواج آخذة معها الجنين الذي كانت تنتظره الأسرة برمتها.
يمتزج البُعد الأسطوري بالتاريخي حيث يستحضر الكاتب شخصية الكاهن «سُطيح» إلى جانب الملكة «أروى»، فالأول يبرّئ هند بنت عتبة من الخيانة التي رماها بها زوجها ويخبرها بأنها ستكون امرأة ذات شأن يأتي من نسلها ملوك عِظام، وأن ابنها معاوية سوف يصبح أول خلفاء الدولة الأموية. أما الملكة «أروى» فسوف تدبِّر لقائد جيوشها «المفضّل بن أبي البركات» مكيدة تفضي به إلى الموت على الرغم من شغفه اللامحدود بها. أما الحاج مُحمّد الذي رأى رؤية في المنام ولم يعد إلى دياره إلاّ بعد ثلاث سنوات وهو يتأبط الجوهرة الحمراء التي قدّمها له النبي الكريم هدية لقومه، وحينما سقط من الإعياء تفجّرت بقربه عين ماء صافية بثّت الحياة في القرى المبثوثة على سفوج جبل التَّعْكَر. ربما صدّق الجميع هذه الحكاية باستثناء العُمدة الذي اختلق أسطورته الخاصة التي تتمحور على تاجر هاجمه اللصوص، وسرقوه بعد أن أوسعوه ضربًا أفضى به إلى الموت ثم قبروه على عجل لكن قبره تحول إلى مزار يبجِّله معظم الناس.
انتقى الروائي بعض الأحداث المهمة التي دمغت التاريخ اليمني المعاصر. ففي عام 2002 فُجعت البلاد بمقتل الطبيبة مارتا مايرز، والدكتور بيل كوهين، ومديرة المشتريات كاثلين جاريتي وكان القاتل متشددًا إسلاميًا لا غير يدّعي أن ضحاياه كانوا يقومون بأعمال تبشيرية لنشر الدين المسيحي! كما تمّ اغتيال جار الله عمر، الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني، وسوف يُعدم قاتله علي أحمد السعواني من دون أن يعرف أن ضحيته كان أول سياسي يمني ينادي علنًا بإلغاء عقوبة الإعدام في اليمن.
الرواية مُطعّمة بالأحداث الدرامية والمفاجآت الكثيرة التي تكسر رتابة السرد الأفقي ولعل حكاية عالِم النبات السويدي بيتر فورسكال الذي اكتشف نبتة القات وسوف تُعرف باسم «كاثا أيديولس فورسكاليس» مهمة من الناحية العلمية لكن الأهم منها هو صدور كتابه عام 1759 بعنوان «أفكار حول الحرية المدنية» الذي يؤكد فيه على أنّ «أعزّ وأغلى ما يملكه الإنسان بعد حياته هي حريته»، وأن الخطر الوحيد الذي يهدد هذه الحرية يتمثل بالوجهاء من أصحاب المناصب والأموال. كما يدعو المؤلف إلى حرية الرأي والصحافة، وسوف يُصدر البرلمان السويدي بعد ثلاث سنوات قرارًا برفع الرقابة عن الصحافة نهائيًا.
لا شك في أن هذه الرواية تنويرية، وأن الكاتب يهدف إلى حضّ القرّاء ولفت عنايتهم إلى أهم وأعظم شيء في الوجود وهو «حرية الفرد» وكرامته، وسوف تُصبح هذه الفكرة مُهيمنة سردية تتردد على مسار النص الروائي حتى وإن جاءت بأشكال وصياغات مختلفة.
يحضر الجانب الخرافي أو الأسطوري بقوة في هذه الرواية بدءًا بالجوهرة الحمراء، وعين الماء التي تفجرت، واختفاء قبر كريم، أو ظهور وجهه المبتسم فوق مياه السدّ، وما إلى ذلك من أحداث ووقائع فانتازية لا تنتمي إلى الواقع بشكل من الأشكال، لكنها تقفز عليه وتحيا في المساحة المشوّشة المحصورة بين الحقيقة والوهم البصري.
ومثلما يهيمن الأسوياء على الأنساق السردية المتعددة لهذه الرواية فإن «المجانين» لهم حصتهم أيضًا، ومن دونهم كانت الرواية ستخسر كثيرًا من نَفَسها الفكاهي، خصوصًا أن الأحداث تدور بمجملها في قرى صغيرة نائية، أما المدن فإنها تحضر في ذاكرة الرواة أو بعض الأبطال الحقيقيين الذين يمحضون قراهم حُبًا من نوع خاص.
يتمحور الجانب الفني كثيرًا في هذه الرواية حول مصائر بعض الشخصيات الأساسية وغموضها في الحياة والموت على حد سواء، وأول هذه الشخصيات «كريم» وزوجته «ريحانة»، أما الثالثة فهي «زينب» التي قيل إنها أميرة من «حِراز» جاءت لزيارة قبر الملكة «أروى». حلاوة هذه الشخصيات وغموضها يمتدان إلى «هند بنت عتبة» وإلى «المفضّل» الذي كبت قصة حبه في صدره، وإلى «سُطيح» الذي لا تستطيع أن تنساه بعد قراءة النص الروائي. أما جبل التَّعكر وجوهرته، فإنه ينفتح مثل كتاب ثمين يتضمن غالبية الأحداث المهمة التي وقعت في اليمن منذ عام 1450 وحتى الوقت الراهن، وعلينا أن نرتكن إلى قول الروائي همدان مطيع بأن الأحداث الواقعية والشخصيات الحقيقية هي من نسج الخيال حقًّا!



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.