مواقع التواصل الاجتماعي أمام تحد هز العالم

ربع سكان العالم يستخدمون «فيسبوك».. وفوز ترامب ليس سوى قمة جبل الجليد

مواقع التواصل الاجتماعي أمام تحد هز العالم
TT

مواقع التواصل الاجتماعي أمام تحد هز العالم

مواقع التواصل الاجتماعي أمام تحد هز العالم

مع بداية تقبُّل صناعة التكنولوجيا لنتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت الأسبوع الماضي والتي جاءت على غير ما توقعت، فقد خلُص كثيرون في وادي السيليكون «سيليكون فالي» إلى أن انتشار المعومات المغلوطة وتداولها عبر الإنترنت كان السبب الرئيسي في النتائج المفاجئة للسباق.
الاثنين الماضي، غير موقعا «غوغل» و«فيسبوك» سياستهما الإعلانية لتصبح أكثر حسما في مواجهة المواقع التي تنشر الأخبار الكاذبة وتتكسب منها، وهي الخطوة التي جاءت في محلها، وإن تأخرت كثيرا. فقد أضعفت الإنترنت من حالة التوافق الجمعي بشأن حقيقة ما، وبات من الضروري مواصلة الجهد لمواجهة ذلك المنحى المرعب.
وسيكون الخطأ كبيرا لو أننا توقفنا عن السعي والتحري لمعرفة مصادر وأسباب انتشار الأخبار الكاذبة. في الحقيقة، فإن خطورة انتشار الأكاذيب ليست سوى كشف لحقيقة أعمق أخذت في الانتشار في العالم، وهي أنه مع انكفاء العالم على مواقع مثل «فيسبوك»، و«واتساب»، و«ويتشات»، و«إنستغرام»، و«تويتر»، و«يبدو»، وغيرها من المواقع الخدمية التي باتت تحظى بشعبية كبيرة، فقد باتت مواقع التواصل الاجتماعي تمثل قوى ثقافية وسياسية متنامية للدرجة التي جعلتها قادرة على تغيير مجرى الأحداث العالمية.
ربما كان انتخاب دونالد ترامب المثال الأوضح في العالم بأسره، على أن مواقع التواصل الاجتماعي قد ربطت المجتمع الإنساني حول العالم بأسلاك، وتفوقت على الإعلام التقليدي حتى في مزاياها السياسية وفي جمع التبرعات وفي تحقيق أقصى استفادة من الإعلانات. كذلك تسببت مواقع التواصل في زعزعة استقرار المؤسسات الإعلامية التقليدية وحلت محلها في مخاطبة مختلف الشرائح والاتجاهات، ومنها الأحزاب السياسية والمنظمات الدولية، وفي معالجة المحظورات الاجتماعية وفي التصدي للمصطلحات العنصرية ورهاب الأجانب.
والأهم هو أنه بفضل حرية التواصل بين الأفراد التي تمنحها تلك المواقع، فإنها تساعد على خلق كيانات اجتماعية مؤثرة وسط الجماعات التي كانت مهمشة حتى وقت قريب. وتتنوع هذه الحركات بدرجة كبيرة من ناحية الشكل، بدءا من جماعات اليمينيين من العنصريين البيض في الولايات المتحدة، إلى أنصار الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، إلى تنظيم داعش في الشرق الأوسط، إلى تجمعات قراصنة الإنترنت في أوروبا الشرقية وروسيا. لكن ما يحدث الآن هو أن كل جماعة من تلك الجماعات التي لم يكن لأحد أن يتوقع لها أن تصبح قوة يوما ما أخذت في الالتحام لتنتج في النهاية ما يشبه نوبات جيوسياسية نشطة وغير متوقعة، تعمل على زعزعة الاستقرار.
قال إيان بريمر، رئيس مجموعة «الأوراسيا» البحثية المعنية برصد المخاطر العالمية، إن «هناك الآن بلايين الناس على الإنترنت، وأغلبهم ليس سعيدا بالوضع الراهن، ويعتقدون أن حكوماتهم فاشستية وأنهم يقفون على الجانب الخطأ، ويشعرون بالاضطهاد نتيجة سياسة الهوية وتلاشي الطبقة المتوسطة».
كثير من العناصر كانت تشير إلى فوز ترامب، مثل قلق الطبقة الصناعية المتوسطة في الغرب الأوسط «ميد ويست» والرغبة في التغيير على المستوى الوطني، والمزيج من العنصرية الكامنة ورهاب الأجانب، والتمييز على أساس الجنس في مراكز الاقتراع. لكن حتى وفق اعتراف ترامب نفسه خلال مقابلة صحافية مع برنامج «60 دقيقة» الذي يذاع كل أحد، فقد لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورا حاسما في السباق.
ففي الماضي، قال بريمر، ربما لم يهتم كثيرون بحالة القلق التي انتابت أنصار ترامب، وكان ترشحه عرضة للفشل. ودوليا، استبعد غالبية النقاد الكبار احتمالية فوزه، وواجه مشكلات في التمويل والتنظيم والقدرة على إقناع النخب السياسية التقليدية، غير أن رسالة ترامب التي كتبها للناس على الإنترنت كان لها صدى كبير وبات الأعلى كعبا في الكيانات السياسية كافة.
أضاف بريمر: «فمن خلال هذه التكنولوجيا الجديدة، بات بمقدور الناس الآن التعبير عن مظالمهم واتباع من يرون أنه يستجيب لمظالمهم. فلولا مواقع التواصل الاجتماعي لما كان لترامب أن يفوز».
أما بالنسبة لمن يتطلعون للعيش في عالم منظم وخال من المفاجآت، فبكل تأكيد سيرون «فيسبوك» مخيفا، ليس لأنه مليء بالأكاذيب (وهي مشكلة قابلة للحل)، لكن لأن مداه واتساعه يجعله قادرا على تغيير مجريات التاريخ بكل جرأة وبصورة غير متوقعة.
لكن هذا هو ما وصلنا إليه، ولذلك فقد حان الوقت كي ندرك أن شبكات التواصل الاجتماعي باتت بالفعل قوى لتمزيق العالم كما وعد مؤيدوها قبل زمن، وبات من الضروري أن نفزع من كل ما تقذف به في وجوهنا من تغييرات اجتماعية هائلة، لا أن نبتهج بها.
ليست هناك مفاجآت، حيث إننا نعيش نمطا غريبا من المدينة الفاضلة التي ارتأى البعض أن مواقع التواصل سوف تطلقها.
فعلى مدار أغلب فترات العقد الماضي، شاهدنا حركات اجتماعية تقدمية شكلت الإنترنت قوتها الدافعة حول العالم. فقد شاهدنا الثورة الخضراء في إيران، والربيع العربي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفي الولايات المتحدة، شاهدنا حركة «فلنحتل وول ستريت» واحتجاجات «بلاك لايفس ماترز» التي قام بها السود.
والعام الحالي في بريطانيا، لعب الحشد على «فيسبوك» دورا مهما في الدفع غير المتوقع باتجاه خروج بريطانيا من منظومة الاتحاد الأوروبي. وفي الفلبين، نجح رودريغو دتريت، وهو عمدة مدينة كان قد واجه حربا شرسة من قبل خصومه، في حشد حملة تأييد واسعة على الإنترنت، وفي النهاية تمكن من الفوز برئاسة البلاد.
كذلك استخدم تنظيم داعش مواقع التواصل الاجتماعي في تجنيد المتطرفين من جميع أنحاء العالم، للحرب في العراق وسوريا، وأيضا لتكون مصدر إلهام للإرهابيين حول العالم لتنفيذ عمليات مشابهة.
وفي الولايات المتحدة، قام برني ساندرز، وهو اشتراكي ترشح للرئاسة، وترامب الذي صب عليه غالبية أعضاء الحزب الذي يتزعمه الآن اللعنات، بحشد حركات في الإنترنت لتغيير الوضع على الأرض.
لماذا كل هذا الآن؟ يرى كلاي شيركي، الأستاذ بجامعة «نيويورك» الذي درس تأثيرات مواقع التواصل الاجتماعي، أن هناك عدة عوامل قد تكون سببا لما يحدث، وهي كالتالي:
أولا، ضخامة حجم «فيسبوك» الذي شكل ما يشبه الملحمة. فالشهر الماضي، أفادت الشركة بأن نحو 1.8 مليار شخص الآن يستخدمون تلك الخدمة كل شهر. ولأن شبكات التواصل تغذي عمليات تبادل التفاعل بين المجموعات، فقوتهم تزداد مع زيادة أعدادهم. وبعدما بات نحو ربع سكان العالم الآن يستخدمون «فيسبوك»، أصبحت الاحتمالات مذهلة.
ومن ضمن التأثيرات الاجتماعية ما يطلق عليه شيركي «تغيير نافذة أوفرتون»، وهو المصطلح الذي ابتكره الباحث جوسيف أوفرتون في وصفه لنطاق الأشياء التي يعتبرها الإعلام التقليدي مقبولة شعبيا ومن الممكن مناقشتها.
ومنذ أوائل الثمانينات حتى بداية العقد الماضي، لم يكن يروق للساسة قبول الأفكار التي يراها غالبية المجتمع خارج التفكير الجمعي، مثل الدعوات الصريحة للتحيز العنصري (رغم بعض الاستثناءات التي شهدناها في حالات مثل إعلانات ويلي هورتون)، غير أن الإنترنت غيرت تلك النافذة.
وفي ذات السياق أفاد شيركي: «لم يكن التحيز للعرق الأبيض واضحا بسبب الجهل بنطاق التعددية. فكل شخص كان يجلس في غرفته وحيدا أمام شاشة التلفزيون يصرخ في المهاجرين، أو من كان يريد القول إن المسيحيين البيض أكثر ولاء لوطنهم من غيرهم من الأميركيين، لم يكن لديهم علم بعدد من يشاركونهم نفس الآراء».
لكن بفضل الإنترنت، أصبح كل صاحب رؤية معيبة في السابق يرى أنه ليس وحده من يرى ذلك. وعندما تقابل هؤلاء الناس، أصبحوا قادرين على أن يفعلوا شيئا ما، وعلى تبادل الأفكار والتعليقات والكلمات القادرة على تعزيز رؤياهم ثم الانطلاق بها لتشكل تيارا سائدا. كذلك أصبحت مجموعات الإنترنت أهدافا جاهزة للساسة مثل ترامب، ممن يدركون طاقتهم وحماسهم ويعتمدون عليها لتحقيق الانتصارات في العالم الحقيقي. ويشير شيركي إلى أن «نافذة أوفرتون» لا تتحرك إلى اليمين فقط، إذ إننا نراها تتحرك لليسار أيضا. فكانت الحملة موجهة لمنصة المناهضين لحي المال «وول ستريت»، وهو أمر ما كان ليتخيله أحد بالنسبة لديمقراطي حتى عقد واحد مضى.
والآن، وبعد خسارة كلينتون، فإن الطريق لتقدم الديمقراطية سوف يحدده في الغالب مستخدمو «فيسبوك» كما ستحدده الصفوة في واشنطن. ونتيجة لذلك، فغالبا سنرى مرشحين غير متوقعين ومواقف سياسية غريبة أكثر مما اعتدنا في الماضي، وستكون النتيجة هي مزيد من الأحداث غير المسبوقة. أضاف شيركي: «بكل تأكيد سنرى كثيرا من المرشحين المتمردين، وكثيرا من التأثيرات الاجتماعية».
فترامب ليس سوى قمة جبل الجليد، ولننتظر جميعا أوقاتا مسلية مقبلة.

* خدمة «نيويورك تايمز»



السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».